Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كتاب المناسك
ويحيى بن أبي إسحاق (١)، وزيد بن أسلم(٢)، ومصعب بن سليم(٢)،
وأبو أسماء(٤)، وأبو قدامة(٥)، وأبو قزعة الباهلي(٦)."
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩١٥، في كتاب الحج، ٣٤ -باب إهلال النبي
صلی الله عليه وسلم وهدیه.
(٢) أخرجه البزار في مسنده -كما في البداية والنهاية لابن كثير ١٣١/٥-، ومن
طريقه ابن حزم في كتابه حجة الوداع ص: ٤١٨.
وصححه ابن كثير في الموضع المذكور فقال: وهذا إسناد صحيح على شرط
الصحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩/٥ من طريق آخر.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ١٨٣.
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ١٦٤/٥ في كتاب المناسك، ٤٩ - القران.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢٥٥٨.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١٤٢/٣.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ١٣٥/٥: تفرد به الإمام أحمد، وهو إسناد
جيد قوي ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
(٦) وهو سويد بن حجير.
أخرجه أحمد في مسنده ١٧١/٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٥٣/٢،
والخطيب في تاريخ بغداد ١٠/ ٧٢، وابن حزم في حجة الوداع ص٤١٩- ٤٢٠.
وقال عنه ابن كثير في البداية والنهاية ١٣٢/٥: وهذا إسناد جيد، تفرد به أحمد
ولم يخرجوه.
(٧) ويضاف إلى الرواة عن أنس أيضاً:
=

٥٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
:
وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة، لأنه علم أنه لا يحج
بعد عامه ذلك(١).
وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة عن
ابن أبي خالد، أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة [عن أبيه] (٢) يقول:
=
- سالم بن أبي الجعد.
رواه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٢٨٠.
وحسنه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ٥/ ١٣١.
- علي بن زيد بن جدعان.
أخرجه: البزار في مسنده -كما في البداية والنهاية لابن كثير ١٣٢/٥ -.
وقال ابن كثير عقبه: هذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب
السنن، وهو على شرطهم.
(١) سبق تخريجه.
(٢) ليست في الأصل، وإنما استدركتها من كتاب حجة الوداع لابن حزم
ص: ٤٢٠، حیث روی الحديث ابن حزم بسنده من طريق البغوي موصولاً
عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
على أن الحديث قد روي من غير طريق البغوي عن ابن عيينة عن ابن أبي خالد
عن عبد الله بن أبي قتادة مرسلاً. أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ١٧٠.
وهذا الذي رجحه الدارقطني في العلل ١٣٨/٦، أعني كون الصواب في
الحدیث إرساله، والله أعلم.

٥٦٣
كتاب المناسك
إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة، لأنه
علم أنه لا يحج بعدها(١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الهرماس بن زياد:
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة))(٢).
وروى ابن أبي شيبة: حدثنا شبابة حدثنا الليث بن سعد
عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران، قال: دخلت على أم سلمة
أم المؤمنين فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
« أهلوا يا آل محمد بعمرة وحج»(٣).
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لآله إلا أفضل الأنساك،
وهو الذي اختاره لعلي(٤)، وأخبر عن نفسه أنه فعله.
فهذه الأحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل مطعناً في سندها،
ولا تأويلاً يخالف مدلولها، وكلها دالة على أنه صلى الله عليه
وسلم كان قارناً.
(١) وقد سبق تخريجه أيضاً.
(٢) هو من زيادات عبد الله على مسند الإمام أحمد ٤٨٥/٣. وقد سبق تخريجه.
(٣) وقد سبق تخريجه، ولفظه في المصنف: عن أبي عمران قال: حججت مع
مولاتي فدخلت على أم سلمة فقالت ... الحديث.
(٤) کما سبق تخريجه.

٥٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والذين عليهم مدار الإفراد، أربعة: عائشة(١)، وابن عمر (٢)،
وجابر (٣)، وابن عباس(٤). وكلهم قد روى القران.
أما ابن عمر وعائشة:
ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: «بدأ رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج ))(٥).
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه ٧١٦/٣ مع الفتح في كتاب العمرة، ٩-باب
المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئ من طواف الوداع.
ومسلم في صحيحه ٨٧٥/٢-٨٧٦ في كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه
الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع .... من حديث القاسم عنها.
وأخرجه: البخاري في صحيحه ٤٩٣/٣ مع الفتح، في كتاب الحج، ٣٤-باب
التمتع والقران والإفراد بالحج .... من حديث عروة عنها. وهو أصرح من
الذي قبله.
(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه ٩٠٤/٢-٩٠٥، في كتاب الحج، ٢٧ - باب في
الإفراد والقران بالحج والعمرة.
(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه ٥٨٨/٣-٥٨٩ مع الفتح، في كتاب الحج،
٨١- باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ....
(٤) أخرجه: البخاري في صحيحه ٢/ ٦٥٨ مع الفتح في كتاب تقصير الصلاة،
٣-باب کم أقام النبي صلی الله علیه وسلم في حجته.
ومسلم في صحيحه ٩١١/٢ في كتاب الحج، ٣١ - باب جواز العمرة في أشهر
الحج.
(٥) البخاري في صحيحه ٣/ ٦٣٠ مع الفتح في كتاب الحج، ١٠٤ -باب من ساق

٥٦٥
كتاب المناسك
وفي الصحيحين عن عروة أن عائشة أخبرته عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه،
بمثل هذا(١).
وروى عبد الرزاق حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن
عمر قرن بين الحج والعمرة، فطاف [٦٢/ أ] لهما بالبيت (٢) ، وبين
الصفا والمروة طوافاً واحداً، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله
علیه وسلم (٣).
ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر (٤).
البدن معه.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٠٢ في كتاب الحج، ٢٤ - باب وجوب الدم على
المتمتع ....
(١) البخاري في صحيحه ٣/ ٦٣٠ مع الفتح في کتاب الحج، ١٠٤ -باب من ساق
البدن معه.
ومسلم في صحيحه ٩٠١/٢ في كتاب الحج، ٢٤- باب وجوب الدم على
المتمتع ....
(٢) في المطبوع: (بالبيت لهما)، مكان (لهما بالبيت).
(٣) لم أجده في المصنف، وقد أخرجه من طريق عبد الرزاق: الدارقطني في سننه
٢٥٧/٢، وأحمد في مسنده ٢/ ١٥١.
(٤) مسلم في صحيحه ٢/ ٩٠٤ في كتاب الحج، ٢٦ - باب بيان جواز التحلل
بالإحصار وجواز القران.

٥٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقالت عائشة: ((اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثلاثاً سوى التي قرن بحجة الوداع»». ذكره أبو داود وسيأتي(١).
وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج [حجتين](٢) قبل
أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة))، الحديث(٣).
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ((أهل النبي صلى الله
عليه وسلم بعمرة، وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي صلى الله
عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم)) (٤).
(١) أي عند أبي داود.
وهو في السنن ٥٠٥/٢-٥٠٦ في كتاب المناسك، ٨٠- باب العمرة.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٤٣٣.
وسبق ذكر ما صحّ عن عائشة من قولها: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر
عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط». عند البخاري ومسلم.
(٢) ليست في الأصل، واستدركتها من جامع الترمذي، وسنن ابن ماجه.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه ١٧٨/٣-١٧٩ في كتاب الحج، ٦ -باب ما جاء
كم حج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا حديث غريب من حديث
سفيان، ثم نقل عن البخاري تضعيفه.
وابن ماجه في سننه ٢/ ١٠٢٧ في كتاب الحج، ٨٤ -باب حجة رسول الله صلى الله
عليه وسلم. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ٦٥٢.
(٤) صحيح مسلم ٩٠٩/٢، في كتاب الحج، ٣٠ - باب في متعة الحج.

٥٦٧
كتاب المناسك
وسيأتي في كتاب السنن عن عكرمة عنه قال: ((اعتمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر، عمرة الحديبية، والثانية حين
تواطؤوا على عمرة قابل، وثالثة (١) من الجعرانة، والرابعة التي قرن
مع حجته))(٢).
وهذه العمرة التي قرنها مع حجته، هي التي قال فيها: ((أهل النبي
صلى الله عليه وسلم بعمرة))، رداً على من قال: أهل بحج مفرد.
ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم قط عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: "إني أفردت الحج"، كما قال: ((قرنت))،
ولا قال: "سمعته يقول لبيك حجاً"، كما قال: ((لبيك حجاً
وعمرة))، ولا هو أخبر عن نفسه بذلك، ولا أحد من أصحابه(٣)
أخبر عن لفظ إهلاله به.
وأما إخباره عن نفسه بالقران، وإخبار أصحابه عنه بلفظه،
فصريح لا معارض له، والذين رووا الإفراد، قد تبين أنهم رووا
القران والتمتع، وهم لا يتناقضون في رواياتهم، بل رواياتهم يصدق
بعضها بعضاً، وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد
(١) في سنن أبي داود: والثالثة.
(٢) سنن أبي داود ٥٠٦/٢ في كتاب المناسك، ٨٠ - باب العمرة.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٧٥٥.
(٣) في المطبوع: الصحابة.
١

٥٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الصحابة ولغتهم، فإنهم كانوا يسمون القران تمتعاً، كما في الصحيحين
من حديث ابن عمر وقد تقدم، وحديث علي أن عثمان لما نهى عن
المتعة، قال علي: لبيك بهما، وقال:لم أکن لأدع سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم لقول أحد(١).
ومن قال: "أفرد الحج"، لم يقل: أفرد إهلال الحج، وإنما(٢)
مراده أنه اقتصر على أعمال الحج، ودخلت عمرته في حجه.
فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل، ولهذا أخبر أيضاً: أنه
قرن، فعلم أن مراده بالإفراد ما ذکرنا.
ومن قال: تمتع، أراد به التمتع العام، الذي يدخل فيه القران
بنص القرآن، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا
اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾(٣).
والقارن داخل في هذا النص، فتمتع صلى الله عليه وسلم
بترفهه بسقوط أحد السفرين، وقرن بجمعه في إهلاله بين النسكين،
وأفرد فلم يطف طوافين، ولم يسع سعيين.
ومن تأمل [٦٢/ ب] الأحاديث الصحيحة في هذا الباب،
حزم بهذا، وهذا فصل النزاع، والله أعلم.
(١) سبق تخريجه.
(٢) في المطبوع: وإنما من.
(٣) سورة البقرة الآية رقم: ١٩٦.

٥٦٩
كتاب المناسك
ثم قال(١) بعد قول الحافظ المنذري: وقد قالت حفصة: ((ما
بال الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟))(٢) قيل: أنها(٣) تعني
من حجتك. تم كلامه(٤).
واحتج بهذا من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) سنن أبي داود ٣٩٦/٢ -٣٩٧ في كتاب المناسك، ٢٤ - باب في الإقران.
عند حديث طاووس عن ابن عباس أن معاوية قال له: ((أما علمت أني
قصّرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أعرابي على المروة)) زاد
الحسن في حديثه: ((لحجته)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٦٥٦/٣ مع الفتح في کتاب الحج، ١٢٧ -باب
الحلق والتقصير عند الإحلال.
ومسلم في صحيحه ٩١٣/٢ في كتاب الحج، ٣٣ - باب التقصير في العمرة.
والنسائي في المجتبى ٢٧١/٥ في كتاب المناسك، ١٨٤ -كيف يقصّر.
وليس في روايتي البخاري ومسلم تحديدُ كون ذلك في حج أو عمرة.
(٢) سيأتي تخريجه بعد الباب التالي في موضعه، بإذن الله تعالى.
(٣) في المطبوع من مختصر سنن أبي دواد للمنذري: إنما.
(٤) مختصر سنن أبي دواد ٣٢٦/٢.
ونص كلامه هو قوله بعد حديث الباب: "وأخرجه النسائي، وليس فيه
"لحجته"، وقوله: "لحجته" يعني لعمرته. وقد أخرجه النسائي أيضاً، وفيه: ((في
عمرة على المروة))، وتسمى العمرة حجاً؛ لأن معناها القصد. وقد قالت
حفصة رضي الله عنها: ((ما بال الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟»
قيل: إنما تعني: من حجتك". ا.هـ

٥٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
تمتع في حجة الوداع، تمتعاً حل فيه، كالقاضي أبي يعلى وغيره (١).
وهذا غلط منهم، فإن المعلوم من شأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه لم يحل بعمرة في حجته، وقد تواتر عنه صلى الله
عليه وسلم ذلك، وقال: ((لولا أن معي الهدي؛ لأحللت)) (٢).
وهذا لا يستريب فيه من له علم بالحديث، فهذا لم يقع في
حجته بلا ريب، وإنما وقع في بعض عمره، ويتعين أن يكون في
عمرة الجعرانة، والله أعلم؛ لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه،
فلم يقصر عنه في عمرة الحديبية، ولا عمرة القضية، والنبي صلى
(١) انظر كتاب الحج من الخلاف الكبير لأبي يعلى ٢٨٦/١-٢٩٠. وهي رسالة
علمية مقدمة في الجامعة الإسلامية لم تطبع بعدُ.
وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٦٣/٢٦، ثم قال: " وهذا الذي قاله هؤلاء
منكر عند جماهير أهل العلم ... ".
(٢) جاء ذلك من حديث مروان الأصفر عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله
عليه وسلم.
أخرجه: البخاري في صحيحه ٤٨٦/٣-٤٨٧ مع الفتح، في كتاب الحج، ٣٢-
باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه
وسلم.
ومسلم في صحيحه ٩١٤/٢ في كتاب الحج، ٣٤- باب إهلال النبي صلى الله
عليه وسلم وهدیه.
وانظر فيما سبق من تخريج روايات الفسخ.

٥٧١
كتاب المناسك
الله عليه وسلم لم يكن محرماً في الفتح، ولم يحلّ من إحرامه في حجة
الوداع بعمرة، فتعين أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة، هذا إن كان
المحفوظ أنه هو الذي قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى، وهو قوله: ((رأيته
يقصر عنه على المروة))(١)، فيجوز أن يكون في عمرة القضية
والجعرانة حَسْبُ، ولا يجوز أن يكون(٢) في غيرهما لما تقدم، والله
أعلم.
(١) هي رواية مسلم في صحيحه ٩١٣/٢ في كتاب الحج، ٣٣ -باب التقصير في
العمرة.
(٢) (أن يكون) ساقطة من المطبوع.

٥٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم قال بعد قول الحافظ المنذري: وفي لفظ مسلم: لبّى
بالحج وحده إلى أن قال: وفي الآخر مثال الحال، تم كلامه (١):
الذين قالوا قرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته،
اختلفت طرقهم في كيفية قرانه:
فطائفة قالت: أحرم بالعمرة أولاً ثم أدخل عليها الحج،
وهذا ظاهر حديث ابن عمر، وعائشة كما تقدم(٢)، وهي طريقة أبي
حاتم بن حبان في صحيحه(٣).
قال: هذه الأخبار التي ذكرناها في إفراد النبي صلى الله عليه
وسلم وقرانه وتمتعه بهما (٤) ، مما تنازع الأئمة فيها، من لدن النبي
صلى الله عليه وسلم(٥) إلى زماننا هذا، وشنع بها المعطلة وأهل
البدع على أئمتنا، وقال(٦): رويتم ثلاثة أحاديث متضادة في فعل
واحد، ورجل واحد، وحالة واحدة، وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح
(١) لم أقف على كلام المنذري هذا في مختصره لسنن أبي داود، ولعله ساقط من
المطبوع، ومكانه المفترض في ٣٢٨/٢.
(٢) وقد سبق تخريجهما.
(٣) انظر: صحيح ابن حبان ٢٢٩/٩ - ٢٣٠ مع الإحسان.
(٤) (وقرانه وتمتعه بهما)، ساقطة من المطبوع.
(٥) في المطبوع: (من زمان)، مكان العبارة (من لدن النبي صلى الله عليه وسلم).
(٦) في صحيح ابن حبان: وقالوا.

٥٧٣
كتاب المناسك
من جهة النقل. والعقل يدفع ما قلتم، إذ محال أن يكون النبي صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع؛ كان مفرداً قارناً متمتعاً (١).
إلى أن قال: ولو تملّق(٢) قائل هذا في الخلوة إلى الباري، وسأله
التوفيق لإصابة الحق، والهداية لطلب الرشد في الجمع بين الأخبار،
ونفي التضاد عن الآثار، لعلم بتوفيق الواحد القهار(٣)، أن أخبار
المصطفى لا تتضاد ولا تهاتر، ولا يكذب [٦٣/أ] بعضها بعضاً، إذا
صحت من جهة النقل(٤).
قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار أن النبي صلى الله
عليه وسلم أهل بالعمرة حيث أحرم، كذلك قاله مالك عن الزهري
عن عروة عن عائشة(٥)، فخرج وهو مهل بالعمرة وحدها، حتى
بلغ(٢) سرف، أمر أصحابه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حميد -يعني
(١) صحيح ابن حبان ٩/ ٢٢٨ مع الإحسان. مع بعض الاختلافات اليسيرة.
(٢) في المطبوع: توجه.
وهو تغيير لما في الأصل لا داعي له، لأن العبارة في الأصل صحيحة، فإن
تملق هي من الإملاق، وهو الافتقار.
انظر: لسان العرب ٣٤٨/١٠.
(٣) في صحيح ابن حبان: الجبار.
(٤) صحيح ابن حبان ٢٢٨/٩ -٢٢٩.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) في المطبوع: إذا بلغ.

٥٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بالفسخ إلى العمرة-(١)، فمنهم من أفرد، ومنهم من أقام على
عمرته، وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته (٢)، ولم
يحل، فأهل صلى الله عليه وسلم بهما معاً حينئذ إلى أن دخل مكة،
وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي.
فکل خبر روي في إقران النبي صلی الله عليه وسلم، إنما كان
ذلك حيث رأوه يهل بهما بعد إدخاله الحج على العمرة، إلى أن
دخل مكة فطاف وسعى، وأمر ثانياً من لم يكن ساق الهدي، وكان
قد أهل بعمرة، أن يتمتع ويحل، وكان يتلهف على ما فاته من
الإهلال، حيث كان ساق الهدي، حتى إن بعض أصحابه (٣) ممن لم
يكن ساق الهدي، لم يحلوا حيث رأوه صلى الله عليه وسلم لم يحل،
حتى كان من أمره ما وصفنا، من دخوله صلى الله عليه وسلم على
عائشة وهو مغضب، فلما كان يوم التروية وأحرم المتمتعون، خرج
صلى الله عليه وسلم إلى منى وهو يهل بالحج مفرداً، إذ العمرة التي
قد أهل بها في أول الأمر قد انقضت عند دخوله مكة؛ بطوافه
بالبيت، وسعيه بين الصفا والمروة.
(١) وقد سبق تخريج أحاديث الفسخ.
(٢) قوله: (وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرت)، غير موجود في
صحيح ابن حبان.
(٣) في المطبوع: الصحابة.

٥٧٥
كتاب المناسك
فحكى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد
الحج، أرادان(١) خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه
الأخبار تضاد أو تهاتر.
وفقنا الله لما يحبه من الخضوع عند ورود السنن، إذا صحت
والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلزاق العيب(٢) بها، إذا لم توفق
لإدراك حقيقة الصواب، دون القدح في السنن والتعريج على الآراء
المنكوسة، والمقاييس المعكوسة، إنه خير مسؤول، تم كلامه(٣).
- وطائفة قالت: "كان مفرداً أولاً، ثم أدخل العمرة على
الحج، فصار قارناً"، وظنوا أن ذلك من خصائصه، وأنهم يجمعون
بذلك بين الأحاديث(٤).
وهذا مع أن الأكثر لا يجوزونه، فلم تأت لفظة واحدة تدل
عليه، بخلاف الأول فإنه قد قاله طائفة، وفيه أحاديث صحاح.
(١) في المطبوع: أرادا.
وفي صحيح ابن حبان: "أراد من".
(٢) في المطبوع: الخطأ.
(٣) صحيح ابن حبان ٢٢٩/٩ - ٢٣٠ مع الإحسان، إلا أنه توجد بعض
الاختلاف التي لا تضر.
(٤) ذهب إلى ذلك النووي في شرح مسلم ١٣٥/٨، ٢١٦-٢١٧. وتبعه عليه
الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٥٠٠.

٥٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
- وطائفة قالت: قرن ابتداء من حين أحرم، وهو أصح
الأقوال(١) لحديث عمر وأنس وغيرهما، وقد تقدما.
- والذين قالوا: أفرد، طائفتان:
- طائفة ظنت أنه أفرد إفراداً، اعتمر عقيبه(٢) من التنعيم(٣).
وهذا غلط بلا ريب، لم ينقل قط بإسناد صحيح ولا ضعيف،
ولا قاله أحد من الصحابة، [٦٣/ ب] وهو خلاف المتواتر المعلوم
من فعله صلی الله عليه وسلم.
- وطائفة قالت: أفرد إفراداً اقتصر فيه على الحج، ولم
يعتمر (٤).
(٤)
(١) وهو ما ذهب إليه ابن حزم في كتابه حجة الوداع ص: ٤٠٣ - ٤٤٥، وابن
کثیر في كتابه البداية والنهاية ١٢٨/٥-١٤٠.
وهو قول الإمام أحمد کما سبق.
ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٦٢/٢٦-٧٩ وقال:
"وهو الصواب الذي لا ريب فيه".
(٢) في المطبوع: عقبه.
(٣) قال شيخ الإسلام: "فقد تبين أن من قال: ((أفرد الحج)) فإن ادعى أنه اعتمر
بعد الحج كما يظنه بعض المتفقهة، فهذا مخطئ باتفاق العلماء ... ". مجموع
الفتاوى ٧٤/٢٦.
(٤) وهو قول الإمام مالك، ورجحه ابن عبد البر.
انظر: التمهيد ٢١٤،٢٠٥/٨.
=

٥٧٧
كتاب المناسك
والأحاديث الثابتة التي اتفق أئمة الحديث على صحتها،
صريحة في أنه اعتمر مع حجته، وهذا يبطل الإفراد قطعاً، فإنه إن
كان إفراداً اعتمر (١) عقيبه (٢) فهو باطل قطعاً، وإن كان إفراداً مجرداً
عن العمرة، فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه.
- والذين قالوا تمتع طائفتان:
- طائفة قالت: تمتع تمتعاً حل منه. وهذا باطل قطعاً كما
(٣)
تقدم(٣).
وطائفة قالت: تمتع تمتعا لم يحل منه لأجل الهدي(٤).
وهذا وإن كان أقل خطأ من الذي قبله فالأحاديث الصحيحة
تدل على أنه قرن، إلا أن يريدوا بالتمتع القران، فهذا حق.
=
وقال شيخ الإسلام عن هذا القول: "فهذا قد اعتقده بعض العلماء، وهو
غلط، ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة". مجموع الفتاوى ٧٤/٢٦.
(١) قوله: (مع حجته، وهذا يبطل الإفراد قطعاً، فإنه إن كان إفراداً اعتمر )،
ساقطة من المطبوع.
(٢) في المطبوع: عقبه.
(٣) وهو قول القاضي أبي يعلى ومن اتبعه، كما سبق.
(٤) قال شيخ الإسلام: وهذه طريقة الشيخ أبي محمد وغيره.
انظر: مجموع الفتاوى ٢٦/ ٦٤.
وأبو محمد هو: الشيخ ابن قدامة. وانظر قوله في ذلك في المغني ٨٥/٥-٨٨.

٥٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
- وطائفة قالت: "أحرم إحراماً مطلقاً، ثم عيّنه بالإفراد"،
وهذا أيضاً يكفي في رده الأحاديث الثابتة الصريحة(١).
- وطائفة قالت: "قرن وطاف طوافين وسعى سعيين)"(٢).
والأحاديث الثابتة التي لا مطعن فيها تبطل ذلك والله أعلم.
(١) قال شيخ الإسلام: "ومن قال إنه أحرم مطلقاً، فاحتج بحديث مرسل، ومثل
هذا لا يجوز أن يعارض به الأحاديث الصحيحة". مجموع الفتاوى ٢٦/ ٧٤.
وقال أيضاً: "ومن قال: إنه أحرم إحراماً مطلقاً فقوله غلط، لم ينقل عن أحد
من الصحابة". مجموع الفتاوى ٢٦/ ٧٥.
(٢) ذكره أيضاً شيخ الإسلام وقال:" ومن قال إنه قرن بمعنى أنه طاف طوافين
وسعى سعيين، فقد غلط أيضاً، ولم ينقل ذلك أحد من الصحابة عن النبي
صلى الله عليه وسلم". مجموع الفتاوى ٢٦/ ٧٥.
ثم ذكر حديث عائشة: ((وأما الذي جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً
واحداً)) وغيره من الأدلة التي ترد هذا القول.

٥٧٩
كتاب المناسك
ثم قال عقب قول المنذري في قول حفصة: «ما شأن الناس
حلّوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟)) (١) إلى أن قال المنذري: وقد تأتي
"من" بمعنى الباء، كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾(٢) أي: بأمره،
يريد : ولم تحلل أنت بعمرة (٣).
(١) سنن أبي داود ٣٩٨/٢-٣٩٩، ٢٤ -باب في الإقران.
عند حديث عبد الله بن عمر عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها
قالت: «يا رسول الله ما شأن الناس قد حلوا ولم تَخْلِل أنت من عمرتك؟
فقال: إني لبّدت رأسي، وقّدت هديي، فلا أُحِلّ حتى أنحر الهدي)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٦٥٥ مع الفتح في كتاب الحج، ١٢٦ -باب
من لبّد رأسه عند الإحرام وحلق.
ومسلم في صحيحه ٩٠٢/٢ في كتاب الحج، ٢٥ - باب بيان أن القارن لا
يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج.
والنسائي في المجتبى ١٤٦/٥-١٤٧ في كتاب المناسك، ٤٠- التلبيد عند الإحرام.
وابن ماجه في سننه ١٠١٢/٢-١٠١٣ في کتاب المناسك، ٧٢-باب من لبّد رأسه.
(٢) سورة الرعد الآية رقم: ١١.
(٣) مختصر سنن أبي داود ٣٢٩/٢. إلا أنه ليس فيه كلام المنذري هذا، بل جُعل
في المطبوع هذا الكلام من كلام ابن القيم؟ !!
والموجود في مختصر سنن أبي داود هو قوله: "وأخرجه البخاري ومسلم
والنسائي وابن ماجه". قد تقدم أن المراد بالعمرة ههنا الحج، وقد روي «حلوا
فلم تحلل من حجك)) ا.هـ
وقد بحثت عن هذا الحديث فلم أجده، والله أعلم.

٥٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال ابن القيم: وقالت طائفة: معناه: لم تَخْلِل(١) من العمرة
التي أمرت الناس بها.
وقالت طائفة: هذه اللفظة غير محفوظة؛ فإن عبيد الله بن
عمر لم يذكرها في حديثه. حكاهما ابن حزم (٢).
وقالت طائفة: هي مروية بالمعنى، والحديث: ((ولم تحل أنت
من حجك))، فأبدل لفظ الحج بالعمرة (٣).
وقالت طائفة: الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة،
وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجة معها. وقد أخبر عن نفسه بأنه
قرن، فهو إذن في حج وعمرة، ومن كان في حج وعمرة فهو في
عمرة قطعاً (٤).
(١) في المطبوع: تحل.
(٢) حجة الوداع ص: ٤٤٣.
وقد رد هذين القولين ابن حزم عند ذكره لهما، وسيأتي رد ابن القيم عليهما.
(٣) وهو قول المنذري، کما سبق.
(٤) وفيه وجه آخر ذكره الشافعي رحمه الله في اختلاف الحديث ص: ٣٠٧ حيث
يقول:" ((ولم تحل من عمرتك))، تعني من إحرامك الذي ابتدأته وهم بنية
واحدة ... ".
ولعل كلام الشافعي هذا ذكره المنذري في كلامه الذي قد سقط من المطبوع،
والله أعلم.
وقال الزرقاني في شرحه ٤٥٩/٢ بعد أن ذكر تأويل الشافعي والمنذري
=