Indexed OCR Text

Pages 21-40

تقدمة سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
وبعد مدة من الزمن خطر ببال الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي
المظاهري الذي كان سهمه كبيراً في الاهتمام بطبع الكتاب بالحروف
الحديدية أن ينظر في هذه الطبعة كذلك نظرة فحص واستعراض ومراجعة،
وقد مضى وقت على تداول الكتاب، فوجد أن الكتاب بحاجة إلى طبعة
جديدة وبمراجعة أوسع وأحسن للمصادر التي ظهرت حديثاً، فأراد الشيخ
تقي الدين الندوي أن يقوم بخدمة هذا الكتاب من جديد، وتشجع لهذا
العمل الجليل، واشتغل به عدة سنوات بالتصحيح والتحقيق، وخدم هذا
الكتاب بعدة نواح.
وذكر فضيلة الشيخ تقي الدين نفسه نقاطاً منها في مقدمته لطبعة
الكتاب، منها :
١ - مقارنته بين الطباعة الهندية والطباعة المصرية ليعرف مدى صحة
الطباعة المصرية .
٢ - تصحيح الأخطاء التي وجدها في هذه الطبعة كذلك، فقد رأى
عند المقارنة بعد قيامه بفحص الطبعة الجديدة أن هذه الطبعة من الكتاب
تفتقر أيضاً لتصحيحها إلى أن يراجع الأصول والمصادر التي أخذ منها
الشارح، ووجد أن عديداً من المصادر التي كانت قد طبعت في الماضي
جاءت طبعاتها الجديدة في صورة أحسن وأكمل.
٣ - رأى أن الشارح - رحمه الله - كان قد استفاد من النسخ
المخطوطة أيضاً، وكانت منها نسخة ((عون المعبود»، وقد ذكرها الشارح
في مقدمته، فكان من الضروري النظر إلى النسخ الجديدة منها .
٤ - رأى أن الشارح حاول تخريج الروايات التي أشار إليها الإمام
أبو داود، فإذا لم يجد صرّح بقوله: إني تتبعت كتب السنة فلم أجد، وكان
من جملة أسباب عدم وجدانه لها أن بعض مصادر السنة لم تظهر في
عصره، منها: (المعجم الكبير)) للإمام أبي القاسم الطبراني، و ((مسند
٢٠

تقدمة سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
الإمام الحميدي))، و ((مصنف الإمام عبد الرزاق))، وغيرها من الكتب،
فحاول الشيخ تقي الدين بقدر الإمكان تخريج هذه الروايات.
٥ - كان سماحة الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي قد علق
على هذا الكتاب، وتعليقاته نشرت على هوامشه، ومنها ما هي مأخوذة من
(شرح ابن رسلان)) وهو مخطوط، فحاول الشيخ تقي الدين المقارنة بينها
وبين ما جاء في الشرح لتصحيح الأخطاء التي حصلت من انتساخ الكتاب.
٦ - اعتنى الشيخ تقي الدين بترقيم وتشكيل الأحاديث والأبواب
والكتب، وفي ترقيم الأحاديث أضاف في الترقيم المسلسل الأحاديث
الزائدة من («بذل المجهود».
٧ - قام الشيخ أيضاً بتخريج روايات (سنن أبي داود)) من الكتب الستة
وغيرها من كتب السنن.
٨ - حاول بيان المواضع وأرقام الصفحات مما جاءت في الشرح
أو الهامش من المصادر والمراجع، وحاول ذكر إحالاته إلى المراجع
والمصادر، وقام بعمل الفهارس الفنية، وهذه أمور ذكرها الشيخ تقي الدين
في مقدمته .
* على كل، فقد بذل الشيخ تقي الدين منتهى جهده في خدمة هذا
الشرح الجليل لكتاب السنن المهم العظيم، وبذلك أدّى حق شيخه سماحة
الشيخ العلامة محمد زكريا رحمه الله تعالى خير الأداء، وزاد في صحة
الطبع والتحقيق لما غمض أو خفي مما ورد في الطبعات السابقة من
الكتاب، وذلك بمراجعته لما صدر حديثاً من كتب المراجع في هذا الفن،
والاقتباس من فوائد متعلقة من مضامين الكتب من المراجع المطبوعة
الجديدة .
هذا، وقد أدّى بذلك الشيخ تقي الدين الندوي بالإضافة إلى خدمته
لكتاب ((بذل المجهود)) خدمة كبيرة أخرى في التحقيق والمراجعة لطباعة
٢١

تقدمة سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
كتب الحديث المختلفة، وكان عدد من هذه الكتب من تأليف سماحة الشيخ
محمد زكريا رحمه الله، وعدد لبعضها كان لغيره، جزاه الله تعالى أعظم
الجزاء على خدمته لعلم الحديث الشريف.
وكان مما حفز همة الشيخ تقي الدين لإخراج هذا الشرح الجليل
إخراجاً أجمل وأحسن: أن صاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
- حفظه الله تعالى ورعاه - نائب رئيس مجلس الوزراء لدولة الإمارات
العربية المتحدة قد تولّى بذل ما يتأتى من نفقات لطبع هذا الكتاب طبعة
جديدة، فهو يستحق التقدير على هذه المبرّة، وسينال جزاءاً خيراً عليها
من الله تعالى، فلو لم يكن تولَّى نفقات الطبع لم يكن سهلاً ظهور هذه
الطبعة رغم كل الجهود التي بذلت في التصحيح والمراجعة لهذا الشرح
الضخم ذي المجلدات الكبيرة العديدة في مظهرٍ من الطباعة الجميلة،
فهو يستحق من كل معتٍ بحديث الرسول مَّي التقدير الكبير والشكر.
وإن الجهد العظيم الذي قام ببذله فضيلة الشيخ تقي الدين لأداء حق
شيخه سماحة العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي وشيخه المؤلف لهذا
الشرح، وواصل ليله بنهاره فيه إنما هو جهد يستحق عليه التقدير من جميع
المشتغلين بالحديث تدريساً ودراسة وتأليفاً، وخاصة لأن سعة الموضوع
وكثرة التأليف فيه ووفرة المعلومات في المراجع والمصادر لهذا الفن تجعل
العكوف على المراجعة والتحقيق أمراً صعباً ومستنقداً للجهد.
وقد نجح الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي في هذا المجال، وأخرج
الكتاب بقدر ما يمكن من الجودة والكمال، تقبل الله منه سعيه وجزاه أعظم
الجزاء، ولله المنة والفضل.
و کتبه
١٤ / رجب ١٤٢٦ هـ
محمد الرابع الحسني الندوي
الرئيس العام لجامعة ندوة العلماء لكهنؤ (الهند)
٢٠/ ٢٠٠٥/٨م
٢٢

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
تَقْدِيمُ الْكِتَابِ
بقلم: سماحة العلامة
الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي(١)
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين
وخاتم النبيِّين محمد، وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم
الدين .
أما بعد: فيسعد كاتب هذه السطور أن يقدِّم لكتاب «بذل المجهود في
حل أبي داود)) للعلَّامة المحدِّث الكبير، والمربِّي الجليل، مولانا خليل
أحمد السهار نفوري - رحمة الله عليه -، وقد سعد الكاتب ووُفِّقَ لتقديم عدة
كتب قيمة ومؤلفات عظيمة لتلميذه الأبرّ الأكبر شيخنا العلامة محمد
زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي السهار نفوري (٢)، كـ ((مقدمة أوجز
المسالك)) و ((مقدمة لامع الدراري)) و((جزء حجة الوداع وعمرات النبي {َ﴾))
و ((الأبواب والتراجم للبخاري)».
(١) قد انتقل - رحمه الله - إلى جوار ربه يوم الجمعة ٢٢ من شهر رمضان ١٤٢٠ هـ
الموافق ٣١ من شهر ديسمبر ١٩٩٩م، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(٢) تُوفي إلى رحمة الله تعالى في غرة شعبان ١٤٠٢هـ، انظر ترجمته في: ((كتاب تذكرة
حياته)) لسماحة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي بالأردية، والمجلة
الأحمدية العدد السابع - ٢٠٠١م الصادرة من دبي بعنوان «الإمام المحدث
محمد زكريا الكاندهلوي وآثاره في علم الحديث» لولدي العزيز الدكتور ولي الدين
الندوي .
٢٣

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
وكاتب هذه السطور يشهد الله على أن هذه الكتابات لم تخدعه
عن نفسه، وقد كان يتقدم إليها في كل مرة متهيباً خاشعاً أمام جلال
الموضوع، ومكانة الكتاب العلمية، ومنزلة المؤلف الدينية، وعلو كعبه
واختصاصه في علم الحديث، مؤمناً بضآلة قدر نفسه، وقلة بضاعته، وبأنه
متطفل على مائدة هذا الفن الشريف، يعتبر - عَلِمَ الله - أن إقدامه إلى هذا
التقديم جسارة تكاد تكون وقاحة وإساءة أدب وقلة حياء، وبأن في القطر
الهندي وحده، فضلاً عن شبه القارة الهندية، فضلاً عن العالم الإِسلامي،
من هو أجدر وأقدر وأولى بهذه التقديمات، والتعريف بالتأليف والمؤلف.
ولا يستطيع الكاتب أن يُعلِّل هذا التكريم المتكرر إلَّا بحكمة إلهية
خفية، وأسلوب من أساليب التربية، التي خص الله بها كبار المربين وحُذَّاق
المعلمين، وأن لهم في ذلك مرامي بعيدة ومقاصد دقيقة ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُدَ رَيِّكَ
إِلَّا هُوَّ﴾(١)، ولعلَّ ذلك لإثارة كوامن الشوق وتشحيذ العزم الفاتر، والهمَّة
الكليلة في دراسة هذا الفن الشريف، وإعادة الخيط النوراني الذي يربط
القلوب بهذا العلم، والذي ضعف وكاد ينقطع.
وعلى كلِّ فالكاتب يعتقد كل ذلك من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى
عليه، التي لا يستوفي حق شكرها .
فلو أن لي في كل منبت شعرة
لساناً لما استوفيت واجب حمده
وكتاب ((بذل المجهود)) هو واسطة العقد بين هذه الكتب التي أمرت
بالتقديم لها، واهتمام شيخنا العلامة محمد زكريا بنشره في الحروف العربية
ووصوله إلى أيدي علماء الحديث والمشتغلين بتدريسه وتحقيقه، وانتشاره
في الأوساط العلمية والمدارس الدينية، وحلوله المحل اللائق به من بين
شروح الحديث التي ألفت في العصور الأخيرة أعظم وأكثر، إذ هو ليس
مجرد تأليف لشيخه - الذي أحبه واقترنت حياته العلمية بحياته، وليست
(١) سورة المدثر: الآية ٣١.
٢٤

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
إلَّا ظلاًّ ممدوداً لهذه الشجرة الطيبة المباركة - بل هو فلذة كبده وقطعة
نفسه، وأحبُّ أعماله إليه كما سيقرأ القارىء في السطور الآتية.
فأصبح خروج هذا الكتاب في الثوب القشيب والمظهر الجديد أعَزَّ
أمانيه وأكبر آماله، يتلذَّذ بالحديث عنه ويتسلَّى بالتفكير فيه، وقد طابت له
الحياة، وهانت عليه المحن والخطوب في سبيل نشر هذا الأثر العلمي
العظيم، وتذكار شيخه الأثير الحبيب، وانتظار خروجه واكتماله.
ومن دواعي الغبطة والسرور لكاتب هذه السطور أن يكون له نصيب
في هذا العمل، وأن يكون عاملاً صغيراً في تحقيق هذه الأمنية العزيزة
وإظهار هذه المأثرة الخالدة.
وكلمة وجيزة عن مكانة ((سنن أبي داود)) ومنزلته من بين دواوين السنَّة
ومجاميع الحديث، وإن كان هذا الموضوع قد استوفي في كتب أصول
الحديث، ومقدمات علم الحديث، وتاريخ تدوين السنَّة، ولم يترك الأول
للآخِر شيئاً، ولا يجاوز عمل كاتب مثلي إعادة ما قيل، وإجمال ما فُصِّل،
ووقفة قصيرة عند شروح هذا الكتاب وتعليقاته، ونظرة إجمالية في هذا
الشرح، ومكانته من بين الشروح، والثغرة التي يسدها، ولماذا احتاج
المؤلف إلى وضعه؟ ومدى ارتباط المؤلف بهذا الكتاب وتفانيه فيه، وتعلقه
به، ومدى نجاحه في هذا العمل، وكيف تم تأليف هذا الكتاب، وما
هو سهم تلميذ المؤلف النابغة في تأليفه؟ وما فضله وتأثيره في حياته
ونجاحه ونبوغه؟ فلكل ذلك قصة ممتعة مفيدة، فيها عبرة لمن اعتبر،
ودروس مفيدة لتلاميذ المدارس النجباء، وروّاد العلم الأذكياء، وأولي
الهمم من المؤلفين والعلماء ﴿فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١).
أما ((سنن أبي داود)» فهو من كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول،
وتلقاها علماء الصناعة وأئمة الفن بالاعتناء التام، وعليه المعوَّل والاعتماد
(١) سورة الأعراف: الآية ١٧٦.
٢٥

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن على الحسني الندوي
قديماً وحديثاً، وهو ثالث الأركان أو الرابع - في قول بعض المحققين -
التي قام عليها بناء السنَّة .
ونبدأ بكلام الإِمام أبي داود نفسه في وصف كتابه وذكر خصائصه،
فهو الثقة الصدوق فيما يقول، ولا يصف كتاباً ولا يعرف غوامضه مثل مؤلفه.
* قال - رحمه الله - في رسالة أرسلها إلى أهل مكة في صفة كتابه:
«وهو كتابٌ لا يرد عليك سنة عن النبي ◌َِّ بإسنادٍ صالح إلَّا وهو فيه،
إلّا أن يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئاً
بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلاً أن
لا يكتب من بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه
يعلم مقداره))(١).
* وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد ابن الأعرابي - وهو أحد
كبار تلاميذ الإمام أبي داود وصاحب النسخة المشهورة للـ ((سنن)) -: ((لو أن
رجلاً لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا
الكتاب - وأشار إلى نسخة ((السنن)) وهي بين يديه - لم يحتج معهما إلى
شيء من العلم بتة))(٢).
* وقال أبو سليمان الخطابي صاحب ((معالم السنن)): ((واعلموا
- رحمكم الله - أن كتاب ((السنن)) لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في
علم الدين كتاب مثله، وقد رُزِق القبول من الناس كافةً، فصار حَكْماً بين
فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلِّ فيه وِرْدٌ ومنه
ضرب، وعليه معوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن
أقطار الأرض.
(١) مقتبس من (رسالة أبي داود السجستاني في وصف تأليفه لكتاب ((السنن)) ص ٦ - ٧)
رواية أبي الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمي عنه، طبعت في مطبعة
الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩هـ بتحقيق العلامة محمد زاهد الكوثري.
(٢) ذكره الخطابي في مقدمته سماعاً من ابن الأعرابي ((معالم السنن)) (١٤/١).
٢٦

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل
ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في
السبك والانتقاد، إلّا أن كتاب أبي داود أحسن رصفاً وأكثر فقهاً، وكتاب
أبي عيسى أيضاً كتاب حسن، والله يغفر لجماعتهم، ويُحسن على جميل
النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته .
إلى أن قال: وكان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبي داود -
الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن
والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظَ وآداباً .
فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم
يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة،
ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب
عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل
ودامت إليه الرحل))(١).
** وقال شيخ الإِسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
- شارح ((صحيح مسلم)) وصاحب المؤلفات الكثيرة الشهيرة -، في قطعة كتبها
في شرح ((سنن أبي داود)): ((وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ ((سنن
أبي داود» بمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتجّ بها فيه مع
سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه))(٢).
* وقال العلامة الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب (زاد
المعاد» والمؤلفات المقبولة، في شرحه لاختصار المنذري - لـ ((سنن
أبي داود)) -: ولما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود سليمان بن الأشعث
- رحمه الله - من الإِسلام بالموضع الذي خصه به، بحيث صار حكماً بين
(١) («معالم السنن)) (١٢/١ - ١٣).
(٢) العبارة منقولة من ((الحطة في ذكر الصحاح الستّة))، للأمير العلامة صديق حسن خان
القنوجي (ص ١٠٦)، المطبعة النظامية كانفور طبع ١٢٨٣هـ.
٢٧

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
أهل الإِسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون،
وبحكمه يرضَى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتّبها
أحسنَ ترتيب، ونظمها أحسن النظام مع انتقائها أحسن الانتقاء واطراحه
منها أحاديث المجروحين والضعفاء))(١).
وفيما نقلناه بلاغ ومقنع للدلالة على مكانة الكتاب وأهميته.
وكانت نتيجته الطبيعية ومقتضى إجلال العلماء له واحتياج الفقهاء
والمحدثين إليه أن يكثر الاهتمام بشرحه وخدمته، والتعليق عليه، فتناوله
بالشرح كبار علماء الأمة وأئمة علم الحديث في كل عصر ومصر.
- ومن أقدم شروحه وأشهرها، وأغزرها مادة، وأكثرها فوائد وأصولاً
ونكتاً شرح ((معالم السنن)) لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي
(المتوفى سنة ٣٨٨هـ).
ولا يعزبن عن البال أن الخطابي - رحمه الله تعالى - لم يشرح جميع
الأحاديث، بل يأتي إلى الباب الذي تعددت فيه الروايات، فإذا كان المآل
فيها واحداً شرح منها حديثاً واحداً، وكأنه بذلك شرح جميع الباب، وإلَّا
شرح أكثر من ذلك على حسب ما يتراءى له، وإلى ذلك الإِشارة بقوله: من
باب كذا(٢).
إلَّا أن الكتاب مجمع على فضله واحتوائه على فوائد كثيرة تنير السبيل
للمستفيدين، وتنشىء فيهم ملكة الاستنباط وفقه الحديث، وقد جاءت في
ثنايا الكتاب ثروة ذات قيمة من مقاصد الشريعة وأسرارها كما نوَّهَ بذلك
شيخ الإِسلام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم ولي الله الدهلوي في مقدمة
(حجة الله البالغة))(٣).
(١) ((تهذيب مختصر سنن أبي داود)) لابن القيم (٨/١).
(٢) مقتبس من مقدمة الشيخ الراغب الطباخ على ((معالم السنن)) للخطابي، طبع حلب.
(٣) وفي مكتبة دار العلوم ((ديوبند)) مقدمة للشيخ أبي طاهر أحمد بن محمد السِّلَفي
الأصبهاني، كتبها بطلب من جماعة للفقهاء حين إملائه لـ ((معالم السنن)) في سنة =
٢٨
-

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
- وشرحه الشيخ قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين(١) اليمني
الشافعي (م سنة ٧٥٢هـ) في أربعة مجلدات كبار.
- وقد تناوله بالشرح شيخ الإسلام محيي الدين النووي (م سنة
٦٧٦ هـ)، إلَّا أن هذا الشرح لم يتم، ولو تم لكانت له مكانة مرموقة؛ الاقتدار
صاحبه على الشرح والإِيضاح، ورسوخه في علوم الحديث وسلامة ذهنه.
- وشرحه الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج (م سنة ٧٦٢هـ) ولم
یکمله، وهو كتاب عظيم كثير الفوائد.
- وشرحه شهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم بن
هلال المقدسي (م سنة ٧٦٥هـ) سماه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)).
- وشرحه الشيخ سراج الدين عمر بن علي ابن الملقن الشافعي (م سنة
٨٠٤ هـ) .
- وشرحه الشيخ العلامة ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ
أبي الفضل زين الدين العراقي (م سنة ٨٢٦هـ).
قال السيوطي: هو شرح مبسوط جداً كتب منه من أوله إلى سجود
السهو في سبع مجلدات، ولو كمل لجاء أكثر من أربعين مجدداً .
- وشرحه الحافظ شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان الرملي
٥٤٦هـ للتعريف بصاحب ((السنن)) الإمام أبي داود وبشارحه أبي سليمان الخطابي،
يقول في هذه المقدمة: وقد أردت أن أقدِّم ههنا فصلاً في التنبيه على جلالة أبي داود
وما صنفه، وفضل أبي سليمان وشرحه .
وقد جاءت هذه المقدمة في ٢٢ صفحة من القطع الكبير، وهي خطية لم تطبع بعد،
(مخطوطات دار العلوم ص ٩٥).
[وقد طبع هذا الكتاب في مطبعة أنصار السنَّة المحمدية بالقاهرة، وألحق في نهاية
«معالم السنن»].
(١) انظر ((كشف الظنون)) (١٠٠٥/٢).
٢٩

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
الشافعي(١) (م ٨٤٤هـ) في أحد عشر مجدداً، وقد رأى الشيخ العلامة
حسين بن محسن الأنصاري شرحه في بعض بلاد العرب، وذكر أنه في
ثمان مجلدات كبار، كما جاء في ((غاية المقصود)) (ص ٩)(٢).
- وشرحه العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي
(م ٨٥٥هـ)، ولم يكمل(٣).
وشرحه العلامة جلال الدين السيوطي (م ٩١١ هـ)، وسمَّاه: ((مرقاة
الصعود إلى سنن أبي داود)).
وعليه حاشية للعلَّامة السيد علي بن سليمان الدمنتي البُجُمْعَوي
- المتوفى في أوائل القرن الرابع عشر -، وسمَّاه: ((درجات مرقاة الصعود))،
وقد قال في مقدمته: ((هذا اختصارنا لـ ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود))
للعلَّامة السيوطي، وهو تعليق على نسق أصله الذي لخص به ((معالم السنن))
للإِمام أبي سليمان الخطابي.
وضم إليه الفوائد الزوائد والخرائد الشرائد، وهو في جزء واحد،
طبع في المطبعة الوهبية سنة ١٢٩٨هـ -.
- وقد شرحه العلامة الشيخ محمود (٤) محمد خطاب السبكي المصري
(١) اقرأ ترجمته الحافلة في: ((البدر الطالع)) للشوكاني (٤٩/١) و((الضوء اللامع))
(٢٨٢/١) و((شذرات الذهب)) (٢٤٨/٧).
(٢) استفدنا في هذا الباب من كتاب: ((الحطة في ذكر الصحاح السنَّة»، للعلامة صدِّيق
حسن القنوجي و ((مقدمة غاية المقصود)).
(٣) قد طبع هذا الشرح في بيروت، سنة ١٤٢١ هـ.
(٤) هو المصلح الكبير الداعي إلى الله الشيخ محمود خطاب السبكي، تعلم العلم كبيراً،
وتخرج في الأزهر، وكانت دراسته بكاملها في نحو سنة، كما حكى هو عن نفسه في
كتابه ((فتاوى أئمة المسلمين))، ودرَّس في الأزهر، وقام بدعوة دينية إصلاحية، كان
لها تأثير كبير في اتباع السنَّة وطريقة السلف الصالح وإزالة البدع والمنكرات، وأسَّس =
٣٠

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
(م ١٣٥٢ هـ) وسمّاه: ((المنهل العذب المورود شرح سنن الإِمام أبي داود))،
وهو شرح حافل في عشرة أجزاء ولم يتم، وقد وصل المؤلف في شرحه
إلى ((باب التلبيد)).
* وكان نصيب علماء الهند من خدمة هذا الكتاب الجليل نصيباً غير
منقوص، شأنهم في خدمة علم الحديث عامة، وخدمة الصحاح الستة بصفة
خاصة .
- فأول من شرحه من علماء الهند: العلامة أبو الحسن السندي
ابن عبد الهادي المدني (م ١١٣٩هـ) وسمَّاه: افتح الودود على
سنن أبي داود)).
وتلاه علماء آخرون :
- فعني به العلامة المحدِّث الكبير شمس الحق الديانوي
(م ١٣٢٩ هـ)، فبدأ في شرح عظيم محيط بمباحث الكتاب والمتون
والأسانيد، لو تم لكان عملاً جليلاً، ومن شروح الحديث الكبيرة
الشاملة، إلَّا أنه لِسَعَةٍ دائرته وضخامة عمله لم يتم، وسمَّاه: ((غاية
المقصود)) وقد احتوى على بحوث مفيدة وفوائد كثيرة، ولعلَّ المؤلف قد
شعر بأن هذا العمل لا يتم في حياته، فضيق دائرة التأليف، وصغَّر إطار
الكتاب، وأخرج الكتاب في أربعة أجزاء، وسمَّاه ((عون المعبود))، ونسبه
إلى أخيه الشيخ محمد أشرف، وهو من تأليفه حقيقةً(١).
جمعية سمّاها: ((الجمعية الشرعية لتعامل العاملين بالكتاب والسنَّة المحمديَّة)).
=
لقيتُ ابنه وخليفته الشيخ أمين محمود خطاب في مصر سنة ١٣٨٠هـ، وتعرفت
بكثير من أعضائها. راجع: ((مذكرات سائح في الشرق العربي» لكاتب هذه السطور،
(ص ٣٤).
(١) راجع ترجمة مولانا شمس الحق الديانوي في ((نزهة الخواطر)) للعلامة عبد الحي
الحسني (١٧٩/٨).
٣١

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
- وترجمه الشيخ وحيد الزمان اللكهنوي الحيدرآبادي الملقب بوقار
نواز جنك (م ١٣٣٨ هـ)، وتناوله بالشرح والإِيضاح، وسمَّاء: ((الهدي
المحمود في ترجمة سنن أبي داود)).
- وقد جمع أحد تلاميذ العلامة محمد أنور شاه الكشميري
(م ١٣٥٢ هـ) - وهو الشيخ أبو العتيق عبد الهادي محمد صديق النجيب
آبادي - إفاداته في درس ((سنن أبي داود))، وضم إليها فوائد اقتبسها من
((بذل المجهود)) للعلامة خليل أحمد السهار نفوري، وزاد فوائد أخرى
التقطها من درس العلّامة محمود حسن الديويندي المعروف بشيخ الهند
لـ ((صحيح البخاري))، ودرس العلامة شبير أحمد العثماني لكتاب ((صحيح
مسلم))، وألف مقتَبِساً من كل ذلك كتاباً أسماه ((أنوار المحمود)) في
جزئين(١)، وتم الشرح فيهما.
- وللشيخ فخر الحسن الكنگوهي (م ١٣١٥ هـ) تعليق على ((سنن
أبي داود))، وسمَّاه ((التعليق المحمود)).
- وللشيخ العلامة المحدث القاضي حسين بن محسن(٢) الأنصاري
اليماني تعليقات على ((سنن أبي داود)).
- ولتلميذه العلامة السيد عبد الحي الحسني مؤلف ((نزهة الخواطر))
تعليق على ((السنن)) كذلك، لم يتم.
* وكان الشيخ العلامة المحدِّث الكبير مولانا خليل أحمد
السهار نفوري من كبار المعنيين بـ ((سنن أبي داود)) تدريساً وتحقيقاً.
وكان مما جرت به العادة ووقع عليه الاتفاق في مدرسة مظاهر علوم
- التي كان مديرها ورئيس أساتذتها - أن يباشر هو تدريس هذا الكتاب أو
(١) طبع هذا الكتاب في تجلي بريس دهلي سنة ١٣٣٠هـ، وعدد صفحات الجزء الأول
٦١٠، وعدد صفحات الجزء الثاني ٥٦٨، [وقد طبع في باكستان في مجلدين أيضاً].
(٢) راجع ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (١٢١/٨).
٣٢

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
يتولاه الشيخ العلامة محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي(١)
(م ١٣٣٤ هـ) لا يتخطاهما إلَّا نادراً.
وكانت فكرة شرح هذا الكتاب تراود الشيخ منذ أيام الطلب وعنفوان
الشباب، وكان يتمنى على الله أن يوفق لهذا العمل الجليل، وقد شرع في
ذلك فعلاً، وبدا له أن يسميه: ((حل المعقود الملقب بالتعليق المحمود على
سنن أبي داود»، وأقبل على هذا العمل بعد أن عين مدرساً، وقد شرع فيه
ثلاث مرار، وكان الشروع فيه للمرة الثالثة سنة ١٣١١هـ، إلَّا أنه لم يقدر له
الاستمرار فيه وإكماله في ذلك الحين، فصرفته عنه الأشغال العلمية،
والدروس المرهقة، والأسفار المتتابعة.
وقد كانت لله في ذلك حكمة خفية، فقد أراد الله أن يتم هذا العمل
على يده، وقد بلغ درجة النبوغ والنضج العقلي وتوسعت دراسته، واتسع
علمه، وظهرت كتب جديدة في شرح هذا الكتاب، فجاء الكتاب حصيلة
دراسته وعصارة مطالعته .
وكان الباعث الأول على تأليف هذا الشرح هو شغفه بحديث
رسول الله # الذي لا يعرف مداه وسره إلَّا من ذاق حلاوة الحب، وشغف
بمحبوبه وبكل ما يصدر عنه ويتصل به وينسب إليه، وحرصه على الاشتغال
بالحديث لفظاً ومعنَى، ومنطوقاً ومفهوماً، وشرحاً وتحقيقاً، وفحصاً
وبحثاً .
ولما كان الشرح ضامناً كافلاً بهذا الاشتغال والخوض في أعماق
الحديث، آثره الشيخ والتزمه، فإن تمَّ الشرح وتحققت الأمنية، فنعم
وحَبَّذا، وإلّا فقد قضى هذه المدة في شغل عزيز لذيذ، وفي سعادة وغبطة
وسرور .
(١) انظر ترجمته في: «أوجز المسالك)» (١٣٣/١)، و((لامع الدراري)) (٤٨٣/١).
٣٣

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
مُنَّى إن تكن حقّاً تكن أحسن المنى! وإلَّا فقد عِشْنا بها زمناً رغداً
وكان الباعث الثاني عليه هو: عدم وجود شرحٍ وافٍ لهذا الكتاب
الجليل بقلم عالِم حنفيٍّ يجمع بين التبحر في الحديث والتضلع في الفقه،
مع أن الكتاب من أهم الكتب التي يعتمد عليها في إثبات مذهب أو رد
مذهب، لأن موضوعه الخاص وميزته الكبرى هو أحاديث الأحكام، وهي
التي يكثر فيها الخلاف، وتتجلَّى فيها القدرة على التحقيق وقوة الاستدلال،
وذلك ما أهم المؤلف وشغل خاطره.
ولم يزل علماء الإِسلام منذ قديم الزمان يشرحون كتب الحديث - وفي
مقدمتها الصحاح الستة - بوجهة نظرهم الخاص، ويطبقون بين الأحاديث
وآراء مذهبهم، ويقدمون دلائلها من كتب الحديث الموثوق بها، المعتمد
عليها، كما فعل الإِمام أبو جعفر الطحاوي(١) في ((شرح معاني الآثار))،
وكما فعل العلامة الزيلعي (٢) في ((نصب الراية))، والعلامة علاء الدين
ابن التركماني(٣) في ((الجوهر النقي)).
وسادتنا الشافعية - والحق أحق أن يقال - قد أحرزوا قصب السبق في
ميدان التأليف والتدوين، فإذا ألف أحدهم شرحاً لكتاب من كتب الصحاح
تلاه عالم كبير من علماء المذهب الحنفي فألف شرحاً آخر لهذا الكتاب،
وإذا ألف أحد كبار علماء الشافعية أو المالكية كتاباً في التفسير أو في
أصول الفقه وتَلَقَّاه الناس بالقبول، وسارت به الرُّكْبان، وشغف به الأوساط
(١) انظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) (٨٠٨/٣)، و((وفيات الأعيان)) (٥٣/١)،
و ((شذرات الذهب)) (٨٨/٣)، و((الجواهر المضيئة) (١٠٤/١).
(٢) انظر ترجمته في: ((ذيل طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص ٦٢)، و ((الدرر الكامنة))
(٣١٠/٢).
(٣) انظر ترجمته في: ((الدرر الكامنة)) (٨٤/٣)، و((الجواهر المضيئة)) (٣٦٦/١)،
و((الفوائد البهية)) (ص ٥١).
٣٤

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
العلمية والحلقات التعليمية، جاء عالم حنفي فألف كتاباً في نفس الموضوع
قد يفوقه، وقد يدرك شأوه، وقد يتخلف عنه، شأن الكتب العلمية والجهود
البشرية في كل زمان ومكان، وهذه قصة ((عمدة القاري)) للعلامة بدر الدين
العيني(١) مع ((فتح الباري)) للعلَّامة الحافظ ابن حجر العسقلاني(٢).
وهذا هو الدافع النبيل الذي دفع بعض كبار علماء الحنفية إلى تأليف
كتاب في تفسير القرآن بعد ما كثرت مؤلفات علماء الشافعية في التفسير،
وانتشرت في الآفاق، وأقبل عليها الطلبة والعلماء درساً وتدريساً، كما فعل
العلامة أبو البركات حافظ الدين النسفي(٣) (م ٨١٠هـ) في كتابه ((مدارك
التنزيل وحقائق التأويل))، والعلامة أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى
العمادي (٤) (م ٩٨٢هـ) في تفسيره المسمى بـ ((إرشاد العقل السليم إلى مزايا
الكتاب الكريم»، والمحدث الكبير والفقيه الشهير القاضي ثناء الله الباني
بتي(٥) (م ١٢٢٥ هـ) في ((التفسير المظهري)).
والعلم الثالث الذي له صلة وثيقة بالمذاهب والآراء الفقهية، وعليه
أساس استنباط المستنبطين واجتهاد المجتهدين، هو علم أصول الفقه،
فكان المجال الثالث لتأليف فحول علماء المذاهب ونوابغهم، فألف العلامة
أبو الحسين البصري(٦)، وإمام الحرمين العلامة أبو المعالي عبد الملك
الجويني(٧)، وحجة الإِسلام محمد بن محمد الغزالي(٨)، والعلّامة علي بن
(١) انظر ترجمته في: («شذرات الذهب)) (٢٨٦/٧)، و((الجواهر المضيئة)» (١٦٥/٢).
(٢) انظر ترجمته في: ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي،
و «شذرات الذهب» (٢٧٠/٧).
(٣) انظر ترجمته في: ((الدرر الكامنة)) (٢٤٨/٢)، و«الجواهر المضيئة» (٢٧٠/١).
(٤) انظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)» (٣٩٨/٨).
(٥) انظر ترجمته في: (نزهة الخواطر)) (١١٥/٧).
(٦) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) (٢٧١/٤)، و ((شذرات الذهب)» (٢٥٩/٣).
(٧) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٤٦٨/١٨)، و((شذرات الذهب» (٣٥٨/٣).
(٨) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٣٢٢/١٩)، و(«شذرات الذهب)) (١٠/٤).
٣٥

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
أبي المظفر الآمدي(١)، والإِمام فخر الدين الرازي(٢)، وغيرهم من كبار
علماء الشافعية، والعلَّامة جمال الدين ابن الحاجب(٣)، والعلامة
أبو إسحاق الشاطبي(٤) من علماء المالكية، والإمام محمد بن الحسين
أبو يعلى (٥)، والعلامة ابن قدامة المقدسي(٦) من علماء الحنبلية، مؤلفاتهم
الشهيرة في علم الأصول، وسارت بها الركبان، ودرجت الأجيال على
دراستها، وحفظ بعضها وشرحها عدة قرون.
وصنف الإِمام علي بن محمد بن عبد الكريم فخر الإِسلام البزدوي(٧)
(م ٤٨٢ هـ) من علماء الحنفية كتابه المشهور بـ ((أصول البزدوي))، وصنف
الشيخ العلّامة حسام الدين محمد بن محمد بن عمر أخسيكثي الحنفي(٨)
(م ٦٤٤هـ) كتابه ((المنتخب الحسامي))، وألف الشيخ العلامة كمال الدين بن
همام الحنفي (٩) (م ٨٦١ هـ) كتابه المشهور ((التحرير)).
وتداولت الأيدي هذه الكتب، وأقبل عليها العلماء دراسة وتدريساً
وشرحاً وتلخيصاً، حتى جاء الشيخ العلامة محب الله بن عبد الشكور الحنفي
البِهَاري الهندي(١٠) (م ١١١٩هـ) فصنّف كتابه المشهور ((مسلَّم الثبوت))،
فتهافت عليه العلماء والمؤلفون، وتناولوه بالشرح والتعليق، وقد شغل هذا
الكتاب أذكى علماء البلاد وأبرعهم أكثر من قرن، وبلغ عدد شروحه وتعليقاته
(١) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)» (٧٥/٣).
(٢) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)» (٣٨١/٣)، و((طبقات الشافعية)) (٣٣/٥).
(٣) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٣)، و((شذرات الذهب)) (٢٣٤/٥).
(٤) انظر ترجمته في: ((معجم المؤلفين)) (١١٨/١).
(٥) انظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)» (٣٠٦/٣)، و«الأعلام» للزركلي (٣٣١/٦).
(٦) انظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (٨٨/٥).
(٧) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٦٠٢/١٨)، و((الجواهر المضيئة» (٥٢/٢).
(٨) انظر ترجمته في: ((الجواهر المضيئة)) (١٢٠/٢)، و((الفوائد البهية)) (ص ١٨٨).
(٩) انظر ترجمته في: ((الضوء اللامع)» (١٢٧/٨)، و(«شذرات الذهب)) (٢٩٨/٧).
(١٠) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (١٥٢/٦).
٣٦

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
التي اشتهرت بين الناس ثمانية شروح على ما جاء في كتاب ((الثقافة الإِسلامية
في الهند)» للعلَّامة السيد عبد الحي الحسني، وكان ذلك طبيعياً ومعقولاً،
ومما اقتضته طبيعة اختلاف المذاهب وطبيعة العلم والبحث.
إن هذه الحركة العلمية القوية التي انتشرت في مختلف أنحاء العالم
الإِسلامي، واستمرت إلى عهد قريب، وظهرت بشكل خاص في مجال
شروح الحديث وكتب التفسير وأصول الفقه، أفادت النشاط العقلي
والعلمي في العالم الإِسلامي إفادةٌ كبيرة، لأنها مخضت المكتبة الإِسلامية
الدينية، وغربلتها غربلة، ونخلت كتب الحديث والرجال وعلمي الأصول،
للاحتجاج لما كان يراها المؤلفون وعلماء المذاهب من الآراء الفقهية من
الكتاب والسنّة والحديث الصحيح، وإقامة الدليل والبرهان عليه، فلم يبق
جانب من جوانب الحديث النبوي وما يتصل به من علوم ومقدمات
إلَّا وكشف عنه، ولا موضوع له نسب قريب أو بعيد بالسنَّة وآيات الأحكام
إلَّا وبحث ودرس ونوقش، واستعملت العقول في ذلك إلى أقصى
حدودها، فكان كل ذلك مما يعود على الشريعة الإسلامية بالنفع، وتكوَّنت
هذه المكتبة الدينية التي لا نظير لها في الملل والأمم.
وفي سنة ١٣٣٥هـ حين بلغ الشيخ أربعاً وستين سنة من عمره، جاء
الوقت الموعود المقدر لتأليف هذا الكتاب، فذكر أمنيته القديمة التي لم
تفارقه مدة حياته الدراسية والتأليفية لتلميذه الذي ظهرت عليه آثار النجابة
والنبوغ، واختص بالشيخ اختصاصاً لم يكتب لغيره، وهو العالم الناهض
محمد زكريا - ابن صديقه مولانا محمد يحيى الكاندهلوي - الذي تخرج من
المدرسة حديثاً، وعيِّن مدرساً صغيراً فيها، وذكر أنه لا يزال عنده حنين
كامن لتأليف هذا الكتاب، إلّا أن الأسباب لم تتهيّ له، وقد وهنت قواه
وضعف بصره .
وكان أكبر الاعتماد في إنجاز هذا العمل على والده العظيم الشيخ
محمد يحيى الذي رزق قسطاً كبيراً من الذكاء وحسن الملكة في علم
الحديث، وكان من أنجب تلاميذ الشيخ الإِمام المحدث مولانا رشيد أحمد
٣٧

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
الكنكوهي(١)، وكان شديد التجاوب معه، عجيب التوارد في المباحث
العلمية، والمسائل الغامضة الدقيقة خصوصاً في تطبيق الحديث والفقه،
وبيان الحجج والدلائل للمذهب الحنفي، وقد توفي - رحمه الله - في سنة
١٣٣٤ هـ، ففقد لوفاته العضد الأيمن والمساعد الأكبر، وحزن عليه حزناً
شديداً لخسارة العلم ورزيئة صناعة التعليم فيه، وكان دائماً يشعر بمكانه
الشاغر، وقال له وهو يمشي معه مرة: إذا ساعدتني أنت وزميلك حسن
أحمد(٢) في تأليف هذا الشرح فلعل ذلك يحقق أمنيتي.
ولما وصل الشيخ الكبير إلى هذه النقطة من حديثه اهتزَّ له تلميذه
النجيب، وصادف ذلك رغبة ملحة دفينة في نفسه في الحرص على خدمة
الحديث الشريف والمثابرة عليه، والتفاني فيه، وإفناء العمر والقوى في
سبيله، ولم يكن يجد لذلك سبيلاً، ولا يصدق أنه ممكن، لأنه الآن في
الشوط الأول من التدريس، فمتى يصل إلى الاشتغال بكتب الحديث،
وكيف تتأتى له هذه الفرصة؟ فكان قد دعا الله مخلصاً ومبتهلاً حين قرأ
فاتحة الفراغ على والده وأستاذه، أن لا ينقطع عن الاشتغال بالحديث،
ويظل حياته عاكفاً عليه بالتدريس والتأليف، فكأنما تكلم الشيخ على
لسانه، وعَبَّر عن جَنانه، وتحقق حلمه اللذيذ الذي كان يراه بعيد المنال
وضرباً من المحال، فلم يتمالك نفسه، وانفجر قائلاً: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن
قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقّاً﴾(٣).
ولعلَّ الله أجاب دعائي وقص عليه القصة بطولها، وفرح الشيخ ودعا
له بالتوفيق، وأملى أسماء كتب يُستعان بها في هذا الموضوع، وابتدأ العمل
من غدٍ، وكان ذلك لليلة خلت من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث
مائة وألف.
(١) انظر ترجمته في: «نزهة الخواطر)» (١٤٨/٨)، و«أوجز المسالك)) (١٤٢/١).
(٢) كان من تلاميذ الشيخ الأذكياء المرجويين، ومات شاباً - رحمه الله -.
(٣) سورة يوسف: الآية ١٠٠.
٣٨

تقديم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
وكان منهج التأليف أن الشيخ كان يرشد إلى مظان الموضوع في
الكتب التي جمعت، وتوجد في مكتبة المدرسة، وكان التلميذ يجمع المواد
العلمية وما كتبه المتقدمون من الشراح والمؤلفين، ويقرأها على الشيخ،
فيختار منها ما يستحسنه، ويملي الشرح.
واستمر العمل، والشيخ لا هَمَّ له ولا لذة إلَّا في هذا العمل الذي
يعدُّه من أعظم القربات، ومن أفضل العبادات، والتلميذ لا شغل له
- إلَّا ساعات تمضي في دروس معدودة - إلَّا مطالعة الكتب وجمع المواد
وعرضها على الشيخ.
ومضت على ذلك تسعة أشهر، وتمَّ شرح الجزء الأول في سلخ ذي
القعدة ١٣٣٥هـ، وكان الشيخ قد ملكته فكرة هذا التأليف وتغلغلت في
أحشائه، وخالطت لحمه ودمه، وسيطرت على مشاعره وتفكيره وذوقه،
حتى كان آخر ما يفكر فيه قبل النوم وأول ما يهتم به عند اليقظة، وحق له
أن ينشد بلسان الشاعر الحماسي(١):
وأول شيء أنت عند هبوبي
أآخر شيء أنت في كل هَجْعَة؟
ولا يفهم ذلك إلَّا من أكرمه الله بالغرام بمبدأ سام ومقصد رفيع،
فكان ذلك عنده مقياس الرضا ووسيلة القرب، فبمقدار عناء الرجل في هذا
العمل وإعانته عليه ومساهمته فيه كان حظياً عنده، وجيهاً في عينه، وقد
عرف الناس ذلك وانتفعوا به، وتقربوا إليه.
ذكرني هذا بما ذكره القاضي ابن شداد(٢) عن السلطان صلاح الدين
الأيوبي(٣)، يقول: ((ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على
قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلَّا فيه،
(١) انظر: ((ديوان الحماسة)) (ص ١١٤).
(٢) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٨٣/٢٢)، و((وفيات الأعيان)» (٨٤/٧).
(٣) انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)» (١٣٩/٧).
٣٩