Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثمّ يَقِفُ، وكان يَقْرأُ: ﴿مَالِكِ يَوْمٍ
الدِّينِ﴾ .
٣١٧ - حدّثنا قُتَيْبةُ، حدَّثنا الليثُ، عن مُعاوِيةَ بنِ صالِحٍ، عن
عبدِ الله بنِ أبي قَيْسٍ قال: سَأَلْتُ عائشةَ رضيَ الله عنها عن قِراءَةِ النَّبِيّ
وَهُ: أَكانَ يُسِرُّ بالقِراءَةِ أم يَجْهَرُ؟ قالت: كلَّ ذلِكَ قد كانَ يفعَلُ
وقوله: (وكان يقرأ: ﴿مالك يوم الدين﴾) أي بالألف، كذا في جميع
نسخ الشمائل، قال القسطلاني: وأظنه سهواً من النساخ، والصواب:
﴿ملك﴾ بلا ألف كما أورده المؤلف في جامعه، وبه كان يقرأ أبو عبيد
ويختاره.
٣١٧ - قوله: (بن أبي قيس) ويقال: ابن قيس.
قوله: (عن قراءة النبي ◌َّ) أي بالليل كما يعلم من صنيعه في جامعه
حيث أورده في باب القراءة بالليل بهذا الإسناد بلفظ: سألت عائشة رضي
الله عنها: كيف كانت قراءة النبي ◌َّو بالليل؟.
قوله: (أكان يسر بالقراءة أم يجهر) وفي رواية بحذف همزة
الاستفهام، لكنها مقدرة أي: أكان يخفي قراءته بحيث لا يسمعه غيره، أم
يظهرها بحيث يسمعه غيره، والباء في قوله: يسر بالقراءة مزيدة للتوكيد،
لأن أسرَّ يتعدى بنفسه، يقال: أسرَّ الحديث أخفاه. وجعل القسطلاني
زيادتها سهواً من النساخ، وزعم بعض الشراح: أنها بمعنى في.
قوله: (قالت) وفي نسخة: فقالت.
وقوله: (كل ذلك قد كان يفعل) برفع ((كلُّ)) على: أنه مبتدأ خبره
الجملة، مع تقدير الرابط أي: قد كان يفعله، ونصبِه على: أنه مفعول
مقدم، وهو أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير الضمير، ثم فسَّرت ذلك =

٥٢٢
قَدْ كَانَ رَبَّمَا أَسَرَّ ورِبَّمَا جَهَرَ، فقُلتُ: الحمدُ لله الَّذِي جَعَلَ في
الأَمرِ سَعَةً.
٣١٨ - حَدَّثْنا مَحمودُ بنُ غَيلانَ، حدَّثَنَا وَكِيعٌ، حدَّثَنَا مِسعَرٌ،
عَن أَبِي العَلاءِ العَبديِّ، عَن يَحيَى بنِ جَعْدَةَ، عَن أُمِّ هَانِىءٍ قَالَت:
كُنتُ أَسمِعُ قِراءة النَّبِّنَّه بالليلِ وأَنَا عَلَى عَرِبِشي.
= ووضحته بقولها: (ربما أسرّ) أي: أحياناً (وربما جهر) أي: أحياناً فيجوز
كل منهما، والأفضل منهما ما كثر خشوعه وبَعُد عن الرياء.
قوله: (فقلت) القائل هو: عبد الله بن أبي قيس.
وقوله: (الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) أي: الحمد لله الذي
جعل في أمر القراءة من حيثُ الجهرُ والإسرارُ سعةً ولم يضيق علينا بتعيين
أحد الأمرين، لأنه لو عين أحدهما فقد لا تنشط له النفس فتحرمُ الثواب.
والسعة من الله تعالى في التكاليف نعمة يجب تلقيها بالشكر. والسعة بفتح
السين، وكسرها لغة، وبه قرأ بعض التابعين في قوله تعالى: ﴿ولم يؤتَ
سعة من المال﴾.
٣١٨ - قوله: (العبدي) بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة،
وفي نسخة: الغَنَوي بفتح الغين المعجمة وفتح النون وکسر الواو.
قوله: (قالت: كنت أسمع قراءة النبي) أي: وهو يقرأ في صلاته ليلاً
عند الكعبة، كما جاء في رواية، فهذه القصة كانت قبل الهجرة.
وقوله: (وأنا على عريشي) أي: والحال أني نائمة على سريري، وفي
رواية: كنت أسمع صوت النبي وير وهو يقرأ، وأنا نائمة على فراشي يرجِّع
بالقراءة. ويؤخذ من الحديث: سن الجهر بالقراءة حتى في النفل ليلاً لكن
الأفضل عند الشافعية للمصلي ليلاً التوسط بأن يسر تارة ويجهر أخرى،
وهذا في النفل المطلق، وأما في غيره: فيسن الإسرار إلا في نحو الوتر في =

٥٢٣
٣١٩ - حدّثنا مَحمودُ بنُ غَيلانَ، حدَّثَنَا أَبُو دَاودَ، حدَّثَنَا شعبَةُ،
عَن مُعاويَةَ بنِ قُرَّةَ قَالَ: سَمعتُ عبدَ الله بنَ مُغَفَّلِ يَقولُ: رأيتُ
النَّبِيَّ ◌َّهِ عَلَى نَاقتهِ يَومَ الفَتح وهُو يَقرأُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَك فتحاً مبيناً
لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تقدَّمَ مِن ذَنبَكَ وَما تَأَخَّر﴾
= رمضان فيسن فيه الجهر.
٣١٩ - قوله: (ابن قرة) بضم القاف وتشديد الراء.
وقوله: (ابن مغفل) بفتح الغين وتشديد الفاء المفتوحة.
قوله: (على ناقته) أي: حال كونه راكباً على ناقته العضباء أو غيرها.
وقوله: (يوم الفتح) أي: فتح مكة.
وقوله: (وهو يقرأ) أي: والحال: أنه يقرأ. أي: ففيه دلالة على أنه
وَ ل ﴿ كان ملازماً للعبادة حتى في حال ركوبه وسيره، وفي جهره إشارةٌ إلى
أن الجهر أفضل من الإسرار في بعض المواطن، وهو عند التعظيم وإيقاظ
الغافل ونحو ذلك.
قوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ أي: بيِّناً واضحاً لا لبس فيه على
أحد، وهذا الفتح هو فتح مكة، كما روي عن أنس، أو فتح خيبر كما روي
عن مجاهد، والأكثرون على أنه صلح الحديبية، لأنه أصل الفتوحات كلها.
وقوله: ﴿ليغفر لك الله﴾ الخ أي: لتجتمع لك هذه الأمور الأربعة
وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز.
فكأنه قيل: يسَّرْنا لك الفتح ليجتمع لك عز الدارين وأغراض العاجل
والآجل، والمراد بالمغفرة: العصمة أي: عصمناك من الذنوب فيما تقدم من
عمرك قبل نزول الآية وما تأخر منه، والتحقيق كما تقدم: أن المراد بالذنب
ما هو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، لأنه ◌َّل يترقى في
الكمال، فيرى: أن ما انتقل عنه ذنب بالنسبة إلى الذي انتقل إليه، وقيل : =

٥٢٤
قَال: فقراً ورجَّعَ، قَالَ: وقَالَ: مُعاويةُ بنُ قُرةَ: لولاَ أَن يجتَمعَ
النَّاسُ عَلَيَّ لأَخَذْتُ لَكُمْ فِي ذلكَ الصَّوتِ. أَو قَالَ: اللَّحنِ.
= المراد بالذنب ترك الأفضل.
قوله: (قال) أي: ابن مغفل.
وقوله: (فقرأ ورجَّع) بتشديد الجيم، أي: ردّد صوته بالقراءة، وقد
فسره عبد الله بن مغفل بقوله: ((l l lc) بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة
ثلاث مرات، وذلك ينشأ غالباً عن نشاط وانبساط، كما حصل له ◌َا و يوم
الفتح، وزعم بعضهم أن ذلك كان من هزّ الناقة بغير اختياره، ورُدَّ أنه لو
كان كذلك لما فعله عبد الله اقتداء به.
وقوله في الخبر الآتي: ولا يرجِّع: معناه أنه كان يتركه أحياناً لفقد
مقتضيه أو لبيان أن الأمر واسع في فعله وتركه، وقال ابن أبي جمرة: معنى
الترجيع المطلوبِ هنا: تحسين التلاوة، ومعنى الترجيع المنفيِّ فيما يأتي:
ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود
التلاوة.
قوله: (قال) أي: شعبة لأنه الراوي عن معاوية، المذكور.
وقوله: (لولا أن يجتمع الناس عليَّ) أي: لولا مخافة أن يجتمع الناس
عليَّ لاستماع ترجيعي بالقراءة.
وقوله: (لأخذت لكم في ذلك الصوت) أي: لشرعت لكم فيه.
وقوله: (أو قال: اللحن) أي: بدلاً عن الصوت، وهو بفتح اللام
وسكون الحاء، واحد اللحون وهو التطريب والترجيع، وتحسين القراءة أو
الشعر، ويؤخذ من هذا أن ارتكاب ما يوجب اجتماع الناس مكروه إن أدى
إلى فتنة أو إخلال بمروءة.

٥٢٥
٣٢٠ - حدّثنا قُتِيبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدَّثَنَا نُوحُ بنُ قَيسِ الحُدَّانيُّ،
عَن حُسام بنِ مِصَكٍّ، عَنْ قَتَادةَ قَالَ: مَا بَعثَ الله نبياً إلاَّ حَسَنَ
الوَجْهِ حَسنَ الصَّوتِ، وَكانَ نِبِيُّكُمْ وَّهَ حَسنَ الوَجِهِ حَسَنَ الصَّوتِ
وكَانَ لا يُرجِعُ.
٣٢١ - حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ، حدَّثَنَا يَحيَی بنُ حَسانَ،
حدَّثَنَا عَبدُ الرحمنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَمرو ابنٍ أَبِي عَمرو، عَن
عِكرمَةَ، عَن ابنِ عَباسٍ رَضيَ الله عَنهما قَالَ: كَانَ
٣٢٠ - قوله: (الحُدّاني) بضم الحاء وتشديد الدال، نسبة إلى حدان:
قبيلة من الأزد.
وقوله: (عن حسام) بضم الحاء المهملة .
وقوله: (ابن مِصَكّ) بكسر الميم وفتح الصاد وتشديد الكاف.
قوله: (إلا حسن الوجه حسن الصوت) أي: ليدل حسن ظاهره على
حسن باطنه، لأن الظاهر عنوان الباطن.
وقوله: (وكان نبيكم ◌َليل حسن الوجه حسن الصوت) رواية المصنف
في جامعه: ((وكان نبيكم أحسنَهم وجهاً وأحسنهم صوتاً) ولا ينافي ذلك
حديثُ البيهقي وغيره، أنه وَّر قال في ليلة المعراج بالنسبة ليوسف: (( فإذا
أنا برجل أحسن ما خلق الله، وقد فضَل الناسَ بالحسن، كالقمر ليلة البدر
على سائر الكواكب))، لأن المراد أنه أحسن ما خلق الله بعد سيدنا محمد
والتر جمعاً بين الحدیثین.
قوله: (وكان لا يرجِّع) أي: في بعض الأحيان، أو كان لا يرجع
ترجيع الغناء فلا ينافي ما مر كما تقدم.
٣٢١ - قوله: (كان) وفي نسخة: كانت.

٥٢٦
قِراءَةُ النَّبِيِّ وَِّ رَبَّمَا يَسمعُهُ مَنْ فِي الحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ .
٤٥- باب ما جاء في بكاء رسول الله وَل
وقوله: (قراءة النبي) وفي نسخة: رسول الله، والمراد قراءته بالليل في
الصلاة أو في غيرها.
وقوله: (ربما يسمعه) وفي نسخة: ربما سمعها.
وقوله: (مَن في الحجرة) أي: في صحن البيت، وهي الأرض
المحجورة، أي: الممنوعة بحائط مَحُوط عليها.
وقوله: (وهو في البيت) أي: والحال أنه وَّر في البيت، فكان إذا قرأ
في بيته ربما يَسمع قراءته مَن في حجرة البيت من أهله ولا يتجاوز صوته
إلى ما وراء الحجرات، وأشار بـ: ربما: إلى أنه قد لا يسمعها من في
الحجرة فلا يسمعها إلا إذا أصغى إليها وأنصت لكونها إلى السر أقرب.
٤٥ - باب ما جاء في بكاء رسول الله وَلـ
بالمد والقصر، وقيل: بالقصر: سيلان الدّمع مِن الحزن، وبالمد: رفع
الصوت معه، وهو أنواع: بكاء رحمة ورأفة، وبكاء خوف وخشية، وبكاء
محبة وشوق، وبكاء فرح وسرور، وبكاء جَزَع مِن وُرود مؤلم على
الشخص لا يحتمله، وبكاء حزن، وبكاء مستعار، كبكاء المرأة لغيرها من
غير مقابل، وبكاء مستأجر عليه، كبكاء النائحة، وبكاء موافقة، وهو بكاء
من يرى من يبكي فيبكي ولا يدري لأي شيء يبكي، وبكاء كذب، وهو
بكاء المصرِّ على الذنب.
وبكاؤه ◌َه تارة يكون رحمة وشفقة على الميت، وتارة يكون خوفاً
على أمته، وتارة يكون خشية من الله تعالى، وتارة يكون اشتياقاً ومحبة
مصاحباً للإجلال والخشية، وذلك عند استماع القرآن كما سيأتي.
وأحاديثه ستة.

٥٢٧
٣٢٢ - حدّثنا سُويدُ بن نَصر، حدثنا عبدُ الله بن المباركِ، عَن
حمادِ بنِ سلَمة، عَن ثابتٍ، عَن مُطَرِّفٍ - وهوَ ابنُ عبدِ الله بن
الشِّخِّرِ - عَن أبيهِ قالَ: أَتَيتُ رسول الله وَلَهُ وهو يُصَلِّ، ولِجَوفِهِ
أَزيزٌ كَأَزِيزِ الِمِرْجَلِ
٣٢٢ - قوله: (بن نصر) وفي نسخة: ابن النضر(١).
وقوله: (عن مُطَرِّف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء
المشددة .
وقوله: (ابن الشخِّير) بكسر المعجمتين المشددتين، فمثناة تحتية، فراء
مهملة، ابن عوف بن كعب العامري.
وقوله: (عن أبيه) أي: عبد الله، صحابي من مُسلمة الفتح، أدرك
الجاهلية والإسلام.
قوله: (وهو يصلي) أي: والحال أنه يصلي، فالجملة حالية، وكذلك
جملة قوله: (ولجوفه أزيز) أي: والحال أن لجوفه أزيزاً، بفتح الهمزة
وكسر الزاي المعجمة بعدها مثناة تحتية وآخره معجمة أخرى، وهو: صوت
البكاء أو غليانه في الجوف، ويؤخذ منه: أنه إذا لم يكن الصوت مشتملاً
على حرفين أو حرف مفهم، لم يضرَّ في الصلاة.
وقوله: (كأزيز المِرْجَل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم، وهو:
القِدْر من النحاس، وقيل كل قدر يطبخ فيه، سمي بذلك لأنه إذا نصب
فكأنه أقيم على رجلين.
(١) خطأ، وتقدم مراراً على الصواب.

٥٢٨
مِنَ البُكاءِ.
٣٢٣ - حدّثنا مَحمودُ بنُ غَيلانَ، حدثنا معاويةُ بنُ هشام،
حدثنا سفيانُ، عَن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عَن عَبِيدةَ، عن عبد الله
ابنِ مسعود رضي الله عنه قال: قالَ لي رسولُ الله ◌َّهِ: ((اقرأ عليَّ))
فقلتُ: يا رسولَ الله أَقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! قال: ((إنِّي أحبُّ
وقوله: (من البكاء) أي: من أجله بسبب عظم الخوف والإجلال لله
سبحانه وتعالى، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم، فإنه كان يُسمع من صدره
صوت كغليان القدر على النار من مسيرة ميل [؟!]، ومن هذا الحديث
استنَّ أهل الطريق الخوف والوجل والتواجد في أحوالهم. وهذا الحال إنما
كان يعرض له وَلّ، عند تجلِّ الله عليه بصفات الجلال والجمال، معاً،
فيمتزج الجلال مع الجمال، وإلا فالجلال غير الممزوج لا يطيقه أحد من
الخلائق، وإذا تجلى الله عليه بصفات الجمال المحض تلألأ نوراً وسروراً،
وملاطفة وإيناساً وبسطاً .
٣٢٣ - قوله: (سفيان) أي: الثوري.
وقوله: (عن إبراهيم) أي: النخعي.
وقوله: (عن عَبِيدة) بفتح العين وكسر الباء: السلماني التابعي.
قوله: (قال) أي: ابن مسعود.
وقوله: (قال لي رسول الله) أي وهو على المنبر، كما في الصحيحين.
قوله: (اقرأ عليّ) بتشديد الياء.
وقوله: (أقرأ عليك) أي: أأقرأ عليك، فهو استفهام محذوف الهمزة.
وقوله: (وعليك أنزل) أي: والحال أنه عليك أنزل، وقد فهم ابن
مسعود رضي الله عنه أنه وَلهو أمره بالقراءة عليه ليتلذذ بقراءته، لا ليختبر =

٥٢٩
أن أسمعَهُ مِن غَيري)) فقَرأْتُ سورةَ النِّساء حتَّى بلغتُ ﴿وجئنَا بِك
على هؤلاء شَهيداً﴾ قالَ: فرأَيتُ عَينِيْ رسولِ الله وَّهِ تَهْمُلانِ.
= ضبطه وإتقانه، فلذا سأل متعجباً، هكذا قال الشارح، وقد يقتضي قوله:
قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) ما فهمه ابن مسعود رضي الله عنه،
وإنما أحب ذلك لكون السامع خالصاً لتعقُّل المعاني بخلاف القارىء فإنه
مشغول بضبط الألفاظ، وإعطاء الحروف حقها، ولأنه اعتاد سماعه من
جبريل، والعادة محبوبة بالطبع.
ومن فوائد هذا الحديث: التنبيه على أَنَّ الفاضل لا ينبغي أن يأنف من
الأخذ عن المفضول، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من طلبتهم.
قوله: (فقرأت سورة النساء) أي: شَرعت في قراءتها، وفي ذلك رد
على مَن قال: لا يقال: سورة النساء مثلاً، وإنما يقال: سورة تذكر فيها
النساء .
وقوله: (حتى بلغتُ: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾) أي: حتى
وصلت إلى قوله تعالى ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على
هؤلاء شهیدا﴾ ومعنى الآية والله أعلم: فکیف حالُ من تقدَّم ذکرهم إذا جئنا
من كل أمة بشهيد يشهدُ عليها بعملها، فيشهد بقبح عملها، وفساد
عقائدها، وهو نبيها ﴿وجئنا بك﴾ يا محمد على هؤلاء الأنبياء ﴿شهيداً﴾
أي: مزكِّياً لهم، ومثبتاً لشهادتهم وقيل: الذين يشهدون للأنبياء هذه الأمة،
والنبي وَلو يزكيها.
قوله: (قال: فرأيت عيني رسول الله) الخ، في الصحيحين أنه قال له:
((حَسْبك الآن)) ويؤخذ منه حِلُّ أمرِ الغير بقطع قراءته للمصلحة.
وقوله: (تَهْمُلان) بفتح التاء وسكون الهاء وضم الميم أو كسرها، أي:
تسيل دموعهما لفرط رأفته، ومزيد شفقته وَله، لأنه وَالر استحضر أهوال
القيامة، وشدة الحال التي يحقُّ لها البكاء.

٥٣٠
٣٢٤ - حدّثنا قتيبةُ، حدثنا جريرٌ، عن عطاء بن السَّائب، عَن
أبيهِ، عَن عبد الله بن عمرو قال: انْكَسفتِ الشَّمسُ يوماً عَلى عَهد
رسول الله وَ ﴿ه، فَقَام رسولُ الله ◌َّهِ يصلِّي حتَّى لَم يَكَذْ يَركع، ثمَّ
ركعَ، فلم يكدْ يرفَعُ رَأْسَه، ثُمَّ رفعَ رأسَهُ، فلم يكدْ أَن يسجُد، ثُمَّ
سجَدَ، فلمْ يَكَد أن يرفعَ رأسَهُ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ، فلمْ يكدْ أن
٣٢٤ - قوله: (عن أبيه) أي: السائب بن مالك، أو ابن زيد.
وقوله: (عن عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص.
قوله: (انكسفت الشمس) أي: استتر نورها.
وقوله: (يوماً على عهد رسول الله) أي: في زمنه، وذلك اليوم هو يوم
موت ولده إبراهيم، ففي البخاري: كُسِفت الشمس على عهد النبي ◌َّه يوم
مات إبراهيم، فقال الناس: كُسفت الشمس لموت إبراهيم، وجمهور أهل
السِّير على أنه مات في العاشرة وقيل: في التاسعة، وذكر النووي أنه لم
يُصَلَّ لكسوف الشمس إلا هذه المرة، وأما خسوف القمر فكان في الخامسة
وصلَّى له وَلِّ صلاة الخسوف.
قوله: (لم يكد يركع) أي: لم يقرب من الركوع، وهو كناية عن طول
القيام مع القراءة، فإنه قرأ قدر البقرة في الركعة الأولى.
وقوله: (فلم يكد يرفع) هو مع ما قبله بدون ((أن)) بخلاف ما سيأتي
فإنه بإثباتها .
وقوله: (فلم يكد أن يسجد) أي: لكونه أطال الاعتدال - لكن إطالة
غير مبطلة ! -.
وقوله: (فلم يكد أن يرفع رأسه) أي: لكونه أطال السجود.

٥٣١
يسجدَ، ثم سجَد فلم يَكد أن يرفَع رأسهُ، فَجعلَ يَنفُخُ وَيبكِي
وَيَقولُ: ((رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لا تُعَذِّبَهِمْ وَأَنَا فِيهِم؟! ربِّ أَلَم تَعِدْني
أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُم وَهُم يسْتَغْفِرونَ؟! ونَحنُ نَستَغْفِرُكَ)). فَلَمَّا صلَّى
ركعتينِ انْجلَتِ الشَّمسُ، فَقَامَ فَحمِدَ الله تعالَى، وأَثْنَى عَليهِ، ثُمَّ
وقوله: (فلم يكد أن يسجد) أي: لكونه أطال الجلوس بين
السجدتين، لكن إطالة غير مبطلة كما مر في الاعتدال.
وقوله: (فلم يكد أن يرفع رأسه) أي: لكونه أطال السجدة الثانية،
وهذا الحديث كالصريح في أنها صلاة بركوع واحد، وبه احتج أبو حنيفة،
وذهب الشافعي ومالك إلى أنها تصح بركوعين في كل ركعة، وذهب أحمد
إلى أنها تصح بثلاث ركوعات لأدلة أخرى.
قوله: (فجعل ينفخ ويبكي) أي: بحيث لا يظهر من النفخ ولا من
البکاء حرفان، أو حرف مفهم، أو أنه کان یغلبه ذلك بحیث لا یمکنه دفعه.
وقوله: (ويقول: رب) أي: يا رب، فهو على حذف حرف النداء.
وقوله: (ألم تَعِدْني أن لا تعذبهم وأنا فيهم) أي بقولك: ﴿وما كان الله
ليعذبهم وأنت فيهم﴾ وإنما قال ذلك لأن الكسوف مظنة العذاب، وإن كان
وعد الله لا يتخلف، لكن يجوز أن يكون مشروطاً بشرط اختلّ.
وقوله: (رب ألم تَعِدْني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون) أي بقولك:
﴿وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون﴾.
قوله: (انجلت الشمس) أي: انكشفت.
وقوله: (فقام) أي: رَقِي على المنبر.
وقوله: (فحمد الله وأثنى عليه) أي: في خطبة الكسوف، والعطف
للتفسير .

٥٣٢
قَالَ: ((إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتَانِ مِن آياتِ الله، لا يَنْكَسِفَانِ لموتٍ
أَحَدٍ ولاَ لحَياتِهِ، فإذَا انكَسَفَا فافزَعُوا إلى ذِكرِ الله)).
٣٢٥ - حدّثنا مَحْمودُ بنُ غَيلانَ، حدثنا أَبُو أحمدَ، حدَّثَنَا
سفيانُ، عَنْ عَطاءِ بن السَّائبِ، عَن عِكرِمةَ، عَن ابنِ عباسٍ رضي
الله عنهما قالَ: أَخذَ رَسُولُ اللهِ نَِّ ابنةً لهُ
وقوله: (ثم قال) أي: في أثناء الخطبة .
وقوله: (آيتان من آيات الله) أي: علامتان من علامات الله، الدالة على
فردانيته وعظيم قدرته وباهر سلطانه، أو من علاماته الدالة على تخويف
العباد من بأسه وسطوته، كما يشهد له قوله تعالى ﴿وما نرسل بالآيات إلا
تخويفاً﴾ وعلى كلِّ فليستا بإلّهين لكونهما مسخَّرين بتسخير الله تعالى،
بدلیل تغیرهما .
وقوله: (لا ينكسفان لموت أحد) أي: لا كما زعم الناس: أن الشمس
انکسفت لموت إبراهیم.
وقوله: (ولا لحياته) أي: لا كما يزعمون عند انكسافهما لحياة
الحَجّاج، وهذا معجزة منه ◌َّ فإن الشمس انكسفت في حياة الحجاج،
فأشار ◌َ﴿ إلى ذلك[؟!]، وإنما ينكسفان لتخويف العباد، وإيقاظهم من
غفلتهم.
قوله: (فإذا انكسفا) أي: أحدهما، لأنهما لا يجتمعان عادة.
وقوله: (فافزعوا إلى ذكر الله) أي: بادروا إلى الصلاة، كما في رواية
البخاري: ((فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)).
٣٢٥ - قوله: (سفيان) أي: الثوري.
قوله: (ابنة له) زاد النسائي في روايته: صغيرة، وهي بنت بنته زينب، =

٥٣٣
تَقْضي، فاحتَضَنَها، فوضَعَها بينَ يديهِ، فماتَتْ وهيَ بينَ يديهِ،
وصاحَتْ أُمُّ أيمنَ.
= من أبي العاص بن الربيع، فنسبتها إليه مجازية، وليس المراد بنته لصلبه،
لأنه لو كان له أربع بنات، وكلهن کبرن وتزوجن، وإن كان ثلاث منهن
مِثْنَ في حياته، لكن لا يصلح وصف واحدة منهن بالصغر، وقد وصفها في
رواية النسائي به، فتعين أن يكون المراد إحدى بنات بناته، وهي: أمامة
بنتُ بنتِهِ زينبَ المتقدمة.
وقوله: (تقضي) بفتح التاء وكسر الضاد، أي: تشرف على الموت،
وإن كان أصل القضاء الموت لا الإشراف عليه، ومع ذلك لم تمت حينئذ،
بل عاشت بعده بَّر، حتى تزوجها علي بن أبي طالب ومات عنها، كما
اتفق عليه أهل العلم بالأخبار.
قوله: (فاحتضنها) أي: حملها في حِضْنه، بكسر الحاء، وهو: ما
دون الإبط، أي: الكشح.
وقوله: (فوضعها بين يديه) أي: بين جهتيه المُسَامِتتين ليمينه وشماله،
قريباً منه، فسميت الجهتان يَدَيْن لكونهما مسامتتين لليدين، كما يُسمى
الشيء باسم مجاوره.
وقوله: (فماتت) أي: أشرفت على الموت كما علمتَ.
وقوله: (وهي بين يديه) أي: والحال أنها بين يديه.
قوله: (وصاحت أم أيمن) أي: صرخت أم أيمن، وهي حاضنته وَّـ
ومولاته، ورثها من أبيه وأعتقها حين تزوج بخديجة، وزوجها لزيد مولاه،
وأتت له بأسامة، وماتت بعد وفاة عمر بعشرين يوماً.

٥٣٤
فقالَ - يعنِي النَّبِيَّ نَّهِ -: ((أَتبكينَ عندَ رسولِ الله؟!)) فقالتْ:
أَلَستُ أَراكَ تَبكي؟ .
قَالَ: ((إِنِّي لَستُ أَبكي، إنَّما هيَ رحمةٌ، إنَّ المُؤمنَ بَكُلِّ خيرٍ عَلَى
كلِّ حَالٍ، إنَّ نَفْسَهُ تُنزَعُ من بين جَنبيهِ وهوَ يحمدُ الله عَزَّ وَجلَّ)).
قوله: (فقال) أي: النبي ◌َلِيَ(١).
وقوله: (أتبكين عند رسول الله؟!) أي: أتبكين بكاء محظوراً، لاقترانه
بالصياح الدال على الجزع، والقصد من ذلك الإنكار والزجر، وإنما قال:
((عند رسول الله)) ولم يقل: عندي لأن ذلك أبلغ في الزجر، وأمنع عن
الخروج عما جوزته الشريعة .
قوله: (فقالت: أَلَسْتُ أراك تبكي) أي: فأنا تابعتك، واقتديت بك،
لأنها لما رأت النبي وَلِّ دمعت عيناه ظنت حِلِّ البكاء وإن اقترن بصياح.
قوله: (قال: إني لست أبكي) أي: بكاء ممتنعاً كبكائك، بل بكائي مع
العين فقط .
وقوله: (إنما هي رحمة) أي: إنما الدمعة التي رأيتيها أثر رحمة،
جعلها الله تعالى في قلبي، فكان بكاؤه وَّر من جنس ضحكه، لم يكن برفع
صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ثم بين وجه كونها رحمة بقوله: (إن
المؤمن بكل خير على كل حال) أي: من نعمة أو بلية، لأنه يحمد ربه على
كل منهما، أما النعمة فظاهر، وأما البلية فلأنه يرى أن المحنة عين المنحة،
لما يترتب عليها من الثواب كما قال: (إن نفسه تنزع من بين جنبيه وهو
يحمد الله تعالى) فلا تشغله تلك الحالة عن الحمد. والمراد: المؤمن
الكامل، لأنه هو الذي یکون كذلك.
(١) جاء تفسيره في المتن كما تراه.

٥٣٥
٣٢٦ - حدّثنا محمَّدُ بنُ بَشارٍ، حدَّثنا عبد الرحمنِ بنُ مَهديٍّ،
حدَّثنا سفيانُ، عَن عاصِم بن عبيدِ الله، عَن القاسِمِ بنِ محمدٍ، عَن
عائشةَ رَضِيَ الله عَنها، أَنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قَبَّلَ عُثمانَ بنَ مْعُونٍ
وَهُو مَيَتُ وهُو يَبكي، أَو قَال: عيناهُ تُهُراقَانِ.
٣٢٧ - حدّثنا إسحاقُ بنُ منصور، أَخبرَنَا أَبُو عَامرٍ، حدَّثنا فُلِيحٌ
٣٢٦ - قوله: (سفيان) أي: الثوري.
وقوله: (عن عاصم بن عبيد الله) أي: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب.
وقوله: (عن القاسم بن محمد) أي: ابن أبي بكر، أحد الفقهاء السبعة.
قوله: (قبّل عثمان) أي: في وجهه، أو بين عينيه.
وقوله: (ابن مظعون) بالظاء المعجمة، وكان أخاه من الرضاعة، وهو
قرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وهو
أول مَن مات من المهاجرين بالمدينة، على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة،
وكان عابداً، مجتهداً، من فضلاء الصحابة، ودفن بالبقيع، ولما دفن قال
وَلَى: ((نعم السلفُ هو لنا)).
وقوله: (وهو ميت) أي والحال أن عثمان ميت.
وقوله: (وهو يبكي) أي: والحال أنه وَل يبكي حتى سالت دموعه
على وجه عثمان، كما في ((المشكاة)).
وقوله: (أو قال) الخ هذا شك من الراوي.
وقوله: (عيناه تُهَراقان) وفي رواية: وعيناه بالواو، وتُهْراقان: بضم
التاء وفتح الهاء وسكونه، فهو مضارع مبني للمفعول، والأصل: يُهْرِقُهما
النبي أي: يصبُّ دمعهما.
٣٢٧ - قوله: (فُلَيْح) بالتصغير .

٥٣٦
وهوَ ابنُ سليمانَ، عَن هلالِ بنِ عليّ، عَن أنس بنِ مالكٍ رضي الله
عنهُ قال: شَهِدْنا ابنَةً لرَسولِ اللهِ بَّهَ، ورَسولُ الله جَالسٌ عَلى
القَبْرِ، فَرأَيتُ عينيهِ تَدمعانٍ، فَقَالَ: ((أَفِيكمْ رَجلٌ لَم يُقَارِفِ
الليلَةَ؟)) قَالَ أَبُو طَلحَةَ: أَنَا، قَالَ: ((انِزِلْ)) فَنَزَلَ فِي قَبرهَا.
قوله: (شهدنا) أي: حضرنا.
وقوله: (ابنة) هي: أم كلثوم، وَوهم من قال: رقية، فإنها ماتت
ودفنت ورسول الله وَلّل في غزوة بدر، ولما عُزيَ بَ ل برقية قال: ((الحمد
لله، دفن البنات من المكرمات))، ثم زوَّج عثمانَ أمّ كلثوم، وقال: ((والذي
نفسي بيده، لو أن عندي مئة بنت لزوَّجتُكُنَّ واحدةً بعد واحدة)).
وقوله: (ورسول الله جالس) أي: والحال أنَّ رسول الله جالس.
وقوله: (تدمعان) بفتح الميم أي: تسيل دموعهما.
قوله: (فقال: أفيكم رجل لم يقارف الليلة) أي: لم يجامع تلك
الليلة، فالمقارفة كناية عن الجماع، وأصلها الدنو واللصوق، وفي رواية:
((لا يدخل القبرَ أحدٌ قارف البارحة)) فتنحى عثمان لكونه كان باشر تلك
الليلة أمةً له، فمنعه وَ لّ من نزول قبرها، معاتبةً له لاشتغاله عن زوجته
المحتضَرة، وأيضاً فحديث العهد بالجماع قد يتذكر ذلك فيذهَلُ عما يُطلب
من أحكام الإلحاد وإحسانه.
قوله: (قال أبو طلحة: أنا) أي: لَم أُباشر تلك الليلة، وهو بدري
مشهور بكنيته، وهو عم أنس، وزوج أُمِّه وليس في الصحب أحد يقال له
أبو طلحة سواه.
قوله: (قال) وفي نسخة: فقال.
وقوله: (انزل) يؤخذ منه أن لولي الميت الإذن لأجنبي في نزول =

٥٣٧
٤٦ - باب ما جاء في فراش رسول الله وعَ ل
٣٢٨ - حدّثنا علي بنُ حُجْرٍ، أَنْبأَنَا عَليُّ بنُ مُسِهِرٍ، عَن هشَامِ
ابن عُروةَ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائشةَ رَضيَ الله عَنها قَالَت: إِنَّما كَان
فِراشُ رَسولِ اللهِ وَهِ الَّذِي يَنَامَ عَلَيْهِ مِن أَدَمِ، حَشْوُهُ لِيفٌ.
= قبرها، وحِلُّ نزول الأجنبي بالإذن.
٤٦ - باب ما جاء في فراش رسول الله اله
أي: ما جاء في خشونته ليقتدى به في ذلك، والفِراش بكسر الفاء
بمعنی مفروش، ککتاب بمعنى: مكتوب، وجمعه فُرُش، ککتاب وکتب،
ويقال له أيضاً: فَرْش من باب التسمية بالمصدر، وقد ورد في صحيح
مسلم: ((فراشٌ للرجل، وفراش لزوجته، وفراش للضيف، وفراش للشيطان))
وإنما أضافه للشيطان لأنه زائد على الحاجة مذموم، وقيل: لأنه إذا لم
يُحتج إليه كان مَبِيتَه ومَقِيلَه. وفي هذا الباب حديثان.
٣٢٨ - قوله: (ابن مُشْهِر) بضم الميم وسكون السين وكسر الهاء على
أنه اسم فاعل.
وقوله: (عن أبيه) أي: عروة.
قوله: (الذي ينام عليه) أي: في بيتها، كما يدل عليه الخبر الآتي،
واحترزت بالذي ينام عليه مِنَ الذي يجلس عليه.
وقوله: (من أدم) بفتحتين جمع أديم وهو: الجلد المدبوغ، أو
الأحمر، أو مطلق الجلد.
وقوله: (حشوه ليف) أي: محشوه من ليف النخل، كما هو الغالب
عندهم، ويؤخذ منه أنَّ النوم على الفراش المحشو لا ينافي الزهد، نعم لا
ينبغي المبالغة في حشوه لأنه سبب لكثرة النوم، كما يُعلم من الخبر الآتي.

٥٣٨
٣٢٩ - حدّثنا أَبُو الخَطَّاب زِيادُ بنُ يَحيَى البصريُّ، حدَّثَنَا
عبدُ اللهِ بنُ مَيمونٍ، حدَّثَنَا جَعفرُ بنُ محمَّدٍ، عَن أَبيهِ قَالَ: سُئلتْ
عَائشةُ: مَا كَان فِراشُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِكِ؟ قَالتْ: من أَدَمِ،
حَشوُهُ من لِیف.
وسُئِلَت خَفصَة: مَا كانَ فِراشُ رسولِ الله وَّ في بيتِك؟.
قَالتْ: مِسْحاً، نَشْيِهِ ثِنْيَتَيْنِ فَيَنامُ عَليهِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيلةٍ
٣٢٩ - قوله: (جعفر) أي: الصادق.
وقوله: (عن أبيه) أي محمد الباقر بن علي زين العابدين بن سيدنا الحسين.
وقوله: (قال: سئلت) الخ، في هذا الإسناد انقطاع، فإن محمداً الباقر
لم يدرك عائشة ولا حفصة، لكن حَقق ابنُ الهمام أَنّ الانقطاع في حديث
الثقات لا يضر.
قوله: (قالت: من أَدَم) أي: كانَ مَصنوعاً من أدم.
وقوله: (حشوه من ليف) وفي نسخة: (حشوه ليف) بدون ((من)).
قوله: (قالت: مِسحاً) أي: كان مسحاً بكسر الميم وسكون السين،
وهو: كساء خَشِن يعدّ للفراش من صوف.
قوله: (نَفْنِيهِ ثِنيتين) وفي رواية: ((ثِنْيَيْن)) بدون تاء، بكسر الثاء فيهما،
والأُولى تثنيةُ: ثِنْية، كسِدْرة، والثانية: تثنية ثِنْي كحِمْل، يقال: ثناه إذا
عطفه وَرَدَّ بعضه على بعض .
قوله: (فلما كان ذات ليلة) أي: وَجد ذات ليلة، فكان تامة، وذاتُ
بالرفع فاعل، ويروى بالنصب على الظرفية، وعليه: ففاعل كان ضمير عائد
على الوقت، وعلى كل من الروايتين فلفظة ((ذات)) مقحمة أو صفة
لموصوف محذوف أي: ساعةً ذاتَ ليلة.

٥٣٩
قُلتُ: لو ثَنِيتَهُ أَربعَ ثِنْياتٍ لكانَ أوْطَأَ لهُ، فثَيْنَاهُ له بأَرَبِعِ ثِنْياتٍ،
فَلما أصبحَ قَالَ: ((مَافِرَشتُموا ليَ اللَّلَةِ؟».
قَالت: قلنا: هُوَ فِراشُكَ، إلا أَنَا ثَنَيناهُ بأربع ثِنياتٍ، قلنا: هو
أوطأُ لَك! قالَ: ((رُدُّوهُ لحالتِهِ الأُولَى، فَإِنهُ مَنعتَنِي وَطاءَتُهُ صَلاتِي
اللَّيْلةَ)).
قوله: (قلت) أي: في نفسي أو لبعض خدمي.
وقوله: (لو ثنيتُه أربع ثِنْيات) أي: أربع طبقات.
وقوله: (لكان أوطأ) أي: ألينَ له من: وَطؤ الفراش فهو وَطيء،
كقرب فهو قريب.
قوله: (فثنيناه له أربع ثِنْيات) أي: ثنيناه ثنياً متلبساً بأربع ثنيات.
قوله: (فلما أصبح) أي: فنام علیه، فلما أصبح.
وقوله: (ما فرشتموا ليَ الليلة) أي: أيَّ شيء فرشتموا لي الليلة
الماضية؟ ولعله لما أنكر نعومته ولِينه ظن أنه غيرُ فراشه المعهود، فسأل
عنه، وأتى بصيغة المذكَّر للتعظيم، أو لتغليب بعض الخدم.
قوله: (هو فراشك) أي: المعهود بعينه.
وقوله: (إلا أنا) الخ، أي: غير أنا الخ.
وقوله: (قلنا: هو أوطأُ لك) أي: المثنيُّ بأربع ثنيات ألين لك.
وقوله: (قال: ردوه لحالته الأولى) وفي نسخة: ((لحاله الأول)) أي:
کونه مثنیاً ژنیتین.
وقوله: (فإنه) أي: الحال والشأن.
وقوله: (منعتني وَطاءَتُه صلاتي الليلة) أي: منعني لِينه تهجدي تلك =

٥٤٠
ميزالله
وسيلة
٤٨- باب ما جاء في تواضع رسول الله
٣٣٠ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع وسعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ
المخزومي، وغَيرُ واحدٍ قالوا: حَدَّثنا سفيانُ بنُ عُيِينَةَ، عن
الزُّهريِّ، عَن عُبيد الله، عَن ابنِ عَباسٍ، عَن عُمَرَ بن الخَطابِ
قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لا تُطْرُونِي كَمَا أَظْرَتِ النَّصارى ابنَ
مَریمَ،
= الليلة الماضية، لأن تكثير الفراش سبب في كثرة النوم، ومانع من اليقظة
غالباً، بخلاف تقليله، فإنه يبعث على اليقظة مِن قُرب غالباً.
٤٧ - باب ما جاء في تواضع رسول الله القويم
أي: تذلله وخشوعه، وكان ◌َّ أشد الناس تواضعاً، قال بعض
العارفين: لا يبلغ العبد حقيقة التواضع إلا إذا دام تجلي الشهود في قلبه،
لأنه يذيب النفس ويصفيها من غش الكِبر والعجب، فتلين وتطمئن، ولا
تنظر إلى قدرها.
وفي هذا الباب ثلاثة عشر حديثاً.
٣٣٠ - قوله: (وغير واحد) أي: كثير من المشايخ غير هذين
الشیخین .
وقوله: (عن عبيد الله) في البخاري: أنه ((عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
ابن مسعود)» وكان على المصنف أن يعيِّته، لأن عبيد الله في الرواة كثير.
قوله: (لا تُطروني) بضم التاء، من الإطراء وهو مجاوزة الحد في
المدح أي: لا تجاوزوا الحدَّ في مدحي حتى تَدَّعوا أني إِلَه.
وقوله: (كما أطرتِ النصارى ابن مريم) أي: كما جاوزت النصارى
الحدَّ في مدح عيسى ابن مريم، فجعله بعضهم إلهاً، وبعضهم ابن الله، =