Indexed OCR Text

Pages 1881-1900

(٢) كتاب الصلاة
(٧٣) باب
(٦١٤) حديث
نَا مِسْعَرٌ، عن ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عن عُبَيْدِ بْنِ الْبَرَاءِ، عن الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ
قَالَ: ((كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَحْبَيْنَا أَنْ نَكُونَ عن يَمِينِهِ
فَيُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَ﴿). [م ٧٠٩، ن ٨٢٢، جه ١٠٠٦، حم ٣٠٤/٤]
(٧٣) بَابُ الإِمَامِ يَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِهِ
٦١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ،
(نا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري
الحارثي الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي، له عندهم هذا الحديث الواحد،
وقال في ((التقريب)»: ثقة.
(عن البراء بن عازب قال) أي البراء: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله الفول
أحببنا أن نكون عن يمينه) لأنه* كثيراً ما كان ينحرف إلى اليمين بعد
الفراغ من الصلاة (فيقبل علينا بوجهه (18) فنتشرف برؤية وجهه الشريف
والنظر إليه ټچ
(٧٣) (بَابُ الإِمَامِ يَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِهِ)
أي: مكانه الذي صلَّى فيه الفرض، هل يجوز له أن يتطوع فيه أم لا؟
٦١٤ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا عبد العزيز بن عبد الملك
القرشي) قال في ((التهذيب)): روى له أبو داود حديثاً واحداً في الصلاة من مسند
المغيرة بن شعبة، قلت: قال مسلمة: شيخ قديم لم يقع في التواريخ،
وقال أبو الحسن القطان: مجهول، وقد رأيت من اعتقد أنه ابن أبي محذورة،
قال: وإن ذلك ليغلب على الظن، فإنه في هذه الطبقة وهو قرشي.
وفي ((التقريب)): عبد العزيز بن عبد الملك القرشي، مجهول، ووهم من
زعم أنه الذي قبله.
وفي «الضعفاء)) للأزدي: عبد العزيز بن عبد الملك الدمشقي، متروك
٥٣٥

(٢) كتاب الصلاة
(٧٣) باب
(٦١٤) حديث
ثَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
((لَا يُصَلِّي الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ)). [جه ١٤٢٨،
ق ٢ /١٩٠]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةً.
الحديث، روى عنه مخلد بن يزيد، فكأنه صاحب الترجمة، وبذلك جزم الذهبي
في ((الميزان)).
(ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (قال
رسول الله ﴾: لا يصلي الإمام) أي التطوع (في الموضع الذي صلَّى فيه)
أي المكتوبة (حتى يتحول)(١) أي ينتقل من هذا المكان إلى مكان آخر.
قال في ((البدائع))(٢): روي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما
كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف، ولأن المكث يوجب اشتباه
الأمر على الداخل فلا يمكث، ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان، ثم يتنفل
لما روي عن أبي هريرة(٣) - رضي الله عنه - عن النبي ◌َلو أنه قال: ((أيعجز
أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر)).
وعن ابن عمر أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أم فيه، ولأن
ذلك يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه
أو استكثاراً من شهوده على ما روي أن مكان المصلى يشهد له على ذلك
يوم القيامة.
(قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) لأنه قال
(١) قال ابن رسلان: هو مستحب عندنا حتى في أفراد التطوع والتراويح لتكثر مواضع
السجود. (ش).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٩٤/١).
(٣) قال البخاري: رفعه عن أبي هريرة لا يصح، وبسط عليه الحافظ في ((الفتح))
(٣٣٥/٢). (ش).
٥٣٦

(٢) كتاب الصلاة
(٧٤) باب
(٦١٥) حدیث
(٧٤) بَابُ الإِمَامِ يُحْدِثُ بَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ
٦١٥ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ
زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، عن عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ رَافِعٍ .
ابنه عثمان بن عطاء: كان مولده سنة خمسين، ومات المغيرة بن شعبة
سنة خمسين على الصحيح، فكان ولادة عطاء في السنة التي مات فيها
المغيرة بن شعبة، وقال الطبراني: لم يسمع عطاء الخراساني من أحد من
الصحابة إلَّا من أنس.
(٧٤) (بَابُ الإِمَامِ يُحدِثُ)
أي: يصير محدثاً، ويحتمل أن يكون معناه يتعمد الحدث
(بَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ)، وفي بعض النسخ: ((من آخر الركعة))
٦١٥ - (حدثنا أحمد بن يونس) أي أحمد بن عبد الله بن يونس، (ثنا زهير)
أي ابن معاوية، (ثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع)
التنوخي، أبو الجهم، ويقال: أبو الحجر المصري، قاضي إفريقية،
قال البخاري: في حديثه مناكير، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما وقع المناكير في حديثه من
أجله، وقال أبو العرب: كان أحد الفقهاء العشرة الذين أرسلهم عمر بن
عبد العزيز ليفقهوا أهل الإفريقية، وقال الساجي: فيه نظر، وقال البناني:
فيه نظر، وهو غير مشهور.
وقال في ((الميزان))(١): قال ابن المبارك: حدثنا ابن أنعم
عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي ◌ُ ◌ّؤو قال: ((إذا رفع
أحدكم رأسه من آخر السجود ثم أحدث فقد تمت صلاته))، رواه أبو داود
والترمذي، وهذا من مناكيره.
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٥٦٠/٢).
٥٣٧

(٢) كتاب الصلاة
(٧٤) باب
(٦١٥) حديث
وَبَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
((إِذَا قَضَى الإِمَامُ الصَّلَاةَ وَقَعَدَ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَقَدْ تَمَّتْ
صَلَاتُهُ وَمَنْ كَانَ خَلْفَهُ مِمَّنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ)). [ت ٤٠٨، قط ٣٩٧/١]
(وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله﴾ قال:
إذا قضى) أي أتم (الإمام الصلاة) أي أدى أركانها (وقعد) أي قدر التشهد
(فأحدث قبل أن يتكلم) أي بالسلام (فقد تمت صلاته ومن كان) أي وصلاة من
كان (خلفه ممن أتم الصلاة) من المقتدين.
وقد أخرجه الطحاوي(١) من طريق أبي عبد الرحمن المقرىء،
عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وبكر بن
سوادة الجذامي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صل# قال:
((إذا قضى الإمام الصلاة فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل
أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها))، فهذا الحديث يدل على أن
السلام ليس بفرض.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أن
الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فرض عندهم، وعندنا ليس بفرض، وقد قال
علي القاري في ((كتاب الرد على صلاة القفال)) على ما نقله مولانا الشيخ
عبد الحي - رحمه الله _(٢): وذكر الشيخ أبو الحسن ابن بطال في ((شرح
البخاري)) أن لفظ السلام ليس بواجب، أي ليس بفرض، وهو قول علي
وابن مسعود وابن المسيب والنخعي والثوري والأوزاعي.
واستدل الإمام الشافعي ومن وافقه بحديث أخرجه الخمسة إلَّا النسائي
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّر قال: ((مفتاح الصلاة
الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)»، وأخرجه أيضاً الشافعي والبزار
والحاكم وغيرهم.
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٤/١).
(٢) «السعاية)) (١٣٧/٢).
٥٣٨

(٢) كتاب الصلاة
(٧٤) باب
(٦١٥) حديث
وطريق الاستدلال بهذا الحديث بأن الإضافة في قوله: ((وتحليلها)) تقتضي
الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم
لا تحليل لها غيرها .
والحنفية ومن وافقهم استدلوا بحديث الباب(١)، فإنه يدل على عدم فرضية
السلام، واعترضوا عليه بأن إسناده ليس بالقوي، لأن فيه عبد الرحمن بن زياد بن
أنعم الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل العلم.
قال الشوكاني(٢): قال النووي في ((شرح المهذب)»: إنه ضعيف باتفاق
الحفاظ، وفيه نظر، فإنه قد وثقه غير واحد، منهم زكريا الساجي وأحمد بن
صالح المصري، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال يحيى بن معين:
ليس به بأس.
وفي ((كتاب الرد على صلاة القفال)» لشرف الدين أبي القاسم بن عبد العلي
القربتي على ما نقله مولانا الشيخ عبد الحي في ((السعاية))(٣): الحجة لنا في
عدم وجوب السلام ما رواه أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر
وعن علي مرفوعاً وموقوفاً، وإن قيل: قال الترمذي(٤): هذا الحديث ليس
[إسناده] بالقوي، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل
الحديث، منهم يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل، قيل له: قد قوى أمره
(١) وقال البيهقي: هذا الحديث قبل أن يشرع الصلاة على النبي ور والتحلل منها
بالتسليم، ثم صار منسوخاً، والدليل ما روي عن عطاء: أنه ◌ّ* كان إذا قعد قدر
التشهد أقبل علينا بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم، وقال أبو إسحاق: يحتمل أنه
أراد وأتى بالتسليم والتشهد، وعبر عن ذلك كله بالقعود، قال ابن الرفعة: إن صح
محمول على ما قبل التسليمة الثانية، قاله ابن رسلان. (ش).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٣٥٢/٢).
(٣) (١٣٨/٢).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢/ ٢٦١) باب ما جاء في الرجل يحدث في التشهد.
٥٣٩
٠
٠
حے

(٢) كتاب الصلاة
(٧٤) باب
(٦١٥) حديث
البخاري وهو يقول فيه: مقارب الحديث، فلم يسقط الاحتجاج به، وقد سكت
أبو داود عن هذا الحديث، وهو إذا سكت عن حديث كان عنده حسناً
أو صحيحاً، وقد عضده ما روى أبو داود عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ
علقمة بيدي [فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله صل* أخذ بيد
عبد الله] فعلمه التشهد، إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك،
وهذا نص في أن السلام ليس بفرض(١)، انتهى ملخصاً.
ثم استدل الطحاوي(٢) - رحمه الله - على أن السلام ليس بفرض فقال:
ثم قد روي عن رسول الله # أيضاً ما يدل على أن ترك السلام غير مفسد
للصلاة، وهو: ((أن رسول الله وَ﴾ صلَّى الظهر خمساً ولم يسلّم، فلما أخبر
بصنيعه فثنى رجله فسجد سجدتين))، كما حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا يحيى بن
حسان،. قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم،
عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله ◌َ و بذلك.
ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم ير
ذلك مفسداً للصلاة، ولو رآه مفسداً لها إذاً لأعادها، فلما لم يعدها وقد خرج
منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك أن السلام ليس من صلبها، ألا ترى أنه
لو كان جاء بالخامسة، وقد بقي عليه مما قبلها سجدة كان ذلك مفسداً للأربع،
لأنه خلطهن بما ليس منهن، فلو كان السلام واجباً كوجوب سجود الصلاة لكان
حكمه أيضاً كذلك، ولكنه بخلافه فهو سنّة.
وأما ما استدل به الشافعي ومن وافقه رحمهم الله بقوله عليه السلام:
((وتحليلها التسليم))، فسيأتي بيانه في شرح الحديث الآتي.
(١) وسيأتي بعض الكلام على جرح الحديث وتصحيحه في ((باب التشهد))، وقال
ابن رسلان: بكر بن سوادة لم يلق عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن رافع
مجهول. (ش).
(٢) ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٥/١).
٥٤٠

(٢) كتاب الصلاة
(٧٥) باب
(٦١٦) حديث
(٧٥) بَابٌ(١) تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمِ
٦١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، عن سُفْيَانَ،
عن ابْنِ عَقِيلٍ، عن مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عن عَلِيٍّ قَالَ:
وقال الخطابي في ((المعالم))(٢): ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره،
لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته تمت بنفس المقعود حتى يكون ذلك بقدر
التشهد، على ما رووه عن ابن مسعود، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك، لأنهم
قالوا: إذا طلعت عليه الشمس أو كان متيمماً، فرأى الماء، وقد قعد مقدار
التشهد قبل أن يسلم، فقد فسدت صلاته، وقال فيمن قهقه بعد الجلوس قدر
التشهد: إن ذلك لا تفسد صلاته ويتوضأ، ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض
الوضوء، إلَّا أن تكون في الصلاة، والأمر في هذه الأقاويل واختلافها
ومخالفتها الحدیث بَيِّنٌ، انتھی.
قلت: مبنى هذا القول عدم التدبر فيما قالت الحنفية، وإن شئت
أن تعرف حقيقتها فعليك بكتب الحنفية من «الهداية» وغيرها، ولا نطول
الكلام بذكرها .
(٧٥) (بَابِّ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ)
هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها لم يعقد الباب
في هذا الموضع، بل أدخل الحديث تحت الباب المتقدم
٦١٦ - (حدثنا (٣) عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع،
عن سفيان، عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن
أبي طالب، (عن محمد بن الحنفية، عن علي) بن أبي طالب (قال:
(١) وفي نسخة: ((باب في تحريم الصلاة وتحليلها)).
(٢) («معالم السنن)) (٢٣٣/١).
(٣) والحديث مكرر تقدم في ((باب فرض الوضوء)). (ش).
٥٤١

(٢) كتاب الصلاة
(٧٥) باب
(٦١٦) حديث
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الظُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
قال رسول الله ( *: مفتاح) بكسر الميم، والمراد أنه أول شيء يفتتح به من
أعمال الصلاة، لأنه شرط من شروطها (الصلاة الطهور) بضم الطاء، وفي
رواية: ((الوضوء مفتاح الصلاة))، (وتحريمها التكبير) .
قال العيني(١): اختلف العلماء في تكبيرة الإحرام، فقال أبو حنيفة: هي
شرط، وقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن، وقال الزهري: تنعقد الصلاة
بمجرد النية بلا تكبير، قال أبو بكر: ولم يقل به غيره، ثم اختلف العلماء
هل يجزىء الافتتاح بالتسبيح والتهليل مكان التكبير؟ فقال مالك وأبو يوسف
والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزىء إلَّا الله أكبر، وعن الشافعي أنه
يجزىء(٢) الله الأكبر، وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم.
وذكر في ((الهداية)): قال أبو يوسف: إن كان المصلي يحسن التكبير
لم يجز إلَّا الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله الكبير، وإن لم يحسن جاز، وقال
بعضهم: استدل بحديث عائشة: ((أن النبي ◌َّلهم يفتتح الصلاة بالتكبير»، وبحديث
ابن عمر: ((رأيت النبي ◌َّر افتتح التكبير في الصلاة)) على تعيين لفظ التكبير دون
غيره من ألفاظ التعظيم.
وكذلك استدلوا بحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته أخرجه أبو داود:
((ولا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر))،
وبحديث أبي حميد(٣): ((كان رسول الله وَل﴿ إذا قام إلى الصلاة عقد قائماً ورفع
يديه، ثم قال: الله أكبر))، أخرجه الترمذي.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٧٣/٤ - ٣٧٤).
(٢) وفي الأصل: ((يجوز)) وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه من ((العيني)).
(٣) قلت: كذا في ((عمدة القاري)) (٣٧٤/٤)، ولكن ما وجدت الحديث بهذا اللفظ في
(سنن الترمذي))، نعم أخرجه الترمذي (١٨٨/١) في ((باب ما جاء في وصف الصلاة»
مطولاً، ولفظه: ((إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه،
فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر)).
٥٤٢

-
(٢) كتاب الصلاة
(٧٥) باب
(٦١٦) حديث
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)). [مضى برقم ٦١]
قلت: التكبير هو التعظيم من حيث اللغة، كما في قوله تعالى:
﴿فَلَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبُرْنَهُ﴾(١) أي عظمنه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِزْ﴾(٢) أي فعظم، فكل لفظ دل على
التعظيم وجب أن يجوز الشروع به، ومن أين قالوا: إن التكبير وجب بعينه
حتى يقتصر على لفظ: أكبر؟ والأصل في خطاب الشرع أن يكون نصوصه
معلومة معقولة، والتقييد خلاف الأصل، وقال تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَيْهِ،
فَصَلَى﴾(٣)، وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون باسم الله أو باسم الرحمن،
فجاز الرحمن أعظم كما جاز الله أكبر، لأنهما في كونهما ذكراً سواء، قال الله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَدْعُوهُ بِهِّ﴾(٤)، وقال بَّهِ: ((أمرت أن أقاتل الناس
حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله))، فمن قال: لا إله إلّا الرحمن أو العزيز
كان مسلماً، فإذا جاز ذلك في الإيمان الذي هو أصل، ففي فروعه أولى،
انتهى ملخصاً بقدر الحاجة.
(وتحليلها التسليم) قال العيني(٥): اختلف العلماء في هذا، فقال
مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير
لفظ التسليم فصلاته باطلة، حتى قال النووي: ولو أخلَّ بحرف من
حروف: السلام عليكم، لم تصح صلاته، واحتجوا على ذلك بقوله الا ه:
(تحليلها التسليم))، رواه أبو داود وأخرجه [الترمذي] وابن ماجه
أيضاً، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))(٦)، وقال: صحيح على شرط
مسلم، ولم يخرجاه.
(١) سورة يوسف: الآية ٣١.
(٢) سورة المدثر: الآية ٣.
(٣) سورة الأعلى: الآية ١٥.
(٤) سورة الأعراف: الآية ١٨٠.
(٥) ((عمدة القاري)) (٤/ ٥٩٧).
(٦) (١٣٢/١).
٥٤٣

(٢) كتاب الصلاة
(٧٥) باب
(٦١٦) حديث
قلت: اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل، فقال محمد بن سعد: كان
منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم، وقال ابن المديني
عن بشر بن عمر الزهراني: كان مالك لا يروي عنه، وكان يحيى بن سعيد
لا يروي عنه، وعن يحيى بن معين: ليس حديثه بحجة، وعنه: ضعيف
الحديث، وعنه: ليس بذلك، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق،
وقد تكلم بعض أهل العلم من قبل حفظه .
وعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي(١) عنه بما محصله: أن علياً - رضي الله
عنه - روي عنه من رأيه: ((إذا رفع رأسه من آخر سجدة، فقد تمت صلاته))، فدل
على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة لا تتم إلّا بالتسليم، إذا
كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم، فكان معنى: ((تحليلها التسليم))، التحليل
الذي ينبغي أن يحل به لا بغيره.
وجواب آخر أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد فلا يثبت بها
الفرض.
فإن قلت: كيف أثبت فرضية التكبير به ولم تثبت فرضية التسليم؟ قلت:
أصل فرضية التكبير في الصلاة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أَسْمَ رَيْدِ، فَصَلَّ﴾،
وقوله: ﴿وَرَّكَ فَكَيِّزْ﴾، غاية مافي الباب يكون الحديث بياناً لما يراد به من
النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس.
وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى أن التسليم ليست بفرض حتى
لو تركه لا تبطل صلاته، انتهى.
قال في ((البدائع))(٢): أما صفته فإصابة لفظ السلام ليس بفرض عندنا،
(١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٣/١).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٥٤/١ - ٤٥٥).
٥٤٤

(٢) كتاب الصلاة
(٧٥) باب
(٦١٦) حديث
ولكنها واجبة، حتى لو تركها عامداً كان مسيئاً، ولو تركها ساهياً
يلزمه سجود السهو عندنا، وعند مالك والشافعي فرض لو تركها
تفسد صلاته، احتجا بقوله ويقول: ((وتحليلها التسليم)»، خص التسليم بكونه
محللاً، فدل على أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا يتحلل بدونه، ولأن
الصلاة عبادة لها تحريم وتحليل، فيكون التحليل فيها ركناً قياساً على
الطواف في الحج.
ولنا ما روي عن النبي وسلم أنه قال لابن مسعود حين علمه التشهد: ((إذا
قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت
أن تقعد فاقعد»، والاستدلال به من وجھین:
أحدهما: أنه جعله قاضياً ما عليه عند هذا القول أو الفعل، وما للعموم
فيما لا يعلم، فيقتضي أن يكون قاضياً جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضاً
لم يكن قاضياً جميع ما عليه بدونه، لأن التسليم يبقى عليه.
والثاني: أنه خيَّره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم،
ولو كان فرضاً ما خيَّره، ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة، والسلام
خروج عن الصلاة وترك لها، لأنه كلام وخطاب لغيره، فكان منافياً للصلاة،
فکیف یکون ركناً لها .
وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلّا أنه خص
التسليم لكونه واجباً، والاعتبار بالطواف غير سديد، لأن الطواف ليس
بمحلل، إنما المحلل هو الحلق، إلَّا أنه توقف بالإحلال على الطواف،
فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف، والحلق ليس بركن، فنزل السلام في
باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج، وينبني على هذا أن السلام ليس
من الصلاة عندنا، وعند الشافعية التسليمة الأولى من الصلاة، والصحيح
قولنا لما بينا .
٥٤٥

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦١٧) حديث
(٧٦) بَابُ مَا جَاءَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ مِنَ اتُبَاعِ الإِمَامِ
٦١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عن ابْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عن مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَا تُبَادِرُونِي بِرُكُوعِ وَلَا بِسُجُودٍ(١)،
فَإِنَّهُ مَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِيَ بِهِ إِذَا رَفَعْتُ،
(٧٦) (بَابُ (٢) مَا جَاءَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ المَأْمُومُ مِنَ اتُبَاعِ الإمَامِ)
أي: يلزم على المأموم أن يتبع الإمام في أداء أفعال الصلاة، ولا يتقدم عليه
٦١٧ - (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) القطان، (عن) محمد (بن عجلان،
حَدّثني محمد بن يحيى بن حبان، عن) عبد الله (بن محيريز، عن معاوية بن
أبي سفيان قال: قال رسول الله (ص18: لا تبادروني) أي لا تسبقوني (بركوع ولا
بسجو) أي بأداء ركوع ولا سجود (فإنه مهما أسبقكم به) أي إذا أسبقكم بجزء
من الركوع (إذا (كعت) وقت خروري في الركوع قبلكم (تدركوني به) أي بذلك
الجزء (إذا رفعت) أي قبلكم، والحاصل أن الجزء الذي فاتكم بسبب التقديم
مني في أداء الركوع والسجود تدركون ذلك الجزء من الركوع والسجود بتأخيركم
(١) وفي نسخة: ((لا سجود)).
(٢) اعلم أن التقدم على الإِمام ممنوع بالاتفاق، وهل هو مفسد أيضاً أو لا؟ مختلف فيه،
فعند الحنفية مفسد في التحريمة لا غير، وفي غيرها حرام غير مفسد، وعند الأئمة الثلاثة
التسليمة في حكم التحريمة أعني مفسداً، وأما في بقية الأركان مثل الركوع والسجود
فحرام غير مفسد عند الأئمة الأربعة، بخلاف الظاهري فعنده مفسد مطلقاً، وأيضاً
لا يخفى عليك أن متابعة الإِمام عند أبي حنيفة بطريق المقارنة، وعند الثلاثة بطريق
المعاقبة، بل المقارنة عندهم منسدة لو كانت في التحريمة، وأما في غير التحريمة
فمكروهة غير مفسدة، خلافاً لمالك فعنده مفسدة في التسليم أيضاً، كما في ((مختصر
الخليل)) وغيره، ملخصاً من ((الأوجز)) (٢٦٢/٢)، و((اللامع)) (١٧٨/٣)، وأما مسلك
الصاحبين فهما لم يقولا بالمقارنة في التحريمة رواية واحدة، وفي غير التحريمة اختلف
النقل، فقيل: هما مع أبي حنيفة، وقيل: لا بل مع الجمهور، والله أعلم. (ش).
٥٤٦

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦١٨) حديث
إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ)). [جه ٩٦٣، حم ٩٢/٤، حب ٢٢٢٩]
٦١٨ - حَذَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن أَبِي إِسْحَاقَ،
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ يَخْطُبُ النَّاسَ، ثَنَا الْبَرَاءُ
وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ.
في الرفع (إني قد بدنت) أبو عبيد روى بالتخفيف(١)، وإنما هو بالتشديد
أي كبرت، والتخفيف من البدانة، وهي كثرة اللحم ولم يكن من صفته.
وقال الطيبي(٢): روي بالتشديد والتخفيف مفتوحة ومضمومة، والعلماء
اختاروا الأول إذ السمن لم يكن من وصفه(٣)، ولعل هذا القول إشارة إلى
أنه * يريد أني لا أسارع ولا أبادر، لأني قد كبرت وضعفت، وأنتم أقوياء
لعلكم تسبقوني، فلا تفعلوا هذه المسابقة واتبعوني.
٦١٨ - (حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي
هو عمرو بن عبد الله (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) بن زيد بن حصين
الأنصاري (الخطمي)(٤) بفتح المعجمة وسكون المهملة، صحابي صغير، ولي
الكوفة لابن الزبير، (يخطب الناس) حين كان والياً على الكوفة، (ثنا البراء
وهو) أي البراء(٥) (غير كذوب) أي ثقة ثبت صادق، والمراد تقوية الحديث
وتوثيقه لا نفي تهمة الكذب عنه، فإنه صحابي جليل لا يظن به الكذب،
(١) أنكره ابن دريد، ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١٨٦/٤).
(٣) لكن حديث عائشة: ((لما أسن وأخذ اللحم)) يصحح الوجهين، ((ابن رسلان))،
وحديث عائشة هذا أخرجه المصنف في ((باب الرجل يعتمد في الصلاة
على عصاً)). (ش).
(٤) نسبة إلى بطن من الأوس، ((ابن رسلان)). (ش).
(٥) قال ابن رسلان: هو الظاهر، وعليه مشى جماعة، ونقل عن ابن معين أنه قال:
يريد به عبد الله، وقال النووي: أراد به صحة الحديث وبسطه. [انظر: ((شرح النووي))
(٤٢٩/٢)]. (ش).
٥٤٧

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦١٨) حديث
(أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ قَامُوا
قِيَامًا، فَإِذَا رَأَوْهُ قَدْ سَجَدَ سَجَدُوا)). [خ ٦٩٠، م ٤٧٤، ن ٨٢٩، ت ٢٨١]
وكذلك صيغة المبالغة في معنى نفس الفعل، كما في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ بِظَلَاءٍ لِلْعَبِيدِ﴾(١).
(أنهم) أي الصحابة - رضي الله عنهم - (كانوا إذا رفعوا رؤوسهم من
الركوع مع رسول الله قاموا قياماً) أي قياماً طويلاً، أو يقال: بقوا
قائمين (فإذا رأوه)(٢) أي الصحابة رسول الله وج ليل (قد سجد سجدوا)
والحاصل أنه لما منعهم رسول الله وَلّر عن المبادرة، خافوا أنهم إذا سجدوا
مع رسول الله وَّر لعلهم يسبقونه، فكانوا ينتظرون سجوده قياماً، فإذا رأوه
سجد سجدوا .
قال الشامي في ((حاشية الدر المختار))(٣) بعد ما أطال الكلام في
المتابعة: والحاصل أن المتابعة في ذاتها على ثلاثة أنواع: مقارنة لفعل الإمام
مثل أن يقارن إحرامه لإحرام إمامه، وركوعه لركوعه، وسلامه لسلامه،
ويدخل فيها ما لو ركع قبل إمامه ودام حتى أدركه إمامه فيه، ومعاقبة لابتداء
فعل إمامه مع المشاركة في باقيه، ومتراخية عنه، فمطلق المتابعة الشامل لهذه
الأنواع الثلاثة يكون فرضاً في الفرض، وواجباً في الواجب، وسنّة في السنَّة
عند عدم المعارض أو عدم لزوم المخالفة.
ثم قال بعد عدة أسطر: إذا علمت ذلك ظهر لك أن من قال:
إن المتابعة فرض أو شرط كما في ((الكافي)) وغيره أراد به مطلقها بالمعنى
الذي ذكرناه، ومن قال: إنها واجبة كما في شرح ((المنية)) وغيره أراد به
المقيدة بعدم التأخير، ومن قال: إنها سنَّة أراد به المقارنة، الحمد لله على
توفيقه وأسأله هداية الطريق.
(١) سورة آل عمران: الآية ١٨٢.
(٢) فيه نظر المأموم إلى أفعال الإِمام في الصلاة ليقتدي به، ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) (٢٠٤/٢).
٥٤٨

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦١٩) حديث
٦١٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، الْمَعْنَى،
قَالَا: ثَنَا سُفْيَانُ، عن أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ زُهَيْرٌ: ثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبَانُ وَغَيْرُهُ،
٦١٩ - (حدثنا زهير بن حرب وهارون بن معروف، المعنى) أي معنى
حديثهما واحد، (قالا) أي زهير وهارون: (ثنا سفيان، عن أبان بن تغلب) بفتح
المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أبو سعد الكوفي، وثّقه أحمد ويحيى
وأبو حاتم والنسائي، وقال الجوزجاني: زائغ مذموم المذهب مجاهر،
وقال ابن عدي: هو من أهل الصدق في الروايات وإن كان مذهبه مذهب
الشيعة، وهو في الرواية صالح لا بأس به، قلت: هذا قول منصف، وأما
الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين، فالتشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد
تفضيل علي على عثمان، وأن علياً كان مصيباً في حروبه، وأن مخالفه مخطىء
مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن علياً أفضل الخلق
بعد رسول الله ، وإذا كان معتقد ذلك ورعاً دَيِّناً صادقاً مجتهداً، فلا ترد
روايته بهذا لا سيما إذا كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو
الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة، وقال الحاكم:
كان قاص الشيعة وهو ثقة، وقال ابن عجلان: رجل من أهل العراق من
النساك، ثقة، وقال الأزدي: كان غالياً في التشيع، وما أعلم به في الحديث
بأساً، مات سنة ٢٤١ هـ.
(قال أبو داود: قال زهير: ثنا الكوفيون: أبان وغيره) وغرض المصنف
بهذا القول أمران: أحدهما: بيان الاختلاف بين لفظ زهير وبين
لفظ هارون، فإن هارون روى هذا الحديث عن سفيان عن أبان بن تغلب
ولم يذكر غيره، وأما زهير بن حرب فرواه عن سفيان، فقال: حدثنا
الكوفيون: أبان وغيره.
وثانيهما: الجواب عن ما يرد عليه من الاختلاف الواقع في السند بأن
أباناً خالف فيه الحفاظ المتقنين، فذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يذكر
٥٤٩

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦١٩) حديث
عن الْحَكَم، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن الْبَرَاءِ قَالَ: ((كُنَّا
نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿ فَلَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَرَى النَّبِيَّ وَّهِ
يَضَعُ)). [م ٤٧٤، ن ٨٢٩]
أحد منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، بل ذكروا عن عبد الله بن يزيد الخطمي
عن البراء، وحاصل الجواب أن أباناً لم ينفرد في هذا، بل روى هذا الحديث
كثير من الكوفيين، فلا يكون ما ذكره أبان غير محفوظ، قال النووي: هذا مما
تكلم فيه الدارقطني، وقال: الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد عن البراء،
ولم يقل أحد عن ابن أبي ليلى غير أبان بن تغلب عن الحكم، وقد خالفه
ابن عرعرة، فقال: عن الحكم عن عبد الله بن يزيد عن البراء، وغير أبان أحفظ
منه، هذا كلام الدارقطني، وهذا الاعتراض لا يقبل، بل أبان ثقة نقل شيئاً
فوجب قبوله، ولم يتحقق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مروياً عن ابن يزيد
وابن أبي ليلى، والله أعلم.
(عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال) أي البراء:
(كنا نصلي مع النبي (#) أي خلف رسول الله وَلّر مقتدياً به (فلا يحنوا(١) أحد
منا) أي لا يثني ولا يقوس للسجود، وهو واوي ويائي من باب ضرب ونصر
(ظهره حتى يرى) أحدنا أو نحن (النبي 8##9 يضع) أي جبهته على الأرض في
السجود، كما تدل عليه الرواية اللاحقة، هكذا قال الشيخ علي القاري في
شرحه على ((المشكاة)) ولفظه: أي لم يعوج أحد منا ظهره، أو لم يثنه من القومة
قاصداً للسجود، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد حنو الظهر في الجلسة بين السجدتين، ويدل عليه
ما قال الحافظ العسقلاني في ((فتح الباري)) والعيني في ((شرحه على البخاري)) (٢)
(١) ولفظ البخاري: ((لم نحن))، بضم النون وكسرها، لغتان: حنوت وحنيت،
«ابن رسلان)). (ش).
(٢) انظر: ((فتح الباري)» (١٨١/٢)، و((عمدة القاري)) (٣٠٧/٤).
٥٥٠

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦) باب
(٦٢٠) حديث
٦٢٠ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعِ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ -،
عن أَبِي إِسْحَاقَ، عن مُحَارِبٍ بْنِّ دِنَارٍ.
في ((باب متى يسجد من خلف الإمام)): إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين،
وهذا يدل على أن يكون المراد في لفظ الحديث: ((لا يحنو أحد منا ظهره)) إما
في القومة أو الجلسة، فما قال في ((النهاية)) ونقله عنه صاحب ((المجمع))(١)
وتبعهما صاحب ((عون المعبود)): أي لم يثنه للركوع، فغير موجه، ويأبى عنه
روايات الحديث.
قلت: وكذلك حمله على الجلسة بين السجدتين في الحديث
بعيد، فإن الرواية اللاحقة مصرحة بأن المراد عدم حنو الظهر
في القومة للسجود، فإنه وقع فيها: ((وإذا قال: سمع الله لمن
حمده لم نزل قياماً))، أي في القومة بعد الركوع، والله تعالى
أعلم.
٠
٦٢٠ - (حدثنا الربيع بن نافع، ثنا أبو إسحاق يعني الفزاري)
هو إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء، أبو إسحاق الكوفي، متفق على
.توثيقه، لم يتكلم فيه أحد، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ولد
بواسط، وابتدأ في كتابة الحديث وهو ابن ٢٨ سنة، وكان من الفقهاء
والعباد، وذكر النديم (٢) في ((الفهرست)): أنه أول من عمل في الإسلام
أسطرلاباً (٣) وله فيه تصنيف.
(عن أبي إسحاق) أي الشيباني كما هو مصرح في ((صحيح مسلم))،
وهو سليمان بن أبي سليمان، (عن محارب بن دثار) محارب بضم أوله
وكسر الراء، ابن دثار بكسر المهملة وتخفيف المثلثة، ابن كردوس بن
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١/ ٥٩٧).
(٢) كذا في الأصل وكذا في ((التهذيب)) (١٥٣/١)، والظاهر ابن النديم. (ش).
(٣) الأسطرلاب: آلة رصد قديمة لقياس مواقع الكواكب وساعات الليل والنهار.
٥٥١

(٢) كتاب الصلاة
(٧٦ ) باب
(٦٢٠) حديث
قَالَ: ((سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ أَنَّهُمْ
كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولٍ(١) اللَّهِ وَ، فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا وَإِذَا قَالَ:
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ(٢) قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ
بِالأَرْضِ، ثُمَّ يَتْبَعُونَهُ وَ)). [خ ٨١١، م ٤٧٤]
قرواش بن جعونة السدوسي، أبو دثار، ويقال: أبو مطرف،
ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، متفق على
توثيقه وزهده .
(قال: سمعت عبد الله بن يزيد يقول على المنبر) أي في خطبته: (حدثني
البراء) أي ابن عازب (أنهم) أي الصحابة (كانوا يصلون مع رسول الله وَظخير، فإذا
ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً حتى يرونه)
أي رسول الله ونَ﴾ (قد وضع جبهته بالأرض) قال القاري(٣): يريد أن يضع
جبهته على الأرض.
فإن قلت: لما نهى رسول الله 18 عن المبادرة بالركوع والسجود
فكان عليهم أن يركعوا بعد خروره ◌ّيه للركوع ولم يزالوا قياماً حتى
يرونه قد ركع، فما وجه الفرق بينهما؟ قلت: قوله: ((فإذا ركع
ركعوا)) لا يدل على المقارنة، بل يشمل ما إذا حنى ظهره للركوع
يحنون أظهرهم بعده على أنه وجه الفرق بينهما أن مسافة ما بين القيام
والركوع أقل من المسافة التي بين القيام والسجود، فاحتمال التقدم
في الركوع بسبب قصر المسافة بعيد، وأما في المسافة التي بين القيام
والسجود باعتبار طوله لم يكن بعيداً، فكانوا يراعون ذلك فيه، والله تعالى
أعلم. (ثم يتبعونه ◌َار).
(١) وفي نسخة: ((النبي)).
(٢) وفي نسخة: ((يروه)).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٩٣/٣).
٥٥٢

(٢) كتاب الصلاة
(٧٧) باب
(٦٢١) حديث
(٧٧) بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ
فِيمَنْ يَرْفَعُ قَبْلَ الإِمَامِ أَوْ يَضَعُ قَبْلَهُ
٦٢١ - حَذَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدٍ بْنِ زِیَادٍ،
عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَمَا يَخْشَى، أَوْ: أَلَا يَخْشَى
أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ،
أَوْ صُورَتَهُ صُورَةً حِمَارٍ)). [خ ٦٩١، م ٤٢٧، ت ٥٨٢، ن ٨٢٨، جه ٩٦١،
حم ٢/ ٢٦٠، دي ١٣٢٢، ق ٩٣/٢]
-
(٧٧) (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِيمَنْ يَرْفَعُ) أي رأسه
(قَبْلَ الإمَامِ) أي من الركوع والسجود
(أَوْ يَضَعُ) (١) رأسه في الركوع والسجود (قَبْلَه) أي قبل الإمام
٦٢١ - (حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن محمد بن زياد) القرشي
الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني، سكن البصرة، وثقه أحمد وابن معين
والترمذي والنسائي، وأثنى عليه أبو داود، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (عن
أبي هريرة قال) أي أبو هريرة: (قال رسول الله صل *: أما يخشى أو ألا يخشى)
لفظة ((أو)) للشك من الراوي (أحدكم إذا رفع رأسه) قبل الإمام (والإمام
ساجد(٢) أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار).
قال الحافظ في ((شرح البخاري))(٣): الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي
عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية
(١) وإثبات هذا الجزء من الترجمة بما سيجيء من كلام الشيخ أنه يلتحق به بالأولى، أو لما
في بعض طرق رواية أبي هريرة: ((من يرفع أو يضع قبل الإِمام ناصيته بيد الشيطان»،
أخرجه البزار وابن أبي شيبة، ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) ذكره اتفاقاً، لأن الرفع أكثر ما يكون فيه، أو لأن السجدة مزية خصوصية، فإن العبد
أقرب ما يكون في السجدة، وفي ((ابن رسلان)» قريب منه. (ش).
(٣) (فتح الباري)) (٢/ ١٨٣).
٥٥٣

(٢) كتاب الصلاة
(٧٧) باب
(٦٢١) حديث
يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما
الحمادان فقالا: ((رأس))، وأما يونس فقال: ((صورة))، وأما الربيع فقال:
((وجه))، والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن
الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه، قلت: لفظ الصورة يطلق على الوجه
أيضاً، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد
عليها لأن بها وقعت الجناية، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام
لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات، ومع القول بالتحريم فالجمهور
على أن فاعله يأثم (١) وتجزىء صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في
رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد.
واختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر
معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب
عليه من متابعة الإمام، وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ
أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معاً.
وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك، والدليل على
جواز وقوع المسخ في هذه الأمة حديث أبي مالك الأشعري، فإن فيه: ((ويمسخ
آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة))، ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية
ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد «أن يحول الله رأسه رأس كلب»،
فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار.
ومما يبعده أيضاً إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير
الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً: فرأسه رأس
حمار، وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك
(١) في العمد، وأما على ظن أن الإِمام قام فلا، وأيًّا ما كان فيجب العود إلى المتابعة،
((ابن رسلان)). (ش).
٥٥٤