Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب المناسك وهذه الوجوه بعضها واه وبعضها مقارب: فقول من قال: "المراد به: من حجتك"، بعيد جداً؛ إذ لا يعبر بالعمرة عن الحج، وليس هذا عرف الشرع، ولا يطلق ذلك إلا إطلاقاً مقيداً فيقال: هي الحج الأصغر. وقول من قال:" إنها ظنت أنه صلى الله عليه وسلم كان فسخ العمرة، كما أمر أصحابه ولم يحل كما أحلوا"(١)، فبعيد جداً فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمراً فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة وهي تراه لم يحل. وأما قول من قال: "معناه لم تحلل(٢) بعمرة و"من" بمعنى الباء"، فتعسف ظاهر، وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها. وأما قول من قال: "معناه لم تحلل من العمرة التي أمرت الناس بها"، [٦٤/ أ] ففاسد، فإنه كيف يحل من عمرة غيره، وحفصة = وغيرهما: "وضعفت هذه التأويلات بما في الصحيح عن عمر مرفوعاً: ((وقل عمرة في حجة)». وعن أنس: ((أهل بحج وعمرة))، ولمسلم عن عمران بن حصين: ((جمع بين حجة وعمرة)) ... ". (١) لعل هذا القول ذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود الساقط من المطبوع. (٢) في المطبوع: تحل. ٥٨٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أجلّ من أن تسأل مثل هذا السؤال(١). وأما قول من قال: "إن هذه اللفظة غير محفوظة، ولم يذكرها عبيد الله"، فخطأ من وجهين: أحدهما: أن مالكاً قد ذكرها، ومالك ملك(٢). والثاني: أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضاً، ذكره مسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى حدثنا (٣) يحيى بن سعيد عن عبيد الله، فذكر الحديث وفيه: ((ولم تَحِلّ من عمرتك))(٤). (١) ذكر هذا الرد ابن حزم في كتابه حجة الوداع ص: ٤٤٣. (٢) في المطبوع: مالك. (٣) جملة (محمد بن المثنى حدثنا)، ساقطة من المطبوع. (٤) صحيح مسلم ٢/ ٩٠٢ في كتاب الحج، ٢٥ - باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد. وقد ذكرها غير عبيد الله ومالك: أيوب. قاله ابن عبد البر في التمهيد ١٥/ ٢٩٨. وقال الزرقاني في شرحه ٤٥٩/٢:"وأخرجه البخاري عن موسى بن عقبة، ومسلم عن ابن جريج، والبيهقي عن شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن نافع بدونها". أي بدون لفظة: ((من عمرتك». إلا أن الزيادة هنا مقبولة من الإمام مالك، لمكانه من الحفظ والإتقان، ولمتابعة غيره له. انظر في ذلك كلاماً نفيساً لابن عبد البر في التمهيد ٢٩٨/١٥ -٣٠٠. ٥٨٣ كتاب المناسك وقول من قال: "مروية بالمعنى"، بعيد أيضاً. فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب، وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون في حجة. وأجود منه أن يُقال: المراد بالعمرة المتعة، وقد تقدم أن التمتع يراد به القرآن، والعمرة تطلق على التمتع، فيكون المراد لم تحل من قرانك، وسمته عمرة كما يسمى تمتعاً، وهذه لغة الصحابة كما تقدم، والله أعلم. ٥٨٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم قال(١) عقب قول المنذري: وقد أخرج مسلم في صحيحه(٢): ((كانت المتعة لأصحاب محمد خاصة))(٣). قال ابن القيم: وهذا الحديث قد تضمن أمرين: أحدهما: فعل الصحابة لها، وهو بلا ريب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا رواية. والثاني: اختصاصهم بها دون غيرهم، وهذا رأي. (١) سنن أبي داود ٣٩٩/٢ في كتاب الحج، ٢٥- باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، عند حدیث سُلیم بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٨٩٧ في كتاب الحج، ٢٣- باب جواز التمتع. والنسائي في المجتبى ١٩٧/٥ في كتاب المناسك، ٧٧- إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي. وابن ماجة في سننه ٩٩٤/٢ في کتاب المناسك، ٤٢-باب من قال كان نسخ الحج لهم خاصة. كلهم من حديث يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((كانت المتعة في الحج لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة)). هذا لفظ مسلم. (٢) صحيح مسلم ٢/ ٨٩٧ في كتاب الحج، ٢٣ - باب جواز التمتع. (٣) مختصر سنن أبي داود ٣٣٠/٢. ٥٨٥ كتاب المناسك فروايته حجة، ورأيه غير حجة وقد خالفه فيه: عبد الله بن عباس(١)، وأبو موسى الأشعري(٢). وقد حمله طائفة على أن الذين(٣) اختصوا به، هو وجوب الفسخ علیهم حتماً، وأما غيرهم، فيستحب له ذلك. هذا إن كان مراده متعة الفسخ، وإن كان المراد مطلق المتعة، فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة، والله أعلم. (١) رواه البخاري في صحيحه ٧/ ٧٠٧-٧٠٨ مع الفتح في كتاب المغازي، ٧٧ - باب حجة الوداع. ومسلم في صحيحه ٩١٣/٢ في كتاب الحج، ٣٢- باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام. (٢) رواه البخاري في صحيحه ٦٥٤/٣ مع الفتح في كتاب الحج، ١٢٥ - باب الذبح قبل الحلق. ومسلم في صحيحه ٨٩٥/٢ في كتاب الحج، ٢٢ - باب في فسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام. (٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: الذي. ٥٨٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم قال عقب حديث بلال بن الحارث(١). وقول المنذري: والحارث هو ابن بلال بن الحارث، وهو شبه المجهول، وقد قال الإمام أحمد في حديث بلال هذا: إنه لا يثبت، تم كلامه(٢). قال ابن القيم: وقد قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث بلال بن الحارث المزني في فسخ الحج، فقال: لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف، ولم يروه إلا الدراوردي وحده (٣). (١) سنن أبي داود ٣٩٩/٢- ٤٠٠ في كتاب المناسك، ٢٥-باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة. عند حدیث الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: «بل لكم خاصة». وأخرجه النسائي في المجتبى ١٩٧/٥ في كتاب المناسك، ٧٧ - إياحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي. وابن ماجه في سننه ٢/ ٩٩٤ في كتاب المناسك، ٤٢- باب من قال كان فسخ الحج لهم خاصة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٣٩٦. (٢) مختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٣١. (٣) مسائل عبد الله ٢/ ٦٩٣ -٦٩٤ نحو مما هنا. والداروردي هو: عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي. تقريب التهذيب ص: ٦١٥. ٥٨٧ كتاب المناسك وقال عبد الحق: الصحيح في هذا قول أبي ذر، غير المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم (١). وقال ابن القطان: فيه الحارث بن بلال عن أبيه بلال بن الحارث، والحارث بن بلال لا يعرف حاله(٢). (١) الأحكام الوسطى ٢/ ٣١٧. (٢) بيان الوهم والإيهام ٤٦٨/٣. ٠٠. ٥٨٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ثم قال في باب الرجل يحج عن غيره(١). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حج عن أبيك واعتمر)) قال المنذري: وقال الإمام أحمد: لا أعلم في [٦٤/ ب] إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا، ولا أصح منه (٢). قال الإمام ابن القيم: قول الإمام أحمد؛ قال البيهقي: قال مسلم: سمعت أحمد بن حنبل يقول، فذكره(٣). وفي سنن ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيحين، عن (١) سنن أبي داود ٤٠٢/٢ في كتاب المناسك، ٢٦ - باب الرجل يحج عن غيره. عند حديث أبي رزين أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: ((احجج عن أبيك واعتمر)). وأخرجه الترمذي في جامعه ٢٦٩/٣-٢٧٠ في كتاب الحج، ٨٧- باب منه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في المجتبى ١٢٤/٥-١٢٥ في كتاب المناسك، ١٠ -العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع. وابن ماجه في سننه ٢/ ٩٧٠ في كتاب المناسك، ١٠ - باب الحج عن الحيّ إذا لم يستطع. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٥٩٥. (٢) مختصر سنن أبي داود ٣٣٣/٢. (٣) السنن الكبرى للبيهقي ٣٥٠/٤، حيث رواه بسنده. وانظر المعرفة له ٥٠٥/٣، حیث ذكره بدون إسناد. ٥٨٩ كتاب المناسك عائشة قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: ((جهاد لا قتال فیه، الحج والعمرة))(١). واحتج من نفى الوجوب بحديث جابر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة،؛ أواجبة هي؟ قال: لا وأن تعتمر خير لك)). رواه الترمذي من حديث الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال: حسن صحيح(٢). قال البيهقي: "كذا رواه الحجاج مرفوعاً"، والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه، غير مرفوع(٢). وقد نوقش الترمذي في تصحيحه: فإنه من رواية الحجاج بن أرطأة، وقد ضعف، ولو كان ثقة؛ فهو مدلس كبير، وقد قال: "عن محمد بن المنكدر"، لم يذكر سماعاً، ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث. (١) سنن ابن ماجه ٩٦٨/٢ في كتاب المناسك، ٨- باب الحج جهاد النساء. (٢) سنن الترمذي ٣/ ٢٧٠، في كتاب الحج، ٨٨ - باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟. بلفظ: عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمروا هو أفضل)). (٣) سنن البيهقي ٣٤٩/٤. حيث رواه مرفوعاً وقال: "كذا رواه الحجاج بن أرطأة مرفوعاً". ثم رواه موقوفاً وقال: "هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع". وانظر معرفة السنن والآثار له ٥٠٦/٣. ٥٩٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقد قال الشافعي: ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف؛ لا تقوم بمثله حجة، تم كلامه(١). قال البيهقي: وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعاً: ((الحج والعمرة فريضتان واجبتان))(٢). قال البيهقي: وهذا أيضاً ضعيف، لا يصح(٢). فقد سقط الاحتجاج برواية جابر من الطرفين(4). وفي سنن ابن ماجه من حديث عمر بن قيس: أخبرني طلحة بن يحيى عن عمه(٥) إسحق عن طلحة بن عبيد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( الحج جهاد، والعمرة تطوع)). رياء عن هشام بن عمار عن الحسن بن يحيى الخشني (٦). (١) كلام الشافعي هذا ذكره الترمذي في جامعه ٢٧١/٣ (٢) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٣٥٠. (٣) معرفة السنن والآثار للبيهقي ٥٠٦/٣، وانظر السنن الكبرى له ٣٤٩/٤ (٤) في المطبوع: الطريقين، وهو خطأ. (٥) في الأصل مكان كلمة "عمه": "محمد بن". وهو خطأ، والتصويب من سنن ابن ماجه. (٦) سنن ابن ماجة ٩٩٥/٢ في كتاب المناسك، ٤٤- باب العمرة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم: ٦٤٥. ٥٩١ كتاب المناسك ثم قال الشيخ شمس الدين في باب كيفية التلبية(١): في معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة (٢). الثاني: أنه انقياد لك بعد انقياد، من قولهم: لبيت الرجل، إذا قبضت على تلابيبه، ومنه: فلبيته(٣) بردائه. والمعنى: انقدت لك وسّعَتْ نفسي لك خاضعة ذليلة، كما (١) سنن أبي داود ٢/ ٤٠٤ في كتاب المناسك، ٢٧ - باب كيف التلبية، ومختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٣٥. عند حديث عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك تحميك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. وأخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٤٧٧ مع الفتح، في كتاب الحيرة ٢٦-باب التلبية. [بدون زيادة كلام ابن عمر]. ومسلم في صحيحه ٨٤١/٢-٨٤٢ في كتاب الحج، ٣-باب التلبية وصفتها ووقتها - واللفظ له -. (٢) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ١٥، ولسان العرب ٤٧٦٢١/١ وشرح مسلم للنووي ٨/ ٨٧، والكتاب لسيبويه ٣٥٠/١. (٣) في المطبوع: ابنته. ٥٩٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه(١). الثالث: أنه من لَبّ بالمكان، إذا قام به ولزمه. والمعنى أنا مقيم على طاعتك، ملازم لها. اختاره صاحب الصحاح (٢). الرابع: أنه من قولهم داري تلب دارك، أي تواجهها وتقابلها. أي أنا مواجهك بما تحب متوجه إليك. حكاه في الصحاح عن الخليل(٣). الخامس: معناه حباً لك بعد حب، من قولهم امرأةٌ لَبَّةً، إذا كانت محبة لولدها(٤). السادس: أنه مأخوذ من لب الشيء، وهو خالصه، [٦٥ / أ] ومنه لُبّ الطعام، ولب الرجل عقله وقلبه. (١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣، ولسان العرب ٧٣٢/١، ٧٣٣-٠٧٣٤ (٢) الصحاح للجوهري ٢١٦/١. وانظر: النهاية لابن الأثير ٢٢٢/٤، وغريب الحديث لابن قتيبة ٤١/١، وإصلاح المنطق لابن السكيت ص: ١٨٥. (٣) الصحاح للجوهري ٢١٦/١. وانظر: النهاية لابن الأثير ٢٢٢/٤، والغريب لأبي عبيد ١٥/٣، ولسان العرب ٧٣١/١. (٤) انظر: لسان العرب ١/ ٧٣١، وفتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣. ٥٩٣ كتاب المناسك ومعناه: أخلصت لبي وقلبي لك، وجعلت لك لبي (١) وخالصتي(١). السابع: أنه من قولهم: فلان رَخِيُّ اللَّبَبِ، وفي لَبَبٍ رَخِيٌّ، أي: في حال واسعة منشرح الصدر. ومعناه: أني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها، متوجه إليك بلبب رخي، بوجه المحب إلى محبوبه، لا بكره ولا تكلف (٢). الثامن: أنه من الإلباب، وهو الاقتراب، أي اقتراباً إليك بعد اقتراب، كما يتقرب المحب من محبوبه (٣). و((سعديك)): من المساعدة، وهي: المطاوعة. ومعناه: مساعدة في طاعتك، وما تحب بعد مساعدة. قال الجرمي(٤): ولم يُسمع سعديك (١) انظر: النهاية لابن الأثير ٢٢٢/٤، ولسان العرب ٧٣٢/١. (٢) انظر: لسان العرب ٧٣٣/١، والعين للخليل ٣١٧/٨. (٣) انظر: شرح مسلم للنووي ٨/ ٨٧، وفتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣. (٤) في المطبوع: "الحربي"، وهو خطأ. والجرمي هو: صالح بن إسحاق أبو عمرو الجرمي البصري، كان عالماً بالعربية واللغة، فقيهاً ورعاً ديناً حسن المذهب صحيح الاعتقاد، صنّف كتباً كثيرة، منها: مختصره في النحو، وكتاب التنبيه، وكتاب السير، وكتاب الأبنية، وكتاب = ٥٩٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية مفرداً (١). و((الرغباء إليك))، تقال : - بفتح الراء مع المد(٢) وبضمها مع القصر (٣) - ومعناها: الطلب والمسألة والرغبة (٤). واختلف النحاة في الياء في لبيك: - فقال سيبويه(٥): هي ياء التثنية، وهو من الملتزم نصبه على المصدر، كقولهم: حمداً وشكراً، وكرامة ومسرة. والتزموا تثنيته إيذاناً بتكرير معناه واستدامته، والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب، لما خصوه بإجابة الداعي، وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادراً، كقول الشاعر: = العروض وغير ذلك، انتهى إليه علم العربية في وقته، توفي رحمه الله سنة خمس وعشرين ومائتين. انظر: معجم الأدباء ٣٣٥/٤-٣٣٦، ووفيات الأعيان ٤٨٥/٢-٤٨٧. (١) انظر: الفائق ١٧٩/٢، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣٦٦/٢، ولسان العرب ٢١٤/٣، والكتاب لسيبويه ٣٥٣/١. (٢) فتكون هكذا: الرَّغباء. (٣) فتكون هكذا: الرُّغبى. (٤) انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٣٧، ولسان العرب ٤٢٢/١. (٥) انظر كلام سيبويه في الكتاب له ٣٥٠/١-٣٥٤، وانظر ما سيأتي من المصادر. ٥٩٥ كتاب المناسك دَعَوْتُ لِمَانا بَنِي مِسْوَراً فَلَبَّى، فَلَبِّيْ يَدَي مِسْوَرَ(١) والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرََّيْنٍ﴾(٢)، وليس المراد ما يشفع الواحد فقط. وكذلك سعديك ودواليك(٣). -وقال يونس(٤): هو مفرد، والياء فيه مثل: الياء في(٥) عليك (١) قال عبد السلام هارون في تعليقه علی کتاب سیپویه عند ذكر هذا البيت ما نصه: "الخزانة (٢٦٨/١)، وشواهد المغني: ٣٠٧. وهو من الخمسين. وقال السيوطي: هو لأعرابي من بني أسد، يقول: دعوت مسوراً لرفع نائبة عني، فأجابني وكفاني مؤنتها. وكأنه سأله في دية". (٢) سورة الملك الآية رقم: ٤. (٣) وهو قول الخليل أيضاً. انظر: لسان العرب ٧٣١/١، ٧٣٢، وغريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٤١، وفتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣، وشرح مسلم للنووي ٨٧/٨، والصحاح للجوهري ٢١٦/١ و ٢٤٧٩/٦. (٤) هو يونس بن حبيب الضبي، أبو عبد الرحمن، إمام نحاة البصرة في عصره، ومرجع الأدباء والنحويين في المشكلات، له في العربية مذاهب وأقيسة ينفرد بها، من تصانيفه: كتاب معاني القرآن الكبير، وكتاب معاني القرآن الصغير، وكتاب اللغات، وكتاب النوادر، وكتاب الأمثال، توفي رحمه الله سنة اثنتين و ثمانین ومائة، عن مائة سنة وستین. انظر: معجم الأدباء ٧/ ٢٨١-٢٨٣، ووفيات الأعيان ٢٤٤/٧-٢٤٩. (٥) (الياء في)، ساقطة من المطبوع. ٥٩٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وإليك ولديك(١). ومن حجة سيبويه على يونس: أن "على" و"إلى" يختلفان بحسب الإضافة، فإن جَرّا مضمراً كانا بالياء، وإن جراً ظاهراً كانا بالألف، فلو كان لبيك كذلك، لما كان بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر، كما قال: (فَلَبَيْ يَدَيْ مِسْوَر)(٢). -وقالت طائفة من النحاة: أصل الكلمة لباً لباً، أي: إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم، فجاءت التثنية، وحذف التنوين لأجل الإضافة. وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة: (١) انظر: الصحاح للجوهري ٢٤٧٩/٦، وشرح مسلم للنووي ٨/ ٨٧، ولسانا لعرب ٧٣١/١، ٧٣٢، وفتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣. (٢) انظر: لسان العرب ٧٣١/١، ٧٣٢، وفتح الباري لابن حجر ٤٧٨/٣، وشرح مسلم للنووي ٨/ ٨٧، والصحاح للجوهري ٢٤٧٩/٦. فقوله: "فلبِّي" بالياء، مع إضافته إلى المظهر يدل على أنه اسم مثنى بمنزلة: "غلامي زيد"، ولو كان بمنزلة "على" لقال: "(فلَّى يدي مسور). لكن قال ابن جني في المحتسب ٧٩/١ :"قال أبو علي: يمكن يونس أن يقول: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فكما تقول في الوقف: عصي وفتي، كذلك قال: فَلَبِّيْ، ثم وصل على ذلك". وقال ابن جني أيضاً في المحتسب ٢٣/٢ بعد أن ذكر حجة سيبويه على يونس: "فليونس أن يقول: جاء هذا على قولهم في الوصل: هذه أفعَيّ". ٥٩٧ كتاب المناسك أحدها: أن قولك لبيك، يتضمن إجابة داع دعاك، ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل، إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه. الثانية: أنها تتضمن المحبة، كما تقدم، ولا يقال: "لبيك" إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم امرأة لبة، أي: محبة لولدها. الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي: أنا مقيم على طاعتك. الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل، [٦٥/ ب] أي: خضوعاً لك(١) بعد خضوع من قولهم: أنا ملب بین یدیك، أي: خاضع ذليل. الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللب، وهو الخالص. السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول الرجل: "لبيك" لمن لا يسمع دعاءه. [السابعة](٢): أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل(٣): من الإلباب. وهو التقرب. (١) ساقطة من المطبوع. (٢) في الأصل: السابع. (٣) في المطبوع: قيل إنها. ٥٩٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعاراً لانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة شعاراً لانتقال(١) من رکن إلی رکن. ولهذا(٢) السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة، فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمز دلفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها، فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك. فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن، قال: لبيك اللهم لبيك، كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: "الله أكبر"، فإذا حلّ من نسكه؛ قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعاً لتكبيره. التاسعة: أنها شعار التوحيد، وملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها. العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة (٣)، وباب الإسلام، الذي (١) في المطبوع: (سبعا للانتقال)، مكان (شعاراً لانتقال)، وهو خطأ. (٢) في المطبوع: ولهذا كانت. (٣) روى البزار في مسنده ١٠٣/٧-١٠٤، وأحمد في مسنده ٢٤٢/٥، وابن عدي في الكامل ٣٨/٤-٣٩. عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله)). = ٥٩٩ كتاب المناسك يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص، والشهادة لله بأنه لا شريك له. الحادية عشر: أنها مشتملة على الحمد لله، الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، وأول من يُدعى إلى الجنة أهلهُ(١)، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها. -- وقال البزار: وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ بن جبل. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦/١. وكذلك الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٤٧٧/٣، رقم: ١٣١١. ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٨/ ٤٣٥ من حديث مكحول عن معاذ، في حديث طويل فيه: وإنك إذا أتيت اليمن يسألونك نصارها عن مفتاح الجنة، فقل: مفتاح الجنة لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إلا أن في سنده ركن بن عبد الله الدمشقي، وهو متروك، كما في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ٢٨٥/١-٢٨٦، والكامل لابن عدي ١٦٠/٣. (١) روى الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٢، والطبراني الصغير ١٨١/١، وفي الكبير ١٩/١٢، وفي الأوسط ٣/ ٢٤٠. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول من يُدعى إلى الجنة الذي يحمدون الله في السراء والضراء)). ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٩٥ أن الطبراني أخرجه في معاجمه الثلاثة، والبزار، ثم قال الهيثمي: "وإسناده حسن". وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٩٣/٢ -٩٤، برقم: ٦٣٢. ٦٠٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الثانية عشر: أنها مشتملة على الاعتراف الله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي: النعم كلها لك ومنك(١)، أنت مولاها والمنعم بها. الثالثة عشر: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك (٢) لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره. الرابعة عشر: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت؛ بـ "إنّ"(٣) المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك. الخامسة عشر: في "أنّ" وجهان: فتحها وكسرها: فمن فتحها تضمنت معنى التعليل، أي: لبيك، لأن الحمد والنعمة لك (٤). ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله(٥). والثناء إذا كثرت جمله وتعددت، كان أحسن من قِلَّتِها، وأما (١) ساقطة من المطبوع. (٢) في المطبوع: الملك كله. (٣) في قولك: "إن الحمد والنعمة ... " في التلبية. (٤) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة ٤٢/١، وقال: والكسر أعجب إليّ. وانظر اختيار ابن القيم فهو أفضل. (٥) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٤٢.