Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ٢٦ - باب: كيف يستاك ٢٦ - باب: كيف يستاك ٤٩ - (صحيح) حدثنا مسدد وسليمان بن داود العَتَكي، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه - قال مسدد - : قال: أتينا رسول الله وَ﴿ نستحمله، فرأيته يستاكُ على لسانه. قال أبو داود: وقال سُليمان: قال: دخلت على النبي ◌ٌَّ وهو يستاكُ، وقد وضع السواك على طرف لسانه، وهو يقول: ((إه إه)) يعني يتهوَّع(١). قال أبو داود: قال مسدد: كان حديثًا طويلًا اختصرتُه. قوله: ((العَتكي))، هو بفتح المثناة فوق، منسوبٌ إلى العَتيك: بَطْرٌ من الأزد، وهو عَتِيك بن النَّضر بن الأزد بن الغَوث بن نَبْت(٢) بن مالك بن كهلان بن عابَر بن شالخ بن أرْفَخْشَذ بن سام بن نوح(٣) صلى الله عليهما وسلم. (١) أخرجه البخاري (٢٤٤)، ومسلم (٢٥٤) وغيرهما من طرق عن حماد بن زید به . (٢) كذا في الأصل، والمعروف (الَّبيت)، واسمه: عمرو بن مالك. (٣) نقله المصنف بالحرف من ((الأنساب)) (١٥٣/٤) وفيه وفي نسخته الخطية (ق ٣٨٤/أ): ((ابن نبت مالك))، دون (ابن) بينهما، وفي المخطوط: ((صالك))! وتعقبه ابن الأثير في ((اللباب)) (٣٢٢/٢) بقوله: ((قلت: هكذا نسب السمعاني العتيك، وقد أسقط منه - إن لم يكن غلطًا من الناسخ - ، والمعروف أنّ العَتيك بن الأسد بن عمران بن عَمرو مُزَيْقياء بن عامر ماء = ٢٢٢ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني قوله: (تَسْتَحْمِلُهُ)) أي: نطلب منه إبلًا نحتمل عليها . قوله: ((وهو يقول: ((أُوْ أُوْ)) يعني: يَتَهَوَّع))، هو بهمزة مضمومة، وقيل: مفتوحة، ثم هاء ساكنة، وهو مكرر مرتين، وفي رواية البخاري: (أُعْ أُغْ)) بالضمّ، وفي رواية النسائي(١): ((عاً عا))(٢). وقوله: ((يعني يتهوع))، أي: يَتَقَيَّأ، والصواب رواية البخاري(٣): ((كأنه يَتَھَوَّع)»، يعني: له تصویت کتصويت المتھوع. ففيه: استحباب الاعتناء بالسواك وإدارته في نواحي الفم. قوله: ((قال مُسَدَّد: كان حديثًا طويلًا اختصرته))، هكذا هو في عامة السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد)»، وانظر لتأكيده: = (نسب معد واليمن الكبير)) (٤٦٦/١)، ((جمهرة أنساب العرب)) (٣٦٧) لابن حزم، ((طرفة الأصحاب)) (٧٥) لابن رسول. (١) في ((المجتبى)) (٩/١)، وفي ((السنن الكبرى)) (٦٣/١)، وهي عند ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٧٣/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٥/١). (٢) ضبطه النووي بضم الهمزة، ورواية أبي داود بكسر الهمزة ثم هاء وللجوزقي بخاء معجمة بدل الهاء. والرواية المشهورة ما عند البخاري، وأشار ابن الأثير إلى رواية فيه (أع أَع) بفتح الهمزة. وهذه (عا عأ) بتقديم العين على الهمزة. وإنما اختلفت الروايات؛ لتقارب مخارج هذه الحروف، وكلها يرجع إلى حكاية صوته إذ جعل السواك على طرف لسانه، واعلم أن حكاية الأصوات كلها مبنيّة، لأنها ليست عاملة في غيرها، ولا معمولة، فأشبهت الحروف المهملة، انظر: ((فتح الباري)) (٣٥٦/١)، ((النهاية في غريب الحديث)) (٢٨٢/٥)، ((صفوة الزبد)) (ق ٢٧/ ب ـ ٢٨/أ): ((درجات مرقاة الصعود)) (١٥) وفي الأخير نقل عن المصنف في ((شرح أبي داود)) في غير موطن من شرح هذا الباب. (٣) في ((صحيحه)) برقم (٢٤٤). ٢٢٣ ٢٦ - باب: كيف يستاك النسخ، وفي بعضها: ((اختصره))(١). وهذا الحديث مختصر من حديث أبي موسى الأشعري حين جاء هو ونَفرٌ من الأشعريين إلى النبي وَّه يستحملونه، فحلف لا يحمله، ولم يكن عنده ما يحملهم عليه، ثم جاءته إبل فحملهم عليها، وقال: ((لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا إلَّا كَفَّرْتُ عن يميني .. ))(٢) الحديث. (١) وفي رواية ابن الأعرابي: ((كان حديثًا طويلًا اختصرته يوم الجمعة في المسجد» . ونقل السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (ص ١٥ - درجات) كلام المصنف هذا. (٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٣، ٦٧١٨)، ومسلم (١٦٤٩)، وعندهما القصة. ٢٢٤ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّمه ٢٧ - باب: الرجل يستاك بسواك غيره يعني : جَوازه. ٥٠ - (صحيح) حدثنا محمد بن عيسى، نا عَنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله وَلول يَسْتَنُّ، وعنده رجلان: أحدهما أكبر من الآخر، فأَوحي إليه في فضلٍ السِّواكِ: أن كَبِّر: أَعطِ السواكَ أكبرَهما (١). [قال لنا أبو داود: قال: قال أبو جعفر محمد بن عيسى: عنبسة بن عبد الواحد كنا نعده من الأبدال، قبل أن نسمع أنَّ الأبدال في الموالي]. وحديث الباب من رواية عائشة، وإسناده صحيح. ورواه مسلم (٢) بمعناه من رواية ابن عمر، والبخاري كذلك تعليقًا(٣). قوله: ((يَسْتَنّ)، أي: يَتَسَوَّك، سُمِّي استنانًا لإمراره على الأسنان، وقال الخطابي (٤): ((هو مشتق من السنّ، وهو إمرارك الشيء الذي فيه حزونة على شيءٍ آخر)). (١) إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، سوى محمد بن عيسى بن الطباع وعنبسة بن عبد الواحد وهما ثقتان. وانظر: ((خلاصة الأحكام)) (٨٦/١). (٢) في ((صحيحه)) (٢٢٧١، ٣٠٠٣). (٣) في ((صحيحه)): كتاب الوضوء، باب دفع السواك إلى الأكبر، قبل رقم (٢٤٧). (٤) ((معالم السنن)) (٣٠/١). ٢٢٥ ٢٧ - باب: الرجل يستاك بسواك غيره قولها: ((فأُوحي إليه في فضل السواك أن كبِّر، - أي : - أعط السِّواكَ أكبرهما)). معناه: أوحي إليه في فضل وآداب السواك أن يعطيه الأكبر (١)، ففيه تفضيل الكبار وتخصيصُهم بالإكرام فيما لا يحتمله التعميم، والابتداءُ بهم ما لم يعارض فضيلةَ السن أَرْجَحُ منها . وفيه: جواز الاستياك بسواك غيره بإذنه، لكن يستحبّ غسله(٢). (١) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (ص ١٦ - مختصره ((درجات))) وكذلك بعض المحشين على بعض النسخ الخطية من ((سنن أبي داود» (١٧٣/١ - ط عوامة). (٢) بنحو ما مضى في ((المعالم)) (٣٠/١) للخطابي. وبعده في رواية ابن داسة حديث لم يذكره الإمام النووي، وهو: حدّثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن مِسْعَر عن المِقْدام بن شُريح عن أبيه قال: قُلتُ لعائِشَةَ: بأَيِّ شيءٍ كانَ يَبْدَأ رسولُ اللهِ وَهِ إذا دَخَلَ بيتَه؟ قالت: بالسِّواك. وهذا الحديث لم يذكره أبو القاسم بن عساكر، أفاده المزي في ((تحفة الأشراف)» (٤٢١/١١). وهو ليس في رواية اللؤلؤي التي سبق أن فضّلها المصنف على سائر الروايات. والظاهر من هذا السقط أنها هي المعتمدة عنده في هذا ((الشرح))، والله أعلم. ٢٢٦ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدثم ٢٨ - باب: غسل السواك يعني : استحباب غسله. ٥١ - (حسن) حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن عبد الله الأنصاري، نا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب، نا كثيرٌ، عن عائشة، أنها قالت: كان نبي الله ﴿ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسِلُه، وأدفعه إليه(١). حديث الباب حَسَنٌ أو صحيح، وفي إسناده: كثير عن عائشة، هو: كثير بن عبيد بن العَنْبَس القرشي التيمي الكوفي، مَوْلى أبي بكر الصديق، ورضيع عائشة رضي الله عنهم (٢). (١) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٩/١). وإسناد رجاله كلهم ثقات سوی کثیر بن عبيد رضيع عائشة، وقد روى عنه جمع من الثقات، ووثقه ابن حبان، فإسناده حسن لأجله، والله أعلم. وجوّد إسناده النووي في ((المجموع)) (٢٨٣/١)، وفي ((خلاصة الأحكام)) (٨٦/١ - ٨٧) رقم (٨٧). وقد أخرج البخاري (٨٩٠، ٤٤٥٠)، ومسلم (٢١٩٢) من حديث عائشة تثها في قصة سواك عبد الرحمن بن أبي بكر، وفيه قالت: ((دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله وَليقت، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله ﴾﴾﴿ فاستن به وهو مستند إلى صدري)). (٢) ترجمته في ((التاريخ الكبير)) (٢٠٦/٧) رقم (٩٠١)، ((الجرح والتعديل)) (١٥٥/٧) رقم (٨٦٢)، ((ثقات ابن حبان)) (٣٣٠/٥)، ((تهذيب الكمال)) (٢٤ / ١٤٣). ٢٢٧ ٢٨ - باب: غسل السواك وفيه استحباب غسله، والتبرك بآثار الصالحين(١)، وجواز الاستعانة (١) ذكر الإمام النوويّ هذا في غير ما مناسبة، وفي أكثر من موطن من ((شرحه على صحيح مسلم)) المسمى ((المنهاج))، كما تراه تحت الأحاديث ذات الأرقام (٣٣، ٦٥٨، ٩٣٩)، من ((صحيح مسلم)). ولا بد هنا من التنبيه على جملة أمور: الأول: إن هذا التبرُّك خاص بالنبي وَ﴾، ولا يتعدَّاه إلى غيره من الصحابة، فضلًا عمن دونهم، فإطلاق القول بجوازه في حق الصَّالحين، كما قال النووي هنا، وفي عدة مواطن من ((شرحه على صحيح مسلم)) - سبق أن أومأنا إليها - غير صحيح، فهذا قياس مع الفارق. قال الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - في ((الاعتصام)) (٢/ ٢٨٧ - بتحقيقي، نشر الدار الأثرية) بعد أن سرد جملة من الأحاديث وقع فيها تبرُّك من الصحابة بأشياء منفصلةٍ عن بدن النبي ◌َّقِ، قال: ((إن الصحابة رضي الله عنهم - بعد موتهفعّ الَّلهُ - لم يَقَعْ من أحدٍ منهم شيءٌ من ذلك بالنّسبة إلى مَن خلفه، إذ لم يترك النبي وَ 8* بعده في الأمة أفضل من أبي بکر الصديق ټګ ، فهو کان خليفته، ولم يُفعل به شيءٌ من ذلك، ولا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان بن عفان، ثم عليّ بن أبي طالب ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم في طريق صحيح معروف أنَّ متبرِّكًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسِّيّر التي اتَّبعوا فيها النبي ◌َّ، فهو إذن إجماع منهم على تلك الأشياء كلها(٢). وبقي النظر في وجه ترك ما ترکوا منه، وهو يحتمل وجهين: = (أ) نعم، ما قرره صحيح، مع ملاحظة أن لكل مسلم بركةً بقَدْرِهِ، وفي ((صحيح البخاري)) (٥٤٤٤)، و((صحيح مسلم)) (٢٨١١): ((وإن من الشجر لما بركته كبركة المسلم)). وتتحصّل هذه البركة، وتكون بقدر الاستقامة والاتباع، وليست هي إلا بركة العمل، وليست بركة ذات لشخص معين، وشتَّان بين تحصيل هذه البركة بالعمل، وبين جعلها ذريعة للتبرك بذات صاحبها، حتى تفضي إلى الغلو والشرك والتعلق بالتَّبُّك والتَّقْرُّب! ٢٢٨ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني وقدثم أحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص، وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله؛ = للقطع بوجود ما التمسوه من البركة والخير؛ لأنهمالتّله كان نورًا كله في ظاهره وباطنه(1)، فمن التمس منه نورًا؛ وجده على أي وجهة التمسه، بخلاف غيره من الأمّة؛ فإنه - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مَبْلَغَه على حال، ولا يوازيه في مرتبته، ولا يُقاربه، فصار هذا النوعُ مختصًّا به؛ كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بُضْعِ الواهبة نَفْسَها له، وعدم وجوب القَسْم على الزوجات، وشبه ذلك. فعلى هذا المأخذ؛ لا يصحُ لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة . والثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص، ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع؛ خوفًا من أن يُجعل ذلك سُنَّةً؛ كما تقدَّم ذِكْرُه في اتباع الآثار والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرِّك به تعظيمٌ يُخرج به عن الحد، فربما اعتقدت في المتبرَّك به ما ليس فيه، وهذا التبرُّك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشجرة التي بويع تحتها رسول الله وَله، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكره أهل السير (ب) -، فخاف عمر ◌َّ أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تُعْبَد من دون الله، فكذلك يتّفق عند التوغل في التعظيم. ولقد حكى الفَرْغَانِيُّ مُذَيِّلُ ((تاريخ الطبري)» عن الحلاج: أن أصحابه بالغوا في التبرُّك به (ج)، حتى كانوا يتمسَّحون ببوله، ويتبخَّرون بعَذِرَتِهِ، حتى اذَّعَوْا = (أ) هذا في هديه وسنّتهَ *، وأما من اعتقد أنه خلق من نور؛ فباطل، ومستنده واهٍ. وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُونَ﴾، رقم (ب) هذا ثابت في ((صحيح البخاري)) (كتاب التفسير، باب (٤٩٢٠). (ج) وهذا شأن الصوفية قديماً وحديثاً، وما ذكر الفرغاني مشهور من أمر الحلاج، وذكره ابن زنجي في ((ذكر مقتل الحلاج)) (ص ٥٨ - ٦٠) وغيره. ٢٢٩ ٢٨ - باب: غسل السواك فيه الإلهية !! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. ولأن الولاية - وإن ظهر لها = في الظاهر آثارٌ - فقد يخفى أمرُها؛ لأنها في الحقيقة راجعةٌ إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادُّعِيَت الولايةُ لمن ليس بوليٍّ، أو ادعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقةً من خوارق العادات هي من باب الشَّعوذة لا من باب الكرامة، أو من باب السيميا أو الخواص أو غير ذلك، والجمهور لا يعرفون الفرق بين الكرامة والسحر(1)، فَيُعظّمون مَنْ لَيس بعظيم، ويقتدُون بمن لا قذْوة فيه، وهو الضَّلال البعيد، إلى غير ذلك من المفاسد؛ فتركوا العمل بما تقدَّم - وإن كان له أصل - ؛ لما يلزم عليه من الفساد في الدين. وقد يظهر بأول النَّظر أن هذا الوجه الثاني أرجح؛ لما ثبت في الأصول العلمية: أن كل مزيَّة أُعْطِيها النبي ◌َّله، فإن لأمته أنموذجًا منها، ما لم يدل دليل على الاختصاص (ب)، كما ثبت أن كل ما عمل بهفى السَّلامُ؛ فإن اقتداء الأمة به مشروع؛ ما لم يدل دليل على الاختصاص. إلا أن الوجه الأول أيضًا راجحٌ من جهة أخرى، وهو إْبَاقُهم على الترك، إذ لو كان اعتقادُهم التَّشريع؛ لعَمِل بعضُهم بعده، أو عملوا به - ولو في بعضٍ الأحوال - : إمَّا وقوفًا مع أصل المشروعيَّة، وإما بناءً على اعتقاد انتفاء العلَّة الموجبة للامتناع. وقد خرَّج ابن وهب في ((جامعه)) من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب؛ قال: حدثني رجل من الأنصار: أن رسول الله وَ﴿ كان إذا توضأ أو تنخَّم؛ ابتدر مَن حوله من المسلمين وَضوءَه ونُخامَتَه، فَشَرِبُوه، ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصْنَعُون ذلك؛ سألهم: ((لم تفعلون هذا؟)). قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك. فقال لهم رسول الله وَّله: ((من كان منكم يحب أن يحبَّه الله ورسوله؛ فَلْيَصْدُق الحديث، ولْيُؤَدِّ الأمانةَ، ولا يُؤذَّ جاره)) (ج). فإنْ صَحَّ = (أ) انظر هذه الفروق في كتابي ((فتح المنان في جمع كلام ابن تيمية عن الجان)) (٢ / ٥٦٣ - ٥٦٤)، نشر الدار الأثرية، الأردن. (ب) انظر هذه القاعدة مُؤَصَّلة مفصّلة في ((الموافقات)) (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩ - بتحقيقي). الحديث صحيح بشواهده، كما بيّنته في تعليقي على ((الاعتصام)) (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢) وانظر (ج) ((السلسلة الصحيحة)) (٢٩٩٨). ٢٣٠ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تأخذشه هذا النقل؛ فهو مشعر بأن الأولى تركُه(1)، وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى = من وظائف التكليف، وما يلزم الإنسان في خاصَّة نفسه. ولم يثبت من ذلك كلِّه إلا ما كان من قَبِيل الرُّقية وما يتبعها، أو دعاءِ الرَّجُل لغيره ... )) انتهى بحروفه. قلت: وهذا التبرُّك محصول فعلُه ومشروعيَّته بما ثبت عن الصَّحابة رضوان الله عليهم، فإنَّهم قد تبرَّكوا بأشياء منفصلةٍ عن بدنه، كالشّعر، والوضوء، والعرق، والنخامة، ممّا جاءت به الأحاديث الصَّحيحة. وهذا النَّوع من البركة خاص بالنَّبِي وَ ل* لا يشركه فيه غيره، حتى أكابر الصَّحابة مثل أبي بكر وعمر وغيرهما. وهذا النَّوع من تعدِّي البركة قد انقطع بعد موت النَّبِي وَِّ، إلَّا ما كان من أجزاء ذاته باقيًا بيقين بعد موته عند أحد، فقد استوهب محمَّد بن سيرين من أمِّ سُلَيم ذلك السُّك الذي أخذته من عرق النَّبِي وَّارِ، واستوهبه أيُّوب من ابن سيرين، قال: فاستوهبتُ من محمَّد من ذلك السُّك فوهب لي منه، فإنَّه عندي الآن، قال: فلمَّا مات محمَّد حُنِّطَ بذلك السُّك. قال: وكان محمَّد يُعجبه أن يحنَّط الميِّت بالسُّك. أخرجه ابن سعد (٤٢٨/٨) بإسناد صحيح. وقد ثبت أنَّ أم سلمة قطعت فيّ السِّقاء الذي شرب منه النَّبي ◌َّه، وأمسكته عندها= قد يقال: إن هذا يدل على الإنكار وكراهة النبي * لهذا الفعل، ويؤيده ما ثبت من مجموع (أ) سيرته من كراهة الغلو فيه وإطرائه، وحبه التواضع، ومساواة الناس بنفسه في المعاملات كلها إلا ما خصه الله به، حتى أنه طلب أن يقتص منه مَن لعله آذاه - وهو القائد والمربي الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم - ، ولم يعرف من الأحوال التي تبركوا فيها بفضل وضوئه وببصاقه إلا يوم الحديبية !! وظهر له يومئذ حكمة؛ فإن مندوب المشركين في صلح الحديبية لما حدثهم بما رأى من ذلك هابوا النبي و 8$، وخافوا قتال المسلمين، فلعل المسلمين قصدوا هذا لهذا. علقه رشید رضا . قلت: قارنه بما في ((فتح الباري)) (١١/ ٧١ - ٧٢)، و((التوسل)) لشيخنا الألباني (ص ١٦٢)، وكتابنا («الردود والتعقبات)) (ص ٢٤٠ - ط الأولى)، ففيه تعقب على قول الشيخ رشيد رضا: (برك الصحابة بالنبي 18 يوم الحديبية فحسب)). ٢٣١ ٢٨ - باب: غسل السواك بغيره في تحصيل آلة الطهارة، وجواز استخدام الزوجة برضاها(١). انظر: ((جامع الترمذي)) رقم (١٨٩٣)، و((سنن ابن ماجه)) (رقم (٣٤٢٢)، = و((شمائل الترمذي)) رقم (٢١٥)، و((الطبقات الكبرى)) (٤٢٨/٨). قال النَّووي في ((رياض الصالحين)) (٣٣٩): ((وإنَّما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله (وَ﴾، وتتبرَّك به، وتصونه عن الابتذال)). وقد انقرض المتيقّن من آثار رسول الله وَ لفي مع الزَّمن، وفي هذا يقول شيخنا الألباني - رحمه الله تعالى - في كتاب ((التوسل)) (ص ١٦١ - ١٦٢): ((هذا؛ ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّنا نؤمن بجواز التَّبرُّك بآثاره وَ * ولا ننكره خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن؛ لهذا التَّرُّك شروطًا، منها: الإيمان الشّرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا؛ صادقَ الإسلام فلن يحقق الله له أيَّ خیر؛ بتبرُّكه هذا. كما يشترط للرَّاغب في الثَّبرُّك: أن يكون حاصلًا على أثرٍ من آثاره وَهول ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره وَ ل﴿ من ثيابٍ أو شعرٍ أو فضلات قد فُقِدَتْ وليس بإمكان أحدٍ إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ التبُّك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا ويكون أمرًا نظريًّا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه)). (١) قرر المصنّف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٤/١٤) أن خدمة المرأة زوجها بنحو الخبز والطبخ وغسل الثياب وغير ذلك من المعروف والمروءات التي أطبق الناس عليها، قال: ((ليس ذلك بواجب)). والمسألة فيها تفصيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٣٤/ ٩٠ - ٩١): ((وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز، والطحن، والطعام لمماليكه، وبهائمه؛ مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل - وهو الصواب - وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بسنة = ٢٣٢ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثه رسول الله 18 وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف. ثم من = هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القرويّة ليست كخدمة الضعيفة))، وينظر كتابي ((المروءة وخوارمها)) (٢٤) . ٢٣٣ ٢٩ - باب الفطرة ٢٩ - باب الفطرة ٥٢ - (حسن) حدثنا يحيى بن معين، نا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وقال: ((عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماءِ)) - يعني الاستنجاء بالماء -. قال زكريا: قال مُصعب [بن شيبة]: ونسيت العاشرة؛ إلَّا أن تكون المضمضة(١). قوله في الإسناد الأول: ((عن ابن الزبير عن عائشة)). هكذا هو في جميع النسخ: ابن الزبير، يعني: عبد الله بن الزبير، وكذا جاء في ((صحيح مسلم)) بإسناد أبي داود عن عبد الله بن الزبير مصرّحًا به، ووقع في كتاب الخطابي(٢): عن أبي الزبير، يعني: محمد بن مسلم بن تَدْرُس، وهو غلط، وقد اغترّ به كثيرون، فَضَبَّبُوا على لفظة (بن) مشيرين بذلك إلى أنه كذا وقع، وأن صوابه: عن أبي الزبير، والصواب الأول، (١) أخرجه مسلم (٢٦١) من طريق وكيع به. وعزاه المصنف له في ((المجموع)) (٢٨٣/١)، و((خلاصة الأحكام)) (٩٠/١) رقم (١٠٦ - ١٠٧)، و((شرح صحيح مسلم» (١٨٨/٣). وانظر - لزامًا -: ((الإمام)) (١/ ٤٠١ - ٤٠٢)، ((التتبع)) (١٨٢) للدار قطني. (٢) (معالم السنن)) (٣٠/١). ٢٣٤ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثم وهو الموجود في جميع النسخ، وهو الذي ذكره أصحاب ((الأطراف))(١)، وحديث عائشة هذا صحيح، ورواه مسلم. قوله وَى: ((عشر من الفطرة))، قال الخطابي(٢): ((فَسَّر أكثر العلماء في هذا الحديث الفطرة بالسنَّة))، قال: ((ومعناه: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أُمر(٣) أن يَقتدي بهم))، قال: ((وأول من أُمر بها إبراهيم ◌َ ، وهو معنى قوله عزَّ وجل: ﴿وَإِذِ أَبْتَلَّ إِرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلَِّتٍْ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال ابن عباس: أمر بهؤلاء الخصال(٤)، فلما فعلهن قال الله: ﴿قَالَ إِي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] (٥)، أي: يُقتدى بِكَ ويُسْتَنُّ بِسُنَّتِكَ))، هذا كلام الخطابي. وقال آخرون: المراد بالفطرة هنا: الدِّين، وممن ذهب إليه: الماورديُّ في كتابه ((الحاوي)) (٦)، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في (١) انظر: ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) (٢٤٤/١١ - ٢٤٥)، رقم (١٦١٨٨). (٢) ((معالم السنن)): (٣١/١)، وعبارته: ((فسَّر أكثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة، وتأويله: أن هذه ... )) الخ ما ساقه الشارح رحمه الله تعالى. (٣) في ((المعالم)): ((أمرنا أن نقتدي بهم)). (٤) في المعالم: ((من أمره بعشر خصال، ثم عددهن، فلما)). (٥) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره)) (٥٧/١)، وابن جرير في ((جامع البيان)) (٤٩٩/٢)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٢١٩/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٦/٢)، والبيهقي في ((الكبير)) (١٤٩/١) وسنده صحيح، وانظر آثارًا عن ابن عباس بنحوه في ((الدر المنثور)) عند تفسير الآية. (٦) انظر ((الحاوي)) (٩٣/١)، وليس فيه هذا التفسير، وحكاه عنه وعن أبي إسحاق: النووي في ((المجموع)) (٣٣٨/١) أيضًا، وعنه ابن حجر في ((الفتح)) (٤١٧/١٠ - ط دار السلام) وتعقبه كما سيأتي. ٢٣٥ ٢٩ - باب الفطرة ((تعليقه في الخلاف))(١)، وغيرهما، والصحيح الأول(٢)؛ ففي ((صحيح البخاري)(٣) عن ابن عمر (رضي الله عنهما) عن النبي وَّو قال: ((من السنة قصُّ الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار)). وأصحّ ما فُسِّر به غَريبٌ تفسيره بما جاء في رواية أخرى(٤)، لا سيّما في ((صحيح البخاري)). (١) هو كتاب: ((نكت المسائل المحذوف منه عيون الدلائل)) طبع منه (قسم العبادات) عن عالم الكتب سنة ١٤١٨ هـ، بتحقیق الدکتور یاسین بن ناصر الخطيب. وليس فيه ما ذكره المصنف هنا، والله أعلم. (٢) أرى لا تعارض بين هذا القول والذي قبله، فالفطرة هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه، فالألف واللام للعهد، وهي ﴿فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم: ٣٠] وذكر المصنف القولين في ((شرح صحيح مسلم)) (١٨٩/٣) ولم يصحح. (٣) برقم (٥٨٨٨)، ولفظه: ((إن من الفطرة قص الشارب))، ولذا تعقب ابنُ حجر في ((الفتح)) (٤١٧/١٠) المصنف في قوله ((من السنة)) في هذا الحديث، قال: ((وقال النووي في ((شرح المهذب)): جزم الماوردي والشيخ أبو إسحق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين، واستشكل ابن الصلاح ما ذكره الخطابي وقال: معنى الفطرة بعيد من معنى السنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف أي سنة الفطرة. وتعقبه النووي بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب. فإن في ((صحيح البخاري)) عن ابن عمر عن النبي وَّير قال: ((من السنة قص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار)) قال: وأصح ما فسر الحديث بما جاء في رواية أخرى لا سيما في البخاري اهـ. وقد تبعه شيخنا ابن الملقن على هذا، ولم أر الذي قاله في شيء من نسخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ ((الفطرة)) وكذا من حديث أبي هريرة. نعم وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ الفطرة كما في رواية مسلم والنسائي وغيرهما)). (٤) إذ التنصيص مُقَّدَّم على الاستنباط والاجتهاد. ورواية ((من السنة)) في الحديث المذكور عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٤٩/١). ٢٣٦ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كثّشه وأما إعفاء اللحية، فقال الخطابي(١): ((إرسالها وتوفيرها)). وكان زي آل كسرى قصّ اللّحَى، وتوفير الشوارب، فندبنا إلى مخالفتهم(٢)، ويقال: عفا الشعر والنبات إذا وفا(٣)، عَفَيْتُهُ وأَغْفيته. وأما غسل البراجم، فسببه أنها مواضع يجتمع فيها الوسخ، والبراجم: هي العُقد التي في ظهور الأصابع، واحدتها: بُرجُمة. وغسل البراجم سنة مستقلَّة غير مختصة بالوضوء، قال العلماء: ويلحق بالبراجم كُلُّ موضع من البدن اجتمع فيه وسَخٌ بِعَرَقٍ أو غيره کصِماخ الأذن وداخل الأنف وغيرهما(٤). (١) هنا علامة إلحاق في الهامش، والكلمة التي في الهامش مبتورة، والكلمة هي (فهو) كما في ((معالم السنن)) (١/ ٣١). (٢) نقل السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٦ - درجات) عن النووي قوله: ((المختار في قصّه: أن يقصه حتى يبدو الإطار، وهو طرف الشِّفة، ولا يحفيه من أصله))، وقال: ((قال ابن دقيق العيد: لا أدري هل نقله عن المذهب، أو اختار مذهب مالك)». قلت: وكلام المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٥١/٣ - ١٥٢) ونقله عن القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) (٢/ ٦٣ - ٦٤)، واختياراته فيه أقرب للدليل، وفيها خروج عن المذهب بخلاف سائر كتبه، وتأثره ونقله لعبارات القاضي عياض ظاهر جدًّا فيه، بل جعله العلامة الشيخ حماد الأنصاري فيما نقل ولده عبد الأول عنه في كتابه ((المجموع)» (٢/ ٧٥٢) - اعتمادًا شبه كلِّي. قلت: وهو من أسباب عدم إبداعهِ وإسهابه فيه . (٣) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٩٣/٣): ((أوفوا بمعنى اعفوا، أي: اتركوها وافية كاملة، لا تنقصوها))، وهذا يوافق رواية صحيحة: ((وفروا اللحى))، فالواجب أن تكون اللحية (وفيرة) في الوجه، حتى قال العلائي: ((إن الأخذ منها دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهنود ومجوس الأعاجم)) نقله عنه ابن عابدين في ((العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية)) (٣٢٩/١). (٤) نحوه في ((شرح صحيح مسلم)) (١٩١/٣)، وزاد: ((وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن، بالعرق والغبار ونحوهما)). ٢٣٧ ٢٩ - باب الفطرة وأما نتف الإبط، فسنة(١) متأكّدة، وهو أفضل من حَلْقِهِ، فلو حَلَقه جاز، ويبدأ بالإبط الأيمن(٢) وفي الإبط (٣) لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أفصح. وأما حلق العانة(٤)، فسنَّة متأكدة، ويجوز إزالة الشعر بالنتف والقصّ والنَّورة(٥)، ولكن الحلق أفضل. (١) عبارته في ((شرح صحيح مسلم)) (١٩٠/٣): ((فسنة بالاتفاق، والأفضل النتف لمن قوي عليه، ويحصل أيضًا بالحلق والنَّورة)). (٢) ويزيل باليسرى، وكذلك شعر إبط اليسرى إنْ تمكّن، وإلا فباليمنى. (٣) قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٤): ((الإبط: بإسكان الباء، يُذكَّر ويؤنث))، وانظره (ص ٣٠٩) وزاد في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٣/٣): ((أرجحهما التذكير. قال ابن الكسيت: الإبط مذكر، وقد يؤنث)). (٤) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٣/ ١٩٠): ((والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذَكّر الرجل وحواليه، وكذاك الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القُبل والدبر وحواليهما)) انتهى، وبنحوه في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٤/ ٥٤) له أيضًا. وقال أبو شامة: ((بل هو من الدبر أولى؛ خوفًا من أن يعلق شيء من الغائط، فلا يزيله المستنجي إلَّا بالماء. ولا يتمكن من إزالته بالاستجمار))، وذهب الفاكهي في ((شرح العمدة))، وابن العربي إلى عدم جواز أخذ شعر الدبر، ولم يذكر للمنع مستندًا، وما اختاره المصنف قوي وجيد، أفاده ابن الملقن في ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) (١/ ٧١٠). (٥) النَّورة: من الحجر الذي يحرّق ويسوى منه الكلس، ويحلق به شعر العانة، قال المصنف في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٧٥/٤): ((والنورة المذكورة في المياه، قال ابن الصلاح: هي حجارة بيض رخوة فيها خطوط)). قلت: ولا بأس من استخدام المزيلات المعروفة في أيامنا هذه الشعر الإبط والعانة. ٢٣٨ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقآله وأما وقت تقليم الأظفار وقصّ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة مُعْتبر بطولها، متى طالت أزالها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال(١). ويستحبُّ دفن هذه الشعور والأظفار، اتفق عليه أصحابنا(٢)، ونقلوه عن ابن عمر (رضي الله عنهما)(٣). (١) لا بأس من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظيف فيه مشروعة. (٢) انظر: ((المجموع)) (٣٤٢/١). (٣) فقد جاء عنه أنه رفع: ((ادفنوا الأظفار والشعر فإنه ميتة)). أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥١٨/٤) - ومن طريقه البيهقي في ((الكبرى)) (٢٣/١)، وابن الجوزي فى ((العلل المتناهية)) (٦٨٦/٢ - ٦٨٧) -: ثنا محمد بن الحسن السكوني النابلسي بالرملة قال: حدث أحمد بن سعيد البغدادي وأنا حاضر ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد حدثني أبي عن نافع عن ابن عمر رفعه. وقال العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٧٩/٢): ((وحدث أحمد بن محمد بن سعيد المروزي ثنا نصر بن داود بن طوق ثنا عبد الله بن عبد العزيز به)). قلت: إسناده واوٍ بمرّة، آفته عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد. قال العقيلي عقبه: ((ليس له أصل عن ثقة)). وقال في ابن أبي رواد: ((أحاديثه مناكير غير محفوظة، ليس ممن يقيم الحديث)). وقال ابن عدي عنه: ((له أحاديث لم يتابعه أحد عليها)). وقال: ((يحدث عن أبيه عن نافع عن ابن عمر بأحاديث لا يتابعه أحد عليه)). وقال البيهقي عقبه: ((هذا إسناد ضعيف)). قلت: وقال عنه أبو حاتم الرازي: ((أحاديثه منكرة، وليس محله عندي الصدق)). وقال علي بن الحسين الجنيد: ((لا يساوي فلسًا يحدّث بأحاديث كذب)). كذا في ((الجرح والتعديل)) (١٠٤/٢/٢). وبه أعله: ابن الجوزي في ((الواهيات)) (٦٨٧/١)، و((التحقيق)) (٢٩٣/١ - مع التنقيح)، وأقرَّه محمد بن عبد الهادي، وأعله به أيضًا: أبو الحسن التبريزي في ((المعيار في علل الأخبار)) (٨١/١) رقم (٤٣) والزيلعي في ((نصب الراية)) (١٢٢/١)، وابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١١٣/٢). وقال البيهقي في ((الكبرى)) (٢٣/١): ((قد روي في دفن الظفر والشعر = ٢٣٩ ٢٩ - باب الفطرة أحاديث أسانيدها ضعاف)). وقال في ((الشعب)) (٢٣٢/٥): ((وروي من أوجه = كلها ضعيفة)) . قلت: وقد وقفت على غير حديث في هذا الباب، وكلها ضعيفة، لا تصلح للاحتجاج، ولا تنهض بحيث يعتمد عليها، ويعمل بها، وهذا الباب مما فات الأخ المفضال الشيخ بكر أبو زيد في ((التحدیث)) فليضف إليه، وهاك البيان: أولًا: أخرج البخاري في ((التاريخ الكبير» (٤٥/٢/٤) - ومن طريقه الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) (٢٠٩٤/٤ - ٢٠٩٥) - قال: قال لي یحیی بن موسى، والبزار في ((مسنده)) (٣/ ٣٧٠) (رقم: ٢٩٦٨ - زوائده): ثنا عمر بن مالك، والطبراني في ((الكبير)) (٣٢٢/٢٠) (رقم: ٧٦٢): ثنا محمد بن محمد التمار البصري ثنا يونس بن موسى السامي وسليمان بن داود الشاذ كوني، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٣٢/٥) (رقم: ٦٤٨٧) من طريق يزيد بن المبارك كلهم (خمستهم) عن محمد بن سليمان بن مَسْمُول أخبرني عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه قال: أخبرتني مِيْل بنت مِشْرَح الأشعري أنها رأت أباها مِشْرَح - وكان قد صحب النبي ﴿ ـ يقلم أظفاره ثم يجمعها فيدفنها، ويخبر أنه رأى رسول الله وَ ي يفعل ذلك. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه محمد بن سليمان، وعبيد الله بن سلمة بن وهرام، وأبوه، وكلهم تكلم فیھم. قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٨/٥) - وعزاه للطبراني في ((الأوسط)) - وذكر عبيد الله وأباه، وقال: ((وكلاهما ضعيف، وأبوه وثق)). وقال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٤٢١/٣) - وعزاه لابن أبي عاصم وابن السكن - : ((وفي سنده محمد بن سليمان بن مسمول - وتصحف فيه إلى ((سموأل)) !! فليصحح - وهو ضعيف جدًّا)). وضعفه الهيثمي في ((المجمع)) (٤/ ١٦٥) في حديث آخر، وفاته أن يعله به في حديثنا هذا. ثانيًا: أخرج البيهقي في ((الشعب)) (٢٣٢/٥) (رقم: ٦٤٨٨) من طريق أبي حيان ثنا علي بن سعيد العسكري ثنا عمر بن محمد بن الحسن، والطبراني في ((الكبير)) (٣٢/٢٢) (رقم: ٧٣): ثنا علان بن عبد الصمد الطيالسي = ٢٤٠ الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكذّلم كلاهما قال: ثنا محمد بن الحسن الأسدي - وفي رواية الطبراني زيادة: ثنا = أبي، ـ وأخشى أن يكون قائل ذلك هو عمر بن محمد بن الحسن، فيكون العسكري وعلان روياه عن عمر، ويكون قد سقط من مطبوع ((المعجم)): ((عمر بن)) - ثنا قيس بن الربيع عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن النبي ◌َلّ: كان يأمر بدفع الشعر والأظفار. قال البيهقي: ((هذا إسناد ضعيف، وروي من أوجهٍ كلها ضعيفة)). قلت: آفته قيس بن الربيع، وقد أتي من ابنه، كما قال البخاري في ((الأوسط))، واعتراه من سوء الحفظ لما ولي القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريك، وانظر: ((الميزان)) (٣٩٣/٣ - ٣٩٦). ثالثًا: أخرج الطبراني في «الأوسط)) (٤٨٥/١) (رقم: ٨٨٦): ثنا أحمد ثنا سعيد عن هياج بن بسطام عن عنبسة بن عبد الرحمن بن سعيد بن العاص عن محمد بن زاذان عن أم سعد امرأة زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله وَاخوي یأمر بدفن الدم إذا احتجم. وهو ضعيف، فيه هياج بن بسطام، وانظر: ((مجمع الزوائد» (٩٤/٥). رابعًا: وأخرج البيهقي في ((الكبرى)) (٦٧/٧)، و((الشعب)) (٢٣٣/٥) (رقم: ٦٤٨٩) من طريق بُرْيَه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده قال: احتجم رسول الله ◌َ*، فقال لي: ((خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس))، فتنحیت به فشربته، ثم سألني فأخبرته فضحك. وأخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٠٩/٢/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٨١/٧) (رقم: ٦٤٣٤)، وابن حبان في ((المجروحين)) (١١١/١)، والبزار في ((مسنده» (١٤٤/٣ - ١٤٥) (رقم: ٢٤٣٥ - زوائده). وقال البخاري عقبه: ((في إسناده نظر)). وانظر: ((مجمع الزوائد» (٢٧٠/٨). خامسًا: وأخرج البزار في ((مسنده)) (رقم: ٢٤٣٦ - زوائده)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٦٧/٧)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)): ((الأصل التاسع والعشرون) - وساق إسناده القرطبي في ((التفسير)) (٢/ ١٠٣) - وفيه الأمر بدفن دمه * - خلا رواية البزّار - من حديث عبد الله بن الزبير. =