Indexed OCR Text

Pages 1141-1160

١١٤١
كتاب الصيام
باب من أكل ناسياً (١)
قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من نسي وهو [١٢٦/ ب] صائم فأكل أو
شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه))(٢).
وعند البخاري: ((فأكل وشرب))(٣).
وروى الدارقطنى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم: ((إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً، فإنما هو رزق (٤)
(١) سنن أبي داود ٧٨٩/٢ - ٧٩٠، الباب رقم: (٣٩).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٧٦/٣ -٢٧٧.
عند حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم، فقال: ((الله أطعمك وسقاك)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ١٨٣/٤ -١٨٤ مع الفتح في كتاب الصوم،
٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً.
ومسلم في صحيحه ٨٠٩/٢ في كتاب الصيام، ٣٣ - باب أكل الناسي وشربه
وجماعه لا يفطر.
والترمذي في جامعه ١٠٠/٣ في كتاب الصوم، ٢٦ - باب ما جاء في الصائم
یأکل أو یشرب ناسياً. وقال: "حسن صحيح".
وابن ماجه في سننه ١/ ٥٣٥ في كتاب الصيام، ١٥ - باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً.
(٢) وهذا لفظ مسلم. وقد سبق تخريجه.
(٣) وهو ما سبق تخريجه.
(٤) في المطبوع: رزق الله.

١١٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ساقه الله إليه ولا قضاء عليه)). قال (١): هذا إسناد صحيح وكلهم
ثقات(٢).
وفي طريق أخرى: ((لا قضاء عليه ولا كفارة))، قال: وهو (٣)
صحيح أيضاً(٤).
(١) في المطبوع: وقال.
(٢) سنن الدارقطني ٢/ ١٧٨.
(٣) في المطبوع: وهذا.
(٤) سنن الدار قطني ١٧٨/٢، إلا أنه قال عقب الحديث: تفرد به محمد بن مرزوق
-وهو ثقة- عن الأنصاري.

١١٤٣
:
كتاب الصيام
باب تأخير قضاء رمضان(١)
قال المنذري: واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر فقال جماعة
من الصحابة والتابعين يقضي ويطعم لكل (٢) يوم مسكيناً (٣) (٤)
قال ابن القيم: وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة(٥)،
(١) سنن أبي داود ٢/ ٧٩٠- ٧٩١، الباب رقم: (٤٠).
عند حديث عائشة رضي الله عنها تقول: ((إن كان ليكون عليّ الصوم من
رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٢/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٤٠- باب
متى يُقضى قضاء رمضان؟.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٠٢-٨٠٣ كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان.
والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٠٥ في كتاب الصيام، ٦٤ - وضع الصيام عن الحائض.
وابن ماجه في سننه ١/ ٥٣٣ في كتاب الصيام، ١٣ - باب ما جاء في قضاء رمضان.
(٢) في المطبوع: كل.
(٣) كلام المنذري هذا غير موجود في المطبوع من مختصره لسنن أبي داود، والذي
كان من المفترض وجوده في ٢٧٨/٣-٢٧٩.
(٤) علق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "هذا الذي نقله ابن القيم عن المنذري ليس
في النسخة التي بين أيدينا" ا. هـ تعليق الشيخ.
(٥) رواه عنهم: عبد الرزاق في مصنفه ٢٣٤/٤-٢٣٦، والدارقطني في سننه
١٩٦/٢-١٩٧.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٥٣/٤ عن ابن عباس وأبي هريرة.
كما رواه عبد الرزاق ٢٣٥/٤ عن عمر بن الخطاب.

١١٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي(١)، والإمام أحمد (٢)،
والشافعي(٣)، ومالك(٤)، وإسحاق(٥).
وقال جماعة: يقضي ولا فدية عليه، وهذا يروى عن الحسن
وإبراهيم النخعي(٦)، وهو مذهب أبي حنيفة(٧).
وقالت طائفة منهم قتادة(٨): يطعم ولا يقضي.
ووقع في الصحيحين في هذا الحديث: ((الشغل برسول الله
صلى الله عليه وسلم أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (٩).
(١) انظر ذلك عنهم في: معالم السنن للخطابي ١٠٥/٢، والمغني لابن قدامة
٤/ ٤٠٠، واختلاف الفقهاء للمروزي ص: ٢٠٦.
(٢) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ٤/ ٤٠٠، والمبدع ٤٦/٣.
(٣) انظر لمذهب الشافعية: روضة الطالبين ٣٨٤/٢، والمهذب ١/ ١٨٧.
(٤) انظر لمذهب المالكية: التمهيد ١٤٩/٢٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي
١٩٠/٢.
(٥) انظر: مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٧١٧.
(٦) رواه سعيد بن منصور عنهما، كما في فتح الباري ٢٢٣/٤، وتغليق التعليق
١٨٧/٣.
(٧) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٢/ ٣٠٧، والمبسوط ٧٧/٣.
(٨) رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه ٢٣٥/٤.
(٩) صحيح البخاري ٢٢٢/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٤٠- باب متى يُقضى
قضاء رمضان.
وصحيح مسلم ٢/ ٨٠٣ في كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان.

١
كتاب الصيام
١١٤٥
ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام يحيى بن
سعيد، بيّن (١) ذلك البخاري في صحيحه قال: "وقال يحيى الشغل
من النبي، أو بالنبي صلى الله عليه وسلم"(٢).
وفي لفظ: "قال يحيى: فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله
صلى الله عليه وسلم"(٣).
وفي الصحيحين عن عائشة أيضاً قالت: ((إن كانت إحدانا
لتفطر في رمضان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر
أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي
شعبان))(٤).
(١) في المطبوع: قد بين.
(٢) صحيح البخاري ٢٢٢/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٤٠- باب متى يُقضى
قضاء رمضان.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٨٠٣ في كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان.
(٤) صحيح مسلم ٢/ ٨٠٣ في كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان.
ولم أجده في صحيح البخاري. والله أعلم.

١١٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب من مات وعليه صيام(١)
قال الحافظ شمس الدين: وعن ابن عباس قال إذا مرض
الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح، أطعم عنه ولم يكن عليه
قضاء، وإن نذر قضی عنه وليه(٢).
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ((جاءت امرأة إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت
(١) سنن أبي داود ٢/ ٧٩١- ٧٩٢، الباب رقم: (٤١). وترجمة الباب فيه: باب
فیمن مات وعليه صيام.
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٧٩/٣ - ٢٨٠.
وذكر أبو داود في هذا الباب حديثاً وأثراً.
- أما الحديث فهو حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من
مات وعليه صيام صام عنه وليه)».
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٦/٤-٢٢٧ مع الفتح، في كتاب الصوم،
٤٢-باب من مات وعليه صوم.
ومسلم في صحيحه ٨٠٣/٢ في كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام عن
الميت.
- وأما الأثر فهو قول ابن عباس: ((إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات، ولم
يَصُم أُطعم عنه ولم یکن علیه قضاء، وإن كان علیه نذر قضی عنه وليه)».
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١٠١.
(٢) هو الأثر السابق ذكره عن ابن عباس، حيث أشار محقق سنن أبي داود أنه
جاء في نسخة (ولم يصح) مكان (ولم يصم).

١١٤٧
كتاب الصيام
وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك
دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن
أمك)). هذا لفظ مسلم(١)، ولفظ البخاري نحوه (٢).
وفي الصحيحين عنه أيضاً أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول
الله إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين، وذكر الحديث
بنحوه(٣).
وفي صحيح مسلم عن بريدة قال: ((كنت جالساً عند النبي
صلى الله عليه وسلم إذ أنته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي
بجارية، [١/١٢٧] وإنها ماتت. قال: وجب أجرك وردها عليك
(١) صحيح مسلم ٢/ ٨٠٤ في كتاب الصيام، ٢٧ -باب قضاء الصيام عن الميت.
(٢) صحيح البخاري ٢٢٧/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٤٢- باب من مات
وعليه صوم.
(٣) صحيح البخاري ٢٢٧/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٤٢- باب من مات
وعليه صوم، معلقاً. بلفظ: ((قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أختي
ماتت))، ولم يذكر تمام اللفظ من رواية أبي خالد الأحمر.
ووصله مسلم في صحيحه ٢/ ٨٠٤، في كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام
عن الميت. إلا أنه لم يذكر لفظه.
وقد أخرجه موصولاً وذكر لفظه:
الترمذي في جامعه ٩٥/٣- ٩٦ في كتاب الصوم، ٢٢ - باب ما جاء في الصوم
عن الميت، وقال: "حديث حسن صحيح".

١١٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الميراث. قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم
عنها؟ قال: صومي عنها. قالت: يا رسول الله إنها لم تحج، أفأحج
عنها؟ قال: حجي عنها))(١).
قال البيهقي: فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت(٢).
وقال الشافعي في القديم: قد ورد في الصوم عن الميت
شيء، فإن كان ثابتاً صيم عنه كما يحج عنه (٣).
وقال في الجديد: فإن قيل: فهل روي أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمر أحداً أن يصوم عن أحد؟
قيل: نعم، روي عن ابن عباس.
فإن قيل: لم لا تأخذ به؟
قيل: حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم: نذر نذراً ولم يسمه (٤)، مع حفظ الزهري
وطول مجالسته(٥) عبيد الله لابن عباس فلما جاء غيره عن رجل عن
(١) صحيح مسلم ٢/ ٨٠٥ في كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت.
مع بعض الفرق البسيط في عدة كلمات.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥٦/٤.
(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢٥٦/٤، ومعرفة السنن والآثار ٤٠٢/٣.
(٤) سيأتي تخريجه قريباً إن شاء الله.
(٥) في المطبوع: مجالسة. وهي كذلك في اختلاف الحديث.

١١٤٩
كتاب الصيام
ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظاً(١).
وأراد الشافعي(٢) ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبيد
الله بن عبد الله أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: ((إن أمي ماتت وعليها نذر فقال النبي صلى الله عليه
وسلم اقضه عنها))(٣).
وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك وغيره عن الزهري
إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((أن امرأة سألت))(٤).
وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد
عن ابن عباس، وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن
ابن عباس: ((أن امرأة سألت))(٥).
ورواه عكرمة عن ابن عباس(٦).
(١) كلام الشافعي هذا الذي ذكره البيهقي هو في اختلاف الحديث ص: ٢٨٩.
(٢) الكلام ما زال مستمراً للبيهقي.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ٥/ ٤٥٧ مع الفتح في کتاب الوصایا، ١٩ -باب ما
يُستحب لمن تُوفي فُجاءة أن یتصدقوا عنه.
ومسلم في صحيحه ٣/ ١٢٦٠ في كتاب النذر، ١ -باب الأمر بقضاء النذر.
(٤) وقد سبق تخريجه.
(٥) وقد سبق تخريجه أيضاً.
(٦) علّقه البخاري في صحيحه ٢٢٧/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٤٢- باب
من مات وعليه صوم.
=

١١٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم(١).
فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال [عن
الصوم] (٢) نصاً، غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن
النذر مطلقاً، كيف وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه
وسلم بإسناد صحيح النص في (٣) جواز الصوم عن الميت(٤)؟!
قال(٥): وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس،
بما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى
عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ((لا يصوم أحد عن أحد ويطعم
عنه)) (٦)، وبما روي عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر
رمضان، وصيام شهر النذر (٧).
=
ووصله ابن خزيمة في صحيحه ٢٧١/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥٦/٤.
وقال الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة: في إسناده ضعف.
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) ما بين المعقوفين من سنن البيهقي، وهي زيادة لا بدّ منها.
(٣) في المطبوع: على.
(٤) وهو حديث عائشة الذي سبق تخريجه في أول الباب رقم (٤١).
(٥) أي البيهقي.
(٦) رواه النسائي في السنن الكبرى ١٧٥/٢.
وصححه ابن حجر في الدراية ٢٨٣/١.
(٧) وقد سبق تخريجه في أول الباب.

١١٥١
كتاب الصيام
وضعّف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها
الصوم، قالت: ((يطعم عنها))، وفي رواية عنها: ((لا تصوموا عن
موتاكم وأطعموا عنهم)) (١).
قال: وليس فيما ذكروا ما يوجب (٢) للحديث ضعفاً، فمن
يجوّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه.
وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر (٣)،
والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً وأشهر رجالاً، وقد أودعها
صاحبا الصحيح كتابيهما(٤)، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها
وتظاهرها، لم يخالفها إن شاء الله [١٢٧/ ب].
(١) لم أجده في غير السنن الكبرى للبيهقي هكذا معلقاً.
وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري ٢٢٨/٤، والزرقاني في شرحه ٢٤٨/٢،
والمباركفوري في تحفة الأحوذي ٣٣٥/٣ أن البيهقي أخرجه.
قلت: فلعله أسنده في الخلافيات له. والله أعلم.
وذكر الشوكاني في نيل الأوطار ٣٢٠/٤ أن عبد الرزاق أخرجه.
قلت: ولم أقف عليه في المصنف.
وعلى كلٍ فقد ضعفه النووي في المجموع ٣٧١/٦. وقال ابن حجر في فتح
الباري ٤ /٢٢٨: "ضعيف جداً".
(٢) في المطبوع: يوجد.
(٣) وقد سبق أن النووي وابن حجر ضعفا الرواية عنها أيضاً.
(٤) وقد سبق تخريجه.

١١٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وممن رأى جواز الصيام عن الميت: طاووس والحسن البصري
والزهري وقتادة(١)، آخر كلام البيهقي(٢).
اختلف(٣) أهل العلم فيمن مات وعليه صوم، هل يقضى
عنه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه (٤) لا يُقضى عنه بحال لا في النذر ولا في الواجب
الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي(٥)، ومذهب مالك(٦)، وأبي
حنيفة وأصحابه(٧) .
الثاني: أنه يصام عنه فيهما. وهذا قول أبي ثور(٨)، وأحد
قولي الشافعي (٩).
(١) رواه عن الزهري وطاووس: عبد الرزاق في مصنفه ٢٣٩/٤-٢٤٠.
وذكره عنهم كلهم: النووي في المجموع ٦/ ٣٧٢.
وروى عبد الرزاق عنهم جميعاً ما يخالف ذلك في: المصنف ٢٣٧/٤-٢٣٩.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢٥٦/٤-٢٥٧.
(٣) في المطبوع: وقد اختلف.
(٤) ساقطة من المطبوع.
(٥) انظر لمذهب الشافعية: المجموع ٣٦٨/٦، ٣٧١، وشرح مسلم للنووي ٢٥/٨.
(٦) انظر لمذهب المالكية: المنتقى للباجي ٦٣/٢، والتمهيد لابن عبد البر ٢٧/٩.
(٧) انظر لمذهب الحنفية: الهداية ١/ ١٢٧.
(٨) ذكره عنه: النووي في شرح مسلم ٢٥/٨ وابن عبد البر في التمهيد ٢٨/٩، وابن
قدامة في المغني ٤ /٣٩٨، ٣٩٩.
(٩) وهو القول القديم. انظر: المجموع للنووي ٣٦٨/٦، ٣٧١.

١١٥٣
كتاب الصيام
والثالث: (١) يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا
مذهب أحمد المنصوص عنه (٢)، وقول أبي عبيد والليث بن سعد(٣)،
وهو المنصوص عن ابن عباس (٤).
روى الأثرم عنه أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم
شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: أما رمضان فليطعم عنه، وأما
النذر فيصام(٥).
وهذا أعدل الأقوال. وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول
الإشكال.
وتعليل حديث ابن عباس بأنه قال: ((لا يصوم أحد عن أحد
ويطعم عنه))(٦)، فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي، وأما النذر فيصام
عنه كما صرح به ابن عباس ولا معارضة بين فتواه وروايته.
(١) في المطبوع: الثالث أنه.
(٢) انظر لمذهب الحنابلة: مسائل أبي داود ص: ٩٦، والمغني ٣٩٨/٤-٣٩٩.
(٣) ذكره عن أبي عبيد والليث: ابن عبد البر في التمهيد ٢٨/٩، وابن قدامة في
المغني ٣٩٨/٤، ٣٩٩.
(٤) كما سبق في أول الباب.
(٥) وروى عنه ما يوافق هذه الرواية: ابنه عبد الله في مسائله ٦٤١/٢- ٦٤٢،
وابنه صالح في مسائله ١٨٩/٢، وأبو داود في مسائله ص: ٩٦، والكوسج في
مسائله المسألة رقم: ٦٨٨، وابن هانئ في مسائله ٧٩/٢.
(٦) وقد سبق تخريجه.

١١٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان
وصوم النذر، فرق بينهما، فأفتى بالإطعام في رمضان وبالصوم عنه
في النذر (١)، فأي شيء في هذا ما يوجب تعليل حديثه؟!
وكذلك(٢) ما (٣) روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت
وعليها الصوم أنه يطعم عنها إنما هو في الفرض لا في النذر، لأن
الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في
قضاء رمضان ولا يصام(٤)، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس
سواء، فلا تعارض بين رأیها وروايتها.
وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى
الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجباً
بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي
استدانه وهذا شبهه النبي صلی الله علیه وسلم بالدين في حديث ابن
عباس. والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر والدين تدخله النيابة.
وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان
الإسلام، فلا يدخله النيابة بحال كما لا يدخل الصلاة والشهادتين.
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) في المطبوع: وما.
(٤) وقد سبق تخريجه.

١١٥٥
كتاب الصيام
فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خلق
لها وأمر بها، وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، كما لا يسلم عنه غيره
ولا يصلي عنه غيره.
وهكذا من ترك الحج عمداً، مع القدرة عليه حتى مات، أو
ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات.
فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد
الموات (١)[١٢٨/أ] لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن
يتبع.
وسرّ الفرق أن النذر التزام من (٢) المكلف لما شغل به ذمته لا
أن الشارع ألزمه به ابتداءً، فهو أخفّ حكماً مما جعله الشارع حقاً
له علیه شاء أم أبى.
والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تَقبل أن
يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنها
على قدر طاقة البدن لا تجب على عاجز.
فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي لأن المكلف
متمكن من إيجاب واجبات كثيرة عليه (٣) لم يوجبها عليه الشارع،
(١) في المطبوع: الموت.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) في المطبوع: على نفسه.

١١٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والذمة واسعة وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب
الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في
واجب الشرع.
وهذا يُبيّن أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علماً، وأعرفهم
بأسرار الشرع ومقاصده و حکمه. وبالله التوفيق.

١١٥٧
كتاب الصيام
باب اختیار الفطر(١)
ذكر ((ليس من البر الصوم في السفر))(٢).
قال الشيخ شمس الدين: وقد احتج به من يوجب الفطر
في السفر.
واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر
الرسول الله صلی الله عليه وسلم(٣).
واحتجوا أيضاً: بحديث دحية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر
من قريته في رمضان، وذلك ثلاثة أميال أفطر، فأفطر معه الناس،
(١) سنن أبي داود ٧٩٦/٢، الباب رقم: (٤٣).
ومختصر سنن أبي داود ٢٨٤/٣ -٢٨٥.
(٢) هو حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً
يُظلّل عليه والزحام عليه، فقال: ((ليس من البر الصيام في السفر)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢١٦/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٣٦-باب
قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظُلل عليه ....
ومسلم في صحيحه ٧٨٦/٢ في كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر
في شهر رمضان للمسافر ... .
والنسائي في المجتبى ٤ /٤٨٦ كتاب الصيام، ٤٧-العلة التي من أجلها قيل ذلك ....
(٣) رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٨٤، ٧٨٥، في كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز
الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ... من كلام الزهري.

١١٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت أمراً ما
كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك:
اللهم اقبضني إليك. رواه أبو داود وغيره(١).
واحتجوا أيضاً: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبول
رخصة الفطر، فروى النسائي من حديث جابر يرفعه ((ليس من
البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم
فاقبلوها)»(٢).
واحتجوا أيضاً: بقوله صلى الله عليه وسلم في الذين صاموا
((أولئك العصاة))، رواه النسائي في قصة فطره عام الفتح(٢).
واحتجوا أيضاً: بقول عبد الرحمن بن عوف: ((الصائم في
(١) رواه أبو داود في سننه ٢/ ٨٠٠- ٨٠١ في كتاب الصوم، ٤٦- باب قدر مسيرة
ما يفطر فيه. وسيأتي في موضعه.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٢٢.
(٢) سنن النسائي المجتبى ٤٨٦/٤-٤٨٧ في كتاب الصيام، ٤٧-العلة التي من
أجلها قيل ذلك ... .
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢١٣٢.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٤/ ٤٨٨ في كتاب الصيام، ٤٩-ذكر اسم الرجل.
والحديث رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٨٥ في كتاب الصيام، ١٥ -باب جواز
الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ... .

١١٥٩
كتاب الصيام
السفر كالمفطر في الحضر))، رواه النسائي(١)، ولا يصح رفعه وإنما
هو موقوف(٢).
واحتجوا أيضاً: بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام
أخر (٣)، فهي فرضه الذي أمر به فلا يجوز غيره.
وحُكي ذلك عن غير واحد من الصحابة (٤).
وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم
الصوم في السفر على الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع
النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح [١٢٨/ ب] في السفر(6).
(١) سنن النسائي المجتبى ٤٩٤/٤، ٤٩٥، في كتاب الصيام، ٥٣-ذكر قوله الصائم
في السفر كالمفطر في الحضر.
وصححه الألباني موقوفاً في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
(٢) رواه مرفوعاً: ابن ماجه في سننه ١/ ٥٣٢ في كتاب الصيام، ١١ - باب ما جاء في
الإفطار في السفر. وقال عنه الألباني في السلسلة الضعيفة ٥٠٥/١: "منكر".
(٣) قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(٤) روي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن عباس وأبي قرصافة رضي الله
عنهم أنهم أمروا بالقضاء لمن صام في السفر، وأن ذلك لا يجزيهم.
انظر: مصنف عبد الرزاق ٤/ ٢٧٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٨١/٢، ٢٨٢،
وشرح معاني الآثار ٦٣/٢.
(٥) رواه مسلم في صحيحه ٧٨٩/٢ في كتاب الصيام، ١٦ - باب أجر المفطر في
السفر إذا تولى العمل.

١١٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قالوا: وأما قوله: ((ليس من البر الصيام في السفر)) فهذا
خرج على شخص معين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
ظلل عليه وجهده الصوم، فقال هذا القول، أي ليس البر أن يجهد
الإنسان نفسه حتى يبلغ فيها هذا المبلغ، وقد فسح الله له في الفطر،
فالأخذ(١) بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس
من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر.
وأيضاً: فقوله: ((ليس من البر)) أي ليس هو أبر البر، لأنه قد
يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه، وقد
يكون الفطر في السفر المباح برأ، لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه،
وهو سبحانه يجب أن يؤخذ برخصه (٢) وما يحبه الله فهو برّ فلم
ينحصر البر في الصيام في السفر.
وتكون "من" على هذا زائدة، ويكون كقوله تعالى: ﴿﴿لَيْسَ
الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾(٣)، وكقولك: ما جاءني من أحد، وفي
هذا نظر.
(١) في المطبوع: فالأخذ إنما يكون.
(٢) روى أحمد في مسنده ١٠٨/٢ عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تُؤتی رخصه، کما یکره أن تُؤتی معصيته)».
وصححه الألباني في إرواء الغليل ٩/٣.
(٣) سورة البقرة الآية رقم: ١٧٧.