Indexed OCR Text

Pages 1401-1420

١٤٠١
٣٠ - كتاب فضائل المدينة
هُريرةَ رضيَ الله عنه يقول: قال رسولُ الله وَّهِ: ((أُمَرْتُ بقَرْيَةِ
تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ ، وَهْيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ، كَمَا يَنْفِي
الْكِيرُ خَبَثَ الْحَديد )).
( وأنها تنفي الناس ) أي : الشرار منهم .
( أمرت بقرية ) أي : بالهجرة إليها أو بسكناها .
( تأكل القرى ) أي : تغلبهم ، كنى بالأكل عن الغلبة لأن الأكل غالب
على المأكول ، وقيل : المعنى تفتح القرى ، أي : يفتحها أهلها فيأكلون
غنائمها ويظهرون عليها ، وقيل : المراد غلبه الفضل ، وأن الفضائل
تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى يكاد يكون عدماً .
( يقولون : يثرب ، وهي المدينة ) أي : يسمونها يثرب ، واسمها الذي
يليق بها المدينة ، وإنما كره الأول لأنه إما من الثراب وهو الفساد ، أو من
التثريب وهو التوبيخ ، وكلاهما مستقبح، وكان بَّ يحب الاسم الحسن،
ويكره الاسم القبيح .
( تنفي الناس)، وقال عياض: (( هذا خاص بزمنه لأنه لم يكن يصبر
/ على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه)).
[٩٢/ ب]
قال النووي: ((وليس هذا بظاهر لأن عند مسلم: ((لا تقوم الساعة
حتى تنفي المدينة شرارها))، وهذا والله أعلم زمن الدجال)).
( كما ينفي الكير ) : بكسر الكاف وسكون التحتية : الزق الذي ينفخ
فيه الحداد ، قاله في (( المحكم)) ، والكور بالضم لغة فيه .
( خبث الحديد ) : بفتح المعجمة والموحدة آخره مثلثة : وسخه الذي
تخرجه النار ، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل ، بل تخرجه كما
يميز الحداد رديء الحديد من جيده ، ونسب التمييز للكير لكونه السبب
الأكبر في إشعال النار التي يقع التمييز بها .
٣ - باب : المدينةُ طابَةٌ
١٨٧٢ - حدّثنا خالدُ بنُ مَخْلَد حدَّثَنا سليمانُ قال: حدَّثَني

١٤٠٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
عمرُو بنُ يحيى عن عبّاسِ بنِ سَهلِ بنِ سَعْدٍ عن أبي حُمَيْدٍ رضي
الله عنه أقبلنا مع النبي وَخلّ من تَبُوكَ حتى أشرفنا على المدينة فقال:
((هذه طابةٌ)).
( طابة ، وطيبة ) : مشتقان من الطيب ، لطيب ترابها وهوائها ،
وساكنها وطيب العيش بها .
قال بعض العلماء: (( من أقام بالمدينة يجد من ترابها وحيطانها رائحة
طيبة ، لا تكاد توجد في غيرها)).
٤ - باب : لابتَي المدينة
١٨٧٣ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ
عن سعيد بنِ الُسَيِّبِ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنهُ أنهُ كان يقول :
لَوْ رَأَيْتُ الظََّاءَ بِالْمَدِينَةَ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:
((مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا حَرَامٌ )).
( ترتع ) : ترعى أو تسعى .
( ما ذعرتها ) أي : أخفتها .
٥ - باب : مَن رَغبَ عنِ المدينة
١٨٧٤ - حدّثنا أبو اليمان أخبرَنَا شُعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال :
أخبرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنَّ أبا هريرةَ رضيَ الله عنَهُ قال: سَمعتُ
رسولَ الله وَله يقول: ((يَتْرُكُونَ الْمَدينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لا
يَغْشَاهَا إِلا الْعَوَافِ يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ
رَاعِيَانِ مَنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمَهَمَا فَيَجَدَانِهَا وحوشاً
حَتَّى إِذَا بَلَغَا تَنِيَّةَ الْوَدَاعَ خَرًّا عَلَى وُجُوهِهِمَا)) .
( تتركون) : بالتاء والياء .
( على خير ما كانت ) أي : على أحسن حال كانت تليه من قبل .

١٤٠٣
٣٠ - كتاب فضائل المدينة
قال عياض وغيره: (( وقد وجدت ذلك حيث صارت معدن الخلافة
ومقصد الناس وملجأهم ، وحمل إليها إخراج الأرض ، وصارت من أعمر
البلاد ، فنقلت الخلافة عنها إلى الشام والعراق ، وتغلب عليها الأعراب
وتعاورتها الفتن وخلت من أهلها ، فقصدتها عوافي الطير والسباع ،
والعوافي جمع عافية ، وهي التي تطلب أقواتها )).
وقال النووي: (( المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام
الساعة ، ويوضحه قصة الراعيين ، فقد وقع عند مسلم بلفظ: (( ثم يحشر
راعيان))، وفي البخاري: ((أنهما آخر من يحشر)).
قال ابن حجر (١): ويؤيده ما في ((الموطإ))، وأنه (٢) معن بن عيسى
عن أبي هريرة رفعه: (( لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل
الذئب فيعوى على بعض سواري المسجد أو على المنبر ، قالوا : فلمن
تكون ثمارها ؟ قال : للعوافي الطير والسباع)).
( ينعقان ) : بكسر المهملة ، وبعدها قاف من النعيق : وهو زجر الغنم.
( فيجدانها وحوشاً ) : بفتح الواو ، أي : ذات وحش أو خالية ،
ولمسلم: ((فيجدانها وحشاً))، والوحش من الأرض : الخلاء ، أو كثيرة
الوحش لما خلت .
( خرا ) أي : سقطا ميتين .
فائدة : أنكر ابن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله :
(خير ما كانت))، وقال: إنما قال : أعمر ما كانت ، ولو قال : خير ما
كانت لكان ذلك وهو حي ، ورجع أبو هريرة إليه ، أخرج ذلك عمر بن
شبَّة في ((أخبار المدينة)).
١٨٧٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ أخبرنا مالكٌ عن هشامٍ بِنِ
عُروةَ عن أبيهِ عن عبدِالله بنِ الزُّبَيرِ عن سُفيانَ بنِ أبي زُهيرٍ رضي
(١) ابن حجر في ((الفتح)) (١٠٨/٤).
(٢) كذا بالأصل، وفي ((الفتح)): أخرجه معن بن عيسى في ((الموطإ)) عن
مالك ... إلخ .

١٤٠٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
الله عنهُ أنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلّ يقول: ((تُفْتَحُ الْيَمَنُ
فَيَأْتِي قَوْمٌ يُسِبُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحَّ الَّْمُ فَأْتِي قَوْمٌ يُستُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ
بِأَهْلِهِمْ، وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَتُفْتَحُ
الْعِرَّاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ
خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )).
( أبي زهير ) : اسمه القرد بفتح القاف وكسر الراء ، بعدها مهملة .
( تفتح اليمن ) ، قال ابن عبد البر وغيره : فتحت اليمن في أيام النبي
وَلليه ، وفي أيام أبي بكر والشام بعدها والعراق بعدها ، على وفق ما أخبر
وترتيبه ، ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء ،
ولو صيروا على الإقامة بالمدينة لكان خيراً لهم .
( يَبسون) : بفتح أوله وضم الموحدة وكسرها ، وتشديد المهملة ، أي :
يسوقون دوابهم، و((البس)) سوق الإبل لقولهم عنده: (( بس بس)).
٦ - بابٌ: الإِيمانُ يأرز إلى المدينة
١٨٧٦ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ حدَّثَنَا أنسُ بنُ عِياضٍ قال :
حدَّثَنِى عُبيدُ الله عن خُبَيْبٍ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن حَفْصِ بنِ عاصم
عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ وَّ قال: ((إِنَّ الإِيمَانَ
لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ».
( يأرز ) : بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء ، وحكى ضمها وفتحها
بعدها زاي : ينضم ويجتمع .
( كما تأرز الحية إلى جحرها ) أي : أنها لما تنتشر من جحرها في طلب
ما تعيش به ، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها ، كذلك الإيمان انتشر
[١/٩٣] في المدينة، فكل مؤمن له من نفسه سائق / إليها لمحبته في النبي وَثَلَّه.

١٤٠٥
٣٠ - كتاب فضائل المدينة
٧ - باب : إثم مَن كادَ أهلَ المدينة
١٨٧٧ - حدّثنا حُسينُ بنُ حُرَيَث أخبرَنَا الفضل عن جُعَيدٍ عن
عائشةَ قالت : سمعتُ سعداً رضي الله عنه قال : سمعتُ النبىَّ
وَله يقول: ((لا يَكيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ
فِي الْمَاءِ )) .
( لا يكيد ) أي : يريد بسوء ، والكيد : المكر والحيلة في المساءة .
( إلا انماع)، لمسلم: (( إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص ، أو
ذوب الملح في الماء)) (١) .
٨ - باب : آطامِ المدينةِ
١٨٧٨ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنَا سُفيانُ حدَّثَنَا ابنُ شهاب
قال : أخبرني عروةُ سمعتُ أُسامةَ رضي الله عنه قال : أشرف
النبيُّ بَِّ على أُطِمٍ من آطام المدينة فقال: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي
لِأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَافِعِ الْقَطْرِ » (*). تابعه مَعْمَرُ
وسليمان بن كثير عن الزهري .
( أشرف ) : نظر من مكان مرتفع .
( آطام): بالمد جمع (( أطم )) بضمتين ، التي تبنى بالحجارة .
( لأرى ) : يحتمل أن يكون بمعنى العلم ، أو من رؤية العين بأن مثلت
له الفتن حتى رآها .
( مواقع ) : مواضع .
( خلال ) : نواحي ، شبه سقوط الفتن ، وكثرتها فيها بسقوط القطر في
(١) رواه مسلم في الحج ، باب : من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله ، برقم
(٤٩٣).
(*) حديث ١٨٧٨، أطرافه في: (٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠).

١٤٠٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
الكثرة والعموم ، وقد وقع ذلك من قتل عثمان ، وهلم جرا ، ولا سيما
يوم الحرة .
٩ - باب : لا يَدخُلُ الدَّجّالُ المدينةَ
١٨٧٩ - حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله قال: حدَّثَنِي إِبراهيمُ بنُ
سعد عن أبيهِ عِن جَدِّهِ عن أَبي بكرةَ رضي الله عنهُ عنِ النبيِّ وَّل
قال: ((لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّلِ لَهَا يَوْمَئِذ سَبْعَةٌ
أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَّانِ)) (*) .
١٨٨٠ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدَّثَني مالكٌ عن نُعَيْمِ بن
عبد الله الْمُجْمِرِ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول
الله وَّهِ: ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَة مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا
الدَّجَّالُ)) ( ** ** ) .
( أنقاب ) : جمع نقب بفتح النون والقاف ، بعدها موحدة ، وهو
الباب أو الطريق .
١٨٨١ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ حدَّثَنَا الوَليدُ حدَّثَنا أبو عمرو
حدَّثَنَا إِسحاقُ حدَّثَنِي أنسُ بنُ مالكِ رضيَ الله عنه عن النبيِّ وَهُ
قال: (( لَيْسَ مِنْ بَلَد إلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ
مِنْ نِقَابِهَا نَقْبَّ إِلا عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَاَ ثُمَّ تَرْجُفُ
الَّمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)) ( *** )
( نقاب ) : جمع نقب بالسكون بمعنى ما قبله .
( ترجف المدينة ) أي : يحصل بها زلزلة ثلاث مرات حتى يخرج منها
(*) حديث ١٨٧٩، طرفاه في: (٧١٢٥، ٧١٢٦) .
(*) حديث ١٨٨٠، طرفاه في: (٥٧٣١، ٧١٣٣).
( ****** ) حديث ١٨٨١، أطرافه في: (٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣) .

١٤٠٧
٣٠ - كتاب فضائل المدينة
من ليس مخلصاً في إيمانه ، ويبقى بها المؤمن الخالص ، فلا يسلط عليه
الدجال .
١٨٨٢ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير حدَّثَنَا اللَّيْثُ عن عُقَيَلٍ عنِ ابنِ
شهاب قال : أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبد الله بنِ عُتبةَ أنَّ أبا سعيد
الخُدريَّ رضى الله عنهُ قال: حدَّثَنا رسولُ الله ◌َل حديثاً طويلاً
عن الدجال فكان فيما حدثنا به أن قال : (( يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ
مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ ينزلُ بَعْضَ السََّّاخِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ
فَيَخْرُجُ إِلَّهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرَّ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ -
فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَّ الدَّجَّلُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولَ اللهِوَهِ حَدِيثَهُ،
فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْبَيْتُهُ ، هَلْ تَشْكُّونَ فِى
الأَمْرِ فَيَقُولُونَ: لَا ، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيِهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيه : وَالله مَا
كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتَّلُهُ فَلا أُسَلَّطُ
عَلَيْهِ (*) .
( السباخ ) : بكسر المهملة وتخفيف الموحدة آخره معجمة .
١٠ - بابٌ: المدينةُ تَنفي الخَبَثَ
١٨٨٣ - حدّثنا عمرُو بنُ عبّاسِ حدَّثَنَا عبدُ الرّحمنِ حدَّثَنَا
سفيانُ عن محمد بنِ المُنكَدِرِ عن جابرٍ رضيَ الله عنه : جَاءَ
أَعْرَابِي إِلَى النبيَّ وَّهِ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلامِ فَجَاءَ مِنَ الْغَد مَحْمُوماً،
فَقَالَ : أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: (( الْمَّدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي
خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا)) ( ** ).
( عمرو بن عباس ) : بالموحدة والمهملة .
(*) حديث ١٨٨٢، طرفه في: (٧١٣٢).
( ** ** ) حديث ١٨٨٣، أطرافه في: (٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢).

١٤٠٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( أعرابي)، قيل: إنه (( قيس بن حازم المنقري)).
( أقلني ) أي : من الهجرة ، وقيل : من الإسلام .
( وينصع ) : بفتح أوله وسكون النون ، بعدها مهملتان : من النصوع ،
وهو الخلوص ، والأكثر أن أوله بتاء المؤنث .
( وطيبها ) : بالنصب، وللكشميهني بالتحتية ، و((طيبها )) فاعل .
١٨٨٤ - حدثنا سليمانُ بنُ حَرَب حدَّثَنا شُعبةُ عن عَدِيِّ بنِ
ثابت عن عبد الله بن يزيدَ قال : سمعتُ زيدَ بنَ ثابتِ رضيَ الله
عنه يقول: لما خرَجَ النبيُّ وَجَهَ إلى أُحُدٍ رجع ناس من أصحابه
فقالت فرقة : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ، فنزلت : ﴿فَمَا
وَخَه : ((إنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ
لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ وقال النبي
كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَديد )» (*).
( تنفي الرجال ) : بالراء ، وللكشميهني بالدال وتشديد الجيم ، وهو
تصحيف .
١١ - بابٌ
۔۔
١٨٨٥ - حدثنا عبدُ الله بنُ محمد حدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جَرِير حدَّثَنَا
أبي سمعتُ يونس عنِ ابنِ شهابٍ عن أنسٍ رضيَ الله عنه عنِ النبيِّ
وَلَّه قال: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ)).
تَابَعَهُ عثمانُ بن عمرَ عن يونُسَ .
١٨٨٦ - حدّثْنا قُتَيِبةُ حدَّثَنَا إِسماعيلُ بنُ جَعفرٍ عن حُميدٍ عن
أنَّسٍ رضيَ الله عنه أنَّ النبيَّ وََّ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إلَى
جُدُرَّاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا .
(*) حديث ١٨٨٤، طرفاه في: (٤٠٥٠، ٤٥٨٩).

..
٣٠ - كتاب فضائل المدينة
١٤٠٩
١٢ - باب: كراهية النبيّ وَّ أَن تُعْرَى المدينةُ
١٨٨٧ - حدّثنا ابنُ سَلامِ أخبرَنَا الفَزاريُّ عن حُميدِ الطويلِ
عن أنسٍ رضيَ الله عنهُ قال : أرادَ بنو سَلمَةَ أن يتحولوا إلى قرب
المسجد فكره رسول الله وَ له أن تُعْرَى المدينةُ، وقال: ((يَا بَنِي
سَلَمَةَ أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟ )) فَأَقَامُوا.
( تعرى ) : بضم أوله وسكون المهملة .
١٣ - باب
١٨٨٨ - حدّثنا مُسدَّدٌ عن يحيى عن عُبَيْدِ الله بن عمر قال :
حدَّثَنِي خُبيب بنُ عبدِ الرّحمنِ عن حفصِ بنِ عاصمٍ عن أبي
هريرةَ رضيَ الله عنه عن النبيِّ نَ ◌ّ قال: (( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي
رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّة وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ».
( ما بين بيتي ومنبري)، لابن عساكر: ((قبري)) بدل (( بيتي)).
( روضة من رياض الجنة ) أي : كروضة في نزول الرحمة ، وحصول
السعادة لو أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة ، أو هو على ظاهره بأن ينقل
ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة، وضبط ذلك بثلاثة وخمسين ذراعاً.
( ومنبري على حوضي ) أي : ينقل المنبر الذي قال عليه هذه المقالة يوم
القيامة فينصب على الحوض ، ثم تصير قوائمه رواتب في الجنة ، كما في
حديث الطبراني .
١٨٨٩ - حدّثنا عُبيدُ بن إسماعيلَ حدَّثَنا أبو أسامةَ عن هِشامٍ
عن أبيه عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: لما قَدمَ رسولُ اللهِ وَل
المدينةَ وُعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول:
كُلُّ امْرِيءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وكان بلالٌ إِذا أَقلع عنه الحمّى يَرفَعُ عَقيرتَهُ يقول :

١٤١٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ
أَلا لَيْتَ شعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
وَهَلْ يَبْدُوَنَّ لِيَ شَامَةٌ وَطَفِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مَجَنَّةً
قال : اللهم الْعَنْ شَيبةَ بنَ رَبَيعةَ وعُتْبةَ بنَ رَبَيعةَ وأُميَّةَ بنَ خَلَف
كما أخرَجونا مِن أرضِنا إلى أرضِ الوَبَاء، ثم قال رسول الله وَاجله:
((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبَّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي
صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ)) (*)
قالت : وقدمنا المدينةَ وهى أوْبُ أرض الله ، قالت : فكان بُطْحَانُ
يجري نَجْلا - تعني ماءً آجناً .
١٨٩٠ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ حدَّثَنا اللَّيثُ عن خالدِ بنِ يزيدَ
عن سعيدِ بنِ أبي هِلالِ عن زيدِ بنِ أسلمَ عن أبيهِ عن عمرَ رضيَ
الله عنهُ قال : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِلِكَ وَاجْعَلْ مَوْنِي فِى بَلَدِ
رَسُولكَ وَجّ. وقال ابنُ زُرَيَعٍ عنْ رَوْحِ بنِ القاسمِ عن زيدِ بنِ
أسلمَ عن أمِّه عن حَفصةَ بنت عمر رضي الله عنهما قالت :
سمعتُ عمرَ يقول نحوَه . وقال هشامٌ عن زيدٍ عن أبيهِ عن
حفصةَ : سمعتُ عمرَ رضي الله عنه .
( أوبأ ) بالهمز ، آخره نون أفعل من الوباء بالقصر يهمز ولا يهمز :
المرض العام .
( فكان بطحان ) أي : وادي المدينة .
( يجري نجلاً ) : بالنون والجيم .
( يعني ماء آجناً ) : بفتح الهمزة وكسر الجيم ، بعدها نون ، أي :
متغيراً، وذلك سبب وبائها .
(*) حديث ١٨٨٩، أطرافه فى : (٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢).

١٤١١
٣١ - كتاب الصوم
بسم الله الرحمن الرحيم
٣١ - كتاب الصوم
١ - باب: وُجُوبٍ صوم رمضانَ وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)
١٨٩١ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيد حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ جعفر عن
أبى سُهيلٍ عن أبيهِ عن طلحةَ بنِ عُبيدِ الله أنَّ أعرابيّاً جاءَ إلى
رسولِ الله وَّ ثائرَ الرأسِ، فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا
فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِن الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ إلا أَنْ
تَطَّوَّعَ شَيْئاً ))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ؟
فَقَالَ: ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطََّّعَ شَيْئاً))، فَقالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا
فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ شَرَائِعَ
الإِسْلامِ ، قَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئاً وَلا أَنْقُصُ ممَّا
فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ
دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ )) .
١٨٩٢ - حدّثنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا إسماعيلُ عن أيوبَ عن نافعِ عنِ
١
(١) البقرة : ١٨٣ .

١٤١٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما قال: صامَ النبيُّ نَّهِ عاشوراءَ وأمرَ
بصيامه ، فلمّا فُرَض رمضانُ تُركَ ، وكان عبدُ الله لا يَصومُهُ إلا أن
يَوْافِقَ صَومَه (*).
١٨٩٣ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيد حدَّثَنا اللَّيْثُ عن يَزِيدَ بنَ أبي
حَبيب أنَّ عراكَ بنَ مالك حدَّثَهُ أنَّ عُروةَ أخبرَهُ عن عائشةَ رضيَ الله
عنها أنَّ قُرَيشا كانت تَصُومُ يومَ عاشوراءَ في الجاهلية ، ثمَّ أمرَ
رسولُ الله وَّةِ بصيامه حتّى فُرِضَ رَمَضَانُ ، وقال رسولُ الله
حَاجَه: ((مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَه)).
( كتاب الصوم)، وللنفي: ((الصيام))، وهما لغة: الإمساك .
قال بعضهم : لما تاب آدم من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقى في
جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً ، فلما صفا جسده منها تيب عليه ،
ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً .
وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة .
13
٢ - باب : فضلِ الصومِ
١٨٩٤ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسلمةَ عن مالكِ عن أبي الزنادِ عنِ
الأعرجِ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال:
((الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، وَإِن امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ:
إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ
عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكَّ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَّهُوَتَهُ مِنْ
أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)) (*).
( الصيام جنة ) : بضم الجيم : الوقاية والستر ، زاد أحمد : (( وحصن
(*) حديث ١٨٩٢، طرفاه في: (٢٠٠٠، ٤٥٠١).
( ** ) حديث ١٨٩٤، أطرافه فى: (١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨).

١٤١٣
٣١ - كتاب الصوم
حصين من النار))، وللنسائي: (( كجنة أحدكم من القتال))، زاد أحمد
من وجه آخر: (( ما لم يخرقها))، زاد الدارمي: ((بالغيبة)).
قال ابن العربي: (( إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن
الشهوات والنار محفوفة بالشهوات)) .
( فلا يرفث ) أى : الصائم ، أي : لا يتكلم بفحش .
( ولا يجهل ) أي : لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه
ونحو ذلك، ولسعيد بن منصور: (( ولا يجادل)).
( وإن امرؤ ) : بتخفيف النون .
( فليقل إني صائم ) ، قيل : يقولها بلسانه يخاطب به من شاتمه ،
وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه ، وقيل : باللسان في صوم الفرض ، وبالقلب
في صوم النفل / .
[٩٣/ ب]
وقال ابن العربي: (( الخلاف في النفل، وأما الغرض فبلسانه قطعاً)).
( مرتين ) : لأنه آكد في الزجر .
( لخلوف ) : بضم المعجمة واللام، آخره فاء ، وصحف من فتح الخاء:
تغيير ريح الفم من الصوم .
( أطيب عند الله)، زاد أحمد وابن حبان: (( يوم القيامة)).
( من ريح المسك ) ، قيل : هو على ظاهره بأن يأتي يوم القيامة ونكهته
أطيب من ريح المسك ، كما يأتي الشهيد ، وريح دمه يفوح مسكاً ،
وقيل: هو كناية عن الرضى والقبول ، وأنه أكثر ثواباً من المسك المندوب
إليه في الجمع ومجالس الذكر ، وقيل : إن للطاعات يوم القيامة ريحاً
يفوح ، فرائحة الصيام فيه بين العبادات كالمسك)) ، قاله القاضي حسين في
تعليقه ، وقيل : المراد [ أن ] ذلك في حق الملائكة ، وأنهم يستطيبون ريح
الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك ، وقد تنازع ابن عبد السلام وابن
الصلاح في أن ذلك خاص بالآخرة ، فذهب الأول إلى اختصاصه بها كدم
الشهيد ، لحديث يوم القيامة السابق ، وخالفه ابن الصلاح لحديث البيهقي
وغيره: ((فإن خلوف أفواههم حين يمسون)) وهذا صريح في كونه في الدنيا.

١٤١٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
قال : وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية ، فلأنه يوم الجزاء ، وفيه
يظهر ريحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة
طلباً لرضى الله ، حيث يؤمر اجتنابها ونظيره : ﴿ إن ربهم بهم يومئذ
لخبير﴾ (١) ، وهو خبير بهم في كل يوم .
ويؤخذ من الحديث : تفضيل الخلوف على دم الشهيد ، لأن الدم شبه
بريح المسك ، والخلوف وصف بأنه ((أطيب)).
( يترك)، زاد أحمد قبله: ((يقول الله)).
(وشهوته)، زاد ابن خزيمة: ((وزوجته)).
( الصيام لي وأنا أجزي به ) ، اختلف في معناه ، مع أن الأعمال كلها
لله تعالى ، وهو الذي يجزي بها ، فقيل : إنما خص الصوم لأنه ليس
يظهر من ابن آدم ، ولا يطلع عليه ، وإنما هو شيء في القلب بخلاف
سائر الأعمال ، فإنها أفعال وحركات ترى وتشاهد ، ويؤيده حديث :
((الصيام لا رياء فيه)) أخرجه البيهقي في ((الشعب)).
وقيل : المعنى أن العبادات قد كشف مقادير ثوابها للناس ، وأنها تضعف
من عشرة إلى سبعمائة ، إلا الصوم ، فإن الله تفرد بعلم مقدار ثوابه ،
وتضعيف حسناته، فقوله: ((وأنا أجزي به )) أي : جزاءً كثيراً من غير
تعيين لمقداره كقوله : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (٢)،
ويؤيده حديث: ((إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم ، فإنه لا يدري أحدها
فيه)) أخرجه سمويه، وللطبراني: ((الأعمال عند الله سبع))، وفيه :
((وعمل لا يعلم ثوابه عامله إلا الله وهو الصيام)).
وقيل : معناه أنه أحب العبادات إليّ والمقدم عندي ، وقيل : لأن الصيام
لم يعبد به غير الله بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ، ونحو ذلك ،
وقيل: ((إن جميع العبادات توفي منها مظالم العباد إلا الصوم )) أخرجه
البيهقي عن ابن عيينة قال: ((إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي
(١) العاديات : ١١ .
(٢) الزمر : ١٠ .

١٤١٥
٣١ - كتاب الصوم
ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم ، فيتحمل الله على
ما بقى عليه من المظالم ويدخله الصوم الجنة )) .
( والحسنة بعشر أمثالها): هو مختصر وتتمته كما في ((الموطإ)): (كل
حسنة يعملها ابن آدم بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلا الصيام ، فإنه
لي وأنا أجزي به))، فأعاد قوله: ((وأنا أجزي به )) في آخره تأكيداً .
٣ - بابٌ: الصّوْمُ كَفّارة
١٨٩٥ - حدّثنا علىُّ بنُ عبد الله حدَّثَنا سفيانُ حدَّثَنَا جَامعٌ عن
أبي وائلٍ عن حُذَيْفَةَ قال : قال عمرُ رضي الله عنه : مَن يَحفظُ
حديثاً عنِ النبيِّ وََّ في الفتنة؟ قال حُذيفةُ : أنا سَمعتهُ يقول :
(فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَّالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ
وَالصَّدَقَةُ))، قَالَ: ليسََ أسألُ عنْ ذِهَ ، إِنما أسألُ عنِ التي تَموجُ
كما يَموجُ البَحرُ ، قال حُذَيْفَةُ: وإنَّ دُونَ ذلكَ باباً مُغْلَقاً ، قال :
فيُفْتَحُ أو يُكسَرُ ، قال: يُكسَرُّ ، قال: ذاك أَجْدَرُ أن لا يُغلق إلى
يوم القيامة . فقُلنا لمسْروق : سَلْهُ أكان عمرُ يَعلم من البابُ ؟
فسأله ، فقال : نعم ، كما يعلم أن دون غد اللَّيْلَةَ .
٤ - بابٌ: الرَّيَانِ للصائِمِينَ
١٨٩٦ - حدّثْنا خالدُ بنُ مَخْلَدِ حدَّثَنا سليمانُ بنُ بلال قال :
حدَّثَنِي أبو حازِمٍ عن سَهلٍ رضيَ الله عنه عن النبيِّ ◌َِّ قالَ: ((إِنَّ
فِى الْجَنَّة بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لا
يَدْخُلُ مِنَّهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، يُقَالَ : أَيَّنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ ، لا
يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) (*).
( إن في الجنة باباً) : في بمعنى اللام ، كما عبر بها في رواية أخرى .
(#) حديث ١٨٩٦، طرفه فى : (٣٢٥٧) .

١٤١٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
[٩٤/أ] (الريان): بفتح الراء وتشديد / التحتية: فعلان من ((الري))، وهو
مناسب لجزاء الصائمين .
( فإذا دخلوا)، لمسلم: ((فإذا دخل آخرهم)).
١٨٩٧ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ الْمُنذِرِ قال: حدَّثَنِي مَعْنٌ قال :
حدَّثَني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبي
هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيِ وَّ قالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي
سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَبِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ ، فَمَّنْ
كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الْجِهَادِ دُعيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنَّ كَانَ مِنَّ أَهْلِ الصِّامِ دَّعِيَ مِنَّ
بَابِ الَرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصََّقَّةِ )) ،
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأَمِّيَ يَا رَسُولَ اللهَ، مَا
عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ
تَلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) (*).
( زوجين ) أي : شيئين من أي صنف من أصناف المال .
( في سبيل الله ) قيل : أراد الجهاد ، وقيل : ما هو أهم منه .
( هذا خير ) : ليس اسم تفضيل ، بل المعنى هذا خير من الخيرات
والتنوين فيه للتعظيم .
٥ - بابٌ: هل يُقالُ : رَمضانُ أو شهرُ رمضانَ
ومَن رأَى ذلك كلَّهُ واسعاً
وقال النبيُّ نَّهِ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ)) (١).
وقال : ((لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ)) (٢) ..
(*) حديث ١٨٩٧، أطرافه في: (٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦).
(١) وصله البخاري في الباب التالي .
(٢) وصله البخاري برقم (١٩١٤).

١٤١٧
٣١ - كتاب الصوم
١٨٩٨ - حدّثنا قتيبةُ حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعفرِ عن أبي سُهيلٍ
عن أبيه عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله وَّ قال: ((إِذَا
جَاءَ رَمَضَانُ فُتْحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّة)) (*).
( باب : هل يقال رمضان ) ، قيل : سمي به لأنه ترمض فيه الذنوب ،
أي : تحرق ، وقيل : وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حاراً ، والرمضاء : شدة
الحر .
وذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه ((حظائر القدس)) لرمضان ستين اسماً.
١٨٩٩ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيرِ قال: حدَّثَنِي اللَّيتُ عن عُقَلِ
عن ابنِ شِهابٍ قال : أخبرني ابنُ أبي أنسٍ مَولى التّيْمِيِّينَ أنَّ أباهُ
حدَّثْهُ أنه سمِعَ أبا هريرةَ رضيَ الله عنهُ يقول: قال رسولُ اللهِ وَهِ:
(( إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتْحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ
وَسُلْسلَتِ الشَّيَاطِينُ)).
١٩٠٠ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ قال: حدَّثَنِي اللَّيثُ عن عُقَيْلٍ
عنِ ابنِ شهابٍ قال : أخبرني سالمٌ أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ الله عنهما
قال: سَمعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)) . وقال غيره عن
الليث : حدثني عقيل ويونس لهلال رمضان ( ** ).
( ابن أبي أنس ) : هو أبو سهيل نافع بن أبي أنس مالك بن أبي عامر .
( وسلسلت الشياطين ) ، قيل : هو حقيقة ، والمراد : مسترقو السمع،
وقيل : المردة ، وقيل : مجاز على العموم ، والمراد : أنهم لا يصلون من
إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصوم والذكر ،
وإن وقع شيء من ذلك فهو قليل بالنسبة إلى غيره .
(*) حديث ١٨٩٨، طرفاه فى: (١٨٩٩ - ٣٢٧٧) .
( ** ) حديث ١٩٠٠، طرفاه فى (١٩٠٦ - ١٩٠٧).

١٤١٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
٦ - باب : مَن صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً ونيَّةً
وقالت عائشةُ رضيَ الله عنها عنِ النبي وَهُ: ((يُبْعَثُونَ عَلَى
نِيَّاتِهِمْ)) (١) .
١٩٠١ - حدّثنا مسلمُ بنُ إِبراهيمَ حدَّثَنَا هِشامٌ حدَّثَنا يحيى عن
أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه عن النبيِّ وَّ قال: ((مَنْ
قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتُسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ
رَمَضَانَ إِيمَاناً وَأَحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).
( ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، زاد
النسائي وأحمد وغيرهما بسند حسن: (( وما تأخر)).
٧ - بابٌ: أجْوَدُ ما كان النبيُّ ◌َِّ يكونُ في رمضانَ
١٩٠٢ - حدّثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنَا إِبراهيم بنُ سَعد
أخبرنا ابنُ شهابٍ عن عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ أنَّ ابنَ عبّاسٍ
رضيَ الله عنهما قال: كَانَ النبيُّ وَِّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ
أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِحَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النبيُّ ◌َلـ
الْقُرْآنَ ، فَإِذَا لَفِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ
الْمُرْسَلَة )) .
(١) سيأتي موصولاً بتمامه في ((أوائل كتاب البيوع من طريق نافع بن جبير وأوله :
((يغزو جيش الكعبة ... )) الحديث .
قال الحافظ : ووجه الاستدلال منه هنا أن للنية تأثيراً في العمل لاقتضاء الخبر
أن في الجيش المذكور المكره والمختار ، فإنهم إذا بعثوا على نياتهم وقعت
المؤاخذة على المختار دون المكره. اهـ (الفتح: ١٣٨/٤).

١٤١٩
٣١ - كتاب الصوم
٨ - باب : مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ وَالْعمَلَ به في الصَّوم
١٩٠٣ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إِياسِ حدَّثَنَا ابنُ أبي ذِئبٍ حدَّثَنَا
سعيدٌ المَقْبُرِيُّ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال : قال
رسولُ اللهِ وَّه: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ
حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَبَهُ )) (*)
( يدع ) : يترك .
( قول الزور ) أي : الكذب .
( فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، قال ابن بطال: (( ليس
معناه أنه يؤمر بالأكل والشرب ، وإنما معناه التحذير من قول الزور ، وما
ذكر معه، وهو كقوله: (( من باع الخمر فليشقص الخنازير))، أي :
يذبحها، ولم يأمر بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر.
وقوله : ( حاجة ) أي : إرادة ، إذ الله لا حاجة له في شيء ، وقيل:
هو كناية عن عدم القبول كما يقول من غضب على من أهدى إليه شيئاً لا
حاجة لي في هديتك ، أي : هي مردودة عليك . قال ابن العربي :
مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر يثاب على صومه .
٩ - باب : هل يقولُ: إِنِي صائمٌ إِذا شُتِم
١٩٠٤ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ موسى أخبرَنَا هِشامُ بنُ يوسُفَ عنِ
ابنِ جُرَيَج قال : أخبرَنَي عطاءٌ عَن أبي صالحِ الزََّاتِ أَنْهُ سَمِعَ أبا
هُريرةَ رضيَ الله عنه يقول: قال رسول الله وَ خلَه: «قَالَ اللهُ:
كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ
جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلا يَّرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَأَبَّه
أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
(#) حديث ١٩٠٣، طرفه في: (٦٠٥٧).

١٤٢٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ
فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَّ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)).
( ولا يصخب ) : بسكون المهملة ، وفتح المعجمة ، بعدها موحدة ،
والصخب : الخصام والصياح .
( لخلوف)، للكشميهني: (( لخلف )) جمع .
( يفرحهما ) أي : يفرح بهما ، فحذف الجار ، ووصل الضمير .
( إذا أفطر فرح)، زاد مسلم: ((بفطره)) (١) ، فقيل : لزوال الجوع
والعطش ، وقيل : لإتمام الصوم والمعونة عليه .
( فرح بصومه ) أى : بجزائه وثوابه .
١٠ - باب : الصوم لمَن خافَ على نَفسه العزوبة
١٩٠٥ - حدّثنا عَبْدانُ عن أبي حمزةَ عنِ الأعمشِ عن إِبراهيمَ
عن عَلقمةَ قال: بينا أنا أمشي معَ عبدِ الله رضيَ الله عنه فقال : كنا
مع النبيِ وَّ فقال: ((مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ
وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءُ)) (*).
( العزوبة)، لأبي ذر: (( العزبة )) بالضم وسكون الزاي .
( وجاء ) : بكسر الواو وجيم ومد : رض الخصيتين .
١١ - باب: قول النبيِّ ◌َّهِ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا
وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا)) (٢)
وقال صلَةُ عن عَمّارِ : من صامَ يومَ الشَّك فقد عَصى أبا
صَلى الله
علجية
وسلم
القاسم
(١) رواه مسلم في الصيام ، باب : فضل الصيام برقم (١٦٢).
(*) حديث ١٩٠٥، طرفاه في : (٥٠٦٥، ٥٠٦٦).
(٢) هذه الترجمة لفظ مسلم من حديث أبي هريرة برقم (١٧ / ١٠٨١)، باب : =