Indexed OCR Text

Pages 21-40

المبحث الأول:
في ترجمة موجزة للإمام ابن القيم
رحمه الله تعالى

٢٣
مقدمة المحقق
الإمام ابن القيم:
١- نسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم
الدمشقي الشهير بابن قيم الجوزية.
ولد رحمه الله في اليوم السابع من شهر صفر من سنة ٦٩١هـ.
٢- شهرته بابن قيم الجوزية:
كان والد الإمام ابن القيم، قيّماً على المدرسة الجوزية
بدمشق التي بناها محي الدين يوسف بن الإمام أبي الفرج عبد
الرحمن الحنبلي في دمشق، فلذلك عرف بـ(قيّم الجوزية). ثم اشتهر
ابنه محمد بـ (ابن قيم الجوزية).
أما المتأخرون فعامتهم يقولون (ابن القيم)، وهذا إنما هو
على سبيل التجوز والاختصار(١).
(١) استفدت هذه الترجمة الموجزة من كتاب فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو
زيد: "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" الطبعة الأولى عام ١٤٠٠ هـ، وكتاب:
"ابن قيم الجوزية عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف" للدكتور
عبد العظيم شرف الدين، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ.

٢٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
٣- نشأته وطلبه للعلم:
كان للبيئة التي عاش فيها ابن القيم رحمه الله الأثر البالغ في
توجهه لطلب العلم، وبروزه ونبوغه، فالعصر الذي عاش فيه ابن
القيم كان قد شهد نهضة علمية، كان من آثارها تراثاً إسلامياً
ضخماً في مختلف العلوم وعلماء أجلاء، فنشأ ابن القيم ينهل من
ذلك التراث، ويتعلم من أولئك العلماء.
كما أن بيئة منزله الذي عاش فيه، كانت بيئة علم، فوالده
كان شيخاً صالحاً عابداً ناسكاً، فمن كان هذا شأنه، فلا شك أن له
الأثر البارز في توجيهه لطلب العلم، لذا نجد أن الإمام ابن القيم بدأ
بطلب العلم والقراءة على الشيوخ مبكراً، وذلك في السنة السادسة
أو السابعة من عمره، حيث قرأ على الشهاب العابر أبي العباس
أحمد بن عبد الرحمن النابلسي المتوفى سنة ٦٩٧هـ.
٤- أهم مشايخه:
لما كانت نشأة هذا الإمام كما وصفنا من التوجه إلى طلب
العلم وتحصيله، فكان لابن القيم مشايخ كثر تتلمذ عليهم وتعلم
منهم، ومن أهم أولئك الشيوخ:
١- والده أبو بكر ابن أيوب، قيم الجوزية.
٢- شيخ الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم الحراني.

٢٥
مقدمة المحقق
أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن النابلسي الحنبلي.
٣-
مجد الدين إسماعيل بن حمد الفراء الحراني شيخ
٤-
الحنابلة بدمشق.
صدر الدين أبو الفداء إسماعيل بن يوسف القيس
٥-
الدمشقي الشافعي.
٦-
زين الدين أيوب بن نعمة النابلسي الدمشقي
الكحال.
أبو الفضل تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن
٧-
قدامة المقدسي الحنبلي، مسند الشام وكبير قضاتها.
أبو محمد شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم بن
٨-
تيمية أخو شيخ الإسلام ابن تيمية.
شرف الدين عيسى بن عبد الرحمن المطعّم في
٩-
الأشجار ثم السمسار في العقار مسند الوقت.
١٠- القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني
الشافعي، الإمام المشهور صاحب التصانيف.
١١- أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح
البعلبكي الحنبلي.
١٢- أبو المعالي كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد
الأنصاري الشافعي.

٢٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
١٣- أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن
مفرج المقدسي الحنبلي.
١٤ - جمال الدين يوسف بن زكي الدين عبد الرحمن
القضاعي ثم الكلبي، الدمشقي المزي.
٥- أهم تلاميذه:
١- ابنه برهان الدين إبراهيم.
ابنه شرف الدين عبد الله.
٢-
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي
٣-
الشافعي الإمام الحافظ المشهور.
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد
٤-
الرحمن الملقب بابن رجب الحنبلي، صاحب المؤلفات
النافعة.
٥- أبو الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي.
٦- محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي الإمام
الحافظ صاحب التصانيف الكثيرة.
٧- أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد
الهادي بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الحنبلي.
أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد القادر بن محي
٨-

٢٧
مقدمة المحقق
الدين عثمان النابلسي الحنبلي.
٩- محمد بن محمد بن محمد بن الخضر الغزي الشافعي.
١٠- أبو الظاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي.
١١- محمد بن محمد بن أحمد القرشي المقري التلمساني.
٦ - مؤلفاته:
للإمام ابن القيم كثير من المؤلفات، وأكثرها لم يصل إلينا
يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه (ص١١٢-
١١٣):
"البيان العددي الإجمالي لمؤلفاته:
وإنه قبل الأخذ بالبيان عن أسماء مؤلفاته على سبيل
التفصيل والنشر يحسن الذكر على سبيل الإجمال واللف
ببيان من ذكر مؤلفاته من مترجميه مرتباً ذكرهم على
التسلسل الزمني .. ".
ثم بعد أن ساق ما ذکر قال في ص ١١٨ :
"فنخلص من هذا البيان العددي الإجمالي أن مجموع الكتب
التي ذكرها هؤلاء النقلة خالية من الوهم والتكرار حسب
التتبع والتحري هي ستة وسبعون كتاباً".
ثم يقول حفظه الله:

٢٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
"وقد منّ الله تعالى وهو المانّ بفضله، فتتبعت مؤلفاته أيضاً
من ثنايا كتبه ومن غيرها فتحصل لي جملة منها بلغت (١٩)
كتاباً، فصار مجموع ما جرى الوقوف عليه حسب التتبع
والاستقراء هو (٩٦) كتاباً ... ".اهـ
ولمن أراد معرفتها مفصلة فعلیه بکتاب الشیخ بكر أبو زيد.
ولا أجدني محتاجاً إلى سرد ثناء العلماء على الإمام ابن القيم
-رحمه الله- ومدحهم له، إذ مكانة هذا الإمام كبيرة عالية لا
تحتاج إلى ما يرفعها أو يزيدها، لذلك أنتقل مباشرة إلى:
٧- وفاته:
توفي رحمه الله تعالى ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت
أذان العشاء سنة ٧٥١هـ، وبه كمل له من العمر ستون سنة
رحمه الله رحمة واسعة.

المبحث الثاني:
في ترجمة المجرّد، وهو: محمد بن أحمد السعودي
وأهمية عمله الذي قام به.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في ترجمة المجرد.
المطلب الثاني: في بيان أهمية هذا التجريد.

٣١
مقدمة المحقق
المطلب الأول: في ترجمة المُجرّد
ومن باب التوطئة لقضية تجريد حواشي الكتاب، أقول: إنّ
الإمام ابن القيّم عمد إلى مختصر المنذري لسنن أبي داود فهذّبه
واختصره وزاد فيه؛ لقيمته العلمية ولأهميته (١).
فرغب بعض طلبة العلم في استخلاص حواشي ابن القيم
وزياداته للاستفادة منها وجعلها في مكان واحد، فقام على "تهذيب
ابن القيم" وجرّد ما استطاع تجريده من حواشي الشيخ وزياداته.
وهو بهذا العمل جزاه الله خيراً قد حفظ لنا تراثاً عظيماً من
تراث ذلك الإمام.
وهنا سؤال: من هو هذا المجرّد؟
فأما اسمه فهو: محمد بن أحمد السعودي، كما جاء في بداية
المخطوط ونهايته، وقد قدم لتجريده هذه الزيادات بقوله:
"هذا ما منّ به الرحيم الودود من تمييز زوائد حواشي مختصر
سنن أبي داود التي زادها الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين
محمد بن قيم الجوزية تغمده الله تعالى بغفرانه وأسكنه فسيح جنانه
جرده الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد السعودي عامله الله تعالى
بلطفه" .اهـ
(١) وسيأتي بيان هذه الزيادات في مبحث دراسة الكتاب.

٣٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
سنة تجريد الكتاب:
وقد قام بتجريدها في سنة تسعين وسبعمائة، كما جاء في
نهاية المخطوط، حيث يقول: " فرغ مجرده من تجريده يوم الأربعاء
النصف من شهر ربيع الأول، سنة تسعين وسبعمائة، ختم الله له
بالحسنى وزيادة. آمين." اهـ
ترجمة محمد بن أحمد السعودي:
وقد بحثت عن ترجمته فيما بين يدي من كتب التراجم،
فعثرت على ثلاثة من العلماء في ذلك العصر كلهم يُعرف بهذا
الاسم: "محمد بن أحمد السعودي"، أحدهم حنفي المذهب، والثاني
مالکي، وثالثهم شافعي.
وسأذكر تراجمهم مبتدئاً بما أظنه الأقرب إلى أن يكون مجرد
زيادات ابن القيم، وبالله التوفيق:
الأول: محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر الشمس
النحريري ثم القاهري الشافعي المؤدب الضرير، ويعرف بالسعودي
نسبة لقريب له كان يخدم الشيخ أبا السعود. قال السخاوي:
"ورأيت من قال ممن نسخ له شيئاً قديماً: إنه يُعرف بابن أخي
السعودي، فكأنه تركه تخفيفاً.
ولد رحمه الله سنة ست وخمسين وسبعمائة بالنحرارية، ونشأ
بها، ثم انتقل إلى القاهرة، وسافر إلى القدس مرتين، ودخل

٣٣
مقدمة المحقق
الاسكندرية، ثم استوطن القاهرة، عمي في حدود سنة ثلاثين
وثمانمائة، مع ثقل سمعه، وانتفع به من لا يحصى كثرة من الشيوخ.
توفي رحمه الله ليلة الأربعاء منتصف رمضان سنة تسع وأربعين
وثمانمائة"(١).
الثاني: محمد بن أحمد بن عمر الشمس أبو عبد الله بن
الشهاب أبي العباس القاهري السعودي الحنفي. ناب في الحكم
وتصدى للتدريس، وخطه حسن وكذا عباراته. وهو متقدم عن
السعودي الذي قبله(٢).
الثالث: محمد بن أحمد بن محمد البدر أبو عبد الله بن المحب
بن الصفي أو العز العمري الدميري ثم القاهري المالكي السعودي،
شيخ زاوية أبي السعود بموقف المكارية خارج باب القوس، توفي في
شعبان سنة سبع وستين وثمانمائة وقد قارب السبعين سنة (٣).
إلا أن الأخير ليس هو صاحبنا قطعاً، إذ تكون ولادته بعد
سنة (٧٩٠)، وهي السنة التي جرّد فيها المجرد زيادات ابن القيم.
(١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٣٠/٧-٣٢)، وشذرات الذهب (٢٦٤/٤ -
٢٦٥).
(٢) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٣٣/٧-٣٤).
(٣) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (١٠٠/٧).

٣٥
مقدمة المحقق
المطب الثاني: في بيان أهمية هذا التجريد.
إن أول ما يُقال في أهمية هذا التجريد لزيادات الإمام ابن
القيم رحمه الله، الذي قام به محمد بن أحمد السعودي رحمه الله أنه قد
حفظ لنا تعليقات ابن القيم وتقريراته، وهي من الزيادات العلمية
النفيسة، وقد سبق من كلامه فيها: "لعل الناظر المجتهد لا يجدها في
كتاب سواه، فهي جديرة بأن تُثْنى عليها الخناصر، وبعض عليها
بالنواجذ".
وتكفي هذه النقطة في التدليل على أهمية هذا التجريد
و قیمته.
بل إن المجرد نفسه قد ذكر في نهاية الكتاب ما يدل على
أهمية عمله الذي قام به، ولما كان صاحب الدار أعرف، أذكر كلامه
بنصه، حیث یقول رحمه الله:
"وقد تعبت في تجريد هذه الزوائد، لكني أسندت بها
مقصدين من أعظم المقاصد: أحدهما: مطالعة الكتاب. والثاني:
تسهيل هذه الزيادات على الطلاب.
واعلم أن هذا التجريد أفاد أمراً حسناً وفضلا بيناً؛ وذلك أن
الناظر في كتاب الحافظ المنذري لا يستغني عما زاده عليه الحافظ ابن
القيم، والناظر في كلام الحافظ ابن القيم لا يستغني عن كتاب
الحافظ المنذري؛ لأن الشيخ ابن القيم لم يكتب في كتابه جميع ما
٠٫٠٠

٣٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
حشى به الإمام المنذري، بل كثيراً ما يحذف منه فوائد لا تعد ولا
تحصى لكثرتها، فإذا كان عند الإنسان كتاب المنذري، وهذا التجريد
استغنى به عن طول النظر في كتاب الحافظ ابن القيم، ثم لو نظر في
كتاب ابن القيم لا يقدر على التمييز بين كلامه وكلام المنذري،
حتى يقابل البابين الذين ينظر فيهما معاً، كما فعل كاتبه، فتتبين له
الزيادة، فيحتاج إلى طول زمان، والعمر قصير، والشغل كثير،
والأجل في مسير".اهـ.
وليس لنا بعد هذا إلا أن نترحم على مجرّد هذه الزيادت،
فرحمه الله رحمة واسعة، ونسأل الله تعالى أن يتقبل عملنا وعمله.

المبحث الثالث:
في دراسة الكتاب

٣٩
مقدمة المحقق
دراسة الكتاب:
هذه الدراسة لكتاب الإمام ابن القيم قد استقيتها من كتاب
"ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها" للدكتور
جمال محمد السید عبد الحميد، حیث یقول(١).
"١- تسمية الكتاب:
لم ينص ابن القيم رحمه الله في مقدمة الكتاب على تسميته
كما هو الحال في بعض كتبه، ولكنه سماه في كتابه "زاد المعاد"(٢)،
فقال عند كلامه على نوم الجنب دون أن يمس ماء: "وقد أشبعنا
الكلام عليه في كتاب: "تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله
ومشكلاته".
وقد وافق ابن القيم على هذه التسمية من مترجميه: الصفدي
رحمه الله، فذكر هذا الاسم بحروفه(٣).
أما ابن رجب رحمه الله، فقد سماه: "تهذيب سنن أبي داود،
(١) في كتابه المذكور (ص٢١٣-٢٢١). وقد تصرّفت في بعض كلامه ووضعت
مكانه نقاطاً، وصوبت كلمة: "المسعودي" إلى "السعودي" لأنه المثبت في
المخطوط. وقد حذفت الإحالات التي ذكرها على الطبعة الأولى لكتاب
تهذيب السنن، لأنها ستأتي معنا في هذا الكتاب بحول الله تعالى.
(٢) (١٥٤/١).
(٣) الوافي بالوفيات (٢٧١/٢).

٤٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة"(١).
وتبعه على ذلك: الداودي(٢)، وابن العماد(٣).
وهذه التسمية وإن اختلفت عن تسمية المؤلف، إلا أنها لا
تبعد عنها كثيراً، وقد راعى ابن رجب في إطلاقها موضوع الكتاب
کما نص عليه ابن القيم في خطبته.
وقد سماه ابن القيم في مناسبة أخرى تسمية مختصرة، فقال:
"تهذيب السنن"(٤)، وبهذه التسمية عرف الكتاب واشتهر.
٠٠٠٠
٢- موضوع الكتاب:
الكتاب في الأصل: تهذيب لمختصر المنذري لسنن أبي داود،
وإلى هذا أشار ابن القيم رحمه الله في خطبته، فقال:" وكان الإمام ...
المنذري رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو
أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه ... جعلت كتابه أفضل الزاد، واتخذته
ذخيرة ليوم المعاد، فهذبته نحو ما هَذّب هو به الأصل".
ولكن: هل كان كتاب ابن القيم مجرد اختصار وتهذيب
(١) ذيل طبقات الحنابلة (٤٤٩/٢).
(٢) طبقات المفسرين (٢/ ٩٢).
(٣) الشذرات (١٦٩/٦).
(٤) بدائع الفوائد (٢/ ١٧٧).