Indexed OCR Text
Pages 1181-1200
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
وعمر - رضي الله عنهما - فلم يقبله عبد الله، وقال: أفلم تر عمر لم يقنع
بقول عمار، فكيف يستدل بأمر لم يقنع عمر عليه ولم يقبله، وجواب
ابن مسعود هذا وإن لم يكن قاطعاً لاستدلال أبي موسى، لأن عدم قناعة
عمر كان لأنه لم يحفظه، فكيف يسقط الاحتجاج بقول من حفظه، ولكن
انتقل أبو موسى إلى استدلال آخر قصراً للبحث وحذراً عن طول الكلام،
فاستدل على مدعاه بالآية التي في سورة المائدة، فقبل عبد الله هذا
الاستدلال، وإن كان يمكن له أن يقول: المراد بالملامسة غير المجامعة،
ولكن اكتفى عبد الله بن مسعود على بيان مذهبه.
وحاصله أنه لا يقول بعدم جواز التيمم للجنب مطلقاً بل هو مسلم
عنده أيضاً. وهذا الذي قلته من عدم جوازه كان دفعاً للمفسدة لئلا
يتسارع الناس في ذلك إذا برد عليهم الماء أو عرض لهم عذر يسير،
فلو رخص لهم في ذلك لاستبقوا إلى التيمم، فلأجل ذلك قلت هذا
القول احتياطاً وسدًّا للباب، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في
(صحيحه)) بهذا الترتيب من طريق حفص بن غياث عن الأعمش،
عن شقيق، وأما على هذا الترتيب الذي في أبي داود، فلما انقطع
البحث بالاستدلال بالآية، ووافق عبد الله أبا موسى في المسألة، فلا
معنى بعده للاستدلال بقول عمار.
واعلم أن العلماء بعدما اتفقوا على مشروعية التيمم للصلاة عند
عدم الماء من غير فرق بين المحدث والجنب، وأجمعوا على ذلك،
ولم يخالف فيه أحد إلَّ ما حكي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن
مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب، وقيل:
إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، اختلفوا في أن التيمم ضربة واحدة
أو ضربتان أو ثلاث ضربات، وفي أن محل المسح في التيمم من
٤٧٥
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
اليدين إلى الكفين فقط أو إلى المرفقين أو الآباط، ولم يذهب إلى هذا
المذهب الأخير إلَّا الزهري.
وقد ذهب في الاختلاف الأول إلى القول الأول عطاء(١) ومكحول
والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، ونقله ابن المنذر(٢) عن جمهور
العلماء، وهو قول عامة أهل الحديث.
وذهب إلى الثاني من الفقهاء سفيان الثوري ومالك(٣) وأبو حنيفة
وابن المبارك والشافعي، وبه قال بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين
منهم: ابن عمر وجابر وإبراهيم النخعي والحسن البصري، وذهب
ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات، ضربة للوجه
وضربة للكفين وضربة للذراعين.
احتج الفريق الأول بحديث الباب وبأمثاله من الأحاديث المُجْمَع
على صحتها، واستدل الفريق الثاني بالأحاديث الكثيرة التي فيها ذكر
الضربتين، والاستدلال بها موقوف على تمهيد عدة مقدمات.
أولاها: أن عدم ذكر الشيء والسكوت عنه لا يدل على نفيه، وكذا
إذا ذكر العدد فهو لا ينفي ما فوقه، لأن مفهوم العدد غير معتبر.
وثانيتها: أن الزيادة إذا ثبتت تقبل ما لم تكن منافية لما ثبت في غيرها
من الروايات الثابتة .
وثالثتها : أن الروايات الضعيفة إذا تعددت طرقها اكتسبت قوة وتبلغ
(١) ونقله ابن رسلان عن عامة أصحابهم. (ش).
(٢) ورواية عن مالك، كذا في ((الأوجز)) (٥٧١/١). (ش).
(٣) المرجح عند مالك ضربة فرض، وضربتان سنة، كذا في ((الأوجز)) (٥٧١/١). (ش).
٤٧٦
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
مبلغ الاحتجاج بها، حتى إنها تبلغ مرتبة الشهرة والتواتر، حتى لا يقدح
فيها ضعف الرواة .
ورابعتها: أن الحديث إذا رواه ثقة مرفوعاً، ورواه ثقة أو ثقات
موقوفاً، فوقفهم الحديث لا يستلزم ضعف الرفع، ولا يستدل به على ضعف
المرفوع، فإنه زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة إلَّا أن تدل القرينة على
الشذوذ، ولأن الراوي يرويه مرة فيريد أن يحدث به تحديثاً فيرفعها، ويريد
أن يفتي به مرة فيوقفها، فلا منافاة في كونه مرفوعاً وموقوفاً، فيصح رفعه
ووقفه، فقول بعض المحدثين: فالصواب موقوف في الحديث الذي روي
مرفوعاً بطريق صحيح، وكذلك موقوفاً غير موجه.
فإذا تمهدت المقدمات فنقول بحول الله وقوته: إن الأحاديث المثبتة
لوحدة الضربة صريحاً لم أجدها في البخاري، ولكن في رواية مسلم
من طريق أبي معاوية عن الأعمش فقال: ((إنما كان يكفيك أن تقول
بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه))، وفي نسخة: ((بيده إلى الأرض
ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه))،
وهذه الرواية على النسخة التي فيها لفظة ((بيده)) بالإفراد دليل ظاهر على أن
المقصود، والغرض بهذا التيمم بيان صورة الضرب والمسح، لا جميع
ما يحصل به التيمم.
وكذلك قوله: ((ثم مسح الشمال على اليمين))، فإن الاكتفاء على مسح
الشمال على اليمين ظاهر في أن الغرض ليس إلَّا بيان الصورة الإجمالية.
وكذلك ما ورد في هذه الرواية: ((وظاهر كفيه)»، وكذا في رواية
البخاري: ((ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه))، ففي الاكتفاء
على مسح ظاهر الكفين على رواية مسلم، وعلى ظهر أحدهما خاصة على
٤٧٧
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
رواية البخاري أصرح دلالة على ما قلنا، وإلّ فالواجب في المسح أن
يكون على ظهر الكف الواحد أو الكفين لا جميع الكفين، لأنه أقل ما ورد
فيه في الروايات الصحيحة الصريحة ولم يقل به أحد.
وفي رواية له من طريق عبد الواحد عن الأعمش: فقال: ((إنما كان
يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض فنفض يديه))، وأما في
البخاري ففيه: فقال النبي 9َّ: ((إنما كان يكفيك هكذا، فَضَرَبَ النبيِ وَ ل
بکفیه الأرض ونفخ فیھما، ثم مسح بهما وجهه و کفیه)) .
وفي رواية له: فقال: ((يكفيك الوجه والكفين))(١)، وفي أخرى له:
قال عمار: ((فضرب النبي (8 بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه))، وفي
أخرى له في باب التيمم ضربة: فقال: ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا،
وضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله
أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه)، وفي أخرى له في هذا الباب:
فقال: ((إنما يكفيك هكذا ومسح وجهه وكفيه واحدة)).
وهذا السياق الأخير للبخاري وإن كان فيه تصريح بالوحدة، ولكن
ليس فيه ذكر ضربة ولا ضربتين، فالظاهر أن معناه: ومسح وجهه وكفيه
واحدة، أي مسحة واحدة، كما فسر به الحافظ في ((الفتح))، وكأن البخاري
- رحمه الله - أخذ بهذا أن المراد من المسحة الواحدة الضربة الواحدة،
ولذلك أخرجه في ((باب التيمم ضربة).
(١) قوله: ((والكفين)) بالنصب رواية أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره ((والكفان))
بالرفع وهو الظاهر، والأحسن وجه النصب أن تكون ((الواو)) بمعنى ((مع). كذا في
(شرح العيني)) للبخاري (٢١٤/٣).
٤٧٨
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
١
قلنا: لا نسلم ذلك بل يحتمل أن يكون معناه: ومسح كل واحد من
الوجه والكفين مسحة واحدة، لا مسحتين ولا ثلاث مسحات، فحينئذ
لا يمكن أن يستدل بهذا على وحدة الضربة، وأما الروايات التي تقدم
ذكرها، فلا يجوز أن يستدل بها أيضاً، لأن الروايات التي صرح فيها
بالوحدة لا تدل على نفي ما فوقها، وكذلك الروايات التي ليس فيها ذكر
الوحدة بل ذكر فيها الضربة كما في البخاري: ((وضرب بكفه ضربة)»، فهي
أيضاً لا يقتضي نفي الزائد إلَّا بطريق المفهوم، والاستدلال بالمفهوم لا تقوم
به حجة على الخصم، فبقيت الروايات المثبتة للضربتين سالمة
عن المعارضة .
وأما الروايات المثبتة للضربتين، فمنها ما ذكره المصنف وغيره من
طريق يونس عن ابن شهاب، عن حديث عمار بن ياسر: ((أنهم تمسحوا
بأكفهم للصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا
بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من
بطون أيديهم))، قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه: عن ابن
عباس، وذكر فيه ضربتين كما ذكره يونس، ورواه معمر عن الزهري
ضربتين، انتهى.
قلت: وكذلك رواه ابن أبي ذئب عن الزهري وفيه: قال عبد الله:
((وكان يحدث أن الناس طفقوا يومئذ يمسحون بأكفهم الأرض فيمسحون
وجوههم، ثم يعودون فيضربون ضربة أخرى، فيمسحون بها أيديهم إلى
المناكب والآباط)»، أخرجه البيهقي(١)، وهذه الروايات ظاهرة في أنهم
كانوا علموا بالآية أنهم أمروا بالتيمم بمسح الوجه والأيدي، ولكن
(١) («السنن الكبرى)) (٢٠٨/١).
٤٧٩
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حدیث
لم يعلموا أن المراد بالأيدي كلها من الأنامل إلى المناكب
والآباط أو بعضها، وعلموا أنهم أمروا بضربتين في التيمم ضربة للوجه
وضربة لليدين.
قال الشوكاني(١): وقد روى الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) أنه واله
قال لعمار بن ياسر: ((يكفيك ضربة للوجه وضربة للكفين))، وفي إسناده
إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وهو ضعيف وإن كان حجة عند الشافعي.
قلت: قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢): قال الربيع: سمعت
الشافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريًّا، قيل للربيع: فما حمل
الشافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن يخرّ إبراهيم من بعد
أو من السماء أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث، وقال
أبو أحمد بن عدي: سألت أحمد بن محمد بن سعيد يعني ابن عقدة فقلت
له: تعلم أحداً أحسن القول في إبراهيم غير الشافعي؟ فقال: نعم، حدثنا
أحمد بن يحيى الأودي سمعت حمدان بن الأصبهاني قلت: أتدين بحديث
إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: نعم، ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد:
نظرت في حديث إبراهيم كثيراً وليس بمنكر الحديث، قال ابن عدي: وهذا
الذي قاله كما قال، وقد نظرت أنا أيضاً في حديثه الكثير فلم أجد فيه
منكراً، إلَّا عن شيوخ يحتملون، وإنما يروي المنكر من قبل الراوي عنه،
أو من قبل شیخه، وهو من جملة من یکتب حديثه.
وأيضاً قال الحافظ في ترجمته في موضع آخر: وقال الشافعي في
كتاب ((اختلاف الحديث)): ابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي، وقال
(١) ((نيل الأوطار)) (٣٤٠/١).
(٢) (١٥٩/١).
٤٨٠
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
أيضاً: قال العجلي: كان قدريًّا معتزليًّا رافضيًّا، وكان من أحفظ الناس،
وكان قد سمع علماً كثيراً، وقرابته كلهم ثقات، وهو غير ثقة، وقال الذهبي
في ((الميزان)): وقد وثّقه الشافعي وابن الأصبهاني.
ومنها ما أخرجه الطحاوي(١) وغيره عن أسلع التميمي - رضي الله عنه -
مرفوعاً: حدثنا محمد بن الحجاج قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو يوسف
عن الربيع بن بدر قال: حدثني أبي عن جدي عن أسلع التميمي قال: كنت
مع رسول الله وَ لير في سفر، فقال لي: ((يا أسلع قم فارحل لنا))
قلت: يا رسول الله # أصابتني بعدك جنابة فسكت عني، حتى أتاه جبرئيل
- عليه السلام - بآية التيمم فقال لي: ((يا أسلع! قم فتيمم صعيداً طيباً
ضربتين: ضربة لوجهك وضربة لذراعيك ظاهرهما وباطنهما))، الحديث.
٠٠ ..
قال الشوكاني(٢): وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف، وقال البيهقي:
الربيع بن بدر ضعيف إلَّا أنه غير متفرد.
ومنها ما روي عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً، فالمرفوع ما أخرجه
الدارقطني(٣): حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، ثنا عبد الله بن
الحسين بن جابر، ثنا عبد الرحيم بن مطرف، ثنا علي بن ظبيان،
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر قال: ((التيمم
ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، كذا رواه علي بن
ظبيان مرفوعاً، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب.
(١) ((شرح معاني الآثار)) (١١٣/١).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٣٤٠/١).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١٨٠/١).
٤٨١
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
قلت: قال الشوكاني: وفي إسناده علي بن ظبيان، قال الحافظ:
هو ضعيف ضعفه القطان وابن معين وغير واحد، وقال الحافظ
في ((تهذيب التهذيب)) (١) في ترجمته بعدما نقل تضعيفه عن جمهور
المحدثين: وقال طلحة بن محمد بن جعفر: علي بن ظبيان رجل جليل
دَيْنٌ متواضع حسن العلم بالفقه من أصحاب أبي حنيفة، وكان خشناً في
باب الحكم ولَّاه هارون الرشيد، وأخرج الحاكم في ((المستدرك)»(٢) حديثه
في التيمم وقال: إنه صدوق، ثم أخرج رواية يحيى بن سعيد وهشيم
عن ابن عمر أنه كان يقول: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للكفين
إلى المرفقين، فهذه الرواية الموقوفة في حكم المرفوع، لأنه لا مدخل فيه
للرأي والاجتهاد، أو يقال: إن ابن عمر أفتى من نفسه مرة فلم يرفعه،
ورفعه مرة .
ومن المرفوع أيضاً ما أخرجه الدار قطني(٣) بسنده من طريق سليمان بن
أرقم عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: ((تيممنا مع النبي ◌َل* بضربتين:
ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين))، ومن طريق
سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع، عن ابن عمر، عن النبي وَ لّى:
((في التيمم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))، قال
الدارقطني: سليمان بن أرقم وسليمان بن أبي داود ضعيفان .
ومنها ما روي عن جابر مرفوعاً وموقوفاً، فالمرفوع ما أخرجه
الدار قطني بسنده: حدثنا محمد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي بن
(١) (٣٤١/٧).
(٢) (١٧٩/١).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٦٨٩ - ٦٩٠).
٤٨٢
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
قانع قالوا: نا إبراهيم بن إسحاق الحربي، نا محمد بن عثمان(١)
الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير،
عن جابر، عن النبي ◌ُّر قال: ((التيمم ضربة للوجه، وضربة
للذراعين إلى المرفقين»، ثم قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات،
والصواب موقوف.
قال الشيخ شمس الحق في ((حاشيته على الدارقطني)): قوله: رجاله
كلهم ثقات، وقال الحاكم أيضاً: صحيح الإسناد، وقال ابن الجوزي في
((التحقيق)): وعثمان بن محمد متكلم فيه، وتعقبه صاحب ((التنقيح)) تابعاً
للشيخ تقي الدين في ((الإمام))، وقال ما معناه: إن هذا الكلام لا يقبل منه،
لأنه لم يبين من تكلم فيه، وقد روى عنه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم
وغيرهما، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً،
وقال الذهبي: فيه لين، قال العيني (٢): وأخرجه البيهقي أيضاً والحاكم
أيضاً من حديث إسحاق الحربي(٣)، وقال: هذا إسناد صحيح، وقال
الذهبي أيضاً: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته .
ومنها ما روي عن ابن عمر مرفوعاً فقد أخرج البيهقي (٤) وغيره بسنده
من طريق محمد بن ثابت العبدي: حدثنا نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في
حاجته إلى ابن عباس فلما أن قضى حاجته كان من حديثه يومئذ قال: ((بينما
النبي ◌َّة في سكة من سكك المدينة، وقد خرج النبي ◌ّلّ من غائط أو بول،
(١) كذا في الأصل، والظاهر بدله عثمان بن محمد. انظر: ((سنن الدار قطني)) (١٨/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢١٠/٣).
(٣) كذا في ((العيني))، والظاهر بدله ابن إسحاق. (ش).
(٤) («السنن الكبرى)) (٢٠٦/١).
٤٨٣
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
فسلم عليه رجل فلم يرد عليه، ثم إن النبي 18 ضرب بكفيه فمسح لوجهه
مسحة، ثم ضرب بكفيه الثانية فمسح ذراعيه إلى المرفقين))، الحديث.
ثم قال البيهقي: وقد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على
محمد بن ثابت، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر، ثم أخرج
رواية يزيد بن الهاد أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله اَلر
من الغائط، الحديث، فرفعه يزيد بن الهاد كما رفعه محمد بن ثابت، ثم قال
البيهقي: فهذه الرواية شاهدة لرواية محمد بن ثابت العبدي إلَّا أنه حفظ
فيها الذراعین، انتهى.
ثم قال بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سألت يحيى بن
معين قلت: محمد بن ثابت العبدي، قال: ليس به بأس، كذا قال في رواية
الدارمي عنه، وهو في هذا الحديث غير مستحق للتزكية بالدلائل التي
ذكرتها، وقد رواه جماعة من الأئمة عن محمد بن ثابت مثل يحيى بن معين
ومعلى بن منصور وسعيد بن منصور وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم
ورواه عنه، وهو عن ابن عمر مشهور .
قال مولانا الشيخ عبد الحي في ((السعاية))(١):
ومنها ما أخرجه أحمد(٢) من حديث أبي هريرة: أن قوماً جاؤوا إلى
رسول الله صل فقالوا: إنا نسكن الرمال ولا نجد الماء شهراً أو شهرين،
وفينا الجنب والحائض والنفساء، فقال: ((عليكم بأرضكم ثم ضرب
بيده على الأرض ضربة واحدة، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها على يديه
إلى المرفقين)).
(١) (١/ ٥١٢).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (١٥٦/١). و((مسند أحمد)» (٢٧٨/٢ - ٣٥٢).
٤٨٤
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
قال ابن الهمام في ((فتح القدير))(١): وهو حديث يعرف بالمثنى بن
الصباح، وقد ضعَّفه أحمد وابن معين في آخرين، ورواه أبو يعلى من
حديث ابن لهيعة وهو أيضاً ضعيف، وله طريق آخر في ((معجم الطبراني
الأوسط))، حدثنا أحمد بن محمد البزار الأصبهاني، ثنا الحسن بن عمارة
الحضرمي، ثنا وكيع بن الجراح، عن إبراهيم بن يزيد، عن سليمان
الأحول، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره، وقال: لا نعلم
لسليمان الأحول عن سعيد غير هذا الحديث، انتهى، وفيها إبراهيم بن يزيد
وهو ضعيف أيضاً.
ومنها حديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((التيمم ضربتان:
ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))، رواه البزار(٢) بسنده عن عائشة
مرفوعاً. قلت: قال العيني في ((شرحه على البخاري))(٣): حديث عائشة
أخرجه البزار بإسناده عنها عن النبي وَّر قال: ((في التيمم ضربتان: ضربة
للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، وفي إسناده الحريش بن الخريت،
ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة .
قلت: قال الحافظ في ((التهذيب)): وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال
يحيى: ليس به بأس، وقال البخاري في ((تاريخه)): أرجو أن يكون صالحاً،
روی له ابن ماجه حديثاً واحداً .
ومنها ما روي عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أخرجه الطبراني (٤)
(١) (١١٢/١).
(٢) انظر: ((مجمع الزوائد» (٥٩١/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢١٠/٣).
(٤) ((المعجم الكبير)) (٧٩٥٩/٨).
٤٨٥
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
بإسناده إليه عن النبي ◌َّم قال: ((التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى
المرفقين))، وفي إسناده جعفر بن الزبير، قال شعبة: وضع أربع مئة حديث،
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)»: متروك الحديث، وكان صالحاً في نفسه،
وقال في «تهذيب التهذيب»: قال أبو داود: من خيار الناس، ولكن لا أكتب
حديثه، روى له ابن ماجه حديثاً واحداً في مس الذكر.
واستدلوا أيضاً بالكتاب لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾(١)، وأمروا بمسح الوجه واليدين، وفي الغسل لا يجوز
استعمال ماء واحد في عضوين في الوضوء، فلا يجوز استعمال تراب واحد
في عضوين في التيمم، لأن الخلف لا يخالف الأصل، فإن النص وإن
لم يتعرض للتكرار نصًا وهو متعرض له دلالة فلا يقال فيه: إنه إثبات الحكم
بالقياس بمقابلة النص، ألا ترى أن استيعاب العضوين(٢) بالمسح وإن
لم يتعرض له النص، لكن لما كان التيمم بدلاً عن الوضوء والاستيعاب فيه
من تمام الركن فكذا في البدل.
وأما الآثار المروية من الصحابة والتابعين في هذا الباب فكثيرة،
ولكن لا نطول الكلام بذكرها .
وأما الاختلاف الثاني فقد اختلف في محل المسح في التيمم، قال
الأكثرون: هو ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين،
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك والشافعي وأصحابهما، والليث بن
سعد، غير أن عند مالك إلى الرسغين فرض، وإلى المرفقين اختيار، وقال
(١) سورة المائدة: الآية ٦.
(٢) قال ابن القيم: الاقتصار في التيمم على العضوين في غاية الموافقة للقياس «إعلام
الموقعين)) (١٨/٢). (ش).
٤٨٦
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
الحسن بن حي وابن أبي ليلى: ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه
وذراعيه ومرفقيه، وقال الخطابي: لم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وقال
ابن سيرين: ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة لهما
أخرى جميعاً، حكي ذلك القول في ((البدائع)»(١).
وقال الزهري(٢): يتيمم الآباط، وقالت طائفة من العلماء: يضرب
أربع ضربات، ضربتان للوجه وضربتان لليدين، وليس له أصل من السنة،
وقال بعض العلماء: يتيمم الجنب إلى المنكبين وغيره إلى الكوعين،
وهو قول ضعيف، وفي رواية عن ابن سيرين: ضربة للوجه، وضربة
للكفين، وضربة للذراعين.
قال النووي(٣): اختلف العلماء في كيفية التيمم، فمذهبنا ومذهب
الأكثرين أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين،
وممن قال بهذا من العلماء علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن
البصري والشعبي وسالم بن عبد الله وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة
وأصحاب الرأي وآخرون - رضي الله عنهم أجمعين ..
وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين (٤)،
وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وعامة
(١) ("بدائع الصنائع)) (١٦٥/١).
(٢) وحكاه ابن رسلان عن ابن المنذر والطحاوي وغيرهما أنه مذهب أبي بكر الصديق
- رضي الله عنه -. (ش).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٩٥/٢).
(٤) ونقل ابن رسلان عن النووي في ((شرح المهذب)) (٢٦٢/٢) أنه الأقوى دليلاً،
وهو قول قديم للشافعي. (ش).
٤٨٧
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
أصحاب الحديث، قلت: وأهم ما يعتنى به من هذه الأقوال المذكورة في
هذا الباب قولان، القول الأول ما قاله أصحابنا الحنفية وأكثر الفقهاء،
والقول الثاني ما قاله أصحاب الحديث وغيرهم.
واستدل الفريق الثاني بما رواه عمار في حديثه: ((ثم مسح بهما وجهه
وكفيه))، وأيضاً في قصة عمار فقال: ((يكفيك الوجه والكفان)).
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم
يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف
في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر
اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في «الصحيحين»،
ويذكر المرفقين في ((السنن))، وفي رواية ((إلى نصف الذراع))، وفي رواية
((إلى الآباط))، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراعين ففيهما مقال،
وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلمره
فكل تيمم صح للنبي ◌ّ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره
بالحجة فيما أمر به.
قال العيني(٢): قلت: قوله: لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم
وعمار، غير مسلّم، لأنا قد ذكرنا أنه روي فيه عن جابر مرفوعاً: ((إن التيمم
ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين))، وأن الحاكم قال: إسناده
صحيح، وأن الذهبي قال: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع
صحته، فإن قلت: رواه جماعة موقوفاً، قلت: الرفع أقوى وأثبت،
لأنه أسند من وجهين .
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٤/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢١١/٣).
٤٨٨
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
فقوله: أما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، غير صحيح،
ولا يطلق عليه حد الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين وإلى المرفقين
وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدارقطني في هذا الحديث خصصته
وفسرته بقوله: ((فمسح بوجهه وذراعيه))، فإن قلت: هذا القائل لم يرد
الإجمال الاصطلاحي، بل أراد الإجمال اللغوي، قلت: إن كان كذلك،
فحدیث الدارقطني أوضحه وكشفه كما ذكرنا، انتهى.
قلت: قد ذكرنا فيما تقدم أن حديث عمار اختلفت ألفاظه فيما رواه
البخاري ومسلم، ففي رواية عن عمار: فقال النبي وَله: ((إنما كان يكفيك
هكذا، فضرب النبي ◌ّ﴾ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه
وكفيه))، وفي أخرى له: فأتيت النبي ◌َّ فقال: ((يكفيك الوجه والكفين))،
وفي هذين الحديثين ذكر الوجه والكفين، وفي أخرى له: ذكرت ذلك
للنبي وَّر فقال: ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفه ضربة على
الأرض ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه،
ثم مسح بهما وجهه))، وفي رواية له: قال عمار: ((فضرب النبي ◌َّ بيده
الأرض فمسح وجهه و کفیه)) .
فاختلفت روايات البخاري في أن آلة المسح من رسول الله وَلقر هل
كانت واحدة أو ثنتين؟ فالرواية التي فيها «فضرب بكفيه)) تدل على أن آلة
المسح من رسول الله * كانت كفيه، والرواية التي فيها ضرب النبي ◌َّ
بيده أو ضرب بكفه تدل على أن آلة المسح من رسول الله (8# كانت
واحدة، ومثل ذلك الاختلاف وقع الاختلاف في محل المسح أيضاً، وفي
بعضها: ((مسح وجهه وكفيه))، وفي بعضها: ((مسح ظهر كفه بشماله))،
أو ((ظهر شماله بكفه)).
٤٨٩
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
فيفهم من هذه الروايات أن أدنى ما يكفي المتيمم من المسح أن
يمسح بيد واحدة على ظهر الكفين؛ ظهر كف اليمين بالشمال، وظهر كف
الشمال باليمين، بل رواية لفظ ((أو)) تدل على أن أدنى الكفاية أن يمسح بيد
واحدة ظهر كف إحدى يديه اليمين أو الشمال.
وأما الروايات التي ورد فيها مسح الكفين، فيمكن أن يؤوَّل بحذف
المضاف أي وظهر كفيه، أو يقال: إن أدنى ما يكفي في التيمم من المسح
هو المسح بيد واحدة على ظهر الكفين أو على ظهر كف واحد، وأما مسح
الكفين جميعهما ظهراً وبطناً فاختيار، فليت شعري أي شيء حملهم على أنهم
تركوا هذه الروايات الصريحة الصحيحة، وأوجبوا مسح الكفين ظاهراً وباطناً،
فلو اعتذروا أنه # فعل ذلك الفعل وكان غرضه بيان صورة الضرب لا بيان
جميع ما يحصل به التيمم، فهذا هو قول المخالفين، ويثبت أن يلزم مسح
الذراعين إلى المرفقين، وإلّا فلا يثبت لزوم المسح على الكفين ظاهراً وباطناً .
وأما الفريق الثاني فاستدلوا على أن التيمم يلزم فيه المسح على الوجه
واليدين إلى المرفقين، واستدلوا بأحاديث كثيرة، منها حديث أبي الجهيم بن
الحارث الصمة الأنصاري أخرجه مسلم وأبو داود(١) بلفظ: ((فمسح
بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام)»، وهذا لفظ مسلم وأبي داود،
وأخرجه الدارقطني والبيهقي (٢) من طريق الليث ولفظه: ((فمسح بوجهه
وذراعيه ثم رد عليه السلام)).
ثم بعد إخراج رواية الليث المتقدمة، قال البيهقي(٣): أخبرنا
(١) (صحيح مسلم)) (١١٤)، و ((سنن أبي داود)) (٣٢٩).
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٦٧١)، و ((السنن الكبرى)) (٢٠٥/١).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٠٥/١).
٤٩٠
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
أبو زكريا بن إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، ثنا إبراهيم بن محمد،
عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة قال: ((مررت على
رسول الله ◌َل وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ، حتى قام إلى جدار،
فحَتَّه بعصاً كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه،
ثم ردَّ عليَّ))، هذا شاهد رواية أبي صالح كاتب الليث إلّا أن هذا منقطع،
لأن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمع من ابن الصمة، وإبراهيم بن
محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قد
اختلفت الحفاظ في عدالتهما، إلّا أن لروايتهما بذكر الذراعين فيه شاهداً
من حديث ابن عمر.
قلت: وإبراهيم بن محمد هذا وإن تكلم فيه أهل الحديث لكن وثّقه
الشافعي وابن الأصبهاني وابن عقدة، وقد تقدم ذكره، وعبد الرحمن بن
معاوية هذا، قال الذهبي في ((الميزان))(١): قال عبد الله بن أحمد: حدثني
أبي قال: أبو الحويرث روى عنه سفيان وشعبة، فقلت: إن بشر بن عمر
زعم أنه سأل مالكاً عنه، فقال: ليس بثقة فأنكره، ثم قال: لا، قد حدث
عنه شعبة، وروى عثمان بن سعيد وغيره، عن ابن معين: ثقة.
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢): وقال بشر بن عمر عن مالك:
ليس بثقة، وقال عبد الله بن أحمد: أنكر أبي ذلك عن قول مالك، وقال:
قد روى عنه شعبة وسفيان، ونقل ابن عدي في ترجمته من طريق أحمد بن
سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: ثقة، وكذا من طريق عثمان الدارمي
عن يحيى، وقال العقيلي: وثّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
(١) رقم الترجمة: (٥٩١٢).
(٢) (٢٧٢/٦).
٤٩١
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
وقال أبو الجويرية: ونقل ذلك الحاكم أبو أحمد عن البخاري، ثم قال:
وهو وهم، ولم يتكلم فيه البخاري بشيء.
وأيضاً أخرج الدارقطني(١): حدثنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن
إبراهيم المروزي، ثنا محمد بن خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جبلة،
ثنا أبو حاتم أحمد بن حمدويه بن جميل بن مهران المروزي، ثنا أبو معاذ،
ثنا أبو عصمة، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، وفيه:
«فضرب الحائط بيده ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب بها أخرى فمسح
بها ذراعيه إلى المرفقين، ثم رد عليَّ السلام))، قال أبو معاذ: وحدثني
خارجة عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج،
عن أبي جهيم عن النبي ◌ُّر مثله.
فهذه الروايات التي أخرجها الدارقطني وفيها ذكر مسح الذراعين تدل
على أن ما وقع في رواية مسلم وأبي داود وغيرهما من رواية أبي الجهيم
بلفظ: ((فمسح بوجهه ويديه))، محمول على الذراعين لا على الكفين.
ومنها حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو داود(٢) وغيره من طريق
محمد بن ثابت العبدي ولفظه: قال: ((مر رجل على رسول الله وَلخير في سكة
من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى
إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما
وجهه، ثم ضرب بهما ضربة أخرى ومسح ذراعيه، ثم رد على الرجل
السلام))، قال أبو داود: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم لم
يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي وَّر.
(١) (سنن الدارقطني)) (١٧٧/١).
(٢) ح (٣٣٠).
٤٩٢
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
قال الشوكاني(١): وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد،
قلت: قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢): قال محمد بن سليمان: لُوَيْرٌ،
وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس
به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه. وقال الذهبي في
((الميزان)»(٣): وروى معاوية بن صالح عن يحيى: ليس به بأس، ينكر عليه
حديث ابن عمر في التيمم لا غير، يعني أنه عليه الصلاة والسلام تيمم لرد
السلام، والصواب موقوف.
قال البيهقي(٤): قد أنكر بعض الحفاظ رفع هذا الحديث على
محمد بن ثابت العبدي، فقد رواه جماعة عن نافع من فعل ابن عمر،
والذي رواه غيره عن نافع من فعل ابن عمر إنما هو التيمم فقط، فأما هذه
القصة فهي عن النبي وَالهر مشهورة برواية أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة
وغيره، وثابت عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً مر
ورسول الله وَّل﴿ يبول فسلم فلم يردّ عليه، إلَّا أنه قصر بروايته، ورواه يزيد بن
الهاد أتم من ذلك.
ثم قال البيهقي: وفعل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى
المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت .
ومنها حديث جابر - رضي الله عنه - أخرجه الدارقطني(٥) مرفوعاً
(١) ((نيل الأوطار)) (٢٤٠/١).
(٢) (٨٥/٩).
(٣) (٤٩٥/٣).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٢٠٦/١).
(٥) ((سنن الدارقطني)) (١٨١/١).
٤٩٣
(١) كتاب الطهارة
(١٢٣) باب
(٣٢١) حديث
بسنده عن جابر عن النبي 8# قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة
للذراعين إلى المرفقين))، ثم قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات،
وقد صححه الحاكم.
وقال العلامة العيني(١): قال الذهبي أيضاً: إسناده صحيح، ولا يلتفت
إلى قول من يمنع صحته، وهذا حديث صحيح صريح في إثبات الدعوى،
ولو لم يكن هذا الحديث الصحيح الصريح بأيدي الفريق الأول لكانت
الأحاديث الضعاف التي تكلم فيه كافية في إثبات الدعوى، لأن لمجموعها
قوة تكفي في إثبات الدعوى.
واستدلوا أيضاً بالكتاب(٢) بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّعُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُم مِّنْةً﴾(٣)، فإن الله تعالى أمر بمسح اليد،
فلا يجوز التقييد فيه إلَّا بدليل، وقد ورد في التقييد أحاديث مختلفة،
فأدنى التقييد الذي ورد فيه هو ظهر الكف الواحد ثم الكفين والثالث
إلى المرفقين.
فأما التقييد بالأولين فيحتمل أن يكون لأجل بيان صورة الضرب،
ويحتمل أن يكون لأجل بيان ما يحصل به جميع الفعل، فلما كان مبناه على
الاحتمال لم يبق الاستدلال، ولا يصح الاحتجاج به، وبقي التقييد
بالمرفق، وليس فيه احتمال يمنع الاستدلال، فيؤخذ به، وهو الأشبه
بالقياس؛ لأن المرفق جعل غاية للأمر بالغسل في الوضوء، والتيمم بدل
(١) ((عمدة القاري)) (٢١١/٣).
(٢) واستدل ابن العربي بالقرآن على خلافه، ونقله عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
(ش). [انظر: ((العارضة)) (٢٤٠/١)].
(٣) سورة المائدة: الآية ٦.
٤٩٤