Indexed OCR Text
Pages 441-460
(١) كتاب الطهارة (٤٠) باب (٨٢) حدیث ٨٢ - حَذَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ - يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ - قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن عَاصِمٍ، ٨٢ - (حدثنا ابن بشار) هو محمد بن بشار (قال: حدثنا أبو داود يعني الطيالسي)(١) وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري، فارسي الأصل، مولى لآل الزبير، وأمه فارسية، قال عمرو بن علي الفلاس: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود، سمعته يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وقال ابن المديني: ما رأيت أحفظ منه، وقال إبراهيم الجوهري: أخطأ أبو داود في ألف حديث، قال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: أبو داود محدث صدوق كان كثير الخطأ، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما غلط، وقال جعفر بن محمد الفريابي عن عمرو بن علي: أبو داود ثقة، وسألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: ثقة صدوق، وكذلك وثقه كثير من المحدثين، مات سنة ٢٠٤ هـ. (قال: حدثنا شعبة، عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، قال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ، وقال عبد الرحمن بن المبارك: قال ابن علية: كل من اسمه عاصم في حفظه شيء، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم، ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء حفظه، وما في سيرته بأس، وثقه علي بن المديني وغيره، وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّ به، وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال أيضاً: من الحفاظ للحديث، ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٤٢ هـ أو ١٤٣هـ. (١) نسبة إلى بيع الطيالسة نوع من الأردية. كذا في ((الغاية)). (ش). ٤٤٠ (١) كتاب الطهارة (٤٠) باب (٨٢) حديث عن أَبِي حَاجِبٍ، عن الْحَكّم بْنِ عَمْرٍو - هُوَ الأَقْرَعُ - : ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الْرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ). [ن ٣٤٢، ت ٦٤، جه ٣٧٣، حم ٤/ ٢١٣ - ٦٦/٥] (عن أبي حاجب) هو سوادة(١) بن عاصم العنزي بالنون والزاي، البصري، قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي حاجب، فقال: اسمه سوادة، وهو بصري، ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ثقة، وقال: ربما أخطأ . (عن الحكم بن عمرو)(٢) بن مُجَدَّعٍ، بضم میم وفتح جيم وشدة دال مهملة وبعين مهملة، الغِفَاري، بمكسورةً وخفة فاء، أخو رافع، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحب النبي وَّر حتى مات، ثم تحوَّل إلى البصرة فنزلها، مات بمرو سنة ٥٠هـ، وقيل قبلها، (هو الأقرع) الضمير يرجع إلى عمرو والد الحكم يعني (٣) يلقب عمرو بالأقرع (أن النبي صل نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة). فأحاديث هذا الباب تدل على عدم جواز التطهر بفضل المرأة، وتطهر المرأة بفضل الرجل، فإما أن يحمل النهي على كراهة التنزيه، أو يقال (٤): (١) بفتح المهملة والواو المخفف وآخره هاء، وليس بأخي نصر بن عاصم. («ابن رسلان». (ش). انظر: ((تهذيب الكمال)) (٣٣٤/٣). (٢) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٣٩/٢) رقم (١٢٢٣). (٣) قلت: ولعله لأجل ذلك زاد الضمير، لأنه لو قيل: ابن عمرو الأقرع لأوهم كونه صفة لحكم، كما هو دأب المحدثين. (ش). (٤) قال ابن رسلان: وأجاب أصحابنا عن حديث حكم بن عمرو بأجوبة؛ أحدها: جواب البيهقي وغيره أنه ضعيف، قال الترمذي ((سنن الترمذي)) ٦٣): سألت البخاري عنه، فقال: هذا ليس بصحيح، قال البخاري: وحديث ابن سرجس الصحيح أنه موقوف، ومن رفعه، فقد أخطأ، كذا قال الدارقطني (١١٧/١)، قال البيهقي في ((المعرفة)) (١٧٨/١): أحاديث الرخصة أصح، والثاني : = ٤٤١ (١) كتاب الطهارة (٤٠) باب (٨٢) حديث إن النهي مختص بالأجانب إذا خيف الفتنة، ولكن ينافيه قوله في رواية مسدد: ((وليغترفا جميعاً))، فإنه يدل على أن النهي ورد في تطهر الزوجين، لأن الاغتراف جميعاً لا يمكن أن يتحقق إلَّا في الزوجين. ويمكن أن يقال في الجواب: إن الذي ورد في رواية مسدد من قوله: ((وليغترفا جميعاً))، يحتمل أن يكون مدرجاً من الراوي على ما فهم من النهي عن اغتسال المرأة بفضل الرجل، وعن اغتسال الرجل بفضل المرأة، بأنه لا يتحقق الفضل إلَّا بعد فراغه أو بعد فراغها من الاغتسال، فقال: ((وليغترفا جميعاً))، وأما إذا كان هذا اللفظ من قول رسول الله وَالر، فحينئذٍ يرد التأويل المذكور. وأما الحديث الثاني فيحمل على هذا المعنى قطعاً، ولا مانع فيه، فيكون سدّاً لذريعة الفساد، ويتقوى هذا التأويل بأنه أخرجه البيهقي، فقال في آخره(١): ورواه محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي هكذا، إلَّا أنه قال: أو قال: بسؤرها، ثم قال: ورواه ابن وهب عن جرير عن شعبة، ثم قال في آخره: وكان لا يدري عاصم فضل وضوئها أو فضل شرابها، وكذلك أخرج الترمذي على الشك. فلما وقع الشك في النهي عن فضل الوضوء أو فضل السؤر، والنهي عن فضل السؤر يحمل على الأجانب، فلو حمل النهي عن فضل الوضوء أيضاً على الأجانب لكان أقرب وأوفق. وقال الشوكاني في ((النيل))(٢): وقد جمع بين الأحاديث أن المراد المتساقط، والثالث: أن النهي للتنزيه، انتهى، قلت: وكذا ضعفه ابن القيم = في «تهذيب السنن» (٨١/١). (ش). (١) («السنن الكبرى)) (١٩١/١). (٢) ((نيل الأوطار)) (٣٢/١). ٤٤٢ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حديث (٤١) بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مَالِكِ، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن سَعِيدٍ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الأَزْرَقِ. بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملاً، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، وأحسن ما جمع به الحافظ في ((الفتح)» من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز. (٤١) (بَابُ الْوُضُوءِ(١) بِمَاءِ الْبَحْرِ)(٢) غرض المصنف بعقد هذا الباب أن الماء لما كان يتنجس بوقوع النجاسة فيه، والبحر تُلقى فيه النجاسات الكثيرة خصوصاً على السواحل، فيتوهم أنه لعله يكون أيضاً نجساً، فعقد الباب لبيان طهورية مائه، وأنه لا يتنجس بوقوع النجاسات لكثرته وعدم تغيره بوقوع النجاسات. ٨٣ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك) بن أنس، (عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام، المدني، أبو عبد الله القرشي الزهري مولاهم، الفقيه، وثقه الكثيرون، ورمي بالقدر، مات سنة ١٣٢هـ، (عن سعيد بن سلمة) المخزومي (من آل ابن الأزرق) بمفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، لكن قال (١) والأوجه عندي أنه ترجم بذلك لما كان فيه الخلاف سابقاً، فقيل: لا يجوز كما نقل عن ابن عمر - رضي الله عنه - وغيره، كما في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٢٢/١)، وقيل: يجوز عند الضرورة. (ش). (٢) اختلف أهل اللغة في اشتقاقه فقيل: سمي لسعته، وقيل: سمي لشقه الأرض، بسطه ابن رسلان. (ش). ٤٤٣ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حدیث قَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ الحافظ في ترجمة سعيد بن سلمة: روى عنه صفوان بن سليم والجُلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف، ثم قال: قلت: وصحح البخاري فیما حکی عنه الترمذي في ((العلل المفرد)) حديثه، وکذا صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان وغیر واحد. وذكر البيهقي الاختلاف في ((سننه الكبير))(١)، فقال: وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن محمد القرشي سعيداً على روايته، إلَّا أنه اختلف فيه على يحيى بن سعيد، فروى عنه عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج [عن النبي ◌َّ، وروى عنه عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلاً من بني مدلج]، وروى عنه عبد الله بن المغيرة الكندي عن رجل من بني مدلج وعنه عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه، وقيل غير هذا، واختلفوا أيضاً في اسم سعيد، فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه، أو المغيرة أو هما، إلّا أن الذي أقام إسناده ثقة، أودعه مالك بن أنس ((الموطأ)»(٢)، انتهى. (قال) أي سعيد: (إن المغيرة(٣) بن أبي بردة) الكناني، ويقال: ابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن حبان: من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم، صحَّح حديثه عن أبي هريرة (١) (السنن الكبرى)) (٣/١). (٢) كذا في الأصل. (ش). (٣) ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، ((ابن رسلان)). (ش). ٤٤٤ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حدیث وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرِ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَتَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ في البحر ابنُ خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق، وآخرون. (وهو من بني عبد الدار)(١) أي المغيرة، وهو قبيلة من قريش، منسوب إلى عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، والنسبة عبدري. (أخبره) أي أخبر المغيرة سعيداً (أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل(٢) رسول اللهوَ ل*، فقال: يا رسول الله، إنا نركب (٣) البحر) أي مراكبه من السفن (ونحمل معنا القليل من الماء) أي الماء الحلو، (فإن توضأنا به عطشنا)؛ لأنه ينفد باستعماله في الوضوء، (أفنتوضأ بماء البحر؟) أي المالح، فإن الغالب في إطلاق البحر هو المالح. (١) كذا في ((موطأ مالك))، وقيل: ليس هو من بني عبد الدار، وقال ابن رسلان: بل كان حليفاً لهم، كذا في ((الأوجز)) (١/ ٣٧٠). (ش). (٢) اختلف في اسمه على أقوال: عبد الله، عبد، عبيد، حميد بن صخر. (ش). (٣) وفي بعض طرق الحديث زيادة قوله: ((لنصيد ... إلخ)) ففيه جواز ركوب البحر للصيد ونحوه من التجارة، وما سيأتي في كتاب الجهاد من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص مرفوعاً: ((لا يركب البحر إلَّا حاج أو معتمر أو غازٍ في سبيل الله، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً))، هو حديث ضعيف، بل ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات)»، وذكر ابن رسلان عن ابن الجلاب: ركوب البحر ثلاثة أنواع، جائز وهو إذا كان من شأنه أنه يقدر على صلاته ولا يميد، ومكروه وهو ما إذا لم تتقدم له عادة بركوبه ولا يعلم إذا ركبه هل يميد وتتعطل صلاته أم لا؟ وممنوع إذا كان يعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر على أداء الصلاة. (ش). ٤٤٥ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)). [ت ٦٩، ن ٥٩، ٣٣١، جه ٣٨٦، ط ٢٢/١، دي ٧٢٩، حم ٢٣٧/٢، خزيمة ١١١] (فقال رسول الله صل ى: هو) أي البحر (الطهور) (١) أي المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن طهورية مائه لا عن طهارته، (الحِل ميتته)(٢)، فالميت من السمك حلال بالاتفاق، وفي ما عداه خلاف، ولما سئل النبي ◌َّر عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه قاس عليه جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ ... ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب إرشاداً وهدايةً قوله: ((الحل ميتته))، ((علي القاري)»(٣). وقال صاحب ((مرقاة الصعود))(٤): قال الطب(٥): سئل عن ماء البحر فقط، فأجابهم عن مائه وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر، كما يعوزهم ماء بئر، فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظم جوابه لهم، وأيضاً فإن علم طهارة الماء مستفيض عند خاصة وعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالاً مشكل أصالة، فلما رأى السائلَ جاهلاً بأظهر الأمرين لا يستبين حكمه علم أنَّ أخفاهما أولی ببيانه. قال: وإنما ارتابوا في ماء البحر، لأنهم لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم، وكان من المعقول عندهم في الطهور أنه الماء المفطور (١) بسطه ابن رسلان، وذكره صاحب ((المغني)) (١٣/١) أيضاً أن المراد عند بعض الحنفية أن الطهور بمعنى الطاهر لا المطهر، فتأمل. (ش). (٢) بالفتح، وأخطأ من كسر. قلت: بسط الشوكاني (١٧/١)، والزيلعي (٩٧/١) الكلام على علل الحديث الأربعة: الجهالة في سعيد والمغيرة، والاختلاف في اسم سعيد، وأرسله يحيى، والاضطراب، قال ابن العربي: حديث مشهور ولكن في طريقه مجهول، وصحَّحه في ((السعاية)) (٣٣٤/١). (ش). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ١٨١). (٤) انظر: ((درجات مرقاة الصعود)) (ص ١٩). (٥) أي: الخطابي. انظر: ((معالم السنن)) (٦٦/١). ٤٤٦ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حديث على خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه قال : ... ، وأيضاً لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيواناً قد يموت فيه، والميتة نجسة، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف غيره، كيلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها به، انتهى. وهذا الحديث يدل على أن البحر ماؤه طاهر مطهر، وهذه المسألة إجماعية(١) أجمعت الأمة على ذلك، وأيضاً يدل على أن ميتة البحر حلال، وهذه المسألة اختلفت الأئمة فيها، فعند الإمام الشافعي يحل جميع حيوانات البحر حتى كلبه وخنزيره وثعبانه وهو المصحح عند الشافعية. وقال النووي(٢): وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال أصحابنا: ويحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه، أصحها يحل جميعه، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه، دون کلبه وخنزیره وحماره، انتھی. قال في ((البدائع))(٣): أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلَّا السمك خاصة، فإنه يحل أكله إلَّا ما طفا منه، وهذا قول أصحابنا - رضي الله عنهم -، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى - رحمهم الله -: إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، لكن بالذكاة هو قول ليث بن سعد، إلَّا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل. (١) قلت: ذكر الشعراني فيه ثلاثة مذاهب للعلماء. (ش). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) (٩٨/٧). (٣) (٤ / ١٤٤). ٤٤٧ (١) كتاب الطهارة (٤١) باب (٨٣) حديث وقال الشافعي - رحمه الله -: يحل جميع ذلك من غير ذكاة، وأخذه ذكاته، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالاً، وبقول النبي ◌ّ حين سئل عن البحر فقال: ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته))(١)، وصف ميتة البحر من غير فصل بين السمك وغيره. ولنا: قوله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ وَالدَّمُ وَلَتْمُ الْخِزِيرِ﴾ من غير فصل بين البري والبحري، وقوله عزَّ شأنه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث. وروي عن رسول الله وَير: ((سئل عن ضفدع يجعل شحمه في الدواء، فنهى عليه الصلاة والسلام عن قتل الضفادع)»(٢)، وذلك نهي عن أكله، وروي أنه لما سئل عنه فقال عليه الصلاة والسلام: ((خبيثة من الخبائث))(٣)، ولا حجة لهم في الآية، لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد، وهو الاصطياد، لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد، لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق اسم الفعل عليه يكون مجازاً، ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل، فثبت أنه لا دليل في الآية على إباحة الأكل، بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في البر للمحرم. والمراد من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الحل ميتته))، السمك خاصةً، بدليل (١) واستدل بالحديث أيضاً من قال بإباحة الطافي من السمك، لأنه أحق ما يطلق عليه اسم ميتة البحر، وأجاب عنه صاحب ((الهداية)) (٣٥٣/٤) بأن ميتة البحر ما لَفَظه البحر ليكون موته مضافاً إلى البحر. (ش). (٢) أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤٤٩/٣، ٤٥٣)، والدارمي في ((السنن)) (١٩٩٨)، وأبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٤٣٥٥). (٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٨١/٢)، وأبو داود (٣٧٩٩). ٤٤٨ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حديث (٤٢) بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيدِ ٨٤ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالًا: ثَنَا شَرِيكٌ، عن أَبِي فَزَارَةً، قوله : ((أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: السمك والجراد، والدَّمان: الكبد والطحال)) (١)، فسر النبي ◌َّ﴿ بالسمك والجراد، فدلَّ على أن المراد منها السمك، ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما تلونا من الآية وروينا من الخبر، انتهى. (٤٢) (بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَِّيذِ) النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إلى فعيل، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر، فإنه يقال له : نبيذ، ويقال للخمر المعتَصَر من العنب نبيذ، ((نهاية))(٢) و ((لسان العرب)). ٨٤ - (حدثنا هناه)(٣) بن السري (وسليمان بن داود العتكي قالا: ثنا شريك) بن عبد الله، (عن أبي فزارة)(٤) بفتح فاء وزاي خفيفة فألف فراء، راشد بن كيسان بفتح كاف، العبسي، بموحدة، الكوفي، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: ثقة كيس، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكراً بسوء. (١) أخرجه الدارقطني (٢٧١/٤). (٢) (٧/٥). (٣) قال ابن العربي (١٢٨/١): الحديث بعضهم رده وبعضهم رواه، ثم بسط الكلام عليه وعلى المسألة وأطال الرد عليها، انتهى، ودلائلنا في الماء المقيد في هامش «باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي)). (ش). (٤). قال ابن رسلان: أخرج له مسلم في النكاح. (ش). ٤٤٩ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حدیث عن أَبِي زَيْدٍ، قلت: وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا، وفي ((علل الخلال)): قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة (١)، انتهى («تهذيب التهذيب)). (عن أبي زيد) مولى عمرو بن حريث لا يعرف، عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة لا يصح حديثه، ذكره البخاري في «الضعفاء»، وقال أبو أحمد الحاكم: رجل مجهول، انتهى ((ميزان))(٢)، وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٣): أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، روى عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ ليلة الجن، وعنه أبو فزارة راشد بن كيسان، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة، ولم يرو هذا الحديث من وجه ثابت، وأبو زيد مجهول، قال أبو داود: كان أبو زيد نبَّاذاً بالكوفة، وقال الترمذي: مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. قلت: قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أبو زيد مجهول لا يعرف، لا أعرف كنيته ولا أعرف اسمه، وقال أبو حاتم: لم يلق أبو زيد عبد الله، وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبو زيد سمعه من عبد الله، وقال (١) يعني أنهما اثنان وهذا مجهول، كذا في ((الغاية)). (ش). (٢) (٥٢٦/٤). (٣) (١٠٢/١٢). ٤٥٠ i . (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حدیث البخاري: أبو زيد مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن حبان: لا يدرى من هو؟ وقال أبو إسحاق الحربي: مجهول، وقال ابن المنذر: هذا الحديث ليس بثابت، وقال الكرابيسي: لا يثبت في هذا الباب شيء، وقال ابن عدي: لا يصح، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منکر. قال العلامة العيني(١): وقال بعضهم - أي الحافظ ابن حجر -: وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه . قلت: إنَّما ضَعَّفوه لأن في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي، وقال ابن العربي في (شرح الترمذي)»(٢): أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان، وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة. على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلاً عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد، الأول: أبو رافع عند الطحاوي والحاكم، الثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في ((الأوسط))، الثالث: عبد الله بن عمر، ٤ - عمرو البِكالي، ٥ - أبو عبيدة بن عبد الله، ٦ - أبو الأحوص، ٧ - عبد الله بن مسلمة، ٨ - قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، ٩ - عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ١٠ - عبد الله بن عباس، ١١ - أبو وائل شقيق بن سلمة، ١٢ - ابن عبد الله، ١٣ - أبو عثمان بن سنه، ١٤ - أبو عثمان النهدي هذا ملتقط، والتفصيل في شرحه على البخاري، فمن شاء فليرجع إليه . (١) ((عمدة القاري)) (٦٨٤/٢). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٨/١). ٤٥١ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حديث والحاصل أن الطعن في هذا الحديث بوجوه: الأول: جهالة أبي زيد، الثاني: التردد في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان أو غيره؟ الثالث: أن أبا فزارة هذا كان نبَّاذاً بالكوفة، الرابع: أن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - لما سئل هل كنت مع النبي ◌َّر؟ فقال: ليتني كنت، وكذلك سئل تلميذه علقمة هل كان صاحبكم مع النبي ◌ُّ ليلة الجن؟ فقال: وددنا أنه كان، الخامس: أنه من أخبار الآحاد ورد على مخالفة الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الواحد أن لا يخالف الكتاب، فإذا خالف لم يثبت، أو ثبت لكنه نسخ به، لأن ليلة الجن كانت بمكة. أما الجواب عن جهالة أبي زيد، فمرَّ الجواب عنه بأنه روى عنه أبو فزارة وأبو روق فارتفعت الجهالة، وقال في ((البدائع))(١): فقد قال صاعد - وهو من زهاد التابعين -: وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، فكان معروفاً في نفسه وبمولاه، فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته على أنه قد روي هذا الحديث من طرق أُخر غير هذا الطريق لا يتطرق إليها طعن. وعن الثاني بأن الحافظ وغيره من المحققين صرحوا بأن أبا فزارة هذا الذي يروي عن أبي زيد عن ابن مسعود هو راشد بن كيسان؛ فارتفع التردد منه . وعن الثالث بأن أبا فزارة كونه نبَّاذاً بالكوفة لم يثبت، بل الذي كان نباذاً بالكوفة هو شيخه أبو زيد كما نقل الحافظ عن أبي داود، ولو سلم فلا يقدح فيه، لأنه يمكن أن يصنع النبيذ ما لم يبلغ حد الإسكار، ولا مطعن فيه . وعن الرابع بما سيأتي في شرح الحديث الآتي. (١) ((بدائع الصنائع)) (٩٧/١). ٤٥٢ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حديث عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الجِنِّ: ((مَا فِي إِداوَتِكَ؟» وعن الخامس بأنه لما قال به جماعة من كبراء الصحابة، منهم علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، فتبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حيث عمل به الصحابة، وتلقوه بالقبول، ومثله مما ينسخ به الكتاب، ثم إنه لما ثبت من فتاوى نجباء الصحابة - رضي الله عنهم - جواز التوضؤ بنبيذ التمر في زمان انسَدَّ فيه باب الوحي، مع أنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ بطلت دعوى النسخ، وما ذكروا من الطعن في الراوي في سند حديث واحد. قلت: عمل بعض الصحابة بذلك لا يدل على عدم النسخ، بل محمول على أنه لم يبلغهم النسخ. (عن عبد الله بن مسعود)(١) بن غافل، بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف، ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، وأمه أم عبد، من السابقين الأولين، من كبار العلماء من الصحابة، أسلم بمكة قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان صاحب نعل رسول الله (چ، آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين سعد بن معاذ، وأمّره عمر على الكوفة، قال البخاري: مات بالمدينة قبل عثمان، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، مات سنة ٣٢هـ أو سنة ٣٣هـ. (أن النبي ( 8* قال له) أي لعبد الله بن مسعود (ليلة الجن) أي ليلة ذهب الجن بالنبي (٢) وَل# إلى قومهم ليتعلموا منه الدين، وكان معه عبد الله بن مسعود، وفي رواية: ((زيد بن ثابت)) (ما في إداوتك؟)(٣)، أي: أيُّ شيء (١) انظر ترجمته في: («أسد الغابة)) (٧٤/٣) رقم (٣١٨٢). (٢) وذكر في ((الخميس)) (٣٠٣/١) تفصيل وفود الجن. (ش). (٣) جمعها: أداوَى ((ابن رسلان)). (ش). ٤٥٣ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٤) حدیث قَالَ: نَبِيذٌ. قَالَ: (تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ)). [ت ٨٨، جه ٣٨٤، حم ١ / ٤٠٢] في مِطهرتك؟ في ((النهاية)): الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد (قال) أي ابن مسعود: (نبيذ) أي في إداوتي نبيذ (قال: تمرة طيبة وماء طهور)(١) زاد في ((المصابيح)): وتوضأ منه، وزاد أحمد والترمذي: فتوضأ منه، قال ابن الهمام: ورواه ابن أبي شيبة مطولاً، وفيه: «هل معك من وَضوء؟))، قلت: لا، قال: ((فما في إداوتك؟))، قلت: نبيذ(٢) تمر، قال: ((تمرة حلوة وماء طيب))، ثم توضأ وأقام الصلاة. ((علي القاري))(٣). قلت: اختلف العلماء في جواز التوضؤ بالنبيذ وعدم جوازه، فعند أبي حنيفة يتوضأ به(٤)، ولا يتيمم بشرط أن يكون حلواً رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منها صار حراماً لا يجوز التوضؤ به لحديث عبد الله بن مسعود، فترك القياس بالنص، وعند أبي يوسف يتيمم ولا يتوضأ به، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى واختاره الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا، لأن الحديث وإن صح لكن آية التيمم ناسخة له إذ هي مدنية، وعند محمد يجمع بينهما، لما ذكرنا أن ليلة الجن كانت بالمدينة أيضاً؛ لأن صاحب ((آكام المرجان)) ذكر أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن كانت ست مرات، وذكر منها مرة في بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود فلا يقطع بالنسخ. (١) يعني أصله هذان. (ش). (٢) وهي أربعة أنواع كما بسط في هامش ((الكوكب)) (١١٩/١). (ش). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨١/٢). (٤) وبه قال الحسن والأوزاعي، وقال عكرمة: هو وضوء من لم يجد الماء كما في ((المغني)» (١٨/١). (ش). ٤٥٤ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٥) حدیث قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: عن أَبِي زَيْدٍ أَوْ زَيْدٍ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ. ٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عن دَاوُد، (قال أبو داود: قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد، كذا قال شريك) غرض أبي داود بهذا الكلام أن أبا داود روى هذا الحديث عن شيخيه هناد وسليمان بن داود عن شريك، فأما هناد فلم يشك فيه عن شريك، فقال: عن أبي زيد، وأما سليمان فقال: عن أبي زيد أو زيد، روى عن شريك على الشك، وهكذا عن أبي زيد أو زيد في جميع نسخ أبي داود الموجودة عندنا من المكتوبة والمطبوعة المصرية والهندية بالتكني في الأولى والعَلَمية في الثانية، ولكن قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) كما قدمنا: وقيل: أبو زايد أو أبو زيد بالشك، وبالكنية في الموضعين، ولكن بزيادة الألف بعد الزاي وكذا في ((التقريب))، ولم أر أحداً تعرض لهذا الاختلاف، ولفظ ((التقريب)): أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل : أبو زاید. (ولم يذكر هناد ليلة الجن)، أي لم يذكر هناد لفظ ((ليلة الجن))، وذكره سليمان بن داود. ٨٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب) بن خالد، (عن داود) بن أبي هند، واسمه دينار بن عُذافِر، بضم مهملة وخفة ذال معجمة وكسر فاء، ويقال: طهمان، القشيري مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، البصري، قال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ٤٥٥ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٥) حديث عن عَامِرٍ، عن عَلْقَمَةَ قَالَ: ((قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ)). [م ٤٥٠، ت ٣٢٥٨] ثقة ثبت، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلَّا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه، وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف، مات سنة ١٤٠ هـ، وقيل قبلها . (عن عامر) بن شراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشعبي، بفتح المعجمة، الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان، ثقة مشهور فقيه فاضل، يقول: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: الشعبي ثقة، قال البخاري: مات سنة ١٠٤ هـ. (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله #، وروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم -، وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به سمتاً وهدياً، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة، وهو ثقة ثبت فقيه عابد، قلت: وكان الأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس ولدا أخي علقمة أسن منه، مات بالكوفة سنة ٦٢هـ. (قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله وَلفي ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد)(١)، أورد المصنف ذلك الحديث ههنا ليشير إلى أن هذا الحديث المقدم الذي يدل على أن ابن مسعود كان مع (١) وقال ابن قتيبة في ((مختلف الحديث)) (ص ٣٢): معناه لم يكن معه غيري، ونقل ابن السمعاني أن ابن المديني نقل باثني عشر طريقاً أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان مع النبي (980 ليلة الجن ((ابن رسلان))، ثم ذكر بعض طرق الحديث الذي جاء فيه ذكر ليلة الجن في غير هذه القصة. وبسط في ((السعاية)) (٤٧٤/١). (ش). ٤٥٦ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٥) حدیث النبي ◌َّ* ليلة الجن معارض بهذا الحديث الصحيح مع كونه ضعيفاً باعتبار السند، فلا يحتج به . قال النووي(١): هذا صريح في إيطال الحديث المروي في ((سنن أبي داود)) وغيره، المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه وَل ليلة الجن، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف، قلت: قد مرَّ الجواب عن ضعف الحديث. وأما الجواب عن معارضة هذا الحديث بذاك أن ذهاب رسول الله وَالجو إلى الجن وقع ست مرات، فيمكن أن يكون ابن مسعود معه في بعضها، ولم يكن معه في بعضها، كيف وقد ذكر الترمذي كونه معه وصححه، فقد أخرج الترمذي(٢) بسنده عن ابن مسعود قال: صلَّى النبيِ وَلّ العشاء ثم انصرف، فأخذ بيد ابن مسعود، حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه، الحديث، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وأيضاً يمكن(٣) أن يجاب عنه أن رسول الله مَّ و ترك ابن مسعود، وذهب بنفسه الشريفة في محل آخر، فلم يكن ابن مسعود معه 18 في ذاك المحل، أي موضع تعليمه للجن، فلا معارضة في الحديثين، ألا ترى إلى ما أخرج الترمذي بسنده عن ابن عباس، قال: ما قرأ رسول الله وَ# على الجن ولا رآهم، وقد ثبت أنه تم ثم قرأ عليهم وبلَّغهم وعلَّمهم، فكما هذه المعارضة مدفوعة بالتأويل، فكذلك هذا باختلاف الزمان والمكان، وأوَّلَ (١) (شرح صحيح مسلم)) (١٦٩/٤). (٢) ((سنن الترمذي)) (ح ٢٨٦١). (٣) وذكره ابن رسلان أيضاً عن بعض الحنفية، والحافظ في ((الفتح)) (١٧٢/٧) عن البيهقي. (ش). ٤٥٧ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٦) حدیث ٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، عن عَطَاءٍ، بعضهم أن المراد بقوله: ((ما كان معه منَّا أحد)»، أي ما شهدها منَّا أحد غيري، نفياً لمشاركته وإبانةً لاختصاصه بذلك، ذكره ابن الهمام(١) عن الإمام أبي محمد البطليوسي، فعلى هذا لا معارضة فيهما، ولو سُلِّمَ فالمثبت يقدم على النافي . ٨٦ - (حدثنا محمد بن بشار) بندار (قال: ثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: ثنا بشر بن منصور) السَّليمي، بفتح المهملة وبعد اللام تحتانية، أبو محمد البصري الأزدي، صدوق عابد زاهد، قال أبو زرعة: ثقة مأمون، وقال نصر بن علي الجهضمي: ثبت في الحديث، مات سنة ١٨٠ هـ. (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، (عن عطاء) بن أبي رباح، سيد التابعين علماً وعملاً وإتقاناً في زمانه بمكة، وكان حجة إماماً كبير الشأن، أخذ عنه أبو حنيفة، وقال: ما رأيت مثله، قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلينا من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ من كل ضرب، وقال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كل أحد، وروى محمد بن عبد الرحيم عن علي بن المديني قال: كان عطاء بأخَرَة قد تركبه ابن جريج وقیس بن سعد. قلت: لم يعن الترك الاصطلاحي بل عنى أنهما أبطلا الكتابة، وإلَّا فعطاء ثبت، قال خالد بن أبي نوف عن عطاء: أدركت مائتين من الصحابة، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سليمان بن حرب يذكر عن بعض مشیخته، (١) انظر: ((فتح القدير)) (١٠٤/١). ٤٥٨ (١) كتاب الطهارة (٤٢) باب (٨٧) حديث أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَِّذِ وَقَالَ: ((إِنَّ التََّهُّمَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ». [ق ٩/١] ٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: ((سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ. قال: رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء، قال: فسألته عن ذلك فقال: إنه نسي أو تغير، فكدت أن أفسد سماعي منه، مات سنة ١١٥ هـ أو ١١٤ هـ. قال: (أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب(١) إلي منه)، غرض المصنف بإيراد هذا الأثر تقوية عدم جواز(٢) الوضوء بالنبيذ. ٨٧ - (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (قال: حدثنا أبو خلدة) بفتح المعجمة وسكون اللام، المشهور بكنيته، هو خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط، قال عثمان بن سعيد عن يحيى: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وفي ((تاريخ البخاري))(٣): قال ابن مهدي: كان خياراً مسلماً صدوقاً، مات سنة ١٥٢ هـ. (قال: سألت أبا العالية) رفيع، براء وفاء وعين مهملة مصغراً، (١) قال ابن رسلان: ليس من أفعل التفضيل، فإن الوضوء لا يجوز عنده أصلاً، كما في ((المحلى)). (ش). (٢) ولمخالفه أن يقول: أخرج ابن أبي شيبة (٢٦/١) عن علي - رضي الله عنه - أنه لم ير به بأساً، وتقدم قريباً أنه قال بالجواز علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -. (ش). (٣) (١٤٧/٢). ٤٥٩