Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب الصلاة
وقال في الباب أيضاً (١).
عقب قول الحافظ زكي الدين: وقال أبو بكر بن أبي داود:
وهذه سنة تفرد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان؛ هذا أحدها،
والآخر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه
وسلم(٢).
قال ابن القيم: كان يضع يديه قبل ركبتيه(٣).
(١) سنن أبي داود في الموضع السابق، عند الحديث السابق.
(٢) مختصر سنن أبي داود ٣٩٩/١.
(٣) أخرجه: ابن المنذر في الأوسط ١٦٥/٣، وابن خزيمة في صحيحه ٣١٨/١-
٣١٩، والدارقطني في سننه ٣٤٤/١، والحاكم في المستدرك ٢٢٦/١، وقال:
على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
والحديث في سنن أبي داود برواية ابن العبد كما في تحفة الأشراف الحديث
رقم ٨٠٣٠، وقال أبو داود عقبه: روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث
مناکیر.

٤٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر الباب أيضاً(١).
عقب قول الحافظ زكي الدين: وأخرج البخاري حديثه في
صحيحه مقروناً بعبد العزيز بن أبي حازم(٢).
قال ابن القيم: قال ابن المنذر: وقد زعم بعض أصحابنا (٣)
أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقال هذا القائل: وحدثنا
إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا أبي عن
أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد عن سعد قال: ((كنا نضع
اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين)) (٤)، تم كلامه(٥).
وهذا الحديث هو في الصحيحين عن مصعب بن سعد قال:
« صليت إلى جنب أبي فجعلت يدي بين ركبتي، فنهاني عن ذلك،
فعدت فقال: لا تصنع هذا، فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك، وأمرنا
(١) سنن أبي داود في الموضع السابق، عند الحديث السابق.
(٢) مختصر السنن ٣٩٩/١، والكلام على عبد العزيز الدراوردي.
(٣) بيّن محقق الأوسط أن المراد به ابن خزيمة، فليراجع.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٣١٩/١، وعلق عليه الألباني فقال: إسناده
ضعيف جداً، إسماعيل بن يحيى بن سلمة متروك، كما في التقريب، وابنه
إبراهیم ضعيف.
ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٠٠.
(٥) الأوسط ١٦٧/٣.

٤٠٣
كتاب الصلاة
أن نضع أيدينا على الركب))(١).
فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق،
ووضع الأيدي على الركب.
ولعل بعض الرواة غلط فيه من موضع اليدين على
الركبتين، إلى وضع اليدين قبل الركبتين.
قال ابن المنذر: "وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب،
فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه: عمر بن الخطاب، وبه قال
النخعي ومسلم بن يسار والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو
حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة(٢).
وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله: مالك(٣).
وقال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون [٤٥/ أ] أيديهم قبل
١١(٤)
ركبهم "(٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٩/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ١١٨ -
باب وضع الأکف على الرکب في الركوع.
ومسلم في صحيحه ١/ ٣٨٠ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٥- باب
الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق.
(٢) انظر لمذهب الحنفية: المبسوط السرخسي ٣١/١-٣٢، ولمذهب الشافعية:
المهذب ٧٥/١-٧٦، ولمذهب الحنابلة: المبدع: ١/ ٤٥٢.
(٣) انظر لمذهب المالكية: الفواكه الدواني ١٨/١، وحاشية العدوي ٣٣٧/١.
(٤) الأوسط لابن المنذر ١٦٥/٣ -١٦٦.

٤٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وروي عن ابن عمر فيه حديث(١).
أما حديث سعد ففي إسناده مقال، ولو كان محفوظاً لدل على
النسخ، غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق.
وقد روى الدارقطني من حديث حفص بن غياث عن عاصم
الأحول عن أنس قال: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
انحط بالتكبير، فسبقت ركبتاه يديه)»(٢).
وروى البيهقي من حديث إبراهيم بن موسى عن محمد بن
فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل
يديه، ولا يبرك بروك الجمل ))(٣).
قال البيهقي: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد
ابن فضيل(٤)، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف(٥).
قلت: قال أحمد والبخاري: متروك.
(١) رواه ابن المنذر في الأوسط ١٦٥/٣، وابن خزيمة في صحيحه ٣١٨/١-
٣١٩، والدارقطني في سننه ١/ ٣٤٤، والحاكم في المستدرك ٢٢٦/١.
(٢) سنن الدارقطني ١/ ٣٤٥.
(٣) سنن البيهقي الكبرى ٢/ ١٠٠.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٥.
(٥) السنن الكبرى ١٠٠/٢.

٤٠٥
كتاب الصلاة
وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي، وهو خلاف حديث
الأعرج عنه.
وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث يحيى بن سلمة
ابن كهيل عن أبيه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (( كنا نضع
اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين))(١).
وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كهيل، وقد قال
النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: في أحاديثه مناکیر.
قال البيهقي: المحفوظ عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ
التطبيق، وإسناد هذه الرواية ضعيف (٢).
وكذلك قال الحازمي(٣) وغيره.
والراجح: البداءة بالركبتين لوجوه:
أحدها: أن حديث وائل بن حجر لم يختلف عليه، وحديث
أبي هريرة قد اختلف فيه کما ذکرنا.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بالجمل
في بروکه، والجمل إذا برك إنما يبدأ بیدیه قبل ر کیتیه.
وهذا موافق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التشبه
(١) سبق تخريجه.
(٢) السنن الكبرى ٢/ ١٠٠.
(٣) الاعتبار ص: ٢٢١.

٤٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بالحيوانات في الصلاة: فنهى عن التشبه بالغراب في النقر، والتفات
كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب،
ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل، وبروك كبروك البعير.
الثالث: حديث أنس من رواية حفص بن غياث عن عاصم
الأحول عنه، ولم يختلف.
الرابع: أنه ثابت عن عمر بن الخطاب، وأما حديث عبد الله
ابنه فالمرفوع منه ضعيف، وأما الموقوف فقال البيهقي: المشهور عنه:
(( إذا سجد أحدكم فليضع يديه فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين
تسجدان كما يسجد الوجه))(١).
فهذا هو الصحيح عنه.
(١) سنن البيهقي الكبرى ١٠٠/٢-١٠١.

٤٠٧
كتاب الصلاة
وقال ابن القيم في باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع
والسجود (١).
عقب حديث المسيء صلاته، وغيره من الأحاديث الواردة
في الباب.
فصل: في سياق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبيان اتفاق الأحاديث [٤٥/ ب] فيها
وغلط من ظن أن التخفيف الوارد فيها
هو التخفيف الذي اعتاده، سراق الصلاة والنقارون لها
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: (( رمقت الصلاة
مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فرکعته، فاعتداله بعد
ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين
التسليم والانصراف، قريباً من السواء)) لفظ مسلم(٢).
وفي صحيح مسلم أيضاً عن شعبة عن الحكم قال: غلب
(١) سنن أبي دواد ٥٣٣/١-٥٤٠، الباب رقم (١٤٨)، ومختصر سنن أبي داود
١ /٤٠٤-٤٠٨.
(٢) صحيح البخاري ٣٢٢/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ١٢١ - باب حد إتمام
الركوع والاعتدال فیه.
وصحيح مسلم ٣٤٣/١ في كتاب الصلاة، ٣٨- باب اعتدال أركان الصلاة
وتخفيفها في تمام.

٤٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
على الكوفة رجل - قد سماه- زمن ابن الأشعث، فأمر أبا عبيدة بن
عبد الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع
قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء
الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما
أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. قال
الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعت البراء
ابن عازب يقول: ((كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده وما بين السجدتين
قريباً من السواء»(١).
وروى البخاري هذا الحديث، وقال فيه: (( ما خلا القيام
والقعود قريبا من السواء)) (٢).
ولا شك أن القيام قيام القراءة وقعود التشهد، يزيدان في
الطول على بقية الأركان، ولما كان صلى الله عليه وسلم يوجز
القيام، ويستوفي بقية الأركان، صارت صلاته قريباً من السواء.
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، والبراء تارة قرب
ولم يحدد، فلم يذكر القيام والقعود، وتارة استثنى وحدد فاحتاج إلى
(١) صحيح مسلم ٣٤٣/١ -٣٤٤ في كتاب الصلاة، ٣٨ - باب اعتدال أركان
الصلاة وتخفيفها في تمام.
(٢) وقد سبق تخريجه قريباً.
٠

٤٠٩
كتاب الصلاة
ذكر القيام والقعود.
وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود، أنه
استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين، فإنه كان يخففهما،
فلم يكونا قريبا من بقية الأركان، فإنهما رکنان قصیران.
وهذا من سوء الفهم، فإن سیاق الحدیث یبطله، فإنه قد ذکر
هذين الركنين بأعيانهما، فكيف يذكرهما مع بقية الأركان، ويخبر
عنهما بأنهما مساويان لها، ثم يستثنيهما منها؟! وهل هذا إلا بمنزلة
قول القائل قام زيد وعمرو وبكر وخالد، إلا زيد وعمرو؟!
وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي صلى الله عليه
وسلم في عدة أحاديث صحيحة صريحة:
أحدها: هذا، وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي
عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع، بقوله: (( كانت صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده
وما بين السجدتين [٤٦ / أ]، قريباً من السواء)).
ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف هذين الركنين،
لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة، ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ما يتضمن تصويبه.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة
أخبرنا ثابت عن أنس قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من

٤١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
[صلاة](١) رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر
متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الفجر، وکان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا قال: ((سمع الله لمن حمده))، قام حتى نقول: قد
أوهم، ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم، رواه
مسلم بهذا اللفظ(٢).
ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت
وحميد عن أنس قال: ((ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من
رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم،
ثم يكبر ثم يسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد
أوهم)»(٣).
فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين
الإخبار عن إيجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وإتمامها،
(١) ما بين المعقوفين زيادة من صحيح مسلم.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٤٤ في كتاب الصلاة، ٣٨ -باب اعتدال أركان الصلاة
وتخفيفها في تمام.
(٣) سنن أبي داود ١/ ٥٣٢ في كتاب الصلاة، ١٤٧ -باب طول القيام من الركوع
وبين السجدتین.

٤١١
كتاب الصلاة
وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جداً كما أخبر به، وقد أخبر أنه ما
رأى أوجز صلاة منها، ولا أتم.
فيشبه والله أعلم أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى
الركوع والسجود وركني الاعتدال، فبهذا تصير الصلاة تامة
موجزة، فيصدق قوله: "ما رأيت أوجز منها ولا أتم".
ويطابق هذا حديث البراء المتقدم.
وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله أكثر
الأئمة ويعتادونه.
وروايات الصحیحین تدل على ذلك:
ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال:
إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه،
كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل قد
نسي، وإذا رفع رأسه في السجدة مكث، حتى يقول القائل: قد
نسي. وفي لفظ: وإذا رفع رأسه بين السجدتين(١).
(١) صحيح البخاري ٢/ ٣٥١ مع الفتح، كتاب الأذان، ١٤٠ - باب المكث بين السجدتين.
وصحيح مسلم ١/ ٣٤٤ في كتاب الصلاة، ٣٨ - باب اعتدال أركان الصلاة
وتخفيفها في تمام.

٤١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وفي رواية للبخاري من حديث شعبة عن ثابت: كان أنس
ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، وإذا
رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي(١).
وهذا يبيّن أن إطالة ركني الاعتدال مما ضيع من عهد ثابت،
ولهذا قال: " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تفعلونه".
وهذا والله أعلم من ما أنكره أنس، مما أحدث الناس في
الصلاة، حيث [٤٦/ ب] قال ما أعلم شيئاً مما كان على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولا الصلاة؟ قال: أو ليس قد
أحدثتم فيها؟!(٢)
فقول ثابت: إنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس. وقول أنس:
إنكم قد أحدثتم فيها. يبيّن ذلك أن تقصیر هذین الرکنین، هو مما
أحدث فیھا.
ومما يدل على أن السنة إطالتهما (( أن النبي صلى الله عليه
(١) صحيح البخاري ٣٣٦/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ١٢٧ -باب الاطمأنينة
حین یرفع رأسه من الركوع.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٧/٢ مع الفتح، في كتاب مواقيت الصلاة،
٧- باب تضييع الصلاة عن وقتها.
وذكر الحافظ في الفتح ١٧/٢ -١٨ أن سبب قول أنس هذا القول تأخير
الحجاج الصلاة عن وقتها، ودلل عليه.

٤١٣
كتاب الصلاة
وسلم كان يصلي بالليل، فقرأ البقرة والنساء وآل عمران وركع نحواً
من قیامه، ورفع نحوا من ركوعه، وسجد نحواً من قيامه، وجلس
نحواً من سجوده ))، متفق عليه(١).
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (( اللهم ربنا لك الحمد،
ملء السموات وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء
بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا
ينفع ذا الجد منك الجد))(٢).
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله
عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع، قال: ((اللهم ربنا لك الحمد،
ملء السماء وملء الأرض(٣) وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء
والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت (٤)، ولا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٥٣٦/١-٥٣٧ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها،
٢٧ -باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، عن حذيفة رضي الله عنه.
ولم أقف عليه عند البخاري.
(٢) صحيح مسلم ١ / ٣٤٧ كتاب الصلاة، ٤٠- باب ما يقول إذا رفع رأسه من
الركوع.
(٣) في صحيح مسلم: ملء السموات والأرض.
(٤) في صحيح مسلم: اللهم لا مانع لما أعطيت.

٤١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))(١).
وفي صحيح مسلم نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى،
وزاد بعد قوله: (( وملء ما شئت من شيء بعد)): ((اللهم طهرني
بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما
ينقى الثوب الأبيض من الوسخ))(٢).
فهذه الأذكار والدعوات ونحوها، والله أعلم من التي كان يقولها
في حديث أنس، أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا: قد أوهم، لأنه
ليس محل سكوت، فجاء الذكر مفسراً في هذه الأحاديث.
وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال سمعت
أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا
الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، قال فحزرنا في ركوعه عشر
تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات(٣).
(١) صحيح مسلم ١/ ٣٤٧ في كتاب الصلاة، ٤٠- باب ما يقول إذا رفع رأسه من
الركوع.
(٢) صحيح مسلم ٣٤٦/١-٣٤٧ في كتاب الصلاة، ٤٠- باب ما يقول إذا رفع
رأسه من الركوع.
(٣) سنن أبي داود ١/ ٥٥١ كتاب الصلاة، ١٥٤ - باب مقدار الركوع والسجود.
وسنن النسائي المجتبى ٥٧٤/٢ كتاب التطبيق، ٧٦-عدد التسبيح في السجود.

٤١٥
كتاب الصلاة
وإسناده ثقات.
وفي صحيح مسلم عن قزعة(١) قال: أتيت أبا سعيد الخدري
وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما
سألك هؤلاء عنه، أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: مالك في ذلك من خير. فأعادها عليه، فقال: كانت
صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي
أهله فيتوضأ ثم يرجع [٤٧ /أ] إلى المسجد، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم في الركعة الأولى. وفي رواية": مما يطولها(٢).
وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأى أن صلاة الناس في
زمانه، أنقص مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها. ولهذا
قال للسائل: مالك في ذلك من خیر.
وفي الصحيحين ((أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في
الفجر بالستين إلى المائة))(٣).
(١) في الأصل: "أبي قزعة"، والتصويب من صحيح مسلم.
وهو: قزعة بن يحيى أبو غادية.
(٢) صحيح مسلم ٣٣٥/١ في كتاب الصلاة، ٣٤-باب القراءة في الظهر
والعصر.
(٣) صحيح البخاري ٢٧/٢-٢٨ مع الفتح، في كتاب مواقيت الصلاة، ١١ -باب
وقت الظهر عند الزوال.
==

٤١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومن المتيقن أنه صلى الله عليه وسلم لم تكن قراءته في
الصلاة هذا، بل ترتيلاً بتدبّر وتأن.
وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين))(١).
وأصله في الصحيح: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في
المغرب بطولى الطوليين»(٢).
يريد الأعراف كما جاء مفسراً، في رواية النسائي.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم ((أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور))(٣).
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن أم الفضل بنت الحارث
سمعته وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾(٤)، فقالت: يا بني لقد
=
وصحيح مسلم ٣٣٨/١ في كتاب الصلاة، ٣٥- باب القراءة في الصبح.
كلاهما من حديث أبي برزة رضي الله عنه.
(١) سنن النسائي المجتبى ٥١٠/٢ في كتاب الافتتاح، ٦٧-القراءة في المغرب بـ
(المص﴾.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٢٨٧ في كتاب الأذان، ٩٨ -باب القراءة في المغرب.
(٣) صحيح البخاري ٢٨٩/٢ في كتاب الأذان، ٩٩ -باب الجهر في المغرب.
وصحيح مسلم ٣٣٨/١ في كتاب الصلاة، ٣٥ - باب القراءة في الصبح.
(٤) سورة المرسلات الآية: ١.

٤١٧
كتاب الصلاة
ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب(١).
وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ؛ لأنه كان في آخر
حياته صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: شكا أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم قال: ((استعينوا
بالركب»، قال ابن عجلان: هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال
السجود وأغيى (٢).
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل
السجود، بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم، وهذا لا
یکون مع قصر السجود.
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( إني لأقوم
في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز
فيها مخافة أن أشق على أمه))(٣).
(١) صحيح البخاري ٢/ ٢٨٧ في كتاب الأذان، ٩٨ -باب القراءة في المغرب.
وصحيح مسلم ٣٣٨/١ في كتاب الصلاة، ٣٥- باب القراءة في الصبح.
(٢) مسند الإمام أحمد ٣٤٠/٢.
(٣) صحيح البخاري ٢٣٦/٢ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٦٥- باب من أخفّ
الصلاة عند بكاء الصبي.
=

٤١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة
((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن
المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفاً))(١).
فالمراد به والله أعلم، أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفاً،
يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر، ويخفف قراءة بقية الصلوات،
لو جھین:
أحدهما: أن مسلماً روی في صحيحه عن سماك بن حرب
قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ((كان يخفف الصلاة، ولا يصلي صلاة هؤلاء)). قال:
((وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر
بقاف [٤٧/ ب] والقرآن المجيد، ونحوها))(٢).
=
وصحيح مسلم ٣٤٣/١ في كتاب الصلاة، ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف
الصلاة في تمام. كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه.
إلا أن لفظة: ((أن أشق على أمه)) هي من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله
عليه وسلم. أخرجه البخاري نفسه في نفس الموضع السابق.
وأما المتفق عليه من حديث أنس لفظة ((من شدة وجد أمه))، وللبخاري من
حديث أنس ((مخافة أن تفتن أمه)).
(١) صحيح مسلم ١/ ٣٣٧ في كتاب الصلاة، ٣٥ - باب القراءة في الصبح.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٣٧ في كتاب الصلاة، ٣٥ - باب القراءة في الصبح.

٤١٩
كتاب الصلاة
فجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر: بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة
رسول الله صلی الله علیه وسلم التي ما زال يصليها، ولم یذکر أحد
أنه نقص في آخر أمره من الصلاة، وقد أخبرت أم الفضل عن
قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الأمر، وأجمع الفقهاء أن السنة
في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأما قوله: "ولا يصلي صلاة هؤلاء"، فيحتمل أمرين:
أحدهما: أنه لم يكن يحذف كحذفهم، بل يتم الصلاة.
والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال:
((إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن
كان ليؤمنا بالصافات))(١).
وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله، فإنه صلى
الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على
المنبر وقال: ((إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي)) (٢).
(١) سنن النسائي المجتبى ٤٣٠/٢-٤٣١ في كتاب الإمامة، ٣٦-الرخصة للإمام
في التطويل. ومسند الإمام أحمد ٢٦/٢.
(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه ٢/ ٤٦١ مع الفتح، في کتاب الجمعة، ٢٦ -باب
=

٤٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: (( صلوا كما رأيتموني
أصلي»(١)، وذلك أنه ما من فعل في الغالب، إلا ويسمى خفيفا
بالنسبة إلى ما هو أطول منه، وطويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه.
فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا
بالعرف؛ لأنه ليس له عادة في العرف، كالقبض والحزر والاحياء
والاصطياد، حتى يرجع فيه إليه، بل هو من العبادات التي يرجع في
صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، کما يرجع إليه في أصلها.
ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف، لاختلفت الصلاة الشرعية
اختلافا متباينا لا ينضبط، ولكان لكل أهل عصر ومصر -بل لأهل
الدرب والسكة وكل محل، فكل طائفة- غرض وعرف وإرادة في
مقدار الصلاة، يخالف عرف غيرهم، وهذا يفضي إلى تغيير
الشريعة، وجعل السنة تابعة لأهواء الناس.
فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله صلى الله عليه
وسلم، فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير، وذو الحاجة، وقد
=
الخطبة على المنبر.
ومسلم في صحيحه ٣٨٦/١-٣٨٧ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٠-
باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.
كلاهما عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
(١) سبق تخريجه.