Indexed OCR Text

Pages 101-120

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي ترجمة الإمام أبي داود
أيهما أعلى عندك: علي بن الجعد(١) أو عمرو بن مرزوق(٢)؟
قال: عمرو أعلى عندنا، علي بن الجعد وُسِم بميسم سوء؛ قال:
وما يسوءني أن يعذب الله معاوية، وقال: ابن عمر، ذلك الصبي!(٣). يعني
أن علي بن الجعد كان يقع في الصحابة، وذلك عندما يقرر أنه لا يسوءه أن
يعذب الله معاوية - رضي الله عنه -، وكذلك فإن قوله عن ابن عمر: ((إنه
صبي)) فيه ما يدل على قلة احترامه للصحابة، وعلى التهوين من شأنهم.
مذهبه الفقهي :
واختلف في مذهبه الفقهي، فقيل: حنبلي، وقيل: شافعي (٤). وعدّه
الشيخ أبو إسحاق الشيرازي(٥) في ((طبقات الفقهاء)) من أصحاب أحمد بن
حنبل(٦)، وكذلك ذكره القاضي ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة))(٧).
وأما السيد صدِّيق حسن خان(٨)، فقد ذكر في كتابه ((أبجد العلوم))
(١) هو: علي بن الجعد الهاشمي مولاهم الجوهري البغدادي، مات سنة ٢٣٠هـ.
(خلاصة تذهيب الكمال)) (ص ٢٧٢).
(٢) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي أبو عثمان البصري، مات سنة ٢٢٤هـ. ((خلاصة
تذهيب الكمال)» (ص ٢٩٣).
(٣) ((طبقات الحنابلة)» (١٥٩/١).
(٤) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٢٤/٢).
(٥) هو: إبراهيم بن علي بن يوسف أبو إسحاق الشيرازي، له مؤلفات كثيرة شهيرة،
توفي سنة ٤٧٦هـ. ((شذرت الذهب)) (٣٤٩/٣).
(٦) ((بستان المحدثين)) (ص ٢٢٤).
(٧) (١٥٩/١).
(٨) هو: صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي أبو الطيب،
حَصَلَ العلم في دهلي، ثم ارتحل إلى بهوفال، وتزوج بملكتها، ولقب بنواب عالي
الجاه أمير الملك بهادر، وسافر إلى الحجاز وحج، وأخذ عن علماء اليمن من تلاميذ
الشوكاني، أكثر التصنيف حتى أربت مؤلفاته على الستين، مولده ١٢٤٨ هـ، ووفاته
١٣٠٧هـ. انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٢٠٢/٨).
١٠٠

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
ترجمة الإمام أبي داود
البخاري وأبا داود والنسائي في الشوافع(١).
وقال صاحب ((كشف الظنون)(٢) في ذكر أبي داود: ومن مذهبه أن
الحديث الضعيف أقوى عنده من رأي الرجال، وهو قول جماعة من
العلماء، منهم الإِمام أحمد بن حنبل، إلى أن قال: وبهذا وشبهه يتقوى
ما يقال: إن أبا داود وكذلك الترمذي مجتهدان مطلقان منتسبان إلى أحمد
وإسحاق(٣).
وقال الشيخ طاهر الجزائري(٤): وعندي أن البخاري وأبا داود أيضاً
كبقية الأئمة المذكورين ليسا مقلِّدَيْن لواحد بعينه، ولا من الأئمة المجتهدين
على الإطلاق، بل يميلان إلى أقوال أئمتهم(٥).
قال الإِمام العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري(٦): النسائي
(١) ((أبجد العلوم)) (ص ٨١٠).
(٢) هو: مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي، المعروف بحاجي خليفة، مؤرخ بحاثة، تركي
الأصل، مولده ووفاته في القسطنطينية، من كتبه: ((كشف الظنون عن أسامي الكتب
والفنون))، مولده ١٠١٧ هـ، ووفاته ١٠٦٧هـ. انظر ترجمته في: ((هدية العارفين))
(٢ / ٤٤٠).
(٣) (كشف الظنون)) (٢٩٩/٢).
(٤) هو: طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الجزائري ثم الدمشقي
(١٢٦٨ - ١٣٣٨هـ)، بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب، أصله من الجزائر،
مولده ووفاته في دمشق، ساعد على إنشاء دار الكتب الظاهرية في دمشق، وأصبح
مديراً لها، وكان أحد أعضاء (المجمع العلمي العربي) بدمشق، له نحو من عشرين
مصنفاً في مختلف العلوم. انظر ترجمته في: ((الأعلام)» للزركلي (٣٢٠/٣).
(٥) (توجيه النظر)) (ص ١٨٥).
(٦) هو: العلامة المحدث محمد أنور الكشميري المتوفى ١٣٥٢هـ. وجمع أمالي درسه
حول ((الجامع الصحيح)) للإمام البخاري تلميذه البار مولانا بدر عالم الميرتهي
ثم المدني المتوفى ١٣٨٥هـ. وأسمى الكتاب «فيض الباري)). انظر ترجمته في:
(نفحة العنبر)) للعلامة البنوري.
١٠١

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
ترجمة الإمام أبي داود
وأبو داود حنبليان، صرح به الحافظ ابن تيمية(١).
وفي موضع آخر من ((الفيض)) (ص ٣٠١) جزم بأنه حنبلي.
وقال الشيخ ابن القيم(٢) في ((إعلام الموقعين)): البخاري ومسلم
وأبو داود والأثرم(٣)، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين
المحض المنتسبين إليه (٤).
وكذلك ذكر هؤلاء الثلاثة ابن أبي يعلى (٥) في ((طبقات الحنابلة)).
وأما التاج السبكي(٦) فلم يذكر في ((طبقات الشافعية)) إلَّا البخاري
وأبا داود والنسائي. وأما الحنفية والمالكية فلم يذكروا واحداً منهم في
طبقاتهم(٧).
(١) ((فيض الباري)) (٥٨/١).
(٢) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس
الدين، من كبار العلماء، والتلميذ الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ألف كتباً كثيرة،
منها: ((إعلام الموقعين)) و((زاد المعاد)) و((روضة المحبين))، ومولده ووفاته بدمشق
٦٩١هـ - ٧٥١هـ. انظر ترجمته في: ((الوافي بالوفيات)) (٢٧٠/٢)، و«شذرات
(١٦٨/٦).
الذهب»
(٣) هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء، الإسكافي
الأثرم الطائي، أحد الأعلام، ومصنف («السنن»، وتلميذ الإمام أحمد بن حنبل.
انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٦٢٤/١٢).
(٤) «إعلام الموقعين)) (٢٢٦/١).
(٥) هو: محمد بن أبي يعلى المتوفى سنة ٥٢٧هـ، صاحب («طبقات الحنابلة)).
انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء» (١٣٩/١٦).
(٦) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر تاج الدين بن تقي الدين
قاضي القضاة، المؤرخ الباحث، وُلد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده،
فسكنها وتوفي بها. كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء القضاة في
الشام، جرت عليه محن وشدائد عظيمة، من كتبه ((طبقات الشافعية الكبرى)) ومولده
٧٢٧هـ، ووفاته ٧٧١هـ. انظر ترجمته في: («شذرات الذهب)) (٢٢١/٦).
(٧) انظر: ((مقدمة لامع الدراري)) (ص ٥٩).
١٠٢

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذْوي
ترجمة الإمام أبي داود
قال العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا(١): إن أهل العلم
اختلفوا في مسالك أئمة الحديث، فبعضهم عدوهم كلهم من المجتهدين
وآخرون عدوهم كلهم من المقلدين.
والأوجه عندي أن فيهم تفصيلاً: فإن الإِمام أبا داود عندي حنبلي
قطعاً، متشدد في مسلك الحنابلة، كالطحاوي في الحنفية.
ولا يشك في ذلك من أمعن النظر في ((سنن أبي داود)»، فإنه رحمه الله
كثيراً ما أشار إلى ترجيح مسلكهم، بخلاف الروايات المعروفة، كما أشار
إلى ذلك بتبويب البول قائماً، والمعروف عنه وَلّ البول جالساً، ولم يذكر
هذه الرواية في الباب مع أنه أخرجها في موضع آخر، وترجم بباب الوضوء
بفضل طهور المرأة، ثم ذكر بعد ذلك باب النهي عن ذلك إشارة إلى
تأخره، وترجم بباب الوضوء مما مست النار، وترجم بعد ذلك بباب
التشديد في ذلك، كأنه رجح أن الأمر وقع فيه التشديد بعد التخفيف،
ويظهر نظائر ذلك كثيراً لمن أمعن النظر في الكتاب(٢).
وقال في موضع آخر: والذي تحقق لي أن أبا داود حنبلي بلا ريب،
لا ينكر ذلك من أمعن النظر في ((سننه))، والإِمام البخاري عندي مجتهد
برأسه، وهذا أيضاً ظاهر من ملاحظة تراجمه بدقة النظر لمن يعرف اختلاف
الأئمة(٣).
(١) هو: أستاذنا المحدث الكبير العلامة محمد زكريا الكاندهلوي صاحب
((أوجز المسالك)) وغيره من المؤلفات الكثيرة والتعليقات النافعة على الكتب الستة،
نزيل المدينة المنورة، مولده عام ١٣١٥هـ. وقد توفي سنة ١٤٠٢هـ بالمدينة المنورة،
ودفن في البقيع، بجوار رسول الله (َل، انظر ترجمته في كتاب ((تذكرة حياته)) لسماحة
الشيخ السيد أبي الحسن الندوي، و ((الإمام المحدث محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره
في علم الحديث)) لولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي.
(٢) ((مقدمة لامع الدراري)) (ص ٧٢).
(٣) المرجع السابق (ص ٦٢).
١٠٣

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين النّذوي ترجمة الإمام أبي داود
وإذا أردت التفصيل فعليك بمطالعة مقدمة ((لا مع الدراري على جامع
البخاري)) فى الفائدة التاسعة.
وفاته :
وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم وجمع الأحاديث ونشرها، توفي
الإِمام أبو داود بالبصرة التي اتخذها موطناً له، وكانت وفاته في شوال سنة
خمس وسبعين ومائتين، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري - عليهما
رحمة الله -.
ابنه أبو بكر :
وقد ترك الإِمام أبو داود ابناً يسمى ((عبد الله))، وقد صار حافظاً
كبيراً، وهو أبو بكر عبد الله بن أبي داود فهو إمام ابن إمام، وُلد أبو بكر
سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ست عشرة وثلاثمائة(١).
مؤلّفاته:
١ - ((المراسيل)): وقد طُبع بالقاهرة سنة ١٣١٠هـ.
٢ - ((الردّ على القدريّة)): كما ذكره السيوطي في ((التدريب)) (ص
٥٦)، والحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) باسم ((الردّ على أهل
القدر))، وذكر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
يعقوب المتوثي البصري(٢). وقال فؤاد سزكين(٣): ذَكَرَه ابن حجر في كتابه
((الإِصابة)).
٣ - ((النّاسخ والمنسوخ)): ذكر ابن حجر أنَّ راوي هذا الكتاب عنه(٤)
(١) ((تذكرة الحفاظ)) (٤٣/٢).
(٢) انظر: ((تهذيب التهذيب)» (١٧٠/٤).
(٣) (تاريخ التراث العربي)) (٢٣٨/١).
(٤) ((تهذيب التهذيب) (١٧٠/٤).
١٠٤

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين النّذوي ترجمة الإمام أبي داود
أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، ونقل السيوطي عن هذا الكتاب(١)، وذكره
إسماعيل البغدادي بعنوان («ناسخ القرآن ومنسوخه))(٢).
٤ - ((مسائل الإِمام أحمد)): وهي مرتَّبة على أبواب الفقه، يذكر فيها
الإِمام أبو داود السؤال الموجّه لأحمد وجوابه عليها، وهو كتاب جليل من
الناحية الفقهية، ينقل لنا بدقّة وأمانة آراء الإِمام أحمد بن حنبل. وقد طبع
في القاهرة بتحقيق السيد رشيد رضا، وأعيد تصويره في بيروت مؤخّراً.
٥ - ((كتاب الزُّهْد)»: توجد له نسخة بالقرويين بفاس وفي المكتبة
الظاهرية بدمشق(٣). وقد طبع هذا الكتاب.
٦ - ((رسالته في وصف كتاب ((السنن)))): وقد طبعت في القاهرة
بتحقيق وتعليق العلّامة محمد زاهد الكوثري سنة ١٣٦٩هـ، وطبع مع ((بذل
المجهود في حلّ أبي داود)» ١٣٩٣ هـ، وطبع بتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله تعالى -، وفضيلة الدكتور محمد بن لطفي
الصّاغ أيضاً .
٧ - ((إجاباته عن سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان
الآجري)). قال ابن كثير: ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل
والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد(٤). وذكرها فؤاد سزكين(٥) بعنوان:
((سؤالات أجاب عنها أبو داود في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم)) (٦).
(١) ((تحذير الخواص)) (ص ١٩١).
(٢) ((هدية العارفين)) (٣٩٥/١).
(٣) ((فهرس المخطوطات الظاهرية)) للشيخ الألباني (ص ١٦١).
(٤) (مختصر علوم الحديث)) لابن كثير (ص ٤١).
(٥) ((تاريخ التراث العربي)) (٢٦٢/١).
(٦) صدر الجزء الثالث بتحقيق محمد بن علي العمري من الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة عام ١٣٩٩ هـ.
١٠٥

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
ترجمة الإمام أبي داود
وذكر أنها موجودة في كوبرلي وباريس، وذكر أنَّ ابن حجر استخدم هذه
الرسالة كثيراً في ((تهذيب التهذيب)»(١). طبع في الرياض بعام ١٤١٨ هـ.
٨ - («تسمية الإِخوة الذين روى عنهم الحديث)): وهي رسالة في ثماني
ورقات، محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السِّلفي،
ومكتوبة بخطّ مغربي، كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الدِّين الألباني(٢).
وذكر الدكتور أكرم ضياء العمري هذه الرسالة بعنوان ((تسمية الإِخوة
من أهل الأمصار))، وقال: وقد استفاد أبو داود في تصنيف رسالة («تسمية
الإِخوة)) ما قرأه في كتاب علي بن المديني بخطه، كما استفاد من طريقته في
تنظيم المادة، فنجده يرتب الإِخوة الذين روى عنهم الحديث على المدن،
وقد اكتفى أبو داود بتجريد الأسماء، ولم يقتصر على ذكر الصحابة، بل
ذكر من تلاهم أيضاً(٣).
وذكر الأستاذ العمري في تعليقه في الصفحة نفسها أنَّ الرسالة تقع في
(٧) ورقات، وأنَّ الورقة ٢٤ سطراً، وأنها مكتوبة بخطّ ناعم. وذكر فؤاد
سزكين أنها مكتوبة في القرن السادس (٤). وقد طُبعَ هذا الكتاب.
٩ - «أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء)).
قال الشيخ ناصر الدِّين الألباني: رُتِّبت على أسماء بلادهم، ثقات
مكة، وثقات المدينة ... وينتهي بضعفاء المدينة. وهي نسخة ناقصة من
أولها وموجودة في الظاهرية(٥). وطبع الكتاب باسم ((مسائل أبي داود)) سنة
١٣٥٣ هـ.
(١) ((فهرس مخطوطات الظاهرية)) (ص ١٦١).
(٢) ((بحوث في تاريخ السُّنَّة)) للعمري (ص ٦٥).
(٣) (بحوث في تاريخ السنة)) للعمري (ص ٧٣).
(٤) ((تاريخ التراث العربي)) (٢٣٨/١).
(٥) ((فهرس مخطوطات الظاهرية)) (ص ١٦١).
١٠٦

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
ترجمة الإمام أبي داود
١٠ - ((كتاب البعث والنشور)): ذكره بروكلمان، وذكر أنه موجود في
دمشق(١) .
١١ - ((المسائل التي حلف عليها الإِمام أحمد)): ذكره فؤاد سزكين
وقال: إنه موجود في دمشق(٣).
١٢ - «دلائل النبوَّة»: ذكره إسماعيل البغدادي(٣)، وابن حجر في
((تهذيب التهذيب))(٤).
١٣ - ((التفرُّد في السنن)»: ذكره إسماعيل البغدادي(٥).
١٤ - ((فضائل الأنصار)): ذكره ابن حجر في مقدمة كتابه «تهذيب
التهذيب))(٦).
١٥ - ((مسند مالك)): ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب))(٧).
١٦ - ((الدُّعاء)»: ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب التهذيب)»(٨).
١٧ - (ابتداء الوحي)): ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب
التهذيب»(٩).
١٨ - ((أخبار الخوارج)): ذكره ابن حجر في مقدمة ((تهذيب
التهذيب»(١٠).
(١) طبع هذا الكتاب.
(٢) (تاريخ التراث العربي)) (ص ٢٨٩).
(٣) (هدية العارفين)) (٣٩٠/١).
(٤) ((تهذيب التهذيب)) (٦/١).
(٥) ((هدية العارفين)) (٣٩٠/١).
(٦) ((تهذيب التهذيب)) (٧/١).
(٧) المرجع السابق.
(٨) المرجع السابق (٦/١).
(٩) المرجع السابق.
(١٠) ((تهذيب التهذيب)) (٦/١).
١٠٧

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين النّذوي
ترجمة الإمام أبي داود
١٩ - ((أصحاب الشعبي)): ورد في ((سؤالات أبي عبيد الآجري
لأبي داود)).
٢٠ - ((الكنى)): ذكره ابن حجر في ((الإِصابة))(١).
٢١ - ((ما تفرَّد به أهل الأمصار)): ذكره ابن تيمية في ((رفع الملام))(٢)،
والزركشي في ((النكت))(٣).
٢٢ - ومِن أهم تصانيفه كتابه ((السنن)). ولذلك سأشبع الكلام فيه إن
شاء الله تعالى.
(١) (٤٣٧/٣).
(٢) (ص ٢٤). وانظر: ((مجموعة الفتاوى)) لشيخ الإسلام (٢٤٢/٢٠).
(٣) (٤٢/١).
١٠٨

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين النّذوي
سنن أبي داود
((سُنَن أبي دَاوُد))
تأليفه - مكانته - خصائصه
كانت المؤلَّفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها - يُذْكَر فيها
إلى جانب أحاديث الأحكام الفضائل والقصص والمواعظ والآداب
والتفسير؛ حتى جاء الإِمام أبو داود وصنَّف كتابه ((السنن)) تصنيفاً خاصّاً
بأحاديث الأحكام مع الاستقصاء.
قال الإمام الخطابى: كان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان
أبي داود - الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها
من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة
فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار
مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب
ما اتفق لأبي داود. ولذلك حلّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر
محلّ الإِعجاب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرِّحَل(١).
ينبغي أن يعلم أنَّ هناك اصطلاحاً خاصّاً للسنن، قال الكتاني: وهي
في اصطلاحهم الكتب المرتَّبة على الأبواب الفقهية من الإِيمان، والطهارة،
والصلاة، والزكاة، وليس فيها شيء من الموقوف، لأنَّ الموقوف لا يسمَّى
في اصطلاحهم سنّة، ويسمَّى حديثاً(٢).
(١) «معالم السنن)» (١١/١).
(٢) ((الرسالة المستطرفة)) (ص ٣٢).
١٠٩

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي سنن أبي داود
ومن هنا يتّضح لنا لماذا سمى أبو داود كتابه بـ «السنن))، وقال في
رسالته إلى أهل مكة: وإنما لم أصنّف في كتاب ((السنن)) إلَّا الأحكام
ولم أصنِّف كتب ((الزُّهد)) و ((فضائل الأعمال)) وغيرها(١).
وقال الكتاني: وهو أوَّل مَن صنَّف في ((السنن))(٢)، وفيه نظر يتبين
ممّا يأتي. قال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في
أصول العلم وأُمَّهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّماً سبقه إليه ولا
متأخّراً لحقه فيه(٣).
فاقتصاره في كتابه على أحاديث الأحكام ميزة عظيمة، وكلامه على
الرواة في آخر الأحاديث التي يعقِّب عليها ميزة أخرى له، وإنَّ كلامه هذا
ليعتبر النواة الصالحة التي تفرع عنها فن الجرح والتعديل فيما بعد، وأصبح
باباً واسعاً في أبواب مصطلح الحديث، وله ملاحظات أخرى يذكرها عقب
الأحاديث ليست داخلة في باب الجرح والتعديل هي من الأصول التي بنى
عليها المحدِّثون أساس بحوثهم في النقد والتعليل، كما أنَّ له بيان
المتابعات والشواهد ما يشهد له بالاقتدار والباع الطويل.
موضوع الكتاب ومعظم مقصود الإِمام في تأليفه:
قد أبدع أبو داود في تنظيم كتابه بالنسبة إلى الأبواب الفقهية
والمواضيع الشرعية، فهو يبدأ في كتاب الطهارة، وهكذا يتسلسل حسب
المواضيع الشرعية .
قال العلّامة الكوثري في هامش ((شروط الأئمة)) للحازمي: ((أما الفرق
ما بين الخمسة من القصد: فغرض البخاري تخريج الأحاديث الصحيحة
المتّصلة، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير، فذكر عرضاً الموقوف والمعلَّق
(١) ((رسالة أبي داود)) (ص ٣٤).
(٢) ((الرسالة المستطرفة)) (ص ١١).
(٣) («معالم السنن» (١٣/١).
١١٠

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
سنن أبي داود
وفتاوى الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - وآراء الرجال، فتقطعت عليه
متون الأحاديث وطرقها في أبواب كتابه.
وقصد مسلم تجريد الصحاح بدون تعرُّض للاستنباط على أجود
ترتيب ولم تنقطع عليه الأحاديث.
وهمّة أبي داود جمع الأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار، وبنوا
عليها الأحكام، فصنّف ((سننه))، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين
والصالح للعمل، وهو يقول: ((وما ذكرت في كتابي حديثاً أجمع الناس
على تركه))، وما كان منها ضعيفاً صرَّح بضعفه، وترجم على كل حديث مما
قد استنبط منه عالم، وذهب إليه ذاهب، وما سكت عنه فهو صالح عنده.
وأحوج ما يكون الفقيه إلى كتابه)»(١).
وقال الإِمام أبو داود في وصف كتابه ((السنن)): ((أما هذه المسائل:
مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها))(٢).
كتاب ((سنن أبي داود)) جامع للأحاديث التي استدل بها فقهاء
الأمصار وبنوا عليها الأحكام:
قال الإِمام ولي الله الدهلوي: كان الإِمام أبو داود السجستاني همّه جمع
الأحاديث التي استدلّ بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء
الأمصار، فصنّف ((سننه))، وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح
للعمل، وما ذكر في («سننه» حديثاً أجمع الناس على تركه، وما كان ضعيفاً
صرّح بضعفه، وما كان فيه علّة بيّنها للعمل بوجه يعرفها الخائض في هذا
الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب(٣)
(١) هامش ((شروط الأئمة)) الحازمي (ص ٧٣).
(٢) والبسط في رسالته إلى أهل مكّة.
(٣) (حجة الله البالغة)» (٣٥٠/١).
١١١

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
سنن أبي داود
وقال أبو جعفر بن الزبير الغرناطي (المتوفَّى ٧٠٨هـ): ولأبي داود في
حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره(١).
وقال الإِمام الغزالي: إنه كافٍ للمجتهد(٢).
ثناء الأئمة على ((السنن)):
هو أكثر مِن أن يُحصى ...
قال الخطابي: ((اعلموا - رحمكم الله - أنَّ كتاب ((السنن)) لأبي داود
كتاب شريف لم يصنف في علم الدِّين كتاب مثله، وقد رُزِق القَبول من
الناس كافة، فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف
مذاهبهم، فلكل فيه ورد ومنه شرب، وعليه معوَّل أهل العراق وأهل مصر،
وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأمّا أهل خراسان فقد أولع
أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري
ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد،
إلّا أن كتاب أبي داود أحسن وضعاً وأكثر فقهاً))(٣).
وقال شيخ الإِسلام محيي الدِّين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
- شارح ((صحيح مسلم)) وصاحب المؤلَّفات الكثيرة - في قطعة كتبها في
((شرح أبي داود)»: ((وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ ((سنن أبي داود))
وبمعرفته التامّة، فإنَّ معظم الأحاديث التي يحتجّ بها فيه مع سهولة تناوله
وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنّفه واعتنائه بتهذيبه)) (٤).
وقال الخطابي: ((سمعت ابن الأعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا
(١) ((فتح المغيث)) (ص ٢٨).
(٢) (حجّة الله البالغة)) (٣٥٠/١).
(٣) (معالم السنن)) (٦/١).
(٤) انظر: ((الحطة في ذكر الصحاح السنة)) (ص ٢١٣).
١١٢

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدّين التّذوي
سنن أبي داود
الكتاب - وأشار إلى النسخة وهي بين يديه -: لو أنَّ رجلاً لم يكن عنده من
العلم إلَّا المصحف الذي فيه كتاب الله عزَّ وجلّ، ثم هذا الكتاب؛ لم يحتج
معهما إلى شيء من العلم))(١).
وقال زكريا الساجي(٢): ((كتاب الله أصل الإِسلام، وكتاب أبي داود
عهد الإِسلام))(٣).
وقال محمد بن مخلد(٤): ((كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة
ألف حديث، فلما صنّف كتاب ((السنن)) وقرأه على الناس صار كتابه
لأصحاب الحديث كالمصحف يتّبعونه ولا يخالفونه، وأقرّ له أهل زمانه
بالحفظ)»(٥).
وعلّق عليه الخطابي وقال: ((وهذا كما قال، لا شك فيه؛ لأنَّ الله
تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء، وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىَّءٍ﴾
[الأنعام: ٣٨]. فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدِّين لم يتضمَّن
بيانه الكتاب، إلّا أنَّ البيان على ضربين:
بيانٌ جلي: تناوله الذِّكْر نصّاً .
وبيانٌ خفي: اشتمل على معنى التلاوة ضمناً، فما كان من هذا
الضرب كان تفصيل بيانه موكولاً إلى النبي وَل#، وهو معنى قوله سبحانه:
(١) («معالم السنن)) (٨/١)، و((مفتاح السعادة)) (ص ١٠).
(٢) هو: الإمام الحافظ محدِّث البصرة أبو يحيى زكريا بن يحيى البصري الساجي، مات
سنة سبع وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة. ((تذكرة الحفّاظ)) (٣٠٦/٢).
(٣) ((تذكرة الحفّاظ)» (١٦٩/٢)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٩٥/٢).
(٤) هو: محمد بن مخلد بن حفص الإمام المفيد الثقة مسند بغداد أبو عبد الله
الدوري العطار الخضيب، مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
عن ثمان وتسعين. ((طبقات السيوطي)) (ص ٣٤٥).
(٥) ((الرسالة المستطرفة)) (ص ١١)، و((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٢٦/٢).
١١٣

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدّين النّذوي
سنن أبي داود
﴿لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فمن جمع بين
الكتاب والسُّنَّة فقد استوفى وجهي البيان.
وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم
وأُمَّهات السنن وأحكام الفقه، ما لا نعلم متقدّماً سبقه إليه ولا متأخّراً لحقه
فیە)»(١)
٠
وأحسن تعريف بالكتاب يلخّصه لنا إمام عصره العلامة ابن قيِّم
الجوزية، فيقول: ((كان كتاب السنن لأبي داود بن الأشعث السجستاني
- رحمه الله - من الإِسلام بالموضع الذي خصّه الله به، بحيث صار حكماً
بين أهل الإِسلام، وفصلاً في موارد النزاع والأحكام، ورتبها أحسن نظام
مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء)»(٢).
قال أبو داود في ((رسالته لأهل مكة)) في وصف كتابه ((السنن)):
(«هو كتاب لا يَرِدُ عليك سنّة عن النبي ◌َّه وعلى آله وأصحابه إلّا وهي فيه،
ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلاً ألَّ
يكتب فيه من العلم شيئاً بعدما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبّره
وتفهّمه علم قدره)) .
وقال أبو العلاء: ((رأيت النبي ◌َ ﴿ في المنام، فقال: مَن أراد أن
يستمسك بالسّنن فليقرأ سنن أبي داود))(٣).
مكانة ((سنن أبي داود)) بين الكتب الستّة تدريساً:
قال العلامة المحدِّث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي:
((والأوجه عندي في ترتيب التحصيل أن يقدِّم المحدِّث الترمذي ثم أبا داود
(١) «معالم السنن)» (٨/١).
(٢) ((تهذيب السنن)) لابن القيِّم (٨/١)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧١/٤).
(٣) ((تذكرة الحفّاظ)) (١٦٩/٢)، و((طبقات الشافعية)) (٣٩٥/٢)، و((تاريخ بغداد)"
(٥٦/٩).
١١٤

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي
سنن أبي داود
ثم البخاري ثم مسلماً ثم النسائي ثم ابن ماجه ثم ((الموطأ))؛ لأنَّ طالب
الحديث أول ما يحتاج إليه تحقيق المذاهب وأنواع الحديث، ثم دلائله،
ثم طرق الاستنباط، ثم جمع الروايات، ثم التنبيه على الضعاف، ثم التأييد
بالآثار، وهكذا ترتيب وظائف الكتب المذكورة.
قيل: إنَّ وظيفة الترمذي بيان المذاهب وأنواع الحديث، ومقصود
أبي داود جمع دلائل الأئمّة، ومعظم خواصّ البخاري طرق الاستنباط،
ودأب مسلم جمع الروايات الكثيرة، وأشار النسائي إلى علل الأحاديث،
وجمع ابن ماجه الصحاح والضعاف، وأكثر في ((الموطأ)) من الآثار.
ولا بد للحنفي خاصّة أن يقدم ((الموطأ)) برواية محمد(١) ثم الطحاوي
قبل الأمّهات الستّ، كما ينبغي للمالكي تقديم ((الموطأ)) برواية يحيى(٢)
على الستّة وفيه فوائد لا تخفى))(٣).
والسائد في بلادنا الهند تدريس ((مشكاة المصابيح)) بإمعانٍ وتحقيقٍ
أوّلاً، ثم في العام الثاني الملقّب بـ ((دورة الحديث)) تدريس الكتب الستّة
على الترتيب المذكور.
شروط الإِمام أبي داود في ((السنن)):
قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في ((جزء شروط الأئمة)) له:
اعلم أنَّ البخاري ومسلماً ومَن ذكرنَا بعدهم - يعني أصحاب السنن الأربعة -
لم يُنْقَل عن واحد منهم أنه قال: شرطتُ أن أُخرج في كتابي ما يكون على
الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سَبْرٍ كتبهم، فيُعلم بذلك شرط كل
رجل منهم (٤).
(١) هو: محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى -.
(٢) هو: يحيى بن يحيى الليثي الذي روى ((موطأ مالك)).
(٣) ((مقدمة أوجز المسالك)) (٢٣٨/١).
(٤) ((شروط الأئمة الستّة)) (ص ١).
١١٥

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين النّذوي
سنن أبي داود
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده: شرط أبي داود
والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صحّ الحديث
باتِّصال السند من غير قطع ولا إرسال(١).
وقال أبو داود في ((رسالته)): وليس في كتاب ((السنن)) الذي صنفته
عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بيّنت أنه منكر،
وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وَهنٌ
شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح،
وبعضها أصحّ من بعض(٢).
وقال الذهبي: وقد وفى بذلك، فإنه يبيِّن الضعيف الظاهر، وسكت
عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسناً عنده، ولا بدّ، بل
قد یکون مما فيه ضعف(٣).
وقال السيوطي: إنَّ الحازمي أوضح شروط الأئمة بمثال: وهو أن
نعلم مثلاً أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية
على التي تليها وتفاوت، الطبقة الأولى شرط البخاري، والثانية شرط
مسلم، والثالثة شرط أبي داود والنسائي (باختصار) (٤).
مكانة ((سنن أبي داود)) بين الكتب الستّة صحّة:
قال المحدِّث العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في مقدّمة
((لامع الدراري)»(٥): وفي الجملة أنَّ ((صحيح البخاري)) أعلى رتبة في
الصحّة وغيرها عند الجمهور، ثم ((الصحيح)) للإِمام مسلم، ثم ((السنن))
(١) ((الحّة بذكر الصحاح السّة)) (ص ١٠٦).
(٢) ((درجات مرقاة الصعود)) (ص ٥)، و((معالم السنن)) (٦/١).
(٣) انظر: ((الطبقات الشافعية الكبرى» (٢٩٥/٢).
(٤) (تدريب الراوي)) (ص ٦٩).
(٥) (١٣٧/١).
١١٦

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدّين التّذوي سنن أبي داود
للإِمام أبي داود عند هذا العبد. وبذلك جزم صاحب ((مفتاح السعادة)) إذ
قال: إعلم أنَّ رئيس هؤلاء الطائفة وقدوتهم بعد مالك الإِمام أبو عبد الله
محمد بن إسماعيل البخاري، ويليه في الرتبة كتاب مسلم، ويليهما
أبو داود، ويليهم أبو عيسى الترمذي، ويليهم أبو عبد الرحمن النسائي.
وبذلك جزم صاحب («نيل الأماني)) إذ قال في شرح قول القسطلاني: ومنهم
من لم يتقيد بذلك كباقي الكتب الستة، قال: وهي سنن أبي داود والترمذي
والنسائي وابن ماجه، وهم على هذا الترتيب في الصحّة.
وكلام ابن سيِّد الناس في شأن أبي داود يشير إلى أنه يجعله في رتبة
مسلم إذ قال: فهذا ألزم بما ألزم به أبو داود، فمعنى كلّ منهما واحد ...
إلى آخر ما بسطه السيوطي في ((التدريب)).
وفي ((الحطة)): قال السبكي في ((طبقاته)): الفقهاء لا يتحاشون من
إطلاق لفظ الصحيح عليها وعلى الترمذي. وقال صاحب ((الحطة)): بعد
((الصحيحين)) كتاب أبي داود، ثم النسائي، ثم الترمذي.
وهكذا الترتيب بين الكتب الستة عند أستاذنا المحدِّث الكبير محمد
زكريا الكاندهلوي.
وقال السيوطي في ((التدريب)): قال الذهبي: انحطت رتبة ((جامع
الترمذي)) عن ((سنن أبي داود)) و((النسائي)) لإِخراجه حديث المصلوب
والكلبي وغيرهما. كذا ذكره الدمنتي في ((نفع قوت المغتذي».
وقال الشيخ: وأيضاً إنَّ الروايات التي حكم عليها بالوضع في
الترمذي وإن لم يكن صحيحاً هي أكثر جدّاً مما حكم عليها بالوضع في
أبي داود والنسائي، فهذا أيضاً يؤيِّد ما اخترته من ((الترتيب)).
ووضع بعض الناس ((سنن النسائي)) بعد ((الصحيحين))، وكذلك قدَّم
جماعة ((سنن الترمذي)) على ((النسائي)) كما تقدَّم قريباً عن («مفتاح السعادة»
و ((نيل الأماني))، وإليه يشير صنيع شيخ مشايخنا عبد العزيز في ((البستان))
١١٧

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الدين التّذوي سنن أبي داود
و ((العجالة))، إذ ذكر الكتب الستة على هذا المنوال: البخاري، ومسلماً،
وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وسبقه والده الشيخ ولي الله
في ذلك الترتيب كما في رسالته ((الإِرشاد إلى مهمّات الإِسناد))، وتبعهما
صاحب ((اليانع الجني)) في هذا الترتيب، ومن الأسلاف ذكرها النووي في
(تقريبه)) أيضاً على هذا المنوال، وآخر الأقّهات الست ابن ماجه بلا خلاف
في كونه آخرها رتبة. انتهى باختصار(١).
الكلام على ما سکت علیه أبو داود:
وفي ((التقريب)): (فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه
وما يقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّه، وما لم يذكر فيه شيئاً فهو صالح).
قال: وبعضها أصحّ مِن بعض (فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقاً) ولم يكن
في أحد الصحيحين (ولم يصححه غيره من المعتمدين) الذين يميّزون بين
الصحيح والحسن (ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود)؛ لأنَّ الصالح
للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلَّا بنصّ، فالأحوط
الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح.
وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشيد(٢) بأنَّ ما سكت عليه قد يكون
عنده صحيحاً، وإن لم يكن كذلك عند غيره، وزاد ابن الصلاح أنه قد
لا يكون حسناً عند غيره ولا مندرجاً في حدّ الحسن إذ حكى ابن منده أنه
سمع محمد بن سعد البارودي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن
كل أحد ممن لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ
مأخذه ويخرج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده
(١) مقدمة ((لا مع الدراري)) (ص ١٣٩، و١٤٠).
(٢) هو: الإمام المحدِّث محبّ الدِّين أبو عبد الله محمد بن عمر، المعروف بابن رُشَيد
الفهري السبتي، وُلِد سنة ٦٥٧هـ وتُوُفِّي سنة ٧٦١هـ. انظر ترجمته في: ((طبقات
السيوطي)) (ص ٥٢٥).
١١٨

أبو داود وكتابه السنن، بقلم الشيخ تقي الذّين الّذْوي سنن أبي داود
من رأي الرجال، وهذا أيضاً رأي الإِمام أحمد، فعلى ما نقل عن أبي داود
يحتمل أن يريد بقوله: ((صالح)) الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل
الضعيف أيضاً (١)
وقال الشوكاني: قال الإِمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه
أجاز ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عليه
أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله مما روي عنه، قال النووي:
إلَّا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن فيجب ترك ذلك، قال
ابن الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً ولم نعلم
صحته، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود؛ لأن ما سكت عنه يحتمل عند
أبي داود الحسن والصحة.
وقد اعتنى المنذري في نقد الأحاديث المذكورة في أبي داود، وبيّن
ضعف كثير مما سكت عنه، فيكون خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا
عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلَّا في مواضع يسيرة قد نبهت
على بعضها في هذا الشرح (٢).
وذكر الحافظ ابن حجر قول ابن منده، ثم قال: من هنا يظهر لك
طريق من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة
من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، كابن لهيعة، وصالح مولى
التوأمة، وموسى بن وردان، فلا ينبغي للناقد أن يتابعه في الاحتجاج
بأحاديثهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو
غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفاً لرواية من هو أوثق منه، فإنه
ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء
بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة بن موسى الدقيقي، ومحمد بن
(١) ((تدريب الراوي)) (ص ٩٧).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٣/١).
١١٩