Indexed OCR Text
Pages 1-20
البَقْشِيج
شَرْح الجامع الصحيحْ
(شرح صحيح البخاريُ مخطوط يُطبَعَ لَأَوْلِمَّة)
لِيَّام متحَافِظ أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن السّيُوطي
المتوفى سنة (٩١١م)
تحقيق
رضوان جَامِع رضَوَان
شركة الرّيَاضْ
للنشر والتوزيع
مُكتَبَةُ الرَّشَدْ
الرّيَاضْ
حِقُوق الطّبْع تَحْفُوظة لِلنّاشِرْ
الطّبَعَّة الأولى
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م
مكتَبة الريد للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز
ص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٨٣٧١٢
تلكس ٤٠٥٧٩٨ فاكس ملي ٤٥٧٣٣٨١
فرع القصيم بريده حي الصفراء - طريق المدينة
ص ب ٢٣٧٦ هاتف ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس علي ٣٢٤١٣٥٨
فرع المدينة المنورة - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠
إقرأ
شركة الرياض للنشر والتوزيع
صَبٌ: ٣٣٦٢٠ - الرياض: ١١٤٥٨ - هاتف: ٤٥٩٤٧٧٩
التَّقُشيُّ
شَرْح الجامع الصحيحْ
٥
مقدمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، حمداً كثيراً طيباً ، يكافئ مزيد آلائه ،
ويوافي جزيل نعمه الطيبات .
علم الإنسان ما لم يعلم ، وأعلى شأن العلم والعلماء ، فقال عَزَّ وجَلَّ :
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(١).
وقال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ
الأَلْبَابِ﴾ (٢).
وأقسم سبحانه بالقلم الذي هو رمز الكتابة والقراءة ، فقال تعالى : ﴿ ن
وَاَلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٣).
واستفتح وحيه لنبيه وَّل بلفظة العلم المشهورة: ((اقرأ))، فقال سبحانه:
﴿اقْرَأْ بِاسْمَ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٤) .
ولم يأمر نبيه وَ له بالزيادة من شيء إلا من العلم، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي
علماً﴾ (٥) .
والصلاة والسلام على معلم البشرية الخير وهو الأمي الأمين ، أخرج الناس من
دياجير الظلم والظلمات إلى سعة الرحمة والنور .
وحث وَّلّ على التعلم والتعليم فقال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين)) (٦)، وقال: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك
حمر النعم)) (٧) .
(١) المجادلة : ١١ .
(٣) القلم : ١ .
(٢) الزمر : ٩ .
(٤) العلق : ١ .
(٥) طه : ١١٤ .
(٦) رواه البخاري (٧١)، وفى مواطن أخرى، ومسلم (٣/ ٩٠)، وغيرهما .
(٧) رواه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (١٢٢/٧).
٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وقال
الجنة)) (١)
وسلم
: (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى
صلىالله
فصلي اللهم وسلم وبارك على هذا النبي الكريم ، وعلى آله وصحبه وسلم .
سُبْحَانَكَ لا عِلمَ لَنَا إِلَا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
أما بعد : فإن هذا العلم الممدوح هو العلم الشرعي ، وهو العلم النافع في
الدنيا والآخرة، الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته،
والعلم بالله وصفاته ، وما يجب له من القيام بأمره ، وتنزيهه - سبحانه - عن
النقائص ، هذا ، ومدار العلم الشرعي كله على الحديث .
• مكانة علم الحديث بين علوم الشرع :
فعلم الحديث - كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : علمٌ شريفٌ ،
يناسب مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، وهو من علوم الآخرة ، من حرمه
حرم خيراً عظيماً ، ومن رزقه نال فضلاً جزيلاً، فعلى صاحبه تصحيح النية ،
وتطهير قلبه من أغراض الدنيا ... إلخ كلامه (٣).
ويقول الإمام السيوطي: وكيف لا وهو الوصلة إلى رسول الله وَلَه والباحث
عن تصحيح أقواله وأفعاله، والذب عن أن ينسب إليه وَّ ما لم يقله.
وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُل أناس بإمامهم﴾: ليس
لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك، لأنه لا إمام لهم غيره وَّةِ ، ولأن
(١) رواه مسلم (٧١/٨)، وأبو داود (٣٦٤٣)، والترمذي (٢٦٤٦، ٢٩٤٥)، وابن ماجه
(٢٢٥) بألفاظ مختلفة.
وقال الحافظ : ولم يخرجه البخاري لأنه اختلف فيه على الأعمش ، والراجح أنه بينه
وبين أبي صالح فيه واسطة ، والله أعلم .
قلت : ورواه البخاري معلقاً في كتاب العلم ، باب : العلم قبل القول والعمل .
وانظر كلام الإمام الترمذي عليه، في ((جامعه)) عند الأرقام المذكورة، وانظر: ((الفتح))
(١٧١/١، ١٩٣، ٢٠٩) .
(٢) البقرة : ٣٢ .
(٣) انظر: ((تقريب النواوي - مع التدريب)) (٧٥٩/٣ - بتحقيقي).
٧
مقدمة المحقق
سائر العلوم الشرعية محتاجة إلى ((الحديث)) أما الفقه فواضح - قلت : يعني
مدى احتياجه للحديث - وأما التفسير فلأن أولى ما فسر به كلام الله تعالى ما
ثبت عن نبيه وَّ وأصحابه رضي الله عنهم. اهـ (١).
وقد حث النبي وَّ على تعلم الحديث وتعليمه ، ومن ذلك ما رواه الإمام
أحمد وغيره من حديث العرباض بن سارية في خطبة النبي وَّة .. وفيها :
((تركتم على البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش
منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين عضوا عليها بالنواجذ ... )) الحديث (٢).
قال الحافظ المنذري: قوله {َ له: ((عضوا عليها بالنواجذ)) أي: اجتهدوا
على السنة والزموها ، واحرصوا عليها ، كما يلزم العاضّ على الشيء بنواجذه
خوفاً من ذهابه وتفلته . اهـ .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: أن رسول الله وَخاله
قال : ((العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو سُنَّة قائمة ، أو فريضة عادلة، وما سوى
ذلك فهو فضل )) رواه أبو داود وابن ماجه .
وعن جابر رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله وَله يقول في خطبته: ((أما
بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وإن أفضل الهدي هدي محمد ، وشر
الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ... نحو ما تقدم)) رواه الإمام أحمد
ومسلم وغيرهما .
وفي رواية: (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي
محمد ... الحديث)).
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - : (( إن من أهم العلوم : تحقيق
معرفة الأحاديث النبويات ، أعني معرفة متونها ، صحيحها وحسنها وضعيفها ،
وبقية أنواعها المعروفات ، ودليل ذلك : أن شرعنا مبني على الكتاب
(١) انظر: ((تقريب النواوي - مع التدريب)) (٧٥٩/٣ - بتحقيقي).
(٢) وإسناده صحيح، وانظر تخريجه في تعليقنا على ((تلبيس إبليس)) لابن الجوزي
(ص / ١١) .
٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
العزيز والسنن المرويات ، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات فإن أكثر
الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات . وقد اتفق العلماء على
أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالماً بالأحاديث الحكميات ،
فثبت بما ذكرناه : أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع
الخير وآكد القربات ، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتملٌ على بيان حال أفضل
المخلوقات ، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات ؟ ولقد كان
أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات ، حتى لقد كان يجتمع في
مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات ، فتناقص ذلك وضعف الهمم ،
فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات ، والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من
البليات ، وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات
مشهورات، فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات،
ولكونه أيضاً من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله وللأئمة والمسلمين والمسلمات،
وذلك هو الدين ، كما صح عن سيد البريات ، ولقد أحسنَ القائل: (( من
جمع أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات ، وذلك لكثرة فوائده
البارزات والكامنات ، وهو جدير بذلك))، فإنه كلامُ أفصح الخلق ، ومن
أعطي جوامع الكلمات صلى الله عليه وآله وسلم صلوات متضاعفات)) .
وقال العلامة الشهاب أحمد المنيني الدمشقي الحنفي في القول السديد : ((إن
علم الحديث علم رفيع القدر ، عظيم الفخر ، شريف الذكر ، لا يعتني به إلا
كل حبر ، ولا يحرمه إلا كل غمر ، ولا تنفى محاسنه على ممر الدهر ، لم يزل
في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة ، وكم عز به من كشف الله له عن
مخبأت أسراره وجلاله ، إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين ، ويظهر
المقصود من حبله المتصل المتين ، ومنه يُدرى شمائل من سما ذاتاً ووصفاً واسماً ،
ويوقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عرباً وعجماً ، وتمتد من بركاته
للمعتنى به موائد الإكرام من ربّ البرية ، فيدرك في الزمن القليل من المولى
الجليل المقامات العلية والرتب السنية ، من كرعٍ من حياضه أو رتع في رياضه
فليهنه الأنس بجني ، جنانه السُّنَّة المحمدية ، والتمتع بمقصورات خيام الحقيقة
الأحمدية، وناهيك بعلم من المصطفى وَخل بدايته ، وإليه مستنده وغايته ،
٩
مقدمة المحقق
وحسب الراوي للحديث شرفاً وفضلاً ، وجلالة ونبلاً ، أن يكون أول سلسلة
آخرُها الرسول ، وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاءُ والوصول ، وطالما كان
السلف الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار ، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة ،
ولا يقنعون بالنقل من الأسفار ، فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى
البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت روايته فيه ، أو لبيان وضع
حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه ، وتأسى بهم من
بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية ، وحفظة السُّنَّة المصطفوية ، فضبطوا الأسانيد
وقيدوا منها كل شريد ، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل ، وسلكوا في تحرير
المتن أقوم سبيل ، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى
وأفعاله ، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله . فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها
الهمم العوالي، والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام والليالي)). اهـ (١).
• بدء تدوين الحديث :
ذكر الإمام الهروي في (( ذم الكلام)) قال: (( ولم تكن الصحابة ولا التابعون
يكتبون الأحاديث ، إنما كانوا يؤدونها حفظاً ، ويأخذونها لفظاً إلا كتاب
الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه
الدروس ، وأسرع في العلماء الموت أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن محمد
فيما كتب إليه : أن انظر ما كان من سُنَّة أو حديث فاكتبه )). اهـ .
ورواه البخاري بلفظ: ((انظر ما كان من حديث رسول الله وَ لّ فاكتبه ، فإني
خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا حديث النبي وَئلة ، ولتفشوا
العلم ، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً ..
ثم روى البخاري مسنداً عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه: ((إن الله لا
يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا
لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فآمنوا بغير علم فضلوا وأضلوا))(٢).
(١) انظر: ((قواعد التحديث)) للعلامة القاسمي (ص/ ٤٤ - ٤٥).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري))، كتاب العلم، باب: كيف يقبض العلماء ، ومقدمتنا
لكتاب (( تدريب الراوي)) (١ / ٩٧ - بتحقيقي).
١٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وأول من صنف في الحديث الصحيح المجرد : الإمام محمد بن إسماعيل
البخاري - رحمه الله تعالى - وقد كانت قبله مجموعة ممزوجاً فيها الصحيح
بغيره (١) ، وكانت الآثار في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مُدَوَّنَة ولا مرتبة
لسيلان أذهانهم وسعة حفظهم ، ولأنهم كانوا نُهوا أولاً عن كتابتها ، كما ثبت
في ((صحيح مسلم)) : خشية اختلاطها بالقرآن ، ولأن أكثرهم كان لا يحسن
الكتابة .
فلما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض دُوِّنْت
ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم ، فأول من جمع ذلك : ابن
جريج بمكة ، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة ، والربيع بن صَبيح أو سعيد بن أبي
عَرُوبة أو حماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثوري بالكوفة ، والأوزاعي بالشام،
وهُشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وجرير بن عبد الحميد بالرَّيِّ ، وابن المبارك
بخراسان .
قال الإمام العراقي والحافظ ابن حجر : وكان هؤلاء في عصر واحد فلا ندري
أيهم أسبق، وقد صنف ابن أبي ذئب (٢) بالمدينة ((موطأ)) أكبر من ((موطأ
مالك)) ، حتى قيل لمالك : ما الفائدة في تصنيفك ؟ قال : ما كان لله بقي .
قال شيخ الإسلام : وهذا بالنسبة إلى الجمع للأبواب ، أما جمع حديث إلى
مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبي ، فإنه روي عنه أنه قال : هذا باب من
(١) كموطأ الإمام مالك ، فهو وإن كان سابقاً في تصنيفه عن تصنيف الإمام البخاري
((الجامع الصحيح))، إلا أنه لم يتقيد فيه الشروط التي اشترطها الإمام البخاري في
((الصحيح))، لإدخاله فيه المرسل والمنقطع ونحوهما على سبيل الاحتجاج، بخلاف ما
يقع في البخاري من ذلك ، وقول الشافعي رحمه الله: (( ما على ظهر الأرض كتاب
في العلم بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك))، كان قبل وجود (( صحيح البخاري ))
- أفاده الحافظ السخاوي في (( فتح المغيث)). وانظر كلام الشافعي في ((حلية
الأولياء)) لأبي نعيم (٣٢٩/٦)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح)) (ص/ ١٤)،
و((فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (٧٤/١٨)، و((النكت)) لابن حجر (٦٩/١ -
٧٢)، و((الباعث الحثيث)) (ص/ ٣٠).
(٢) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة أبو الحارث القرشي المدني، روي له في ((الصحيحين))
وله ترجمة واسعة في (( تاريخ بغداد)) للخطيب ، وتوفي سنة (١٥٩ هـ) .
١١
مقدمة المحقق
الطلاق جسيم ، وساق فيه أحاديث ، ثم تلا المذكورين كثير من أهل عصرهم
إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النبي وَّ خاصة ، وذلك على رأس
المائتين ، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً ، وصنف حسن
البصري مسنداً ، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً ، وصنف نعيم بن حماد
الخزاعي المصري مسنداً ، ثم اقتفى الأئمة آثارهم ، فقلّ إمام من الحفاظ إلا
وصنف حديثه على المسانيد ، كأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان
ابن أبي شيبة ، وغيرهم . اهـ .
قلت : وهؤلاء المذكورون في أول من جمع كلهم في أثناء الثانية .
وفي ذلك يقول مصنف (( التوشيح)) الإمام السيوطي في ((ألفيته)):
ابن شهاب آمراً له عمر
٤١ - أول جامع الحديث والأثر
جماعة في العصر ذو اقتراب
٤٢ - وأول الجامع للأبواب
ومعمر ، وولد المبارك
٤٣ - كابن جريج، وهشيم، ومالك
على الصحيح فقط البخاري
٤٤ - وأول الجامع باقتصار
على الصواب في الصحيح أفضل
٤٥ - ومسلم من بعده والأول
وفي الترجيح بين الإمامين قال الحافظ العراقي أيضاً في ((ألفيته)):
محمد ، وخص بالترجيح
٢٢- أول من صنف في الصحيح
أبي علي فضلوا ذا لو نفع
٢٣ - ومسلمٌ بعد، وبعض الغرب مع
وفي ذلك يقول الإمام السخاوي في (( شرحه)) :
تقدم البخاري في الفن ، ومزيد استقصائه ، وخص بالترجيح : فيما أسنده
دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحابة والتابعين على سائر الصحاح ، هذا ما
ذهب إليه الجمهور من أهل الإتقان والحذق والخوض على الأسرار ، ثم عدد
الأمور التي تفضل بها كتاب ((صحيح البخاري )) على مسلم .
ولو شئنا أن نذكر مدائح الأئمة لكتاب ((صحيح البخاري )» لطال المقام ،
١٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
ويكفي أن تعلم منها ما قاله الإمام النسائي: (( ما في هذه الكتب كلها أجود من
كتاب محمد بن إسماعيل )) .
وبسط هذا له موضع آخر (١)
وقد قال أحد الشعراء :
لما خط إلا بماء الذهب
صحيح البخاري لو أنصفوه
هو الفرق بين الهدى والعمى
أسانيد مثل نجوم السماء
بها قام ميزان دين الرسول
حجاب من النار لا شك فيه
وستر رقيق إلى المصطفى
فيا عالماً أجمع العالمون
سبقت الأئمة فيما جمعت
نفيت الضعيف من الناقلين
وأبرزت في حسن ترتيبه
فأعطاك مولاك ما تشتهيه
هو السد بين الفتى والعطب
أمام متون لها كالشهب
وذاق به العجم بعد العرب
يميز بين الرضا والغضب
ونص مبين لكشف الريب
على فضل رتبته في الرتب
وفزت على رغمها بالقصب
ومن كان متهماً بالكذب
وتبويبه عجباً للعجب
وأجزل حظك فيما وهب
• ترجمة الإمام البخاري :
قال الإمام النووي : هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة
- بضم الميم على المشهور ويجوز كسرها في لغة - ابن بردزبه بموحدة مفتوحة ،
ثم راء ساكنة ، ثم دال مهملة مكسورة ، ثم زاي ساكنة ، ثم باء موحدة ، ثم
هاء ، هكذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا ، وقال : هو بالبخارية ، ومعناه
بالعربية: ((الزارع)) .
روينا عن الخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي قال : ابن
(١) انظر: ((فتح المغيث)) للسخاوي (فقرة/ ٢٣ - بترقيمنا وتحقيقنا)، وكتابنا ((جامع
الشراح لمقدمة ابن الصلاح)) (١/ ٧٢ - وما بعدها)، و((هدي الساري)) (ص/ ١٢)،
و ((التدريب)) (٩٨/١ - وما بعدها بتحقيقي).
١٣
مقدمة المحقق
بردزبه مجوسي ، مات عليها ، قال : وابنه المغيرة أسلم على يد يمان البخاري
الجعفي والي بخارى ، و((يمان)) هذا هو أبو جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن
يمان المسندي شيخ البخاري ، ويقال للبخاري : جعفي ، لأنه مولى يمان الجعفي
ولاء إسلام .
واتفق العلماء على أن البخاري رحمه الله تعالى ولد بعد صلاة الجمعة بثلاث
عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفي ليلة السبت عند
صلاة العشاء ليلة الفطر ، ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين
ومائتين، ودفن بخرتنك قرية على فرسخين بسمرقند .
وروينا من أوجه عن الحسن بن الحسين البزاز بزايين قال : رأيت محمد بن
إسماعيل البخاري نحيف الجسم لا بالطويل ولا بالقصير .
وهذه أحرف من طرف أخباره ، وهي عندي بالأسانيد المتصلة المشهورات :
قال البخاري رحمه الله تعالى: (( المادح والذام عندي سواء)).
وقال: (( أرجو أن ألقى الله تعالى، ولا يطالبني أني اغتبت أحداً)).
وقال: ((ما اشتريت منذ ولدت من أحد بدرهم ولا بعت أحداً شيئاً))،
فسئل عن الكواغد والحبر فقال: (( كنت آمر إنساناً يشتري لي)).
وروينا عن الفربري رحمه الله تعالى قال: رأيت النبي ◌َّجله في النوم فقال:
أين تريد ؟ قلت : محمد بن إسماعيل البخاري ، فقال : إقرئه مني السلام .
وروينا عن الفربري قال : رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
رحمه الله في النوم خلف النبي {َجلّر، والنبي وَجَل يمشي كلما رفع قدمه وضع
البخاري قدمه في ذلك الموضع .
وعن محمد بن حمدويه قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول :
((أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح)).
وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال : ما أخرجت خراسان
مثل أبي زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن
السمر قندي الدارمي ، والحسن بن شجاع البلخي .
وعن الحافظ أبي على صالح بن محمد جزرة قال : ما رأيت خراسانيا أفهم
منه .
١٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وقال: أعلمهم بالحديث البخاري، وأحفظهم أبو زرعة، وهو أكثرهم حديثاً .
وعن محمد بن بشار قال : حفاظ الدنيا أربعة : أبو زرعة بالري ، ومسلم بن
الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ، ومحمد بن
إسماعيل البخاري ببخارى .
وعنه قال : ما قدم علينا مثل البخاري .
وعنه : أنه قال حين دخل البخاري البصرة : دخل اليوم سيد الفقهاء .
وعنه أنه حين قدم البخاري البصرة قام إليه ، فأخذ بيده وعانقه ، فقال :
مرحباً بمن افتخر به منذ سنين .
وروينا عن إسحاق بن أحمد بن خلف قال : سمعت البخاري غير مرة يقول:
ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ بن المديني ، فذكر ذلك لعلي بن المديني
فقال : ذروا قوله ، هو ما رأى مثل نفسه .
وقال النووي : وروينا عن أبي حامد الأعمش قال : رأيت البخاري في
جنازة، والذهلي يسأله عن الأسماء والكنى وعلل الحديث ، ويمر فيها البخاري
مثل السهم كأنه يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ (١).
· جملة أحاديث صحيح البخاري :
جملة ما في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومائتان
وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المكررة ، وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف ،
وقد رأيت أن أذكرها مفصلة لتكون كالفهرست لأبواب الكتاب ، ويسهل معرفة
مظان أحاديثه على القارئ .
قال النووي : روينا بإسنادنا الصحيح عن الحموي - رحمه الله تعالى - قال:
عدد أحاديث (( صحيح البخاري)) - رحمه الله تعالى :
بدء الوحي ٥ ، الإيمان ٥٠، العلم ٧٥، الوضوء ١٠٩، غسل الجنابة ٤٣،
الحيض ٣٧ ، التيمم ١٥، فرض الصلاة ٢، الصلاة في الثياب ٣٩، القبلة ١٣ ،
(١) وفي ترجمته رحمه الله انظر: ((مقدمة شرح البخاري)) للنووي، و((سير الأعلام)):
(٣٩١/١٢)، و((تاريخ بغداد)): (٤/٢)، و((الجرح والتعديل)): (١٩١/٧)،
و(تهذيب الكمال)): (٢٤/ ٤٣٠).
١٥
مقدمة المحقق
المساجد ٧٦ ، سترة المصلى ٣٠، مواقيت الصلاة ٧٥، الأذان ٢٨، فضل
صلاة الجماعة وإقامتها ٤٠، الإمامة ٤٠، إقامة الصفوف ١٨ ، افتتاح الصلاة
٢٨، القراءة ٣٠، الركوع والسجود والتشهد ٥٢، انقضاء الصلاة ١٧ ،
اجتناب أكل الثوم ٥ ، صلاة النساء والصبيان ١٥ ، الجمعة ٦٥ ، صلاة الخوف
٦، صلاة العيدين ٤٠، الوتر ١٥، الاستسقاء ٣٥، الكسوف ٢٥، سجود
القرآن ١٤ ، القصر ٣٦، الاستخارة ٨ ، التحريض على قيام الليل ٤١،
النوافل ١٨ ، الصلاة بمسجد مكة ٩ ، العمل في الصلاة ٢٦ ، السهو ١٤ ،
الجنائز ١٥٤، الزكاة ١١٣، صدقة الفطر ١٠، الحج ٢٤٠، العمرة ٣٢،
الإحصار ٤٠، جزاء الصيد ٤٠، الإحرام وتوابعه ٣٢، فضل المدينة ٢٤،
الصوم ٣٦، ليلة القدر ١٠، قيام رمضان ٦، الاعتكاف ٢٠، البيوع ١٩١،
السلم ١٩، الشفعة ٣، الإجارة ٢٤، الحوالة ٣٠، الكفالة ٨، الوكالة ١٧
المزارعة والشرب ٢٩، الاستقراض وأداء الديون ٢٥، الإشخاص ١٣،
الملازمة ٢ ، اللقطة ١٥، المظالم والغصب ٤١، الشركة ٧٣، الرهن ٩،
العتق ٣٤، المكاتبة ٦، الهبة ٦٩، الشهادات ٥٨، الصلح ٢٢ ، الشروط
٢٤، الوصايا والوقف ٤١، الجهاد والسير ٢٥٥، بقية الجهاد ٤٢، فرض
الخمس ٥٨، الجزية والموادعة ٦٣، بدء الخلق ٢٠٢، الأنبياء والمغازي ٤٢٨،
جزء آخر بعد المغازي ١٣٨، التفسير ٥٤٠، فضائل القرآن ٨١، النكاح
والطلاق ٢٤٤، النفقات ٢٢، الأطعمة ٧٠، العقيقة ١١، الصيد والذبائح
وغيره ٩٠، الذبائح والأضاحي ٣٠، الأشربة ٦٥، الطب ٧٩ ، اللباس
١٢٠، المرضى ٤١، اللباس ١٠٠، الأدب ٢٥٦، الاستئذان ٧٧ ، الدعوات
٧٦، ومن الدعوات ٣٠، الرقاق ١٠٠، الحوض ١٦، الجنة والنار ٥٧ ،
القدر ٢٨، الأيمان والنذور ٣١، كفارة اليمين ١٥، الفرائض ٤٥، الحدود
٣٠، المحاربون ٥٢، الديات ٥٤، استتابة المرتدين ٢٠، الإكراه ١٣، ترك
الحيل ٢٣، التعبير ٦٠، الفتن ٨٠، الأحكام ٨٢، التمني ٢٢، إجازة خبر
الواحد ١٩ ، الاعتصام ٩٦ ، التوحيد وعظمة الرب سبحانه وتعالى ، وغير
ذلك إلى آخر الكتاب ١٧٠ ، قال النووي : هذا عد الحموي ، وقد رويناه عن
الحافظ أبي الفضل محمد بن الطاهر المقدسي بإسناده عن الحموي أيضاً هكذا ،
وهذا فصل نفيس يغتبط به أهل العناية ، والله أعلم .
١٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
· طريقة البخاري في كتابه :
ويقول الإمام القسطلاني: (( ... وأما بيان موضوعه ، وتفرده بمجموعه ،
وتراجمه البديعة المثال ، المنيعة المنال .. فاعلم أن البخاري - رحمه الله - قد
التزم مع صحة الأحاديث : استنباط الفوائد الفقهية ، والنكت الحكمية ،
فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرقها في أبوابه بحسب المناسبة ،
واعتنى فيها بآيات الأحكام ، وانتزع منها الدلالات البديعة ، وسلك في
الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة .
ومن ثم أخلى كثيراً من الأبواب عن ذكر إسناد الحديث ، واقتصر فيها على
قوله : فلان عن رسوله وَله ونحو ذلك.
وقد يذكر المتن بغير إسناد ، وقد يورده معلقاً لقصد الاحتجاج لما ترجم له ،
ويشير إلى الحديث لكونه معلوماً أو سبق قريباً . اهـ .
وقال الحافظ : البخاري إذا تعارضت عنده الأحاديث - يعني في الأحكام -
لا يثبت الحكم . اهـ (١).
· التراجم للأبواب :
فالظاهرة أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمونها ، وإنما فائدتها
الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة ، كأنه يقول :
هذا الباب الذي فيه كيت وكيت ، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو ببعضه
أو بمعناه ، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمالاً لأكثر من معنى
واحد ، فيعين أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحديث ، وقد يوجد فيه عکس
ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة ، والترجمة هنا بيان
لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلاً :
المراد بهذا الحديث العام الخصوص ، أو بهذا الحديث الخاص العموم ، إشعار
بالقياس لوجود العلة الجامعة ، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل
عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكر في
العام والخاص ، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض وتأويل الظاهر وتفصيل
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٨٤/١٠).
١٧
مقدمة المحقق
المجمل ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم البخاري ، ولذا اشتهر
جمع من الفضلاء من قول البخاري في تراجمه ، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم
يجد حديثاً على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به ،
ويستنبط الفقه منه ، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ (١) الأذهان في إظهار مضمره
واستخراج خبيئه ، وكثيراً ما يفعل ذلك - أي هذا الأخير - حيث يذكر الحديث
المفسر لذلك في موضع آخر متقدماً أو متأخراً ، فكأنه يحيل عليه ، ويومئ بالرمز
والإشارة إليه ، وكثيراً ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله : باب هل يكون كذا ؟ أو
من قال : كذا ، ونحو ذلك ، وذلك حيث لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين ،
وغرضه بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت ؟ فيترجم على الحكم ، ومراده ما
يفسر بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما ، وربما كان أحد المحتملين أظهر ،
وغرضه أن يبقى للناظر مجالاً وينبه على أن هناك مجالاً أو تعارضاً يوجب التوقف
حيث يعتقد أن فيه إجمالاً ، أو يكون المدرك مختلفاً في الاستدلال به ، وكثيراً ما
يترجم بأمر ظاهر قليل الجدوى ، لكنه إذا حققه المتأمل أجدى كقوله : باب قول
الرجل : ما صلينا ، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك ، وكثيراً ما يترجم
بأمر يختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي كقوله : باب استياك الإمام
بحضرة رعيته - فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة ، فلعل أن يظن
أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أنه وَجّة استاك بحضرة
الناس دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر نبه على ذلك ابن دقيق
العيد ، وقال الحافظ ابن حجر : ولم أر هذا في البخاري ، فكأنه ذكره على
سبيل المثال ، وكثيراً ما يترجم بلفظ يومئ (٢) إلى معنى حديث لم يصح على
شرطه ، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحاً في الترجمة ،
ويورد في الباب ما يؤدي معناه بأمر ظاهر ، وتارة بأمر خفي ، من ذلك قوله :
باب الأمراء من قريش ، وربما اكتفى أحياناً بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث
لم يصح على شرطه ، وأورد معها أثراً أو آية ، فكأنه يقول : لم يصح في الباب
شيء على شرطي .
وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة أعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا
.
(١) شحذ السكين : حده .
(٢) يومئ : يشير .
١٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
تبييض ، وبالجملة : فتراجمه حيرت الأفكار ، وأدهشت العقول والأبصار ،
ولقد أجاد القائل :
أعيا فحول العلم حل رموز ما
أبداه في الأبواب من أسرار
صَلى الله
وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه المنقبة لما روي : أنه بيضها بين قبر النبي
وَسَعم
ومنبره ، وأنه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين .
● تقطيع البخاري للحديث :
وأما تقطيعه للحديث واختصاره وإعادته له في الأبواب وتكراره ، فقال الحافظ
أبو الفضل بن طاهر في جواب المتعنت : اعلم أن البخاري - رحمه الله تعالى -
كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ،
ويستخرج منه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه ، وقلما يورد حديثاً في
موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ، وإنما يورد عن طريق أخرى لمعان يذكرها .
فمنها : أنه يخرج الحديث عن صحابي ، ثم يورده عن صحابي آخر ،
والمقصود منه أن يخرج الحديث من حد الغرابة ، وكذا يفعل في أهل الطبقة الثانية
والثالثة ، وهلم جرا إلى مشايخه ، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه
تكرار ، وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة .
ومنها : أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على
معان متغايرة فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأول .
ومنها : أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ، وبعضهم مختصرة ، فيرويها كما
جاءت ليزيل الشبهة عن ناقلها ، ومنها أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم ، فحدث
راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى آخر ، فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه
ويفرد لكل لفظة باباً مفرداً .
ومنها : أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ، ورجح عنده الوصل
فاعتمده ، وأورد الإرسال منبهاً على أنه لا تأثير له عنده في الموصول .
ومنها : أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك .
ومنها : أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلاً في الإسناد ونقصه بعضهم فيوردها
١٩
مقدمة المحقق
على الوجهين ، حیث یصح عنده أن الراوي سمعه من شیخ حدثه به عن آخر ،
ثم لقي آخر فحدثه به فكان يرويه على الوجهين .
ومنها : أنه ربما أورد حديثاً عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحاً فيها
بالسماع على ما عرف من طريقه في اشتراط ثبوت اللقاء مع المعنعن .
· تقطيعه للحديث في الأبواب :
(( وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة ، واقتصاره على بعضه أخرى ، فلأنه
إن كان المتن قصيراً ومرتبطاً بعضه ببعض ، وقد اشتمل على حكمين فصاعدا فإنه
يعيده بحسب ذلك مراعياً عدم إخلائه من فائدة حديثية ، وهي إيراده له عن شيخ
سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك ، فيستفاد بذلك كثرة الطرق لذلك
الحديث ، وربما ضاق عليه مخرج الحديث ، حيث لا يكون له إلا طريق واحد ،
فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولاً وفي آخر معلقاً ، وتارة تاماً وأخرى
مقتصراً على طريقه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب - فإن كان المتن مشتملاً على
جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى ، فإنه يخرج في كل جملة منها في باب
مستقل فراراً من التطويل ، وربما بسط فساقه بتمامه ، وقد ذكر أنه وقع في بعض
نسخ البخاري في أثناء الحج بعد باب قصر الخطبة بعرفة : باب التعجيل إلى
الموقف ، قال أبو عبد الله : يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ،
ولكني لا أريد أن أدخل فيه معاداً وهو كما قال في مقدمة ((الفتح)): يقتضي أنه
لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثاً معاداً بجميع إسناده ومتنه ، وإن كان قد وقع له
من ذلك شيء ، فعن غير قصد وهو قليل جداً)). اهـ .
• اقتصار البخاري على بعض المتن:
وأما اقتصار البخاري على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضع آخر ،
فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابي ،
وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ويحذف
الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه ، كما وقع له في حديث هذيل بن شرحبيل
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن أهل الإسلام لا يسيبون (١) ، وإن أهل
(١) السائبة: العبد، وكان الرجل إذا قال لعبده : أنت سائبة: عتق .
٢٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
الجاهلية كان يسيبون ، هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله: (( جاء
رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إني أعتقت عبداً لي سائبة ، فمات وترك
مالاً ولم يدع وارثاً ، فقال عبد الله : إن أهل الإسلام لا يسيبون ، وإن أهل
الجاهلية كانوا يسيبون ، فأنت ولي نعمته فلك ميراثه ، فإن تأثمت وتحرجت في
شيء فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال )).
فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الموقوف وهو قوله : ((إن
أهل الإسلام لا يسيبون)) ، لأنه يستدعي بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك
الحكم ، واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه ، وهذا من أخفى المواضع
التي وقعت له من هذا الجنس ، فقد اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى ولو لم
يظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ، ولا من جهة المتن ، لكان ذلك لإعادته
لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه الترجمة الثانية موجباً لئلا يعد تكراراً بلا
فائدة ، كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية ، وهي إخراجه للإسناد
عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك .
• الموقوفات :
وأما الموقوفات : فإنه يجزم فيها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه ، ولا
يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع ، إلا حيث يكون منجبراً ، إما بمجيئه
من وجه آخر ، وإما بشهرته عمن قاله ، وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من
فتاوى الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وكتفاسيرهم لكثير من الآيات على
طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين
الأئمة ، فحينئذ ينبغي أن يقال : جميع ما يورده فيه إما أن يكون مما ترجم به ،
أو مما ترجم له ، فالمقصود في هذا التأليف بالذات هو الأحاديث الصحيحة ،
وهي التي ترجم لها ، والمذكور بالعرض والتبع الآثار الموقوفة والآثار المعلقة ،
نعم ، والآيات المكرمة ، فجميع ذلك مترجم به إلا أنه إذا اعتبر بعضها مع بعض
واعتبرت أيضاً بالنسبة إلى الحديث يكون بعضها مع بعض ، منها مفسر ومفسر ،
ويكون بعضها كالمترجم له باعتبار ، ولكن المقصود بالذات هو الأصل ، فقد
ظهر أن موضوعه إنما هو للمسندات ، والمعلق ليس بمسند ، ولذا لم يتعرض