Indexed OCR Text
Pages 1121-1140
١١٢١ كتاب الصيام باب من أصبح جنباً في شهر رمضان(١) قال الشيخ شمس الدين: اختلف السلف في هذه المسألة: (١) سنن أبي داود ٧٨١/٢ - ٧٨٣، الباب رقم: (٣٦). وترجمة الباب فيه: باب فیمن أصبح جنباً في شهر رمضان. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٦٥/٣-٢٦٨. وقد ذکر أبو داود في هذا الباب: - حديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً -قال عبد الله الأذرمي في حديثه :- في رمضان من جماع غير احتلام، ثم يصوم)). وأخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ١٧٠ مع الفتح في كتاب الصوم، ٢٢ -باب الصائم يصبح جنباً. ومسلم في صحيحه ٧٧٩/٢ - ٧٨٠ في كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. - حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنباً، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم». فقال الرجل: يا رسول الله، إنك لست مثلنا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع». وأخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٨١ في كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، نحوه. ١١٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فذهب بعضهم إلى إبطال صومه إذا أصبح جنباً، واحتجوا بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول في قَصَصِه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصوم(١). واختلفت الرواية عن أبي هريرة: فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه(٢). وعنه رواية ثانية: أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يصبح؛ فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح؛ فهو صائم(٣). وروي هذا المذهب عن طاوس (٤) وعروة بن الزبير (٥). وذهبت طائفة إلی أن الصوم إن كان فرضاً لم يصح، وإن كان نفلاً صح. وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري (٦). (١) صحيح مسلم ٢/ ٧٧٩ في كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. (٢) كما سبق. (٣) ذكرها عنه: ابن عبد البر في التمهيد ٤٢٤/١٧. (٤) ذكره عنه: ابن عبد البر في التمهيد ٤٢٤/١٧، وابن قدامة في المغني ٤/ ٣٩٢. (٥) رواه عنه: عبد الرزاق في مصنفه ١٨٢/٤. (٦) ذكره عن إبراهيم النخعي: ابن عبد البر في التمهيد ٤٢٤/١٧، وابن قدامة في المغني ٤/ ٣٩٢، والخطابي في معالم السنن ٩٩/٢. وذكره عن الحسن البصري: ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٤٢٤. ١١٢٣ كتاب الصيام وعن أبي هريرة رواية ثالثة: أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة(١). وذهب الجمهور (٢) إلى صحة صومه مطلقاً في الفرض والنفل، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ (٢). واستشكل(٤) طائفة ثبوت النسخ، وقالت: شرط الناسخ أن يعلم تأخّره بنقل، أو (٥) تجمع الأمة على ترك الخبر المعارض له، (١) وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٨٠ في كتاب الصوم، ١٣ -باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. فقد جاء فيه: ((قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك)). (٢) وهو مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم. انظر: بدائع الصنائع ٩٢/٢، والتمهيد لابن عبد البر ٤٢٤/١٧، والمهذب ١٨١/١، والمغني ٣٩١/٤. (٣) قال البيهقي في السنن الكبرى ٢١٥/٤: "وروينا عن أبي بكر بن المنذري أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولاً على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرماً على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله عز وجل الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل [أن] يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه". وذكر نحوه الخطابي في معالم السنن ٩٩/٢. (٤) في المطبوع: واستشكلت. (٥) في المطبوع: أو بأن. ١١٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فيُعلم أنه منسوخ، وكلا الأمرين منتفٍ ههنا، فمن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدم على خبر عائشة؟ والجواب عن هذا: أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال الصوم بذلك؛ لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنباً، ثم يصوم، [١٢٤/ ب] ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة، ولم يحتج أزواجه بفعله الذي کان یفعله ثم نسخ. ومحال أن يخفى هذا عليهن، فإنه كان يقسم لهنّ(١) إلى أن مات في الصوم والفطر. هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: «كان أبو هريرة يقول في قصصه)) حسب(٢). وفي الحديث أن أبا هريرة لما حوقق على ذلك رده إلى الفضل ابن عباس، فقال: ((سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم)) هذا الذي في مسلم(٣)، وفي لفظ: ((حدثني (١) في المطبوع: بينهن. وهو تحريف. (٢) صحيح مسلم ٧٧٩/٢ في كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. (٣) صحيح مسلم ٢/ ٧٨٠ في كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. ١١٢٥ كتاب الصيام الفضل بن عباس))(١). قال البخاري: وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر))، والأول أسند (٢). ولكن رفعه صحيح؛ رواه سفيان عن عمرو عن(٣) يحيى بن جعدة قال: سمعت عبد الله بن عمرو القاري(٤) قال سمعت أبا هريرة يقول: ((لا ورب هذا البيت، ما أنا قلته، من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد صلى الله عليه وسلم قاله))(٥). ومع هذا فقد روى النسائي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام قال: كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا (١) هذا اللفظ عند البخاري في صحيحه ١٧٠/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٢٢ - باب الصائم يصبح جنباً. (٢) صحيح البخاري ١٧٠/٤ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٢٢ - باب الصائم يصبح جنباً. والأول أسند، أي أنه من كلام أبي هريرة غير مرفوع. (٣) في الأصل: بن. والتصويب من مصادر تخريج الحديث. (٤) في المطبوع: عبد القاري. وهو عبد الله بن عمرو بن عبد القاري، وقد يُنسب إلى جده. انظر: تقريب التھذیب ص: ٥٣٠. (٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٧٦/٢. ورواه عبد الرزاق في مصنفه ١٨٠/٤-١٨١، من طريق ابن جريج عن عمر ابن دینار به نحوه. ٠ ١١٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح فلا يصم ذلك اليوم. قال: اذهب فسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فذهب وذهبت معه، فذكر الحديث، وقال: فأتيت مروان فأخبرته قولهما - يعني أم سلمة وعائشة- فاشتد عليه اختلافهم، تخوفاً أن يكون أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال مروان لعبد الرحمن: عزمت عليك لما أتيته فحدثته أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدثني فلان وفلان(١). ولا ريب أن أبا هريرة، لم يسمع ذلك من النبي صلى الله علیه وسلم. وقال مرة: أخبرنيه الفضل بن عباس (٢). ومرة قال: أخبرنيه أسامة بن زيد(٣). وفي رواية عنه: أخبرنيه فلان وفلان(٤). وفي رواية: أخبرني رجل(٥). (١) السنن الكبرى ١٧٩/٢. (٢) كما سبق. (٣) أخرجها النسائي في السنن الكبرى ١٧٨/٢. (٤) أخرجها النسائي في السنن الكبرى ١٧٩/٢. (٥) لم أقف عليها. ١١٢٧ كتاب الصيام وفي رواية: أخبرنيه مخبر(١). وفي رواية: هكذا كنت أحسب(٢).7 (١) أخرجها: مالك في الموطأ ٢٩٠/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢١٤/٤. • (٢) أخرجها النسائي في السنن الكبرى ١٨١/٢. وروى ابن عبد البر في التمهيد ٤٤/٢٢ أنه قال: ((من كيس أبي هريرة)). (٣) في حاشية المخطوط بعد هذا الكلام، قال الناسخ السعودي: ثم بعد أن كتب الشيخ هذا بخطه، ذكره بعد كلام الحافظ المنذري، وهو مطول في حاشية المنذري، حكى فيه كلام الشافعي والخطابي. ١١٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية کفارة من أتی أهله في نهار رمضان(١) ذكر حديث أبي داود وفيه ((وصُم يوماً))(٢). قال الحافظ شمس الدين: هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم، قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ: قال عبد الحق: وطريق حديث مسلم أصح وأشهر، وليس فيها صم يوماً ولا مكيلة (٣) التمر ولا الاستغفار، [١٢٥/أ] وإنما يصح حديث القضاء مرسلاً، وكذلك ذكره مالك في الموطأ، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب، رواه مالك عن عطاء ابن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقصة، وقال: ((كله وصم يوما مكان ما أصبت))(٤). (٥) (١) سنن أبي داود ٧٨٦/٢، الباب رقم: (٣٧)، وترجمة الباب فيه: باب كفارة من أتى أهله في رمضان. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٧٣/٣، وسكت عنه. (٢) وهو حديث هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان -بهذا الحديث-، قال: فأُتي بعَرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً، وقال فيه: ((كله أنت وأهل بيتك، وصم يوماً، واستغفر الله)). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٠٩٦. (٣) في الأصل: "تكميلة". والمثبت من الأحكام الوسطى. والمقصود منه قوله في الحديث: ((قدر خمسة عشر صاعاً)). والله أعلم. (٤) موطأ مالك ٢٩٧/١، ومن طريقه أخرجه: الشافعي في مسنده ص: ١٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٢٢٧. (٥) الأحكام الوسطى ٢٣١/٢. ١١٢٩ كتاب الصيام والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإن أصحابه الأثبات الثقات كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد(١)، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، وإنما ذكره (٢) الضعفاء عنه كهشام بن سعد (٣)، وصالح (١) أخرجه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، ومنصور، والليث بن سعد، ومعمر، والأوزاعي، سبعتهم عن الزهري. وأخرجه مسلم من طريق ابن عيينه، والليث، وجرير، ومعمر، ومالك، وابن جریج، سنتهم عن الزهري. وأخرجه أبو داود من طريق سفيان، ومالك، ومعمر، ثلاثتهم عن الزهري. وأخرجه الترمذي من طريق سفيان عن الزهري. وأخرجه النسائي في الكبرى من طريق سفيان، وقتيبة، وجرير، ومالك، والليث، ويحيى بن سعيد، وعراك بن مالك، سبعتهم عن الزهري. وأخرجه ابن ماجة من طريق سفيان عن الزهري. انظر: تحفة الأشراف ٣٢٦/٩-٣٢٨. وبقي يونس وعقيل وعبد الرحمن بن خالد؛ أما طريق يونس فأخرجه الدار قطني في سننه. وأما عقيل فأخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وأما عبد الرحمن بن خالد فأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار. انظر: إتحاف المهرة ١٤ / ٤٥٧، ٤٥٩، ٤٦٠. (٢) في المطبوع: ذكرها. (٣) أخرجه من طريقه أبو داود، وهو حديث الباب. ١١٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ابن أبي الأخضر(١)، وأضرابهما. وقال الدارقطنى: رواتها ثقات، رواه ابن أبي أويس عن الزهري، وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه، وتابعه أيضاً هشام بن سعد عنه، قال: وكلهم ثقات (٢). وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة، وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عدداً وهم أربعون نفساً لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أن التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة (١) رواه الدارقطني في العلل ١٠/ ٢٤٠، وليس فيه هذه اللفظة، إنما هو كرواية الجماعة سواء. والله أعلم. وذكر البيهقي في معرفة السنن والآثار ٣٧٣/٣ أن صالح بن أبي الأخضر رواه عن الزهري بمعنى حديث الجماعة، ثم ذكر أن إبراهيم بن سعد وأبو أويس المدني وهشام بن سعد رووه بذكر هذه اللفظة. والله أعلم. (٢) لم أجد كلام الدارقطني هذا هكذا. ورواية ابن أبي أويس أخرجها، البيهقي في السنن الكبرى ٢٢٦/٤. ورواية عبد الجبار بن عمر أخرجها البيهقي في السنن الكبرى أيضاً ٢٢٦/٤. ورواه هكذا إبراهيم بن سعد أيضاً، أخرجها البيهقي في السنن الكبرى أيضاً ٢٢٦/٤. ١١٣١ كتاب الصيام الحديث لا موجبة، بل لا بدّ من انتفاء العلة والشذوذ وهما غير منتفيين في هذه اللفظة(١). ٠٠ وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه: فمذهب مالك(٢)، وأحمد (٣)، وأبي حنيفة(٤)، والشافعي في أظهر أقواله يجب عليه القضاء(٥). وللشافعي قول آخر أنه لا يجب عليه القضاء إذا كفر (٦). وله قول ثالث: أنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى (٧). وهذا قول الأوزاعي(٨). (١) علق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال مُنكِراً: "وأين ما اتفقوا عليه أو رجحوا: أن زيادة الثقة مقبولة؟!" ا. هـ تعليق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. (٢) انظر لمذهب المالكية: الكافي ص: ١٢٤، والتمهيد ١٦٢/٧. (٣) انظر لمذهب الحنابلة: المغني ٣٧٢/٤، والإنصاف ٣١١/٣. (٤) انظر لمذهب الحنفية: الهداية ١٢٤/١، وبدائع الصنائع ٩٧/٢ -٩٨. (٥) انظر لمذهب الشافعية: التنبيه ص: ٦٦، والمهذب ١٨٣/١. (٦) انظر لقول الشافعي هذا: المجموع للنووي ٣٣١/٦ طبعة دار الفكر. (٧) انظر لقول الشافعي هذا: المجموع للنووي ٣٣١/٦، طبعة دار الفكر. (٨) ذكره عن الأوزاعي: ابن قدامة في المغني ٤/ ٣٧٢، والخطابي في معالم السنن ١٠١/٢. ٠ ١١٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم ذكر حديث ((هلكت وأهلكت))(١)، ثم استبعد المنذري هذه اللفظة (٢)، وساق عن البيهقي كلاماً ثم قال: وساق الشاهد على ضعفها(٣)، فذكر الحافظ ابن القيم كلام البيهقي بنصه، فقال: قال البيهقي: قوله: ((وأهلكت)) ليس بمحفوظ، وضعفها شيخنا أبو عبد الله الحافظ، وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني(٤)، قال: فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها، والعباس بن الوليد رواه عن عقبة بن علقمة دونها ودحيم وغيره، رووه عن الوليد بن مسلم دونها وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري عن الزهري، إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري(٥). (١) أخرجه: الدارقطني في سننه ٢٠٩/٢ -٢١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٢٢٧. ولم يخرّج هذا الحديث أبو داود، فلعل المنذري ذكره واستبعده. والله أعلم. (٢) ليس في المطبوع من مختصر المنذري ٢٧٤/٣-٢٧٥ هذا الاستبعاد، فلعله ساقط. والله أعلم. (٣) لا يوجد كلام المنذري هذا في المطبوع !! والذي كان من المفترض وجوده في ٢٧٤/٣-٢٧٥. (٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٢٧/٤ من طريقه. (٥) رواه الدارقطني في سننه ٢٠٩/٢ -٢١٠. ١١٣٣ كتاب الصيام قال: وكان أبو عبد الله أيضاً يستدل على كونها في تلك الرواية خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط [١٢٥/ ب] مشهور، فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها(١). ثم قال الشيخ شمس الدين: وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: ((أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره، رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً))، ثم ذكر الحديث(٢). وحسبك بهذا الإسناد، وفيه أمران: أحدهما: وجوب الكفارة بأي مفطر كان. والثاني: أنها على التخيير. وهو مذهب مالك في المسألتين (٣). قال البيهقي: ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء ناقلة(٤) للفظ صاحب الشرع فهي أولى بالقبول لزيادة حفظهم (١) انظر نحو كلام البيهقي هذا في السنن الكبرى ٢٢٧/٤-٢٢٨. (٢) الموطأ ٢٩٦/١. (٣) انظر: كفاية الطالب ٥٧١/١-٥٧٣، والفواكه الدواني ٣١٤/١. (٤) في المطبوع: نافلة. وهو خطأ مطبعي. ١١٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وأدائهم الحديث على وجهه، واتفقت روايتهم على أن فطره كان بجماع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب(١). وقال أبو الحسن الدارقطنى: الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير: مالك في الموطأ ويحيى بن سعيد الأنصارى وابن جريج وعبد الله بن أبي بكر وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي ويزيد بن عياض(٢) وشبل بن عباد والليث بن سعد، من رواية أشهب بن عبد العزيز عنه [وابن عيينة من رواية نعيم ابن حماد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية عمار بن مطر عنه](٣) (١) في السنن الكبرى للبيهقي ٢٢٤/٤ توجد العبارة من قوله: "واتفقت روايتهم ... " الخ. (٢) في المطبوع جاء هذا الاسم هكذا: ونذير بن عياض. لذا علق الشيخ أحمد شاكر عليه فقال: "هذا اسم محرف، لم أصل إلى تحقيق صوابه" .ا. هـ تعليق الشيخ أحمد شاكر. قلت: رحم الله الشيخ رحمة واسعة، لو رجع إلى سنن الدارقطني لوجد الاسم فيه: يزيد بن عياض. وهو كذلك في المخطوط، إلا أنه تصحّف عليه فقرأ (نذیر) وهو (یزید). وهو: يزيد بن عياض بن جُعدبة الليثي أبو الحكم، ترجم له في تهذيب التهذيب ٣٥٢/١١-٣٥٤، وهو متهم بالكذب متروك. (٣) ما بين المعقوفين استدركته من سنن الدارقطني. ١١٣٥ كتاب الصيام وعبيد الله ابن أبي زياد، إلا أنه أرسله(١) عن الزهري. كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان وجعلوا كفارته على التخيير (٢). قال(٣): وخالفهم أكثر عدداً منهم، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجل كان يجماع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، منهم عراك بن مالك وعبيد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ومعمر ويونس وعقيل وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والأوزاعي وسعيد ابن أبي حمزة ومنصور بن المعتمر وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد والليث بن سعد وعبد الله بن عيسى ومحمد بن إسحاق والنعمان بن راشد وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر ومحمد ابن أبي حفصة وعبد الجبار بن عمر وإسحاق بن يحيى العَوصي(٤) (١) في المطبوع: أرسل. (٢) سنن الدار قطني ٢٠٩/٢. (٣) أي الدار قطني. (٤) علق الشيخ أحمد شاكر هنا فقال: "العوصي بفتح العين المهملة وسكون الواو، نسبة إلى (عوص) ا. هـ تعليق الشيخ أحمد شاكر. ١١٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وهبّار(١) بن عقيل وثابت بن ثوبان وقرة بن عبد الرحمن وزمعة بن صالح وبحر السقاء(٢)، والوليد بن محمد وشعيب بن خالد ونوح بن أبي مريم وغيرهم، [١٢٦ / أ] آخر كلامه(٣). ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب، وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه: أحدها: أن رواتها أكثر، وإذا قدر التعارض رجح(٤) برواية الأكثر اتفاقاً، وفي الشهادة بخلاف معروف. الثاني: أن رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر المفطّر وأنه الجماع، وحكوا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. (١) في المطبوع: وهمار. وعلّق عليه الشيخ أحمد شاكر فقال: "وكذلك هذا محرّف لم أصل إلى صحته" ا.ه تعليق الشيخ. قلت: رحم الله الشيخ أحمد شاكر رحمة واسعة، وقد جاء هذا الاسم في سنن الدارقطني "هيار بن عقيل" وهو محرف أيضاً، وصوابه: "هبار بن عقيل" كما أثبته في المتن. وقد ترجمه ابن حبان في الثقات ٥٨٩/٧. (٢) في المطبوع: وبحر بن كنيز أبو الوليد السقاء. وهي زيادة توضيح ليست في الأصل، ومكان ذلك التوضيح الحاشية لا الإقحام في الأصل، ودون إشارة. (٣) سنن الدارقطني ٢٠٩/٢. (٤) في المطبوع: رجحنا. ١١٣٧ كتاب الصيام وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر، ولا حكوا أن ذلك من(١) لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من لفظ صاحب القصة، ولا حكوا أيضاً لفظ الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارة. فكيف تُقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الترتيب، ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: ((وقعت على أهلي في رمضان))؟! الثالث: أن هذا صريح، وقوله: ((أفطر)) مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع فتعين الأخذ به. الرابع: أن حرف "أو"، وإن كان ظاهراً في التخيير، فليس بنص فيه وقوله: "هل تستطيع كذا؟ هل تستطيع كذا؟" صريح في الترتيب، فإنه لم يجوّز له الإنتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع، وقوله: ((فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم))، لم يَحْك فيه لفظه. الخامس: أن الأخذ بحديث الترتيب يتضمن العمل بالحديث الآخر، لأنه يفسره ويبين المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا (١) ساقطة من المطبوع. ١١٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يتضمن حديث الترتيب (١)، ولا ريب أن العمل بالنصين أولى. السادس: أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة، سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار (٢)، وحكم النظير حکم نظيره. ولا ريب إن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار، وكفارة القتل(٣) أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين (٤). (١) في المطبوع: (العمل بحديث الترتيب) مكان: (حديث الترتيب)، وهو تحريف لا داعي له. (٢) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نَّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَمْ يَحِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَّاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. [المجادلة: ٣-٤]. (٣) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةً إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصْدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمِ عَدُوِّ لْكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنَّ قَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْئَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِئَةً فَمَن لَمْ يَحِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَّبِعَيْنِ ثَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. [النساء: ٩٢]. (٤) قال تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذْكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ نَحْرِيرُ وَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَحِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةٍ أَيَامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَائِكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. [المائدة: ٨٩]. ١١٣٩ كتاب الصيام باب التغليظ فيمن أفطر عمداً(١) ذكر الحديث ثم قال ابن القيم: وقال الدارقطني: "ليس في (١) سنن أبي داود ٧٨٨/٢-٧٨٩، الباب رقم: (٣٨). ومختصر سنن أبي داود ٢٧٥/٣ -٢٧٦. عند حديث ابن المطوس أو أبي المطوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقضِ عنه صيام الدهر». وأخرجه الترمذي في جامعه ١٠١/٣ في كتاب الصوم، ٢٧ -باب ما جاء في الإفطار متعمداً. وقال: "حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وابن ماجه في سننه ١/ ٥٣٥ في كتاب الصيام، ١٤ -باب ما جاء في كفارة من أفطر يوماً من رمضان. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥١٧-٥١٨. قال المنذري في مختصره ٢٧٦/٣ بعد ذكره الحديث: "وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره البخاري تعليقاً، قال: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه». وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمداً - يعني البخاري- يقول: أبو المطوّس اسمه يزيد بن المطوّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. وقال البخاري أيضاً: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا يعرف له غيره، ولا أدري سمع أبو من أبي هريرة أم لا؟ وقال أبو الحسن علي بن خلف القرطبي: وهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله، وقد صحت الكفارة بأسانيد صحاح، ولا تعارض بمثل هذا الحديث ... "الخ. ١١٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية رواته مجروح"(١)، وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يعرف بجرح ولا عدالة. ويُقال في هذا ثلاثة أقوال:" أبو المطوس وابن المطوس والمطوس، تفرد بهذا الحديث وتفرد به الحديث(٢). قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما انفرد(٣) من الروايات (٤). (١) روى الدارقطني هذا الحديث في سننه ٢/ ٢١١، وليس فيه هذا القول. وذكره أيضاً ثم أسنده في العلل له أيضاً ٢٦٦/٨-٢٧٤، ولم أجد فيه هذا القول أيضاً. (٢) جملة (وتفرد به الحديث) ساقطة من المطبوع. (٣) في المطبوع: انفرد به. (٤) المجروحين من المحدثين لابن حبان ٥١٢/٢-٥١٣.