Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ، فقُولوا: عَبدُ اللهِ ورسُولُه)). ٣٣١ - حدّثنا عَلَيُّ بنُ حُجْرٍ، أَنْبأَنَا سُويد بن عَبد العَزيزِ، عَن حُميدٍ، عَن أَنْسِ بنِ مَالكِ رَضي الله عنه، أَنَّ امرأةً جَاءتْ إلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالتْ لَهُ: إنَّ لي إليكَ حَاجَةً؟ فقال: ((إِجْلِسيٍ في أَيِّ طَريقِ المدينَةِ شئْتِ = فحرفوا قوله تعالى في التوراة: عيسى نِّي وأنا ولدته - بتشديد اللام - من مريم، فجعلوا الأول بني بتقديم الباء، وخففوا اللام في الثاني - لعنهم الله - وإلى ذلك أشار في البردة بقوله: دَعْ ما اذَّعته النصارى في نبيهمٍ واحكمْ بما شئت مدحاً فيه واحتكم قوله: (إنما أنا عبد) في نسخة زيادة (لله)) وفي أخرى ((عبد الله)) أي: لست إلا عبداً، لا إلَهاً، فلا تعتقدوا فيَّ شيئاً ينافي العبودية . وقوله: (فقولوا: عبد الله ورسوله) أي لأني موصوف بالعبودية والرسالة، فلا تقولوا فيَّ شيئاً ينافيهما من نعوت الربوبية والألوهية. ٣٣١ - قوله: (ابن حُجْر) بضم الحاء وسكون الجيم. قوله: (سُويد) بالتصغير وكذا (حُميد). قوله: (أنَّ امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، وفي بعض حواشي ((الشفا)) أنّ اسمها: أم زفر، ماشطة خديجة رضي الله عنها ونوزع فيه، وكان في عقلها شيء، كما في مسلم. قوله: (إنَّ لي إليك حاجة) أي: أريد إخفاءها عن غيرك، كما قاله القاري . قوله: (فقال: اجلسي في أيّ طَريق المدينة شئتٍ) أي: في أي طريق = ٥٤٢ اجلسْ إلیكِ». ٣٣٢ - حدّثنا عليُّ بنُ حُجْرٍ، أَنَبأَنَا عَليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن مُسلمٍ الأَعورِ، عَن أَنَسِ بنِ مالكِ رَضيَ الله عنه قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَله = من طرق المدينة، أي في سِكة من سِككها، وقيل: المعنى: في أي جزء من أجزاء طريق المدينة، وليس المراد في أي طريق يوصل إلى المدينة، وإن كان طريق الشيء ما يوصل إليه. قوله: (أجلسْ إليك) أي: معك حتى أقضيَ حاجتك، فجلستْ، وجلس ◌َ * معها، حتى قضى حاجتها، لسعة حلمه وبراءته من الكبر. وفيه: إرشاد إلى أنه لا يخلو الأجنبي بالأجنبية، بل إذا عرضت لها حاجة يجلس معها بموضع لا تُهمة فيه، ككونه بطريق المارة، وأنه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل أغراض ذوي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك. ويؤخذ من ذلك: حلُّ الجلوس في الطريق لحاجة، ومحلُّ النهي عنه إذا لزم عليه الإيذاء للمارة، وقد أخرج أبو نعيم في ((الدلائل)) عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَلهو أشد الناس لطفاً، والله ما كان يَمتنع في غَداةٍ باردة من عبد ولا أمة أن يأتيه بالماء، فيغسل ◌َّر وجهه وذراعيه، وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه، فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف، وما تناول أحد يده قط إلا ناوله إياها، فلا ينزعها حتى يكون هو الذي ینزعها منه. ٣٣٢ - قوله: (ابن مُسْهِر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء . وقوله: (مسلم الأعور) أي: ابن كيسان الكوفي المدائني، أبو = ٥٤٣ يَعودُ المرضَى، ويَشهَدُ الجنَائِزَ، ويَركبُ الحِمارَ، ويُجيبُ دعوةَ العَبدِ ، = عبد الله، المشهور بهذا اللقب. قوله: (يعود المرضى) أي: ولو كُفَّاراً يرجى إسلامهم، فقد عاد وَّل غلاماً يهودياً كان يخدمه، فقعد عند رأسه وقال له: ((أسلم)) فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي وَّل وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار))، وعاد عمَّه وهو مشرك وعرض الإسلام عليه فلم يُسلم، وكان يدنو مِن المريض ويجلس عند رأسه، ويسأله كيف حالك . قوله: (ويشهد الجنائز) أي: يحضُرها لتشييعها، والصلاة عليها، سواء كانت لشريف أو وضيع، فيتأكد لأمته فعل ذلك اقتداء به صلى الله عليه وسلم. قوله: (ويركب الحمار) وتأسَّى به أكابر السلف في ذلك، فقد كان لسالم بن عبد الله بن عمر حمار هرٍم، فنهاه بنوه عن ركوبه فأبى، فجدعوا أذنه فركبه، فجدعوا الأخرى فركبه، فقطعوا أذنيه، فصار يركبه مجدوع الأذنين مقطوع الذنب، وقد كان أكابر العلماء قبل زماننا هذا يركبون الحمير، واطَّردت عادتهم الآن بركوب البغال. قوله: (ويجيب دعوة العبد) وفي رواية: المملوك، فَيجيبه لأمر يدعوه له من ضيافة وغيرها، روى البخاري: إنْ كانت الأَمَةُ لتأخذُ بيده، فتنطلق به حيث شاءت، وقال أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وروى النسائي: لا يأنَفُ أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. وروى ابن سعد: كان يَقْعد على الأرض، ويأكل على الأرض، ويُجيب دعوة المملوك. وهذا من مزيد تواضعه صلى الله عليه وسلم. ٥٤٤ وكَانَ يَومَ بني قُرِيظَةَ عَلى حِمارٍ مَخطُومٍ بِحبلٍ مِن ليفٍ، وعَلیهِ إکافٌ مِن لیفٍ. ٣٣٣ - حدّثنا واصِلُ بنُ عَبدِ الأَعلى الكُوفيُّ، حَدثنا مُحمدُ بنُ فضيلِ، عَن الأعمشِ، عَن أَنْسِ بنِ مالكِ رضيَ الله عنهُ قالَ: كانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعيرِ والإهَالةِ السَّنِخةِ فيجيبُ، قوله: (وكان يوم بني قريظة) أي: يوم الذهاب، إليهم لحربهم، وكان ذلك عقب الخندق. قوله: (على حمار مَخطوم بحبل من لِيف) أي: مجعول له خِطام من ليف، وهو بالكسر: الزمام. وقوله: (وعليه إكاف من ليف) أي: بَرْذَعة، وهو لذوات الحافر بمنزلة السرج للفرس، وفي هذا غاية التواضع. ويؤخذ من الحديث: أنّ ركوب الحمار ممن له منصب شريف لا يُخلُّ بمروءته . ٣٣٣ - قوله: (كان النبي) رفي نسخة: (رسول الله). قوله: (والإهالة السنخة) أي: الدهن المتغير الريح من طول المكث، ويقال: الزنخة بالزاي بدل السين . قال الزمخشري: سَنِخ: زنخ من باب فرح: إذا تغير وفسد، وأصله في الأسنان، يقال: سَنِخت الأسنان إذا فسدت أسناخها. ويؤخذ من ذلك: جواز أكل المنتن من لحمٍ وغيره حيثُ لا ضرر. وقوله: (فيجيب) أي: بلا مُهْلة، كما تفيده الفاء. ٥٤٥ ولقَدْ كَانَ لهُ دِرعٌ عندَ يَهوديّ فَما وَجَد ما يَفُكُّها حتَّى مَاتَ. ٣٣٤ - حدّثنا محمودُ بن غيلانَ، حدَّثَنَا أَبو داودَ الحَفَرِيُّ، عَن سفيانَ، عَن الربيعِ بن صَبِيحٍ، عَن يَزِيدَ بنِ أَبَانَ، عَن أَنْسِ بنِ قوله: (ولقد كان له درع) زاد البخاري: من حديد، وفي نسخة: كانت، وهي أولى، لأن درع الحديد مؤنثة، لكن أجاز بعضهم فيه التذكير، وهذه الدرع هي: ذات الفضول. وقوله: (عند يهودي) هو أبو الشحم، رهنها بَّر عنده على ثلاثين صاعاً من شعير، اقترضها منه، أو اشتراها منه: قولان في ذلك، وفي رواية: (أنها عشرون) فلعلها كانت دون ثلاثين وفوق العشرين، فمن قال ثلاثين جَبَر الكسر، ومن قال: عشرين ألغاه، وكان الشراء إلى أجل سنةٍ كما في البخاري، ووقع لابن حبان: أنَّ قيمة الطعام كانت ديناراً. وإنما عامل بَل اليهوديّ ورَهن عنده دون الصحابة: لبيان جواز معاملة اليهود، وجواز الرهن بالدَّيْنِ حتى في الحضر، وإن كان القرآن مُقيداً بالسفر لكونه الغالب، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لا يأخذون منه رهناً، ولا يتقاضون منه ثمناً، فعدل إلى اليهودي لذلك. وقوله: (فما وجد ما يفكُّها حتى مات) وافتكها بعده أبو بكر رضي الله عنه. لكن روى ابن سعد أن أبا بكر قضى عِدَاته، وأن علياً قضى ديونه، وفي ذلك بيان ما كان عليه وَ لقول من الزهد، والتقلل من الدنيا، والكرم الذي ألجأه إلی رهن درعه. وخبر: ((نَفْسُ المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى عنه)) مقيد بمن لم يُخلِّف وفاءً، مع أنه في غير الأنبياء. ٣٣٤ - قوله: (الحَفَري) بفتح الفاء نسبة لمحلّ بالكوفة يقال له: حَفَر. وقوله: (ابن صَبيح) كصَدِیق. ٥٤٦ مَالكِ رضيَ الله عنهُ قالَ: حَجَّ رَسولُ اللهِ نَّهَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وعَليهِ قَطيفةٌ لا تُساوي أربَعَةَ دراهِمَ فقالَ: ((اللَّهم اجعلهُ حَجاً لاَ رياءَ فيهِ ولا سُمعةً)). ٣٣٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن، أَنْبأَنَا عَقَّانُ، حدَّثَنَا قوله: (على رحْلِ رثّ) أي: حال كونه راكباً على قَتَب بالٍ، والرحل للجمل کالسرج إلى فرس. وقوله: (وعليه قطيفة) أي: والحال أنَّ على الرحل كساءً له خَمْل. وقوله: (لا تساوي أربعة دراهم) أي: لأنه في أعظم مواطن التواضع، لا سيما والحجُّ حالة تجرد وإقلاع، ألا ترى ما فيه من الإحرام الذي فيه إشارة إلى إحرام النفس من الملابس وغيرها، تشبيهاً بالفارّ إلى الله تعالى، ومِن الوقوف الذي یتذكَّر به الوقوف بين يدي الله تعالی. قوله: (اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة) أي: يا ألله اجعل حجي حجاً لا رياء فيه، وهو أن يَعمل ليراه الناس، ((ولا سمعة)) وهي: أن يعمل وحده، ثم يتحدَّث بذلك ليسمعه الناس. وفي الحديث: ((من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به)). وإنما دعا بَّر بجعل حجه لا رياء فيه ولا سُمعة، مَع كمال بعده عنها: تواضعاً وتعليماً لأمته، وإلا فهو معصوم من ذلك، مع أنهما لا يتطرّقان إلا لمن حج على المراكب النفيسة، والملابس الفاخرة، كما يفعله أهل زماننا لا سيما علماؤنا، وقد أهدى وَله في هذه الحجة مئة بَدَنة، وأهدى أصحابه ما لا يَسمح به أحد، فقد كان فيما أهداه بعير أُعطي فيه ثلاث مئة دينار فأبى قبولها. ٣٣٥ - قوله: (فلم يكن شَخصٌ أحبَّ إليهم من رسول الله وَ له) أي: لأنه أنقذهم من الضلالة، وهداهم إلى السعادة، حتى قال عمر: يا رسول الله أنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال وَّ: ((لا يكمل إيمانك حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك)) فسكت ساعة ثم قال: حتى من نفسي. = ٥٤٧ حَمادُ بنُ سلمةَ، عَنْ حُميدٍ، عَن أَنسِ بنِ مالكِ رَضيَ الله عَنْهُ: قالَ: لَم يَكُن شخصٌ أَحَبَّ إليهِم مِن رسولِ اللهِ مَّال. قَال: وَكانوا إذَا رَأَوهُ لَم يَقومُوا، لما يَعلمونَ مِن كَرَاهَتهِ لذلكَ. فقال: ((الآن تمَّ إيمانك يا عمر)). = وقتل أبو عُبيدة أباه لإيذائه وََّ، وهَمَّ أبو بكر رضي الله عنه بقتل ولده عبد الرحمن يوم بدر، إلى غير ذلك مما هو مبين في كتب القوم. قوله: (قال) أي: أنس رضي الله عنه. وقوله: (وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لِمَا يعلمون من كراهته لذلك) وفي نسخة: (من كراهيته لذلك) أي: القيام، وإنما كرهه تواضعاً، وشفقة عليهم، وخوفاً عليهم من الفتنة إذا أفرطوا في تعظيمه، وكان لا يكره قيام بعضهم لبعض، ولذلك قال: ((قوموا لسيدكم)) يعني: سعد بن معاذ سيد الأوس، فأمرهم بفعله لأنه حق لغيره فوفّاه حقه، وكره قيامهم له لأنه حقه فتركه تواضعاً، وهذا دليل محرِّر الشافعية من ندب القيام لأهل الفضل(١)، وقد قام ◌َّ لعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه لما قدم عليه، وكان يقوم لعدي بن حاتم رضي الله عنه كلما دخل عليه، كما جاء ذلك في خَبَرين، وهُما وإن كانا ضعيفين يُعمل بهما في الفضائل، فزعم سقوط الاستدلال بهما وَهَم. وقد ورد أنهم قاموا لرسول الله وَّر، فيتناقض ما هنا، إلا أن يقال في التوفيق: إنهم إذا رأوه من بُعد غير قاصد لهم لم يقوموا له، أو أنه إذا تكرر قيامه وعوده إليهم لم يقوموا، فلا ينافي أنه إذا قدم عليهم أولاً قاموا، وإذا انصرف عنهم قاموا. (١) هو الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه ((الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل»، وهو مطبوع مراراً. ٥٤٨ ٣٣٦ - حدّثنا سفيانُ بن وكيع، حدّثنا جُميعُ بن عمر بن عبد الرَّحمن العِجْليّ، أنبأنا رجلٌ من بني تميمٍ، من ولدِ أبي هالةَ زوج خديجة رضي الله عنها يُكْنَى أبا عبدِ الله، عن ابن أبي هالةَ، ٣٣٦ - قوله: (جُمَيْع) بالتصغير. وقوله: (ابن عُمَر) بضم العين وفتح الميم، مكبَّر، لكن اختار ابن حجر تصغيره . وقوله: (العِجْلي) بكسر العين وسكون الجيم، نسبة إلى عِجل: قبيلة كبيرة. وقوله: (من بني تميم) أي من جهة الآباء. وقوله: (من ولد أبي هالة) أي: من جهة الأمهات، لأنَّه من أسباط أبي هالة، والسِّبط ولد البنت. وقوله: (زوج خديجة رضي الله عنها) صفة لأبي هالة، أو عطف بيان عليه، أو بدل منه، وقد تزوج خديجة رضي الله عنها في الجاهلية، فولدت له ذَكَرَیْن: هنداً وهالة، ثم مات، فتزوجها عتيق بن خالد المخزومي، فولدت له: عبد الله وبنتاً، وقيل: الذي تزوجها أولاً عتيق، وتزوجها بعده أبو هالة، وتزوجها بعدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: (يُكْنى أبا عبد الله) بصيغة المجهول مُخففاً ومشدداً أي: يكنى ذلك الرجل التميمي: أبا عبد الله، واسمه: يزيد بن عمرو، وقيل اسمه: عُمَر، وقيل: عُمَيْر، وهو مجهول، فالحديث مَعْلول. وقوله: (عن ابن أبي هالة) وفي نسخة: عن ابن لأبي هالة، والمراد ابنه بواسطة، لأنه ابن ابنه، واسمه: هند، الذي أخذ عنه الحسن، فقد اشترك مع أبيه في الاسم، وعلى القول بأنّ أبا هالة اسمه هند أيضاً يكون اشترك مع أبيه وجده في الاسم، فإنه اختلف في اسم أبي هالة، فقيل : = ٥٤٩ عن الحسن بن عليٍّ قال: سألتُ خالي هندَ بنَ أبي هالةَ - وكان وصَّافاً - عن حِلْية رسول الله،وَّله، وأنا أشتَهي أنْ يصفَ لي منها شيئاً = هند، وقيل: النباش، وقيل: مالك، وقيل: زرارة. فظهر أنَّ هنداً الراوي عن الحسن حفيد أبي هالة، وأنَّ هنداً الذي أخذ عنه الحسن: ابنُ أبي هالة لصلبه . وقوله: (عن الحسن بن علي) أي: سبط النبي وَلُّ، وهو أكبر من الحسين بسنة، لأنه وُلِدَ في رمضان سنة ثلاث، ووُلد الحُسَين في شعبان سنة أربع، وعاش بعد الحَسَن عشر سنين. قوله: (قال: سألت خالي هند بن أبي هالة) أي: الذي هو أبو الابن المذكور في قوله: (عن ابن لأبي هالة)، وإنما كان خال الحسن: لأنه أخو أمه من أمها، فإنه ابن خديجة رضي الله عنها التي هي أم السيدة فاطمة رضي الله عنها. قوله: (وكان وصافاً) أي: وكان هندٌ كثير الوصف لرسول الله صلى الله علیه وسلم. وقوله: (عن حِلية) متعلق بـ: سألت، أي: سألته عن صفته وَليه، وإنما كان هندٌ وصّافاً لرسول الله وَ له لكونه قد أمعن النظر في ذاته الشريفة وهو صغير، مثل علي كرم الله وجهه، لأنَّ كلا منهما تَرَبى في حِجْر النبي وَّة، والصغير يتمكن من التأمل وإمعان النظر، بخلاف الكبير فإنه تمنعه المهابة والحياء من ذلك، ومِنْ ثَمَّ قال بعضهم: عمدة أحاديث الشمائل تدور على هند بن أبي هالة، وعلي بن أبي طالب. قوله: (وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً) أي: وأنا أشتاق إلى أَنْ يصف لي مِنْ حلية رسول الله وَ لير شيئاً عظيماً، فالتنوين للتعظيم، والجملة = ٥٥٠ فقال: كانَ رسولُ اللهِ وَّةِ فَخْماً مُفَخَّماً، يتلألأُ وجهُهُ تلألؤَ القمرِ ليلةَ البدرِ، فذكَرَ الحديثَ بطُولِهِ. قالَ الحَسَنُ: فكتمْتُها الحُسَيْنَ زماناً، ثُمَّ حدَّثتُهُ، فوجدتُهُ = معطوفة على جملة: كان وصافاً إلخ، والجملتان معترضتان بين السؤال والجواب، أو حاليتان. قوله: (فقال) أي: هندٌ خال الحسن. قوله: (فَخْماً) بفتح الفاء وسكون الخاء أو كسرها، واقتصر بعضهم على السكون لكونه الأشهر، أي: عظيماً في نفسه. وقوله: (مفخَّماً) أي: معظماً عند الخلق، لا يستطيع أحد أَنْ لا يعظمه، وإنْ حرص على ترك تعظيمه، وقيل: معنى كونه فخماً: كونه عظيماً عند الله، وكونه مفخماً: كونه مُعظماً عند الناس. قوله: (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر) أي: يُشرق وجهه إشراقاً مثل إشراق القمر ليلة كماله، وهي: ليلة أربعة عشر، سُمِّ بذلك لأنه يبدر الشمسَ بالطلوع أي: يسبق في طلوعه الشمس في غروبها. قوله: (فذكر) أي: الحسن. وقوله: (الحديث بطوله) وقد تقدم في باب الخَلْق من هذا الكتاب. قوله: (فكتمتها الحسين زماناً) أي: أخفيت هذه الصفات عن الحسين مدة طويلة، وإنما كتمها عنه ليختبر اجتهاده في تحصيل العلم بحلية جده، أو لينتظر سؤاله عنها، فإن التعليم بعد الطلب أثبت وأرسخ في الذهن. قوله: (ثم حدثته) أي: بما سمعته من خالي هند. وقوله: (فوجدته) أي: الحسين. ٥٥١ قد سبقَنِي إليه، فسألهُ عمَّا سألته عنه، وَوَجدتُهُ قد سأل أباهُ عن: مَذْخَلِهِ، ومخرَجِهِ، وشكلِهِ، فلم يَدَعْ منهُ شيئاً. قال الحُسينُ: فسألتُ أبي عن دخول رسول الله وَله فقال: وقوله: (قد سبقني إليه) أي: إلى السؤال عنها من خاله هند. وقوله: (فسأله عما سألته) أي: فسأل الحسين خاله عما سألته عنه من الأوصاف. قوله: (ووجدته قد سأل أباه عن: مَدخله ومخرجه). أي: ووجدت الحسين زادَ عَليَّ في تحصيل العلم بصفة جده، حيث سأل أباه، وفي نسخة أبي، أي: عليَّ بن أبي طالب، عن كيفية: مدخله ومخرجه، وكل منهما مصدر ميمي يَصلح للزمان والمكان والحَدَث، والمراد هنا الزمان، والمعنى: أنه سأل أباه عن حاله وصفته في زمن دخوله في البيت، وفي زمن خروجه منه . قوله: (وشكله) أي: هيئته وطريقته الشاملة لمجلسه، فدخل في السؤال عن الشكل السؤالُ عن مجلسه الآتي. قوله: (فلم يدع منه شيئاً) أي: فلم يترك عليٍّ مما سأله عنه الحسين شيئاً، أو لم يترك الحسين من السؤال عن أحواله شيئاً. قوله: (قال الحسين) أي: في تفصيل ما أجمله أوّلاً بقوله: عن مدخله ومخرجه وشكله، فقد روى الحسن عن أخيه الحسين ما رواه الحسين عن أبيه علي رضي الله عنه، فصار الحسن راوياً ما تقدم عن خاله هند بلا واسطة، وما سيأتي عن أبيه علي بواسطة أخيه الحسين. قوله: (عن دخول رسول الله وَ ل18) أي: عن سيرته وطريقته، وما يصنعه في زمن دخوله واستقراره في بيته. قوله: (فقال) أي: أبوه علي رضي الله عنه. ٥٥٢ كان إذا أوى إلى منزِلِهِ جزَّأ دخُولهُ ثلاثةَ أجزاءٍ: جزءاً لله، وجزءاً الأهلِهِ، وجزءاً لنفسِهِ، ثمَّ جزَّأْ جُزْأهُ بينهُ وبينَ النَّاس، فيردُ بالخاصَّة على العامَّة، ولا يدَّخِرُ عنهم شيئاً. وقوله: (كان) أي: النبيِ وَل ـ وقوله: (أوى إلى منزله) أي: وصل إليه واستقر فيه، وأوى: بالمد وبالقصر. وقوله: (جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء) أي: قسم زمن دخوله ثلاثة أقسام. قوله: (جُزءاً لله) أي: لعبادة الله، والتفكر في مصنوعاته. وقوله: (وجزءاً لأهله) أي: المؤانسة أهله، ومعاشرتهم، فإنه كان أحسن الناس عشرةً. وقوله: (وجزءاً لنفسه) أي: لنفع نفسه، فيفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الأخروي والدنيوي. قوله: (ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس) أي: ثم قسم جزأه الذي جعله لنفسه بينه وبين جميع الناس، سواء من كان موجوداً، ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة، بواسطة التبليغ عنه. قوله: (فيرد بالخاصة على العامة) وفي نسخة: (فيرد ذلك) أي: فيرد ذلك الجزء الذي جعله للناس بسبب خاصة الناس - وهم: أهله وأفاضل الصحابة الذين كانوا يدخلون عليه في بيته، كالخلفاء الأربع - على عامتهم، وهم الذين لم يعتادوا الدخول عليه في بيته، فخواص الصحابة يدخلون عليه في بيته، فيأخذون عنه الأحاديث ثم يبلغونها للذين لم يدخلوا بعد خروجهم من عنده، فكان يوصل العلوم لعامة الناس بواسطة خاصتهم. قوله: (ولا يدَّخر عنهم شيئاً) بتشديد الدال المهملة كما هو الرواية، وإن جاز بحسب اللغة أن يقرأ بالذال المعجمة، أي: لا يخفي عنهم شيئاً = ٥٥٣ وكان من سيرتِهِ في جُزْءِ الأُمَّة إيثارُ أهلِ الفضلِ بإذنِهِ، وقَسْمُهُ على قَدْرِ فَضْلِهِم في الدِّينِ، فَمنهُمْ ذُو الحَاجَةِ، ومِنْهُمْ ذُو الحَاجَتَين، ومنهُم ذُو الحوائِجِ، فيَتَشَاغَلُ بهمْ، وَيَشْغَلُهُم فيما يُصلحُهُمْ والأُمَّةَ = من تعلقات النصح والهداية . قوله: (وكان من سيرته في جزء الأمة: إيثارُ أهل الفضل بإذنه) أي: وكان من عادته وطريقته فيما يصنع في الجزء الذي جعله لأمته: تقديم أهل الفضل حَسَباً، أو نَسَباً، أو سبقاً، أو صلاحاً، بإذنه وَّ لهم في ذلك، فيأذن لهم في التقدم والإفادة، وإبلاغ أحوال العامة. وقوله: (وقسمُه على قدر فضلهم في الدين) معطوف على إيثار، الخ. أي: وكان من سيرته في ذلك الجزء أيضاً قَسْم ذلك الجزء على قدر مراتبهم في الدين، من جهة الصلاح والتقوى، لا من جهة الأحساب والأنساب. قال تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ أو المراد: على قدر حاجاتهم في الدين، ويلائمه قوله: (فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج) فإنَّ هذا بيان للتفاوت في مراتب الاستحقاق، والفاء للتفصيل، والمراد بالحوائج: المسائل المتعلقة بالدين. وقوله: (فيتشاغل بهم) أي: فيشتغل بذوي الحاجات. وقوله: (ويشغلهم) بفتح أوله، مضارع شَغَله كمنعه، وأما يُشْغِلُ بضم أوله من أشغل رباعياً فقيل: لغة جيدة، وقيل: قليلة، وقيل: رديئة، كما في ((القاموس)). وقوله: (فيما يصلحهم والأمة) وفي نسخة (بما) فالباء بمعنى ((في)) أي: في الذي يصلحهم ويصلح الأمة، وهو من عطف العام على الخاص سواء كان المراد أمة الدعوة أو أمة الإجابة، فلا يدعهم يشتغلون بما لا يعنيهم. ٥٥٤ من مسألَتِهِم عنهُ، وإِخْبَارِهِم بالَّذِي ينبغي لهُم، ويقُولُ: ((لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ منكُمُ الغائِبَ، وأبلغُوني حاجَةَ من لا يستطِيعُ إبلاغُها، فإنَّهُ مَنْ أبلَغَ سُلطاناً حاجَةَ من لا يستطِيعُ إبلاغَهَا ثَبَّتَ الله قدَمَيْهِ يوم القیامَةِ)). وقوله: (من مسألتهم عنه) بيان لـ: ما، أي: من سؤالهم النبي وَّل عما يُصلحهم ويصلح الأمة، وفي نسخة (عنهم) أي: عن أحوالهم. وقوله: (وإخبارهم بالذي ينبغي لهم) أي: وإخبار النبي ◌َّ إياهم بالأحكام التي تليق بهم، وبأحوالهم، وزمانهم، ومكانهم، والمعارف التي تَسَعها عقولهم، ومِنْ ثَم اختلفت وصاياه لأصحابه باختلاف أحوالهم، فقال لرجل جواباً لقوله: أوصني: ((استحي من الله كما تستحي من رجل صالح من قومك)) وقال لآخر جواباً لقوله: أوصني: ((لا تغضب)). قوله: (ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب) أي: ويقول لهم بعد أن يفيدهم ما يصلحهم ويصلح الأمة: ليبلغ الحاضر منكم الآن الغائب عن المجلس من بقية الأمة، حتى من سيوجد. وقوله: (وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها) أي: ويقول لهم أوصلوا إليّ حاجة من لا يستطيع إيصالها من الضعفاء: كالنساء، والعبيد، والمرضى، والغائبين، ويؤخذ من ذلك أنه يسن المعاونة والحث على قضاء حوائج المحتاجين، ثم رَغَّبَ في ذلك، وحث عليه بقوله: (فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة) إلخ، أي: فإن الحال والشأن مَنْ أوصل قادراً على تنفيذ ما يبلَّغه وإن لم يكن سلطاناً حقيقةً حاجةَ من لا يقدر على إيصالها: (ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة) يوم تَزِلُّ الأقدام، دينية كانت الحاجة أو دنيوية، فإنه لمّا حركهما في إبلاغ حاجة المسكين جُوزي بثباتهما على الصراط . ٥٥٥ لا يُذْكَرُ عنْدَهُ إلَّ ذلكَ، ولا يَقْبلُ من أحدٍ غيرَهُ. يَدخُلُونَ رُوَّاداً، ولا يفْتَرِقُونَ إلَّا عنْ ذَواقٍ، ويخرُجُونَ أِلَّةً. يعني علَى الْخَيْرِ. وقوله: (لا يذكر عنده إلا ذلك) أي: لا يُحكى عنده إلا ما ذُكر مما ينفعهم في دينهم أو دنياهم، دون ما لا ينفعهم في ذلك، كالأمور المباحة التي لا فائدة فيها. وقوله: (ولا يقبل من أحد غيره) أي: ولا يقبل من أحد غير المحتاج إليه، فهو توكيد للكلام الذي قبله. قوله: (يدخلون رُوَّاداً) بضم الراء وتشديد الواو جمع رائد، وهو في الأصل من يتقدم القوم لينظر لهم الكلأ ومساقط الغيث، والمراد هنا: أكابر الصحب، الذين يتقدمون في الدخول عليه في بيته، ليستفيدوا منه ما يصلح أَمْر الأمة. وقوله: (ولا يفترقون إلّ عن ذواق) بفتح أوله بمعنى: مَذُوق من الطعام، كما هو الأصل في الذواق، لكن العلماء حملوه على العلم والأدب، فالمعنى: لا يتفرقون من عنده إلا بعد استفادة علم وخير. وقوله: (ويخرجون أَدِلَّة) أي: ويخرجون من عنده حال كونهم هداةً للناس، والرواية المشهورة المصحَّحة بالدال المهملة، وبعضهم رواه: بالذال المعجمة، والمعنى عليه: يخرجون من عنده حال كونهم متذللين متواضعين. قال تعالى: ﴿أذلةٍ على المؤمنين﴾ وهو حسن إن ساعدته الرواية، لكنه لا يناسب. قوله: يعني (على الخير) فإن الظاهر أنه متعلق بـ: أدلة، وأما تعلقه بمحذوف حال أي: حال كونهم كائنين على الخير: فبعيد. والمراد بالخير : = ٥٥٦ قال: فسأَلَتُهُ عنْ مَخْرَجِهِ كيفَ كانَ يَصْنِعُ فيه؟. قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَخْزُنُ لسانَهُ إلَّ فيما يَعنِهِ، ويُؤَلِّفُهُم ولا يُنفِّرُهُم، ويُكرِمُ کریمَ كلِّ قومٍ ويُولِیه عليهم، = العلم، فكان لا يزيدهم العلمُ إلا تواضعاً لا ترفعاً، وقد روى الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن علي كرم الله وجهه: من ازداد علماً ولم يزدد في الدنيا زهداً: لم يزدد من الله إلا بعداً. وقد قال القائل : وسِيرتَه عدلاً وأخلاقه حُسناً إذا لم يَزِدْ علمُ الفتی قلبَه هدی تغشِّيه حرماناً وتُورِثُه حزناً فبشره أَنَّ الله أَوْلاه نِقمة قوله: (قال: فسألته عن مخرجه) أي: قال الحسين: فسألت أبي عن سيرته وطريقته، وما كان يصنع في زمن خروجه من البيت، واستقراره خارجه، كما أشار لذلك بقوله: (كيف كان يصنع فيه). قوله: (قال) أي: علي رضي الله عنه. وقوله: (يخِزُن لسانه) بضم الزاي وكسرها أي: يحبسه ويضبطه. وقوله: (إلا فيما يعنيه) وفي بعض النسخ: (عما لا يعنيه) أي: يَهمه ممن ينفع نفعاً دينياً أو دنيوياً، فكان كثير الصمت إلا فيما يعني، كيف وقد قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). وقوله: (ويؤلفهم) أي: يجعلهم آلفين له، مقبلين عليه، بملاطفته لهم، وحسن أخلاقه معهم، أو يؤلف بينهم بحيث لا يبقى بينهم تباغض. قوله: (ولا ينفِّرهم) أي: لا يفعل بهم ما يكون سبباً لنفرتهم، لما عنده من العفو والصفح، والرأفة بهم. قوله: (ويكرم كريم كل قوم ويولِيه عليهم) أي: يعظّم أفضل كل قوم = ٥٥٧ ويَحْذَرُ النَّاسَ ويَحْتَرِسُ منهُم منْ غير أن يطويَ عن أحدٍ منهُم بِشْرَهُ وخُلُقَهُ. ويَتَفَقَّدُ أصحابهُ، ويسألُ النَّاسَ عمَّا في النَّاسِ، ويحُسِّنُ الحَسنَ = بما يناسبه من التعظيم، ويجعله والياً عليهم، وأميراً فيهم، لأن القوم أطوع لكبيرهم، مع ما فيه من الكرم الموجب للرفق بهم، ولاعتدال أمره معهم. قوله: (ويَحْذَر الناس) بضم الياء وكسر الذال المشددة أي: يخوفهم من عذاب الله، ويحثهم على طاعته، أو بفتح الياء والذال المخففة: کیعلم، وعليه أكثر الرواة أي: يحترز من الناس، لأنه لم يكن متغفلاً، والأول - وإن كان حسناً ــ لا يناسب المقام، ولا يلائم قوله: (ويحترس منهم) فإنَّ معناه يحتفظ منهم. وقوله: (من غير أن يطويَ عن أحد منهم بِشره وخلقه) أي: من غير أن يمنع عن أحد من الناس طلاقة وجهه، ولا حسن خلقه. قوله: (ويتفقد أصحابه) أي: يسأل عنهم حال غيبتهم، فإن كان أحد منهم مريضاً عاده، أو مسافراً دعا له، أو ميتاً استغفر له. قوله: (ويسأل الناس عما في الناس) أي: يسأل خاصة أصحابه عما وقع في الناس، ليدفع ظلم الظالم، وينتصر للمظلوم، ويقوي جانب الضعيف، وليس المراد أنه يتجسس عن عيوبهم، ويتفحص عن ذنوبهم. ويؤخذ منه: أنه ينبغي للحكام أن يسألوا عن أحوال الرعايا، وكذلك الفقهاء والصلحاء والأكابر الذين لهم أتباع، فلا يغفلون عن السؤال عن أحوال أتباعهم، لئلا يترتب على الإهمال مضارٌّ يعسُر دفعها. قوله: (ويحسِّن الحسن) أي: يصف الشيء الحسن بالحُسْن، بمعنى: أنه يُظهر حسنه بمدحه، أو مدح فاعله. ٥٥٨ ويُقَوِّيه، ويُقَبِّحُ القِيحَ ويُوهِّيهِ، مُعْتَدلَّ الأمرِ غيرَ مُخْتِلِفٍ، لا يغْفُلُ مخافةً أن يغفُلُوا أو يَميلوا، لكُلِّ حالٍ عندهُ وقوله: (ويقويه) أي: يُظهر قوته، بدليل معقول أو منقول. وقوله: (وَيُقبح القبيح) أي: يصف الشيء القبيح بالقبح، بمعنى: أنه يُظهر قبحه، بذمه، أو ذم فاعله. وقوله: (ويوهِّيه) أي: يجعله واهياً ضعيفاً، بالمنع والزجر عنه، وفي بعض النسخ: (ويوهنه) ومآل المعنى واحد. قوله: (معتدلُّ الأمر غير مختلف) أي: معتدل الحال والشأن، غير مختلفِه، ولكون المقام مقام مدح أتى بقوله: (غير مختلف) مع أنه يغني عنه ما قبله، فسائر أقواله وأفعاله معتدلة لا اختلاف فيها. والرواية في كل من هاتين الكلمتين بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، مع أنّ ظاهر السياق النصب على أنه معطوف على خبر كان بحذف حرف العطف، أي: وكان معتدل الأمر غير مختلف، ولعل وجه الرفع أنَّ كونه معتدلَ الأمر غيرَ مختلف: من الأمور اللازمة التي لا تنفك عنه أبداً، والرفع على أن ذلك خبر مبتدأ محذوف يقتضي أن يكون الكلام جملة اسمية، وهي تفيد الدوام والاستمرار. قوله: (لا يغفل) أي: عن تذكيرهم وتعليمهم. وقوله: (مخافة) مفعول من أجله. وقوله: (أن يغفلوا) أي: عن استفادة أحواله وأفعاله. وقوله: (أو يميلوا) أي: إلى الدَّعَةِ والراحة، أو يميلوا عنه وينفروا منه، كما هو شأن المُسَلُّكين، فإنهم لا يغفلون عن إرشاد تلامذتهم مخافة أن يغفلوا عن الأخذ عنهم، أو يميلوا إلى الكسل والرفاهية. هذا، وفي بعض النسخ: (لا يفعل مخافة أن يفعلوا ويملوا) والمعنى = ٥٥٩ عتَادٌ، لا يُقَصِّرُ عن الحقِّ ولا يُجاوِزُهُ، الَّذِينَ يُلُونَهُ من النَّاسِ: خيارُهُمْ، أفضَلُهُمْ عِنْدهُ أعمُّهُم نصيحةً، وأَعظمُهُمْ عندهُ منزلةً أحسنُهُمْ مُواساةً ومُؤَازَرَةً. = على هذه النسخة: لا يفعل العبادة الشاقة مخافة أن يفعلوها فلا يطيقون، ويَمَلوها ويتكاسلوا عنها. قوله: (لكل حال عنده عتاد) أي: لكل حال من أحواله وأحوال غيره عَنَاد، بفتح عينه كسَحَاب: أيْ: شيء مُعَدٌّ لَهُ، فكان يُعِد للأمور أشكالها ونظائرها، كآلة الحرب وغيرها. وقوله: (لا يقصر عن الحق) أي: عن استيفائه لصاحبه، أو عن بيانه. وقوله: (ولا يجاوزه) أي: ولا يتجاوزه، فلا يأخذ أكثر منه. قوله: (الذين يلونه من الناس: خيارُهم) أي: الذين يَقْربون منه لاكتساب الفرائد وتعلمها: خيارُ الناس، لأنهم الذين يَصْلحون لاستفادة العلوم وتعلمها، ومِنْ ثَمَّ قال: ((لِيَليَتي منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) فينبغي للعالم في درسه أن يجعل الذين يقربون منه خيار طلبته، لأنهم هم الذين يُوثق بهم علماً وفهماً. قوله: (أفضلهم عنده أعمهم نصيحة) أي: أفضل الناس عنده وَّة أكثرهم نصيحة للمسلمين في الدين والدنيا، فإنه ورد: ((الدين النصيحة)). وقوله: (وأعظمهم عنده منزلة: أحسنهم مواساة ومؤازرة) أي: وأعظم الناس عنده وَّر أحسنهم مواساةً وإحساناً للمحتاجين، ولو مع احتياج أنفسهم، لقوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ ومؤازرةً ومعاونة لإخوانهم في مهمات الأمور، من البر والتقوى، لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. ٥٦٠ قالَ: فسأَلتُهُ عن مجلِسِهِ؟ . فقالَ: كان رسُولُ اللهِ وَّهٍ لا يَقُومُ ولاَ يَجلِسُ إلاَّ على ذِكْرٍ، وإذا انتهَى إلى قوم جلسَ حيثُ ينتهي به المجلسُ، ويأمُرُ بذلكَ. قوله: (قال) أي: الحسين. وقوله: (فسألته) أي: علياً رضي الله عنه. وقوله: (عن مجلسه) أي: عن أحواله بَّ في وقت جلوسه. وقوله: (فقال) أي: علي رضي الله عنه. قوله: (كان رسول الله وَّو لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر) أي: لا يقوم من مجلسه ولا يجلس فيه إلا في حال تلبسه بالذكر، فـ: على: للملابسة، وهي مع مدخولها: في محل نصب على الحال. ويؤخذ منه: ندب الذكر عند القيام، وعند القعود، والأصل في مشروعية ذلك قوله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾. والمقصود من ذلك تعميم الأحوال، وبالجملة فالذكر أعظم العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أكبر﴾ . قوله: (وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس) أي: وإذا وصل لقوم جالسين جلس في المكان الذي يلقاه خالياً من المجلس، بكسر اللام، كما هو الرواية، وهو: موضع الجلوس، فكان لا يترفع على أصحابه حتى يجلس صدر المجلس، لمزيد تواضعه، ومكارم أخلاقه، ومع ذلك فأينما جلس يكون هو صدر المجلس. وقوله: (ويأمر بذلك) أي: بالجلوس حيث ينتهي المجلس، إعراضاً عن رُعُونة النفس وأغراضها الفاسدة، وقد ورد أمره بذلك في أحاديث كثيرة: منها خبر البيهقي وغيره: ((إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فإن وُسِّع له فليجلس، وإلا فلينظر إلى أوسع مكان يراه فليجلس فيه)) وبالجملة فقد ثبتت مشروعية ذلك فعلاً وأمراً.