Indexed OCR Text
Pages 541-560
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
عن عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ، عن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ((دَخلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ
- يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ -
عبد مناف المطلبي المكي، وثَّقه ابن معين وأبو داود، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، مات بالمدينة في أول خلافة هشام سنة ١١١هـ، وكان
قليل الحدیث.
(عن عبيد الله الخولاني) هو عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن الأسد
الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، هذه النسبة إلى خولان،
وعبس وخولان قبيلتان نزلتا بالشام، هكذا في ((الأنساب))(١)، ربيب ميمونة
- رضي الله عنها - يعني: أنها رَبَّتْه، فقيل: كان مولاها لا أنه ابن زوجها،
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(عن ابن عباس) - رضي الله عنه - (قال) ابن عباس: (دخل عَليَّ
عليٌّ)، وفي (مسند أحمد)): ((دخل عليَّ علي بيتي)) (يعني ابن أبي طالب)
هكذا في النسخة المجتبائية الدهلوية بإدخال لفظة (يعني)) بين لفظة ((علي))
ولفظة («ابن أبي طالب))، وفي النسخة المكتوبة: دخل عليَّ عليُّ بن
أبي طالب، فلم يزد لفظة (يعني))، فإن كانت لفظة ((يعني)) موجودة، فكأنها
إشارة إلى أن لفظة ((ابن أبي طالب)) لم تكن في كلام ابن عباس - رضي الله
عنهما -، ولكن بَيَّنَ الراوي مراده بأن مراده من علي هو ابن أبي طالب،
فحينئذ يكون هذا اللفظ لبعض الرواة، وأما إذا لم تكن لفظة يعني موجودة،
كما في النسخة المكتوبة، فحينئذ تكون لفظة ((ابن أبي طالب)) من كلام
ابن عباس.
وأما في النسخة المصرية فهكذا: دخل عليَّ يعني علي بن أبي طالب،
(١) (١٩٣/٢).
٥٤٠
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
وَقَدْ أَهْرَاقَ الْمَاءَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَتَيْنَاهُ بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ حَتَّى وَضَعْنَاهُ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَا أُرِيكَ كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ
رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ؟
فعلى هذا تكون لفظة علي بن أبي طالب من بعض الرواة لا من كلام
ابن عباس.
(وقد أهراق(١) الماء) قال في ((القاموس)): هَراقَ الماءَ يُهَرِيقُه بفتح
الهاء هِراقة بالكسر، وأَهْرَقَه يُهْرِيقَهُ إهراقاً، وَأَهْرَاقَه يُهْرِيقُه إِهْرياقاً
فهو مُهَرِيقٌ، وذاك مُهَرَاقٌ وَمُهْراقٌ: صَبَّه، وأصله أراقَه يُرِيْقُه إراقَةً، وأصل
أراقَ أَرْيَقَ، وأصل يُرِيْقُ يُرْبِقُ، وأصل يُرْيِقُ: يُؤَرْيِقُ، انتهى.
وقال في ((المجمع)): وهو كناية عن البول، فيؤخذ منه استحباب
الكناية فيه، ولا يمكن أن يكون المراد به الاستنجاء بعد البول، لأنه أخرج
هذه الرواية الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال فيه: ((وقد بال))، فهذا يدل على
أن المراد بإهراق الماء البول لا غير.
(فدعا) أي علي (بوضوء) أي ماء للوضوء (فأتيناه بتور فيه ماء حتى
وضعناه بين يديه، فقال) أي علي بن أبي طالب: (يا ابن عباس، ألا أريك
كيف كان يتوضأ رسول الله وَلير؟) أي في بعض الأحيان، وما كان يفعله في
بعض الأحيان، يمكن أن يخفى على بعض الصحابة الذين لم يكونوا
موجودين في ذلك الوقت، فعلى هذا لو حمل إراءة الوضوء لابن عباس
لأجل التعليم لم يبعد.
(١) فيه جواز القول به، فما ورد في الرواية من منعه حديث ضعيف، بسطه صاحب
((الغاية))، وقال ابن رسلان: فيه دليل على جوازه، لكنه مكروه، لرواية الطبراني
ولفظه: ((لا يقولن أحدكم: أهرقت الماء ولكن يقول: أبول)). (ش).
[انظر: ((المعجم الكبير)) للطبراني (٢٢ /١٥٠)].
٥٤١
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
قُلْتُ: بَلَى، فَأَصْغَى الإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ(١) فَغَسَلَهَا(٢)، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ
الْيُمْنَى، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الإِنَاءِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ بِهِمَا حُفْنَةً مِنْ
مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ،
ثُمَّ الثَّانِيَّةَ، ثُمَّ الثَّالِئَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً
مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَّى وَجْهِهِ، ثُمَّ غَسَلَ
ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ
(قلت: بلى، فأصغى الإناء على يده) أي اليمنى (فغسلها، ثم أدخل
يده اليمنى) بعدما غسلها، (فأفرغ بها على الأخرى) أي اليسرى، (ثم غسل
كفيه) أي كلتا يديه إلى الرسغين، (ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في
الإناء جميعاً، فأخذ بهما (٣) حفنة) (٤) بالضم، في ((القاموس)): الحفنة ملء
الكف (من ماء، فضرب بها على وجهه) أي أفاض ذلك الماء على وجهه،
وليس المراد بالضرب اللطم، (ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه) أي أدخل
إبهاميه، وجعلهما كاللقمة في باطن أذنيه وصماخهما، (ثم الثانية) أي
ثم فعل المرة الثانية كذلك، (ثم) فعل المرة (الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه
اليمنى قبضة من ماء، فصبَّها على ناصيته فتركها تستن) أي تسيل (على
وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح رأسه وظهور (٥)
(١) وفي نسخة: ((يديه)).
(٢) وفي نسخة: ((فغسلهما)).
(٣) قال ابن رسلان: فيه دليل لما قاله صاحب ((الحاوي)): إن المستحب في غسل الوجه
أخذ الماء بيديه جميعاً، لأنه أمكن وأسبغ. (ش).
(٤) قوله: حفنة بالفتح أيضاً. (ش).
(٥) قال ابن رسلان: أجاب عنه أصحابنا بأنه محمول على أنه استوعب الرأس، فَمَسَحَ مؤخر
الأذن معه ضمناً لا مقصوداً، ولا يتأتى الاستيعاب غالباً إلّا بذلك، انتهى. (ش).
٥٤٢
٠
L
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا، فَأَخَذَ حُفْنَةً مِنْ مَاءٍ، فَضَرَبَ بِهَا
عَلَى رِجْلِهِ وَفِيهَا النَّعْلُ، فَفَتَلَهَا (١) بِهَا، ثُمَّ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ:
وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: وَفِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ:
وَفِي النَّعْلَيْنِ. [حم ٨٢/١، خزيمة ١٥٣، ق ٧٤/١، حب ١٠٨٠]
أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً، فأخذ حفنة من ماء، فضرب بها) أي أفاض
وصبَّ بها (على رجله، وفيها النعل)(٢) الواو للحال أي والحال أن في
رجله النعل، (ففتلها بها) أي فدلك الرجل بتلك الحفنة، وفي نسخة:
((فغسلها)) وهو ظاهر (ثم الأخرى مثل ذلك) أي أخذ حفنة أخرى من ماء،
فغسل بها رجله اليسرى.
(قال) أي ابن عباس: (قلت) لعلي بن أبي طالب راوي الحديث:
(وفي النعلين؟) أي أو غسل الرجلين في النعلين؟ فالاستفهام للتعجب (قال)
أي علي: (وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين،
قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين).
وفي هذا الحديث(٣) عدة أبحاث:
أولها : أن ظاهر هذا الحديث يقتضي لطم الوجه بالماء، وقد ورد
(١) وفي نسخة: ((فغسلها)).
(٢) قال الخطابي: لعله وصل الماء إلى تمام الرجل، كما يدل عليه قوله: ((فغسلها))،
أو يقال: إنه ورد عن علي في بعض الطرق: ((هذا وضوء من لم يحدث)»، فيكون هذا
منه، ((ابن رسلان)) مختصراً. (ش).
(٣) ولما كان ظاهر الحديث مسح الرجلين، قال الشيخ ابن القيم في ((تلخيص السنن))
(٩٥/١): للعلماء فيه سبعة مسالك فارجع إليه: (١) ضعفه، (٢) نسخه،
(٣) اختلاف الروايات عن علي في ذلك، (٤) وضوء على الوضوء، (٥) الجوربين، =
٥٤٣
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
في ((مسند أحمد))(١) بهذا اللفظ، فقال: «ثم أخذ بيديه فصَكَّ بهما
وجهه))، وكذلك أخرج ابن حبان في ((صحيحه))(٢)، فقال فيه: «فصَكَّ به
وجهه))، وبوَّب عليه استحباب صَكِّ الوجه بالماء للمتوضىء عند غسل
الوجه، وأما العلماء الحنفية والشافعية، فقالوا بكراهة لَظْم الوجه بالماء،
وصرَّحوا بأنه يندب للمتوضى أن لا يلطم وجهه بالماء.
قلت: قال الشوكاني في ((النيل))(٣): قال المنذري: في هذا الحديث
مقال، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه، وقال:
ما أدري ما هذا، انتهى.
قلت: ولم أدر ما أراد المنذري في هذا الحديث من المقال، وكذلك
وجه تضعيف البخاري وعلته، فإن رواته كلهم ثقات، وأما مظنة تدليس
ابن إسحاق، فارتفعت برواية الإمام أحمد في ((مسنده))، فإنه صرح
بالتحديث فيه، وأما ما قال البزار: لا نعلم أحداً روى هذا هكذا إلَّا من
حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أن أحداً رواه عنه إلَّا محمد بن
طلحة بن يزيد بن ركانة، فهذا كلام البزار لا يقتضي ضعفه، فإنه لا يدل إلَّا
على انفراد الخولاني، وانفراد محمد بن طلحة عنه، والانفراد لا يقتضي إلَّا
غرابة الحديث، وغرابة الحديث غير مستلزم لضعفه، كما هو ظاهر، ولكن
لما حكم عليه البخاري بالضعف، وإن كان غير موجه، لا ينبغي لمقلديه أن
(٦) مذهب خاص، (٧) الثابت هكذا، لكنه مخالف للصحاح.
قلت: لا حاجة إلى الجواب؛ لأن غسل الرجل في النعل العربي لا يعسر، يشكل
على الجواب الرابع قوله: وقد أهراق الماء. (ش).
(١) (١/ ٨٢).
(٢) (٣٦٢/٣) رقم الحديث (١٠٨٠).
(٣) ((نيل الأوطار)) (١٨٨/١).
٥٤٤
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
يستدلوا به، والجواب الثاني عنه ما أجاب به الشيخ ولي الدين: ويمكن
تأويل الحديث بأن معناه صب الماء على وجهه لا لطمه به، انتهى.
قلت: والقرينة على ذلك أن جميع من حكوا وضوء رسول الله (وَل
لا يذكرون فيه اللطم، فيكون اللطم محمولاً على الصبِّ والإفاضة أو يكون
شاذّاً، وأيضاً يطلق الضرب ويراد به الإلصاق، كما في قوله في هذا
الحديث: ((فضرب به على رجله اليمنى))، وكما في قوله وَلّ: ((يضرب
الملائكة بأجنحتها)).
وثانيها : أن في هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما
مع الرأس، وهو قول إسحاق، قال الترمذي: قال إسحاق: واختار أن
يمسح مقدمهما مع وجهه ومؤخرهما مع رأسه، فهذا الحديث حجة له، قال
الترمذي: وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر
فمن الرأس.
قال الشوكاني في ((النيل)): والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل من
الأذنين مع الوجه، ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس، وإليه ذهب حسن بن
صالح والشعبي.
قلت: لا دلالة في هذا الحديث على ما قال الشوكاني من أنه يغسل
ما أقبل من الأذنين مع الوجه، لأن إلقام الإبهامين المبتلين في صماخ
الأذنين لا يقتضي الغسل، بل يدل على المسح فقط.
وأغرب(١) من ذلك ما قال الشوكاني في شرح هذا اللفظ: ((وألقم
(١) قال ابن رسلان: أي جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم،
وقد استدل به الماوردي على أن البياض من الوجه، وقال مالك: ليس من الوجه، =
٥٤٥
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
إيهاميه))، جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم توضع
فيه، وهذا تفسير لا يساعده لفظ الحديث، ويخالف هذا التفسير ما قال
أولاً: والحديث يدل على أنه يغسل ما أقبل ... إلخ، ثم قال الشوكاني:
وذهب الزهري وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه .
قلت: ولم أظفر على دليل من الكتاب والسنّة يثبت به هذا المذهب،
وأما جمهور أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ﴿ ومن بعدهم، قالوا: إن
الأذنين من الرأس فيمسح ظاهرهما وباطنهما معه .
وثالثها(١): إرسال غرفة من الماء على الناصية بعد غسل الوجه،
قال في ((مرقاة الصعود)): قال النووي في ((شرحه)): هذه اللفظة مشكلة إذ
ظاهره أنها مرة رابعة بغسل وجهه، وهذا خلاف إجماع المسلمين، فيتأول
على أنه بقي من أعلى وجهه شيء لم يكمل بالثلاث، فأكمله بهذه القبضة،
وقال ولي الدين: الظاهر أنه إنما صبه على جزء من رأسه، وقصد به تحقق
استيعاب وجهه، كما قال الفقهاء، ويجب غسل جزء من رأسه لتحقق غسل
وجهه .
ونقل مولانا محمد يحيى - رحمه الله - عن شيخه - رحمه الله تعالى -
في توجيه هذا الفعل: أن إلقاء الحفنة من الماء على ناصيته كان دفعاً للحر
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار، قال بقول مالك. وقال
=
أبو يوسف: يغسل الأمرد دون الملتحي، انتهى، وكذا قال الشعراني في («الميزان»،
قلت: فلعل الشوكاني أخذ هذا الشرح من ابن رسلان. (ش).
(١) قال ابن رسلان: استدل به على أنه يستحب أن يزيد في ماء الوجه، لأن فيه شعوباً
وغصوناً كثيرة، قال الإمام أحمد: ويؤخذ له ماء أكثر مما يؤخذ لعضو من الأعضاء،
انتهى. (ش).
٥٤٦
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
لا لإدخاله في الوضوء، وقد فعل النبي ◌ّير مثل ذلك لمثل ذلك، ولذلك
تركها يستن على ناصيته، ولم يمسح بها رأسه، ومسح الناصية على حدة
من تلك الحفنة، والقصد بذلك إلى إظهار أن مثل هذه الزيادة جائزة ما لم
يعدها من آداب الوضوء وسننه، فإن ذلك بدعة، أو لعل عليّاً فعل ذلك من
دون أن يكون النبي وَل# فعله لما قلنا، انتهى.
ورابعها: أن الضمير في ((قال: قلت:)» هل يعود إلى ابن عباس
- رضي الله عنهما - أو إلى عبيد الله الخولاني، فقال الإمام الشعراني ((في
كشف الغمة عن جميع الأمة))(١): إن ضمير ((قال)) يعود إلى ابن عباس،
وهو الذي سأل عليّاً - رضي الله عنه - على سبيل التعجب أنه لنَّ# غسل
رجليه حال كونهما في النعلين، وهذا لفظه: قال ابن عباس فسألت عليّاً -
رضي الله عنه - فقلت: في النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي
النعلين؟ قال: وفي النعلين، قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين.
ويشكل على هذا أن ابن عباس - رضي الله عنهما - يحدث
عن رسول الله وَلهو أنه و لل غسل رجليه، وفيها النعل، كما يأتي بعد ورقتين
من السنن في ((باب الوضوء مرتين))، فكيف يتعجب مما يحدث هو بنفسه.
ويمكن الجواب عنه أنه - رضي الله عنه - غفل في ذلك الوقت
عما روى هو عن رسول الله وَلهر، وأما إذا كان مرجع الضمير عبيد الله
فلا يرد عليه هذا الإشكال، ولكنه خلاف ظاهر(٢) سياق الحديث،
والله تعالى أعلم.
(١) (٥٥/١).
(٢) وفي ((التقرير)): هو الظاهر، وكونه مقولة ابن عباس خلاف السياق. (ش).
٥٤٧
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجَ عن شَيْبَةً يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ،
لأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن ابَّنِ جُرَيْجٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً
وَاحِدَةً. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: وَمَسِّحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا .
(قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة)(١) هو ابن نِصاح، بكسر
النون بعدها مهملة وآخرها مهملة، ابن سرجس بن يعقوب المخزومي
المدني القارىء، مولى أم سلمة - رضي الله عنها -، أتي به إليها وهو صغير،
فمسحت رأسه، كان قاضياً بالمدينة، قال النسائي: ثقة، روى النسائي
حديث حجاج عن ابن جريج عن شيبة عن أبي جعفر عن أبيه عن جده
عن علي في «باب صفة الوضوء)» ولم ينسب شيبة النسائي أيضاً في روايته
كما لم ينسبه أبو داود، وقد قال الحافظ في ((التقريب)): شيبة غير منسوب
عن أبي جعفر، هو ابن نصاح، مات سنة ١٣٠هـ.
(يشبه حديث علي) المذكور فيما تقدم في هذا الباب بروايات
مختلفة. (لأنه) الضمير للشأن، أو لحديث علي، وهذا اللفظ موجود في
النسخة المجتبائية الدهلوية، وكذا في المصرية، وأما في النسخة الدهلوية
المطبوعة القديمة والمكتوبة فلا يوجد فيهما هذا اللفظ (قال فيه حجاج بن
محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة، وقال ابن وهب فيه) أي
في حديث علي - رضي الله عنه -، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى مسح
الرأس، فأما إرجاع الضمير إلى حديث شيبة كما فعله صاحب ((غاية
المقصود)» فبعيد، لأن حديث وهب عن ابن جريج ليس فيه شيبة بن نصاح،
لأن ابن جريج يروي عن محمد بن علي بلا واسطة شيبة بن نصاح كما في
((السنن الكبير)) للبيهقي، ولم أجد حديث ابن وهب في غير هذا الكتاب
وسيجيء مفصلاً (عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثاً).
(١) قال ابن رسلان: له هذا الحديث الواحد. (ش).
٥٤٨
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٧) حديث
أما حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج، فقد ذكرنا تخريجه عند
النسائي في ((باب صفة الوضوء)) من ((المجتبى)).
وأما حديث ابن وهب عن ابن جريج، فقد أخرجه البيهقي في
((السنن الكبير))(١) فقال: وأحسن ما روي عن علي فيه ما أخبرنا أبو الحسن
علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عباس بن
الفضل، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن وهب، عن ابن جريج،
عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه توضأ
فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه
ثلاثاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله وَلل يتوضأ، هكذا قال ابن وهب:
ومسح برأسه ثلاثاً، وقال فيه حجاج عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة،
انتهى بلفظه .
وغرض المصنف بإيراد هذا الكلام بيان أن ابن جريج اختلف
الرواة عنه، فروى حجاج بن محمد عنه مسح الرأس مرة واحدة، وروى
ابن وهب عنه مسح الرأس ثلاثاً، ولكن حديث حجاج أقوى، لأنه يشبه
حديث علي المذكور فيما قبل، فإن فيه بعض الرواة قالوا بمسح الرأس
مرة، وبعضهم لم يذكروا العدد، وأما ابن وهب فخالف تلك الروايات،
وقال: ومسح برأسه ثلاثاً، فيسقط هذا بمقابلة الصحيح من الروايات.
قلت: وقد صرح أهل الحديث بأن ابن وهب مدلس، ويروي
عن محمد بن علي معنعنة، ولا يذكر شيبة، فلهذا أيضاً لا يقاوم حديث
حجاج بن محمد .
(١) (١/ ٦٣).
٥٤٩
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكِ، عِن عَمْرِو بْنِ
يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ
١١٨ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب، (عن مالك) بن أنس
الإمام، (عن عمرو بن يحيى المازني) مازن الأنصار، (عن أبيه) وهو
يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري. (أنه) أي يحيى بن عمارة(١) (قال
لعبد الله بن زيد) فعلى هذا سائل عبد الله بن زيد عن صفة الوضوء
هو يحيى بن عمارة، وهكذا قال الشافعي في ((الأم)): عن مالك عن عمرو
عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد، ومثله رواية الإسماعيلي عن أبي خليفة
عن القعنبي عن مالك عن عمرو عن أبيه قال.
وأما الإمام محمد بن الحسن الشيباني فروى عن مالك، حدثنا عمرو
عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه
سحنون في ((المدونة))، وقال معن بن عيسى في روايته عن عمرو عن أبيه
يحيى أنه سمع أبا حسن - وهو جد عمرو بن يحيى - قال لعبد الله بن زيد
وكان من الصحابة، فذكر الحديث.
وأما البخاري فأخرج رواية سليمان بن بلال في ((باب الوضوء من
التور»، قال: ثني عمرو بن يحيى عن أبيه قال: كان عمي يعني عمرو بن
أبي حسن يكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، وأما أكثر الرواة
فأبهموا سائل عبد الله بن زيد، ولم يعيِّنوه، كما وقع في رواية مسلم
عن محمد بن الصباح عن خالد الواسطي عن عمرو بن يحيى عن أبيه
(١) لو صح فيحمل على المجاز، وإلَّا فالصواب ما في رواية البخاري: ((أن رجلاً قال
لعبد الله بن زيد))، وضمير ((وهو جد عمرو)) يرجع إلى هذا الرجل المبهم، والمراد به
عمرو بن أبي الحسن، فهو السائل كما سيأتي في ((البذل))، ثم ههنا خمسة مباحث
ذكرت في ((الأوجز)) فارجع إليه (٣٤٢/١). (ش).
٥٥٠
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
- وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ -
عن عبد الله بن زيد قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهماً، وفي رواية
للبخاري بسنده عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن
زيد وهو جد عمرو بن يحيى، الحديث، ولكن مع كون السائل في هذه
الروايات مبهماً تدل على أن السائل غير يحيى بن عمارة المازني.
قال الحافظ في ((فتح الباري))(١): والذي يجمع هذا الاختلاف أن
يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو الحسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه
يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبي ◌َّ، وتولى
السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب إليه السؤال كان على
الحقيقة، وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان
الأكبر، وكان حاضراً، وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز
أيضاً، لكونه ناقل الحديث وقد حضر السؤال، انتهى، وهذا جمع حسن
يدفع به الاختلاف ويحصل الاتفاق، ولله الحمد.
(وهو جد عمرو بن يحيى المازني)، الظاهر أن الضمير يرجع إلى
عبد الله بن زيد، أي عبد الله بن زيد هو جد عمرو بن يحيى، لكنه غلط
ووهم نشأ من هذه الرواية، والصواب ما في البخاري هكذا: عن أبيه أن
رجلاً قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى، فعلى هذا مرجع
الضمير هو الرجل السائل، وهو عمرو بن أبي حسن عم يحيى بن
عمارة بن أبي حسن، فما قال صاحب ((الكمال)) ومن تبعه في ترجمة
عمرو بن يحيى: أنه ابن بنت عبد الله بن زيد فغلط(٢)، كذا قال الحافظ
في ((الفتح)) .
(١) (٢٩٠/١).
(٢) توهّم من هذه الرواية (ش).
٥٥١
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ،
فإن قلت: قد علم من التحقيق المار أن السائل حقيقة هو عمرو بن
أبي حسن، وليس هو جدّاً لعمرو بن يحيى، بل اسم جد عمرو بن يحيى
عمارة بن أبي حسن، فكما لا يصح كون عبد الله بن زيد جد عمرو بن
يحيى، كذلك لا يصح كون عمرو بن أبي حسن جدّاً لعمرو بن يحيى،
قلت: نعم، ليس عمرو بن أبي حسن جدّاً لعمرو بن يحيى على الحقيقة بل
على المجاز، لأنه أخو جده عم أبيه، فإن عمارة جده الحقيقي وعمرو بن
أبي حسن كلاهما شقيقان، فإطلاق الجد على عمرو بن أبي الحسن على
المجاز(١).
(هل تستطيع أن تريني) قال الحافظ(٢): فيه ملاطفة الطالب للشيخ،
وكأنه أراد أن يريه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام
عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد (كيف كان رسول الله
يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء)(٣) أي بماء يتوضأ به في
(١) وصورته هكذا :
أبو الحسن
ــ
عمرو
عمارة
یحیی
عمرو
(٢) (فتح الباري)) (٣٦٤/١).
(٣) وفي رواية للبخاري: (فدعا بتور)). (ش).
٥٥٢
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
فَأَقْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ (١)، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا،
ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ،
إناء (فأفرغ) الماء (على يديه فغسل يديه). لم يذكر في هذه الرواية عدد
الغسل، وأما في البخاري ((فغسل مرتين))(٢)، وفي بعض الروايات للحفاظ
ثلاثاً، قال الحافظ(٣): وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على
الحافظ الواحد، فإن قلت: لم لا يحمل هذا على واقعتين؟ قلت: المخرج
واحد والأصل عدم التعدد.
(ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه
مرتين مرتين إلى المرفقين)، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في
غسل اليدين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع
عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ◌َلتر توضأ وفيه: ويده اليمنى ثلاثاً،
ثم الأخرى ثلاثاً، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء هو العظم الناتي في آخر
الذراع، سمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.
وقد اختلف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال
المُعْظَمُ: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن (٤) مالك، واستدل بعضهم
بأن ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع))، وقال ابن القصار: اليد يتناوله الاسم إلى
الإبط لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله
تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقي المرفق مغسولاً مع الذراعين بحق الاسم، انتهى،
(١) وفي نسخة: ((یده)).
(٢) هكذا في ((موطأ محمد)» أيضاً، وأما في ((موطأ مالك))، فبتكرار مرتين مرتين. (ش).
(٣) ("فتح الباري)) (٢٩١/١).
(٤) وحكى ابن رشد مذهب مالك مثل الجمهور، وحكى هذا القول عن بعض متأخري
أصحاب مالك والطبري. (ش).
[انظر: ((بداية المجتهد)) (١/ ١١)].
٥٥٣
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدِيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدَّمٍ رَأْسِهِ
فعلى هذا ((فإلى)) هاهنا حد للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول، قال
الزمخشري: لفظ ((إلى)) يفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم
وخروجها فأمر يدور مع الدليل، وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه
على أحد من الأمرين، فأخذ العلماء بالاحتياط ووقف زفر مع المتيقن.
ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله ول#، ففي الدار قطني(١) بإسناد
حسن من حديث عثمان: فغسل يديه مع المرفقين حتى مسَّ أطراف
العضدين، وفيه عن جابر: كان إذا توضأ أدار الماء على المرفقين، لكن
إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني(٢) من حديث وائل بن حجر: وغسل
ذراعيه حتى جاوز المرفق، وفي ((الطحاوي)) و((الطبراني)) من حديث
ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على
مرفقيه، فكان فعله بياناً لمجمل الكتاب، والمجمل إذا التحق به البيان يصير
مفسراً من الأصل.
وقال الشافعي في ((الأم)): لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين
في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله. وكذا من قال بذلك
من أهل الظاهر بعده، كذا قال الحافظ(٣).
(ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما (٤) وأدبر)، وهذا تفسير لمسح
الرأس باليدين، أي فأقبل رسول الله و 8* باليدين وأدبر بهما، ثم فسَّر
الإقبال والإدبار بقوله: (بدأ بمقدم رأسه) يعني بدأ رسول الله صلّر بمسح
(١) (سنن الدارقطني)) (ح ٢٧٤ - ٢٧٢).
(٢) ((المعجم الكبير)) (٤٩/٢٢ - ٥١)، وانظر: ((مجمع الزوائد» (١١٧٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٩٢/١).
(٤) قال صاحب ((الغاية)): له ثلاثة معان ثم بسطها، قلت: بوَّب الترمذي البداية بمؤخر =
٥٥٤
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٨) حديث
ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَکَانِ الَّذِي
بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. [خ ١٨٥، م ٢٣٥، ت ٢٨، ن ٩٧، جه ٤٣٤]
مقدم رأسه الشريف، (ثم ذهب) وَل# (بهما) أي بيديه (إلى قفاه، ثم ردهما)
أي اليدين (حتى رجع) أي كل واحد من اليدين، أو الضمير للمسح
(إلى المكان الذي بدأ) المسح (منه) فالظاهر أن قوله: ((بدأ بمقدم رأسه)»
من الحديث وليس مدرجاً من كلام مالك، والحكمة في هذا الإقبال
والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح.
(ثم غسل رجليه) وفي رواية وهب: إلى الكعبين، والبحث فيه
كالبحث في قوله إلى المرفقين، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند
ملتقى الساق والقدم، وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: أنه العظم
الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك
مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من
الرد على من زعم ذلك، كذا قاله الحافظ (١).
قلت: لم يقل محمد في الطهارة: إن الكعب هو العظم الناتي في
ظهر القدم عند معقد الشراك، بل إنما قال محمد في مسألة المحرم إذا لم
يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعب فقال: إن الكعب هاهنا الذي في
مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة.
الرأس، وذكر فيه حديث الربيع الآتي قريباً، ثم قال: وحديث عبد الله بن زيد أصح،
=
وقال ابن العربي: لا أعلم أحداً قال: يبدأ بمؤخر الرأس إلَّا وكيع بن
الجراح ... إلخ، كذا في ((العارضة)) (٥١/١)، وبسط معنى أقبل وأدبر، وكذا بسط
الكلام على هذين اللفظين ابن دقيق العيد في («الإحكام)) (٤٢/١ - ٤٣)، وقال
ابن رسلان: الإقبال والإدبار يحسب مرة واحدة بخلاف السعي في الحج. (ش).
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٣٦٧).
٥٥٥
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١١٩) حديث
١١٩ - خَذَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: نَا خَالِدٌ، عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى
الْمَازِنِيِّ، عن أَبِيهِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ، بِهَذَا
الْحَدِيثِ، قَالَ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ(١) مِنْ كَفِّ وَاحِدَةٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ
ثَلَاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
قال العيني(٢): قال بعضهم: وحكي عن أبي حنيفة أنه العظم الذي
في ظهر القدم عند معقد الشراك، قلت: هذا مختلق على أبي حنيفة
- رحمه الله - ولم يقل أصلاً، بل نقل ذلك عن محمد بن الحسن، وهو أيضاً
غلط، لأن هذا التفسير فسَّره محمد في حق المحرم، إذا لم يجد نعلين
يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين بالتفسير الذي ذكره.
١١٩ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: نا خالد) بن عبد الله
الواسطي، (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة (المازني، عن أبيه) يحيى بن
عمارة، (عن عبد الله بن زيد بن عاصم بهذا الحديث) أي حدثنا مسدد
بواسطة خالد، عن عمرو بن يحيى بهذا الحديث، أي بالحديث الذي رواه
مالك عن عمرو بن يحيى، ولكن في رواية خالد زيادة ليست في رواية
مالك، فإن خالداً (قال: فمضمض واستنشق من كف واحدة)(٣) فزاد لفظ:
((من كف واحدة)) (يفعل ذلك) أي المضمضة والاستنشاق (ثلاثاً، ثم ذكر)
خالد (نحوه) أي نحو حديث مالك.
وقوله في الحديث: ((فمضمض واستنشق من كف واحدة)) يحتمل
معنيين؛ أحدهما : معناه أنه جمع المضمضة والاستنشاق في كف واحدة من
الماء، وثانيهما: معناه أنه مضمض من كف واحدة واستنشق من كف
(١) وفي نسخة: ((واستنثر)).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٣٤/٢).
(٣) لم يذكر هذا اللفظ غير خالد بن عبد الله ((الغاية)). (ش).
٥٥٦
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١٢٠) حديث
١٢٠ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ: ثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، عن عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ حَبَّنَ بْنَ وَاسِعَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ
حَدَّثَّهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمِ الْمَازِنِّيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ.
واحدة، أي لا من كفين، فعلى الأول يحمل على بيان الجواز، وقد سبق
بحثه فيما تقدم قريباً .
١٢٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا ابن وهب)
عبد الله بن وهب، (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله
الأنصاري مولى قيس، أبو أمية المصري، أصله مدني، كان ابن معين يوثقه
جدّاً، وقال أبو زرعة والنسائي والعجلي وغير واحد: ثقة، وقال أبو داود
عن أحمد: ليس فيهم مثل الليث لا عمرو ولا غيره، وقد كان عمرو عندي
ثقة، ثم رأيت له مناكير، وقال في موضع آخر: يروي عن قتادة أشياء
يضطرب فيها ويخطىء، مات قبل سنة ١٥٠هـ.
(أن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابن واسع) بن حبان بن
منقذ، بمضمومة وسكون نون وكسر قاف وبذال معجمة، ابن عمرو
الأنصاري المازني المدني، ابن عم محمد بن يحيى، أخرجوا له حديثاً
واحداً في الوضوء. قلت: وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ((تهذيب
التهذيب». (حدثه) أي حدث حبان عمراً (أن أباه) أي أبا حبان وهو واسع(١)
(حدثه) أي حبان (أنه) واسع (سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر
أنه) أي عبد الله (رأى رسول الله ( #، فذكر) أي عبد الله بن زيد (وضوءه)
(١) وسقط من بعض الرواة لفظ عبد الله بن زيد من سنده، فزعموا أنه صحابي.
ولا يصح، كما في ((الإصابة)) (٣١١/٦)، و(«أسد الغابة» (٣٠٢/٤) رقم (٥٤٣٦).
(ش).
٥٥٧
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١٢٠) حديث
وَقَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ(١)،
أي وضوء رسول الله ◌َالتر. (وقال: ومسح رأسه بماء غير فضل(٢) یدیه) قال
النووي(٣): معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه،
ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار
عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، انتهى.
قلت: قال الحلبي في ((شرح المنية)»(٤): ولو توضأ ومسح ببلة بقيت
على كفيه بعد الغسل يجوز مسحه، لأن البلة الباقية بعد الغسل غير
مستعملة، إذ المستعملة فيه ما سال على العضو، وانفصل عنه، ولو مسح
رأسه ثم مسح خفيه بيلة بقيت بعد المسح لا يجوز مسحه على الخف، لأن
البلة الباقية بعد المسح مستعملة، لأن المستعمل فيه ما أصاب الممسوح
وقد أصابه، انتھی.
قال الترمذي في ((سننه)»(٥): وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن
واسع عن أبيه عن عبد الله زيد: ((أن النبي ◌َّ توضأ وأنه مسح رأسه بما غَبَرَ
فضلُ يديه))، ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح، لأنه قد روي من
غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره أن النبي وَلؤر أخذ لرأسه
ماءً جديداً، انتهى.
(١) وفي نسخة: ((عن ماء غير فضل يده)).
(٢) تفرد به أهل مصر كما في ((نيل الأماني)). (ش).
(٣) قال ابن قدامة (١/ ١٨١): ويمسح بغير فضل يديه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي،
وجوز الحسن وغيره المسح بالبقية، وكذا قال ابن رسلان، وذكر مع الحسن عروة
والأوزاعي. (ش).
(٤) (ص ١١٠).
(٥) (٥١/١).
٥٥٨
(١) كتاب الطهارة
(٥١) باب
(١٢١) حدیث
وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا. [م٢٣٦، حم ٣٩/٤، ت ٣٥]
١٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ:
ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ
قلت: ويؤيد رواية عبد الله بن لهيعة ما أخرجه الدارقطني في
((سننه))(١): ثنا الحسين بن إسماعيل، نا زيد بن أخزم، نا عبد الله بن
داود، نا سفيان، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: ((أن النبي وال
توضأ ومسح رأسه ببلل يديه)»، وأخرج أيضاً، قال: ثنا محمد بن هارون
أبو حامد، نا محمد بن يحيى الأزدي بهذا الإسناد، قالت: ((كان النبي وَلّ
يأتينا، فيتوضأ فمسح رأسه بما فضل في يديه من الماء)) الحديث، وفيه
عبد الله بن محمد بن عقيل، قال الترمذي: صدوق، تكلم فيه بعضهم من
قبل حفظه، ونقل الترمذي عن البخاري قال: كان أحمد وإسحاق
والحميدي يحتجون بحديثه.
(وغسل رجليه حتى أنقاهما)(٢) أي أزال الوسخ عنهما، أورد
المصنف هذا الحديث لأجل زيادة وقعت فيه في مسح الرأس، وهو قوله:
((بماء غير فضل يديه)»، وفي غسل الرجلين وهو قوله: ((حتى أنقاهما))، فهذه
الزيادة لا توجد إلَّا في هذه الرواية.
١٢١ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا أبو المغيرة)
هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، قال أبو حاتم: كان
(١) (٨٧/١).
(٢) ويحتاجان إليه؛ لأنهما أكثر ملاقاة بالأقذار والأوساخ ((ابن رسلان))، وبهذه الرواية
حكى ابن دقيق العيد عن بعضهم ليس في غسلهما عدد بل الإنقاء، قلت: وذكر
الدسوقي المالكي في غسل القدمين قولين عندهم، أحدهما مثل الجمهور وهو
المعتمد، والثاني أن المطلوب فيهما الإنقاء ولو زاد على الثلاثة. (ش).
٥٥٩