Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
١ - باب: التخلّي عند قضاء الحاجة
قوله: (المُغيرة) بضم الميم وكسرها، الضَّمُّ أشهر (١).
قلت: مقصود ابن معين أن محمد بن عمرو كان يحدث مرة بالحديث عن
=
أبي سلمة لا يتجاوزه، ثم مرة أخرى يصل الحديث بذكر أبي هريرة، وغاية
ذلك أنه قد یهم في وقف الحدیث أو رفعه أو نحو ذلك، وقد یکون الحكم له
أحيانًا على مخالفه، وهذا لا يوجب التوقف في حديثه فضلًا عن: (( ... ما
زال الناس يثَّقون حديثه)). ولما سئل يحيى بن القطان، قال: ((رجل صالح
ليس بأحفظ الناس))، وهذا ليس بجرح كما لا يخفى.
وقد وثقه النسائي، وقال هو وابن المبارك: ((لا بأس به))؛ فكيف استجاز
ابن الجوزي ◌َّثُ أن ينقل هذا النقل المشوه ليوهم أن محمد بن عمرو:
(( ... ما زال الناس يثَّقون حديثه))؟ !.
ومع هذا؛ فأرى أن ابن معين رحمه الله تعالى ربما هوَّل في حق محمد بن
عمرو، ذلك أنه سئل: ((أيهما تُقدم: محمد بن عمرو أو محمد بن إسحاق؟
فقال: محمد بن عمرو)).
فإذا اعتبرت قول ابن معين في ابن إسحاق؛ علمت أنه ينبغي أن يكون ابن
عمرو ثقة عند ابن معين، فقد سُئل عن ابن إسحاق، فقال: ((ثقة، ثقة وليس
بحجة، صدوق، ليس به بأس، ليس بذلك، ضعيف))، هذا كله قول ابن معين
في ابن إسحاق، وتضعيفه له إنما إذا قورن بغيره.
فإذا كان ابن عمرو أفضل من ابن إسحاق؛ فلازم المذهب أن يكون ابن عمرو
ثقة عند ابن معين، ثم وجدت ذلك صريحًا والحمد لله؛ فقال أحمد بن أبي
مريم عن ابن معين: ((محمد بن عمرو ثقة))، انظر: ((الكامل)) (٢٢٢٩/٦)،
((تهذيب الكمال)) (٢٦/ ٢١٢) والتعليق عليه، ((ذكر أسماء من تكلم فيه وهو
موثق)) (رقم ٣٠٧)، ((هدي الساري)) (٤٤١)، تعليقي على ((الخلافيات))
للبيهقي (٢٨٤/٣)، بقي أمر مهم، وهو: أن السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (٦
- مختصره ((درجات))) نقل كلام النووي وعزاه إلى ((شرح أبي داود)»، ووقع
عنده (معتبر)) بدل ((مفسّر)).
(١) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٩٨/١) ط قرطبة: ((وأما المغيرة؛
فبضم الميم على المشهور، وذكر ابن السكيت وابن قتيبة وغيرهما أنه يقال
بكسرها أيضًا، وكان المغيرة بن شعبة تقني أحد دهاة العرب، کنیته =

٨٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كتّشه
قوله: ((إذا ذهب المذهب أبعد))، أي: إذا ذهب لقضاء حاجة
الإنسان.
والمذهب: اسم موضع التغوّط، يقال له: المذهب والخلاء والمرفق
والمرحاض، قاله أبو عبيد(١) وغيره.
فيه: استحباب الإبعاد في ذلك إذا أمكن(٢).
قوله: ((حدثنا مسدّد ... )) إلى آخره. فيه إسماعيل بن عبد الملك بن
رُفيع، وهو ابن أبي الصُّفَيْراء، وهو ضعيف(٣)، وسكت عليه أبو داود،
أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وأبو محمد، مات سنة خمسين، وقيل: سنة
=
إحدى وخمسين، أسلم عام الخندق، ومن طرف أخباره أنه حكي عنه: أنه
أحصن في الإسلام ثلاث مئة امرأة، وقيل: ألف امرأة)). وترجمه المصنف
في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٠٩/٢ - ١١٠).
(١) في ((غريب الحديث)) (١٤٣/٣).
(٢) انظر ((التحقيق)) (٨٤)، ((المجموع)) (٧٧/٢)، ((التنقيح في شرح الوسيط)) (١/
٢٩٣)، ((المنهاج)) (٩٠/١ - ط البشائر)، ((روضة الطالبين)) (٦٦/١)، كلها
للمصنف .
وقال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢١٣/٣ - ط قرطبة) عند حديث
حذيفة الذي أخرجه مسلم (٢٧٣) بسنده إليه قال: ((كنت مع النبي ◌َّهُ فانتهى
إلى سباطة قوم، فبال قائمًا))، قال النووي: ((وأما بوله وَّلفي في السباطة التي
بقرب الدور مع أن المعروف من عادته * التباعد في المذهب، فقد ذكر
القاضي عياض ◌َّ أن سببه أنه وَ* كان من الشغل بأمور المسلمين، والنظر
في مصالحهم بالمحل المعروف، فلعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول،
فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لِدَمتِها، وأقام حذيفة
بقربه؛ ليستره عن الناس)). قال: ((وهذا الذي قاله القاضي حسنٌ ظاهر، والله
أعلم)). قلت: وكلامه في ((إكمال المعلم)) (٢/ ٨٣).
(٣) قال النسائي: ليس بالقوي. وكذا قاله ابن معين. وقال يحيى القطان: تركته ثم
كتبت عن سفيان عنه، ووهاه ابن مهدي، وقال أبو حاتم. ليس بقوي =

٨٣
١ - باب: التخلّي عند قضاء الحاجة
فهو حَسَنٌّ عنده فإن كان له عاضدٌ وإلا فهو ضعيف.
قوله: ((عيسى بن يونس))، هو بضمّ النون وفتحها وكسرها، بالهمز
وتركه، أفصحهنّ الضمُّ بلا همز(١).
قوله: ((إذا أراد البراز))، هو بكسر الباء وفتحها، قال الخطابي (٢):
«هو بفتح الباء، وهو الفضاء الواسع، گنَّوا به عن حاجة الإنسان، كما
كَنَّوْا عنها بالخلاءِ(٣)، يقال: تَبَرَّزَ(٤) إذا تَغَوَّط)). قال: ((وأكثر الرواة
(يكسرون الباء)(٥) وهو غلط، إنما (٦) البراز - بالكسر(٧) - مصدر بارزتُ
الرجل في الحرب مبارزةً وبرازًا»، هذا كلام الخطابي، وقَلَّده فيه
جماعة، وليس الكسر غَلَطًا كما قال، بل هو صحيح أو أصح(٨)؛ فقد
الحديث، وليس حدّه الترك. وقال ابن حجر: صدوق كثير الوهم. انظر:
=
((الجرح والتعديل)) (١٨٦/٢)، ((تهذيب الكمال)) (١٤١/٣)، («الميزان)) (١/
٢٣٦) .
(١) قاله في ((شرح صحيح مسلم)) (١١٣/١) وكذا في ((تهذيب الأسماء واللغات))
(١٦٧/٢)، وزاد: ((وبه جاء القرآن)).
(٢) في ((معالم السنن)) (٩/١)، وعبارته: ((البراز بالباء المفتوحة، اسم للفضاء
الواسع من الأرض».
(٣) في ((المعالم)): ((كما كنّوا بالخلاء عنه))، والمثبت عند المصنف في ((تهذيب
الأسماء واللغات)) له أيضًا (٢٥/٣).
(٤) في ((المعالم)): ((تبرز الرجل إذا تغوط)). وكذا نقلها المصنف في ((التهذيب))
(٢٥/٣).
(٥) بدل ما بين القوسين في ((المعالم)): ((يقولون البراز بكسر الباء))، وكذا في
((التهذيب)) (٢٥/٣) للمصنّف فيما نقله عنه.
(٦) في ((المعالم)): ((وإنما)).
(٧) ليست في ((المعالم)) ولا في ((تهذيب السنن)).
(٨) قال المصنّف في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٥/٣) عقب نقله كلام =

٨٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثم
ذكر الجوهريُ(١) وغيره البراز - بالكسر - اسم للغائط الخارج من
الإنسان(٢)،
الخطابي السابق: ((ذكر بعض مَنْ صنَّف في ألفاظ ((المهذب)) من الفضلاء أنه
=
(البراز) - بكسر الباء -، قال: ولا تقل بفتحها، قال: لأن البراز - بالكسر -
كناية عن ثقل الغذاء، وهو المراد)).
قال النووي على إثره: ((وهذا الذي قاله هذا القائل هو الظاهر والصواب)).
وقال في ((المجموع)) (٨٦/٢ - ٨٧) على إثر كلام الخطابي: ((فحصل أن
المختار کسر الباء».
وانظر: ((المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء)) (٤٨/١ - ٤٩) لابن
باطيش (ت ٦٥٥ هـ).
(١) في ((الصحاح)) (٨٦٤/٣)، مادة (برز) وعبارته: ((البِرازُ أيضًا: كناية عن ثُقْل
الغذاء، وهو الغائط)). ونقله عنه المصنّف في ((التهذيب)) (٢٥/٣) وقال على
إثره: ((وأكثر الرواة أيضًا، وهذا يعيِّن المصير إليه، لأنّ المعنى عليه ظاهر،
ولا يظهر معنى الفضاء الواسع إلَّا بتأويل وكلفة، فإذا لم تكن الرواية عليه،
لم يُصر إليه، والله أعلم)).
قلت: فسر في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٨/٣ - ٢٠٩) يتبرز، بقوله: ((يأتي
البراز، قال: بفتح الباء، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض، ليخلو
بحاجته، ويستتر ويبعد عن أعين الناظرين)).
وقال فيه (٢١٦/١٤) تحت حديث (٢١٧٠): ((البراز: هكذا المشهور في
الرواية (البراز) - بفتح الباء - وهو الموضع الواسع البارز الظاهر، وقد قال
الجوهري في ((الصحاح)): البراز - بكسر الباء - هو الغائط)). قال: ((هذا أشبه
أن یکون المراد هنا».
(٢) نقله المناوي في ((فيض القدير)) (١٧٧/١)، قال: ((وقال الكمال بن أبي
شريف: وجدت بخط النووي في قطعة كتبها على ((سنن أبي داود)) بعد أن نقل
قول الخطابي أن الكسر غلط، ما نصه: ((ليس الكسر غلطًا)) ونقله إلى هنا،
وقال: ((وقال الولي العراقي في ((شرح أبي داود)): إذا ثبت أن (البراز)
بالكسر: ثقل الغذاء، وأكثر الرواة إلى الكسر، تعيَّن المصير إليه، ولا يظهر =

٨٥
١ - باب: التخلّي عند قضاء الحاجة
فيظهر الكسر حينئذٍ، لا سيَّما والرواية بالكسر كما نقله الخطابي(١).
وفيه: استحباب التباعد عن الناس عند قضاء الحاجة، ويلحق به ما
كان في معناه.
= معنى الفتح إلَّا بتوسّع، وانتقال عن المدلول الأصلي إلى غيره)».
(١) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (٦ - درجات) عن النووي في كتابه هذا.

٨٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكذّشه
٢ - باب: الرجل يَتَبَوَّأ لبوله
هو مهموز(١)، أي: يطلب موضعًا صالحًا له.
٣ - (ضعيف) حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حمادٌ، نا أبو التياحِ
قال: حدثني شيخٌ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة، فكان يحدث
عن أبي موسى، فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب
إليه أبو موسى: إني كنت مع رسول الله و 8* ذات يوم، فأراد أن يبول
فأتى دَمثًا في أصل جدارٍ، فبال، ثم قال ◌َّر: ((إذا أراد أحدكم أن یبول
فليَرْتَدْ لبوله موضعًا))(٢).
(١) يريد: ((يتبوأ)).
(٢) أخرجه أحمد (٣٩٦/٤، ٣٩٩، ٤١٤)، والطيالسي (٥١٩) ومن طريقه
الحاكم (٥٢٨/٣)، والبيهقي (٩٣/١)، من طرق عن أبي التياح به، وهو
ضعیف لجهالة الراوي عن ابن عباس.
وله شاهد من فعل النبي ﴿: أخرجه ابن حبان في ((المجروحين)) (٩١/٢)،
من طريق عمر بن هارون عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن
أبي قتادة، عن أبيه قال: ((كان رسول الله * يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم
لصلاته))، وعمر بن هارون متروك، فالحديث ضعيف.
وذكره المصنف في ((خلاصة الأحكام)) (١٤٩/١) رقم (٣٢٢) في (قسم
الضعيف) من (كتاب الاستطابة) وقال في ((المجموع)) (٨٣/٢): ((ضعيف،
رواه أحمد وأبو داود عن رجل عن أبي موسى)).
وقال المناوي في ((فيض القدير)) (٣٤٦/١): ((وقال المنذري في تعقبه على
أبي داود: فيه مجهول، وتبعه الصدر المناوي، وقال النووي في =

٨٧
٢ - باب: الرجل يَتَبَوَّا لبوله
وحديث الباب ضعيف؛ لأن فيه مجهولًا، وإنما لم يصرِّح أبو داود
بضعفه لأنه ظاهر(١).
قوله: ((حدثنا أبو النَّياح)) هو بمثناة فوق مفتوحة، ثم مثناة تحت
مشدَّدة، وبحاءٍ مهملة(٢) .
اسمه: يزيد بن حميد، بَصْريّ. قال شعبة: كُنَّا نُكَنِّيه أبا حماد،
قال: وبلغني أنه كان يُكَنّى بأبي التياح وهو غلام(٣).
قوله: ((لما قدم البصرة))، هي بفتح الباء وكسرها وضَمِّها، الفتح
أشهر (٤).
قوله: «فأتی دَمِئًا في أصل جدار فبال)»: هو بکسر الميم وفتحها،
((المجموع)) و((شرح أبي داود)»: حديث ضعيف لأن فيه مجهولين. قال: وإنما
=
لم يصرح أبو داود بضعفه؛ لأنه ظاهر، ووافقه الولي العراقي فيما كتبه عليه،
فقال: ضعيف، لجهالة راويه، والمجهول الذي في إسناد أبي داود في إسناد
البيهقي، انتھی)).
(١) نقله المناوي في ((الفيض)) (٣٤٦/١) عن كتابنا، كما في الهامش السابق.
(٢) انظر: ((التوضيح)) (١٣١/٣)، ((الإكمال)) (٣٣١/٧)، ((المشتبه)) (٦٢٩/٢)،
(التبصير)) (٤/ ١٤٠٠٦).
(٣) انظر: ((الكنى والأسماء)) (٤٧٣) لمسلم، و((الكنى)) (١/ ق ٤٥) لأبي أحمد
الحاكم، و((الكنى والأسماء)) للدولابي (١٣١/١ - ط الهندية)، ((ذكر من
اشتهر بكنيته من الأعيان)» (رقم ١٠١)، ((طبقات ابن سعد)) (٢٣٨/٧)،
((طبقات خليفة)) (٢١٦)، ((طبقات مسلم)) (١٨٧٧ - بتحقيقي).
(٤) للمصنّف في ((شرح صحيح مسلم))، (٢١٧/١) وفي ((تهذيب الأسماء
واللغات)) (٣٧/٣ -٣٨) وفي ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (٢٢٠ - ٢٢١) كلام جيد
في التعريف بها، وأفاد أن الأزهري حكى الفتح والكسر والضم، قال:
((حكاهن الأزهري، أفصحهن الفتح، وهو المشهور)). وينظر للأزهري
((تهذيب اللغة)) (١٧٥/١٢).

٨٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكّثه
الكسر أشهر، وهو الأرض اللينة كالرمل ونحوه مما يَخُدُّ فيه البول فلا
یرجع ولا يسيل(١).
وقوله: ((بال في أصل الجدار))، أي: قريبًا منه بحيث لا يفسده، أو
أنه كان غير مملوكٍ، أو يعلم أن مالكه لا يكره ذلك(٢).
قوله: ((إذا أراد أحدكم أن يبول فَلْيَرْتَد لبوله))، أي: يطلب(٣) موضعًا
سهلًا صالحًا لذلك. ففيه استحباب ذلك(٤).
وفيه: الكتابة بالعلم والعمل بها، وسؤال الفضلاء العلم، وإن كان
السائل فاضلًا.
(١) انظر: النهاية (١٣٢/٢)، ((الفائق)) (٤٣٨/١) مادة (دمث).
(٢) وكذا قال المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) (١٥/١) ونقله عنه وعن
المصنّف: المناوي في ((الفيض)) (٣٤٦/١) ونقله عن المصنف وحده:
السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (ص ٦ - درجات) وتعقبه بما لا طائل تحته،
فقال: ((قلت: بل ملّكه تعالى كلّ ملكه، فغيره إنما سكنوه عارية منه وَل﴿)) !.
(٣) الارتياد: افتعال من (الرود)، كالابتغاء من (البغي)، ومنه: الرائد: طالب
المرعى والطير يتريّد الورق، أي: يطلبه. ومنه المثل (الرائد لا يكذب أهله)،
وهو الذي يرسل في طلب المرعى، أفاده المناوي (٣٤٦/١)؛ واقتصر
الشارح في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٧) على قوله: ((الارتياد: الطلب))
وهكذا فعل هنا .
(٤) قال المصنف في ((المجموع)) (٨٤/٢): ((وهذا الأدب متفق على استحبابه))،
وفعله (سنة) في ((روضة الطالبين)) (٦٦/١)، و(أدبًا) في ((التحقيق)) (٨٤) وأقر
الغزاليَّ في ((التنقيح)) (٢٩٨/١) بما عده (أدبًا).

٨٩
٣ - باب: ما يقول إذا دخل الخلاء
٣ - باب: ما يقول إذا دخل الخلاء
أي: إذا أراد دخوله.
٤ - (صحيح) حدثنا مسدد بن مسرهد، ثنا حماد بن زيد وعبد الوارث،
عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله وَلقول إذا
دخل الخَلاءَ - قال عن حمَّاد - قال: ((اللهمَّ إِنِي أَعوذُ بِكَ - وقال: عن عبد
الوارث قال: ((أعوذ بالله)) - من الخبث والخبائث))(١).
(١) أخرجه البخاري (١٤٢)، (٦٣٢٢) من طريق شعبة عن عبد العزيز بن صهيب،
ومسلم (٣٧٥) من طريق حماد بن زيد، وهشيم، وإسماعيل ابن علية، ثلاثتهم
عن عبد العزيز. ولفظ شعبة وحماد وهشيم: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث
والخبائث)). ولفظ إسماعيل ابن علية: أعوذ بالله من الخبث والخبائث))
وشيخا مسلم فيه عن ابن علية هما: أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب،
ورواه النسائي (١٩) عن إسحاق بن راهويه، عن إسماعيل بمثل لفظ شعبة
وحماد وهشيم: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)).
وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)): (٦٩٢) من طريق سعيد بن زيد عن
عبد العزيز بمثل لفظ الجماعة.
وتابع ابن علية على لفظه عبد الوارث، أخرجه النسائي في ((الكبرى))
(٧٦٦٤)، و(٩٩٠٢)، والبيهقى (٩٥/١) بلفظ: ((أعوذ بالله))، فالظاهر أن
رواية أبي داود هنا له عن عبد الوارث مقرونًا بحماد لا يريد منه المماثلة في
ألفاظهما، ولكنه يريد تقسيم الطرق والأسانيد، دون التفات إلى هذا الفرق
اليسير في الرواية، وتابعه أيضًا شعبة في الرواية الأخرى التي ذكرها
أبو داود، وهي عند أحمد (٢٨٢/٣)، فالحاصل أن حماد بن زيد وهشيمًا
وشعبة في أحد اللفظين عنه، وإسماعيل ابن علية في بعض الروايات وسعيد =

٩٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّم
(صحيح) قال أبو داود: رواه شعبة، عن عبد العزيز: ((اللهم إني
أعوذ بك)). وقال مرة (شاذ): ((أعوذ بالله)) وقال وهيب: ((فليتعوذ
بالله))(١).
٥ - حدثنا الحسن بن عمرو - يعني السَّدُوسيَّ -، قال: ثنا وکیُ،
عن شُعبة، عن عبد العزيز - هو ابن صُهيب - ، عن أنس، بهذا
الحديث، قال: ((اللهمّ إني أعوذُ بِكَ)).
وقال شُعبة: وقال مرَّة ((أعوذ بالله)). [وقال وُهيبٌ، عن عبد العزيز:
فلیتعوَّذ بالله].
حديث أنس في ((الصحيحين))، وإسناده بصريون كلهم.
ابن زيد رووه بلفظ «اللهم إني أعوذ بك ... )) ورواه عبد الوارث وإسماعيل
=
ابن علية بلفظ: ((أعوذ بالله)).
فتقدم رواية الأكثر، وهي المشهورة في دواوين السنة، وخرجها البخاري دون
غيرها، والله أعلم.
(١) وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي، رواه عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ
الأمر، وليس بحكايته من فعل النبي #، كما هي رواية أصحاب عبد العزيز بن
صهيب، فتُقدَّم روايتهم عليه، وإن كان ثقة من رجال الشيخين، وتابعه
عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب؛ فقد قال الحافظ في الفتح
(٢٤٤/١): ((وقد روى العمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار
عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال: ((إذا دخلتم الخلاء؛ فقولوا باسم
الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث))، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة
التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية)). وعبد العزيز المختار على ثقته إلَّا أنه
كان يخطئ كما قال ابن حبان في «ثقاته)) (١١٥/٧).
قلت: ورواية وهيب، وصلها أبو داود نفسه في هذا الباب، كما ذكر ذلك
المزي في ((تحفة الأشراف)) (٢٨٢/١) وأشار ابن حجر في ((النكت الظراف))
أنه في رواية ابن داسة للسنن، وليس هو في المطبوع منه.

٩١
٣ - باب: ما يقول إذا دخل الخلاء
والخبث بضمِّ الباء، ويجوز إسكانها كما في نظائره(١)، وقال
الخطابي(٢): ((صوابه ضمُّ الباء))، قال(٣): ((وعامة المحدِّثين يسكنونها
وهو غلط))، وهذا الذي ادَّعاه الخطابيُّ ◌َّثُ ظاهر الفساد، وعجبٌ مِثلُه
من مِثلِه؛ فقد اتفق أهل العربية على أن كل ما كان على وزن فُعُل - بضم
الفاء والعین - جاز إسكان عینه(٤)،
(١) حكى الوجهين في ((التنقيح في شرح الوسيط)) (٢٩٩/١) وستأتي أمثلة على
النظائر من كلام الشارح كتّلهُ .
(٢) ((معالم السنن)) (١١/١) وبنحوه في ((الغريب)) (٢٢١/٣) له.
(٣) ((معالم السنن)) (١١/١) وعبارته: ((وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث
ساكنة الباء وهو غلط)). وانظر: ((إصلاح خطأ المحدثين)) (٤٧)، ((غريب
الحديث)» (٢٢٠/٣ - ٢٢١) كلاهما للخطابي.
(٤) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٤ / ٩٤ - ٩٥):
((أما (الخبث) فبضم الباء وإسكانها، وهما وجهان مشهوران في رواية هذا
الحديث. ونقل القاضي عياض ◌َّلُ في ((إكمال المعلم)) أن أكثر روايات
الشيوخ الإسكان. وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي ◌َّلهُ في ((إصلاح
غلط المحدثين)) (ص ٢٢) (الخبث): بضم الباء، جماعة الخبيث،
و(الخبائث): جمع الخبيثة. قال: يريد ذُكران الشياطين وإناثهم. قال: وعامة
المحدثين يقولون (الخبث) بإسكان الباء، وهو غلط! والصواب الضم)). قال
النووي متعقبًا: ((هذا كلام الخطابي! وهذا الذي غلّطهم فيه ليس بغلط، ولا
يصح إنكار جواز الإسكان؛ فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما
يقال: كُتب، ورُسْل، وعُنْق، وأُذْن، ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز
تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف،
لا يمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان
فإن كان أراد هذه فعبارته موهمة، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء
هنا ساكنة، منهم الإمام أبو عبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه)).
قلت: كلام أبي عبيد في ((غريب الحديث)) (١٩٢/٢) وقال أبو العباس =

٩٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكنآله
قال الخطابيّ(١) وغيره: ((الخبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة،
فاستعاذ من ذكور الشياطين وإناثهم))، وقيل: الخبْث - بالإسكان - :
الشرُّ، والخبائث: الشياطين(٢). قال ابن الأعرابي(٣): أصل الخبث (٤)
في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشَّتم، وإن كان من
المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب
فهو الضَّار.
٦ - (صحيح) حَدَّثَنَا عَمْروُ بْنُ مَرْزُوق، أَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ
النَّضرِ بْنِ أَنَسٍٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم، عَنْ رَسولِ اللهِ وَّهَ قالَ: ((إِنَّ هَذِهِ
الحُشُوشَ مَحْتَضَرَةٌ؛ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُؤْذُ بالله مِنَ
القرطبي في ((المفهم)) (٦١٠/٢): ((رويناه به أيضًا)).
=
وللنووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٨٦/٢ - ٨٧) كلام بنحو ما قدمناه
عنه آنفًا .
(١) ((معالم السنن)) (١١/١)، والعبارة فيها تصرف، وبنحوها في ((الغريب)) له
(٢٢٠/٣ - ٢٢١).
(٢) قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٦ - ٣٧):
(«الخبث: بضم الباء وإسكانها: جمع خبيث، وهم ذكران الشياطين.
و(الخبائث): جمع خبيثة، وهي إناثهم. وقيل: هو بالإسكان الشر، وقيل:
الكفر، والخبائث: المعاصي)).
وانظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٤ /٩٥ - ط قرطبة) و((تهذيب الأسماء واللغات))
(٨٧/٣).
(٣) نقله عنه الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٣٤١/٧ - ٣٤٢) والخطابي في
(المعالم)) (١١/١) و((غريب الحديث)) (٢٢١/٣) وابن منظور في ((لسان
العرب)» (١٤٤/٢).
(٤) كذا في الأصل، وفي سائر المراجع، وعند الأزهري: ((أصل الخبيث)). وقال
محقق كتابه ((تهذيب اللغة)) - وهو العلامة اللغوي عبد السلام هارون ◌َّلهُ -:
((وهو أصح)).

٩٣
٣ - باب: ما يقول إذا دخل الخلاء
الخُبُثِ والخَبَائِثِ))(١).
(١) أخرجه الطيالسي (٦٧٩)، وأحمد (٣٦٩/٤، ٣٧٣)، وابن ماجه (٢٩٦)،
والترمذي في ((العلل الكبير)) (١/ ٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٩٠٣) وهو
في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٥)، وابن خزيمة (٦٩)، وأبو يعلى (٧٢١٩) وابن
حبان (١٤٠٨)، والحاكم (١٨٧/١)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(٢٠٤/٥) رقم (٥٠٩٩)، وفي ((الدعاء)) (٣٦١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٩٦/١)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٢٨٧/٤) من طرق عن شعبة به.
وإسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه المصنف في ((خلاصة
الأحكام)) (١٤٩/١) رقم (٣٢٠) وعزاه فقط لأبي داود.
وأخرجه ابن حبان (١٤٠٦) من طريق شعبة عن قتادة عن القاسم الشيباني عن
زيد بن أرقم به .
وأخرجه أحمد (٣٧٣/٤)، وأبو يعلى (٧٢١٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١١، ٦/
١١٤)، وابن ماجه (بعد ٢٩٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٩٠٤ -
٩٩٠٦)، والحاكم (١٨٧/١)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠٥/٥ -٢٠٨) (رقم
٥١١٥)، وفي ((الدعاء)) (٣٦٣)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٠١/١٣) من
طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن قاسم الشيباني عن زيد بن أرقم به،
وهذا إسناد صحيح أيضًا.
وقال الترمذي في ((سننه)) عقب الحديث رقم (٥): ((وحديث زيد بن أرقم في
إسناده اضطراب، رواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة،
فقال: سعيد عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم، وقال هشام:
عن قتادة عن زيد بن أرقم، ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس
فقال شعبة: عن زيد بن أرقم، وقال معمر: عن النّضر بن أنس عن أبيه عن
النبيِ و9َّ)). ثم قال: «سألت محمدًا عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادة
روی عنهما جمیعًا)).
فالظاهر أن لقتادة فيه شيخين، وليس هو من المضطرب في شيء، لا سيما
وقد جاء من طريق شعبة عن قتادة عن القاسم عند ابن حبان (١٤٠٦)، وأما
خلاف شعبة ومعمر فقد قال البيهقي (٩٦/١): ((وقيل عن معمر عن قتادة =

٩٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تحدثه
وأما حديث زيد بن أرقم فهو صحيح أو حسن(١).
قوله : ((إن هذه الحشوش محتضرة)) معناه: يحضرها(٢) الشياطين
للإيذاء، والحشوش هي الكنف والمراحيض، واحدها حُشّ بفتح الحاء
وضمّها، وأصله جماعة النخل الملتفّة، كانوا يقضون حوائجهم إليها قبل
إيجاد البيوت، فلهذا سُمِّيَ موضع قضاء الحاجة حُشًّا(٣).
عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم)). وانظر: ((الضعفاء)) للعقيلي
۔
(٤٧٧/٣)، ((تحفة الأحوذي)) (٤٤/١ - ٤٧). وانظر كلامًا نفيسًا حول
الاضطراب وشرطه عند شيخنا الألباني ﴿آ48 في ((صحيح سنن أبي داود)»
(٢٧/١ - ٢٨) وما ذكرته في كتابي ((البيان والإيضاح شرح نظم العراقي
للاقتراح)) (ص ٨٧ - ٨٩)، وهو من منشورات الدار الأثرية، الأردن.
(١) سبق جزم النووي في ((خلاصة الأحكام)) (١٤٩/١) بصحّته.
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (١٩٠/١٣).
(٣) وقال في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٦٦/١٥ - ط قرطبة):
((والحش - بفتح الحاء وضمِّها -: البستان)). وقال فيه (٩٥/٤) أيضًا في قول
الذكر الوارد في الحديث: «وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق بين
البنيان والصحراء، والله أعلم)).
وذكره المصنّف أدبًا في ((التنقيح في شرح الوسيط)) (٢٩٩/١) متابعًا الغزالي
عليه .
وذكره في ((المنهاج)) (٩٢/١ - ط البشائر)، وصرح بسُنِّيّته في ((روضة
الطالبين)) (٦٩/١)، و((التحقيق)) (٨٣)، و((المجموع)) (٧٤/٢).

٩٥
٤ - باب: كراهية استقبال القبلة عند الحاجة
٤ - باب: كراهية استقبال القبلة عند الحاجة
هي الكراهية بتخفيف الياء، ويقال: الكراهة بحذفها(١) وقد يطلق
على كراهة التحريم وكراهة التنزيه، وهي ما ثبت فيها نهيٌ مقصودٌ غير
جازم، وعلى ترك الأَوْلى، والمراد هنا كراهة تحريم.
٧ - (صحيح) حَدَّثنا مُسدَّد بن مُسرهد: ثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قيل
له: لقد علَّمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال: أجل لقد نهانا وَّه
أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي
أحدُنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم(٢).
حديث سلمان رضي الله [عنه](٣) رواه مسلم، وفيه ثلاثةٌ تابعيون
(١) قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (٢٥٩): (((الكراهة) و(الكراهية):
بتخفيف الياء بمعنى، مصدر كَرِهْتُه أكرَهُه كراهَةً وکراهِیَةً».
وقال في ((شرح صحيح مسلم)) (١٩٩/٣) عن حكم (الكراهة): ((هذا هو
الصحيح المشهور عند أصحابنا وقيده في البناء»، وقال في ((التنقيح في شرح
الوسيط)) (٢٩٥/١): ((هذا ليس على إطلاقه، بل قال أصحابنا: إنما يجوز
ذلك في البناء إذا کان کثیفًا، أو كان قريبًا من الجدار ونحوه، بحيث لا یزید
بينهما على نحو ثلاثة أذرع، وأن لا ينقص ارتفاع الساتر عن مؤخرة الرحل،
وهي نحو ثلثي ذراع، هذا هو المذهب».
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٢)، من طريقين عن أبي معاوية به.
(٣) ساقطة من الأصل.

٩٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني وفقاًشه
بعضهم عن بعض(١).
واتفقوا أن سلمان عاش مئتين وخمسين سنة، واختلفوا في الزيادة؛
قيل: ثلاث مئة وخمسون، وقيل غيره(٢).
(١) هم الأعمش وإبراهيم بن يزيد النخعي وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وهو
أخو الأسود، وابن أخي علقمة بن قيس، وفيه أيضًا: أن رواته جميعًا كوفیون،
وترجم مسلم في ((الطبقات)) (٢٤٥) لسلمان وجعله فيمن نزل الكوفة.
(٢) حكى الذهبي في ((السير)) (٥٥٥/١) عن العباس بن يزيد البحراني(٢) قال:
((يقول أهل العلم: عاش سلمان ثلاث مئة وخمسين سنة؛ فأما مئتان وخمسون
فلا يشكون فيه)). وعبارته في «تاريخ الإسلام)) (٢٩٣/٢ - ط الغرب):
((وقيل: عاش مئتين وخمسين سنة، وأكثر ما قيل: أنه عاش ثلاث مئة
وخمسين سنة، والأول أصح)).
قلت: حكى المصنف في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٧٧/١) عليه
الإجماع، وعبارته: ((ونقلوا اتفاق العلماء على أن سلمان الفارسي عاش
مئتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاث مئة وخمسين سنة، وقيل: إنه أدرك وصيّ
عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام)) !!.
وقال في ((المجموع)) (١٠٢/٢): ((واتفقوا على أنه عاش مئتين وخمسين سنة،
واختلفوا في الزيادة عليها، فقيل: ثلاث مئة وخمسين، وقيل غير ذلك، والله
أعلم)) .
قال أبو عبيدة: وحرر الذهبي في ((السير)) (٥٥٥/١ - ٥٥٦) ما نقله عن
العباس بن يزيد، وأفاد أن نقله من كتاب ((الطوالات)) لأبي موسى الحافظ
المديني: فقال: ((وقد فتشت، فما ظفرت في سنه بشيءٍ سوى قول البحراني،
وذلك منقطع لا إسناد له.
ومجموع أمره وأحواله، وغزوه، وهمته، وتصرفه، وسفِّه للجريد، وأشياء =
(أ) أسند مقولة البحراني: أبو الشيخ في ((طبقات الأصبهانيين)) (١ / ٢٣٠) - ومن طريقه أبو نعيم
في ((ذكر أخبار أصبهان)) (١ / ٤٨٠) ومن طريقهما ابن عساكر (٧/ ٤٣٦) - والخطيب في
(تاريخ بغداد)) (١/ ١٦٤) ومن طريقه المزي في ((تهذيب الكمال)) (١١/ ٤٣٦).

٩٧
٤ - باب: كراهية استقبال القبلة عند الحاجة
قوله: ((حتى الخراءة»، هي بكسر الخاء وبالمد، وهي أدب التخلِّي،
والقعود لقضاء الحاجة(١)،
= مما تقدم يُنبئ بأنه ليس بمعمر ولا هرم. فقد فارق وطنه وهو حَدَث، ولعله
قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل، فلم ينشبَّ أن سمع بمبعث النبي {َ * ثم
هاجر، فلعله عاش بضعًا وسبعين سنة. وما أراه بلغ المائة، فمن كان عنده
علم، فليُقدنا .
وقد نقل طول عمره أبو الفرج بن الجوزي وغيره - وما علمت في ذلك شيئًا
یرکن إليه - .
روى جعفر بن سليمان عن ثابت البناني، وذلك في ((العلل)» لابن أبي حاتم،
قال: ((لما مرضَ سلمان خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم، فوافقه وهو في
الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخي؟ ألا تذكر صحبة
رسول الله * ألا تذكر المشاهد الصالحة؟
قال: والله ما يبكيني واحدة من اثنتين: ما أبكي حبًا للدنيا ولا كراهية للقاء
الله - قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أنَّ خليلي عهد إليَّ
عهدًا: ((ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)) وإنا قد خشينا أنا قد
تعدینا .
رواه بعضهم عن ثابت، فقال: عن أبي عثمان، وإرساله أشبه قاله أبو حاتم،
وهذا يوضح لك أنه من أبناء الثمانين.
وقد ذكرت في ((تاريخي الكبير)) [٢٥١/٣] أنه عاش مئتين وخمسين سنة، وأنا
الساعة لا أرتضي ذلك ولا أصححه)). وانظر ((شرح صحيح مسلم))
(٢٠١/٣)، ((روضة الطالبين)) (٦٨/١)، ((الإصابة)) (٦٢/٢)، ((التهذيب))
(٤٣٦/١١)، ((التحصيل والبيان في سياق قصة السيد سلمان)) (ص ٢٤٧ -
٢٤٨) للسخاوي، نشر الدار الأثرية، الأردن.
(١) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٩٧/٣): ((الخراءة: بكسر الخاء
المعجمة وتخفيف الراء وبالمد، وهي اسم لهيئة الحدث، وأما نفس الحدث
فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها)). وقال: ((ومراد سلمان رَز أنه
علَّمنا كل ما يحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل، فإنه =

٩٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كزآلم
قال الخطابي(١): ((وأكثر الرواة يفتحون الخاء ولا يَمُدُّون))، وهو
تصحيف، والذي قال لسلمان هذا القول رجلٌ من اليهود))(٢).
قوله: ((لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي
باليمين)). هكذا هو في معظم النسخ: ((وأن لا نستنجي باليمين))، وفي
بعضها بحذف لفظة (لا)، وهو الوجه، وهو الموجود في ((صحيح
مسلم))(٣) وغيره(٤)، وعلى الرواية الأولى تكون (لا) زائدة، أو يكون في
الكلام حَذْفٌ تقديره: وأمرنا أن لا نستنجي باليمين(٥).
ثم إن النهي عن الاستنجاء باليمين نهي تنزيه(٦)، فلو استنجى بها
علمنا آدابها فنهانا فيها عن كذا وكذا)) والله أعلم.
=
(١) ((معالم السنن)) (١١/١)، وعبارته: ((وأكثر الرواة يفتحون الخاء، ولا يمدون
الألف، فيفحش معناه)). وبنحوها في ((إصلاح خطأ المحدثين)) (٤٦)،
و((غريب الحديث)) (٢٢٠/٣) كلاهما للخطابي أيضًا .
(٢) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (٧ - درجات) عن النووي في ((شرحه)) هذا.
وفي رواية في ((صحيح مسلم)) (٢٦٢): ((قال - أي سلمان - : قال لنا
المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم ... )). وكذا قال سبط ابن العجمي في
((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) (ص ٩٨ رقم ١٧٤ بتحقيقي): ((ورد في
رواية (م) أن المشركين قالوا له ذلك)).
قلت: ولذا قال الديوبندي في: ((فتح الملهم)) (٤٢٣/١): ((والقائلون هم
المشركون)). ولا يبعد ما قاله المصنف، ولكن يحتاج إلى أثارة من علم.
وانظر ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٦/١ - ٣٦٧)، ((سنن أبي داود)) (١/ ١٥٢ - تحقيق
محمد عوامة) والتعليق عليه .
(٣) رقم (٢٦٢) وفيه: ((أو أن نستنجي باليمين)).
(٤) مثل: الترمذي (١٦) والنسائي (٣٨/١ - ٣٩).
(٥) انظر: ((عون المعبود)) (٢٥/١)، ((بذل المجهود)) (١٧/١ -١٨).
(٦) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٠/٣) عن النهي عن الاستنجاء =

٩٩
٤ - باب: كراهية استقبال القبلة عند الحاجة
ارتكب كراهة التنزيه، وأجزأه، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير(١)، وقال
بعض أهل الظاهر(٢): لا يجزئه كما لو استنجى بعظم.
قوله: ((وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار))؛ فيه دليل لمالك
والشافعيّ وأحمد والجمهور أن الاستنجاء واجب بالماء أو الأحجار،
سواء قَلَّت النجاسة أم كَثُرت(٣)، وقال أبو حنيفة: إن كانت أكثر من قدر
= باليمين: ((وهو من أدب الاستنجاء، وقد أجمع العلماء على أنه منهي عن
الاستنجاء بالیمین، ثم الجماهیر على أنه نھي تنزيه وأدب لا نھي تحریم،
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، وأشار إلى تحريمه جماعة من
أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم، قال أصحابنا: ويستحب أن لا يستعين
باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلَّا لعذر، فإذا استنجى بماء صبه
باليمنى ومسح باليسرى، وإذا استنجى بحَجَر فإن كان في الدُّبر مسح بيساره،
وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتَّی
مسحه؛ أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر، فإن لم يمكنه ذلك واضطر
إلى حمل الحجر؛ حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها، ولا يحرك
اليمنى؛ هذا هو الصواب. وقال بعض أصحابنا: يأخذ الذكر بيمينه والحجر
بيساره ويمسح ويحرك اليسرى، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يمس الذكر بيمينه
بغير ضرورة وقد نهي عنه، والله أعلم. ثم إن في النهي عن الاستنجاء باليمين
تنبيهًا على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها)).
(١) انظر: ((المجموع)) (١٠٨/٢)، و((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٠/٣)، و((التحقيق))
(٨٦)، و((روضة الطالبين)) (١/ ٧٠)، و((المنهاج)) (٩٥/١ - ط البشائر) وأقر
الغزالي عليه في ((التنقيح في شرح الوسيط)) (٣٠١/٦).
(٢) انظر: ((المحلى)) (٣٥٨/١١)، والعبارة المذكورة للخطابي في ((المعالم))
(١١/١)، وأفاد أبو العباس القرطبي في ((المفهم)) (٥١٨/١) أن عدم الإجزاء
عندهم لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه، وعند الجمهور لا يقتضيه، قال:
((فإن الجمهور صرفوا هذا النهي إلى غير ذات المنهي عنه، وهو احترام
المطعوم والمطلوب الذي هو الاتقاء قد حصل، فيجزئ عنه)).
(٣) انظر: ((الأم)) (٥٥/١)، ((المهذب)) (٣٤/١)، ((التحقيق)) (١٥٦)، =

١٠٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكوّثهُ
درهم وجب الماء ولا يجزيه الأحجار، وإن كانت دونه لم يجب
شيء(١).
وفيه أيضًا حُجَّةٌ للشافعي وأحمد(٢) في أنه يجب ثلاث مسحات،
وإن حصل الإنقاء بدونها، وقال مالك: الواجب الإنقاء، فإن حصل
بواحد فلا زيادة(٣).
وفيه حجة لرواية عن أحمد - وقال بها غيره - أنه لا يجزئه حجر
واحد له ثلاثة أحرف، بل يشترط ثلاثة أحجار، ومذهب الشافعي
((التنقيح)) (٣٠٨/١) كلاهما للمصنف، ((مغني المحتاج)) (٤٢/١)، («نهاية
=
المحتاج)) (١٤٤/١ - ١٤٥)، ((شرح مختصر خليل)) (٨٦/١، ٩٤)، ((قوانين
الأحكام الشرعية)) (١٥٩/١)، ((حاشية الدسوقي)) (١١٠/١ - ١١١)، ((الشرح
الصغير)) (٢٢/١، ٢٦)، ((الأخيرة)) (١٧٧/١)، ((المغني)) (١٥٢/١)،
(المحرر)) (١٠/١)، ((الإنصاف)) (١٠٤/١)، ((الكافي)» (٥٢/١)، ((كشاف
القناع)) (٧٢/١)، ((شرح منتهى الإرادات)) (٣٤/١).
وتفصيل المسألة في ((الخلافيات)) للبيهقي (٧٥/٢ - ١١١)، و((الاستذكار))
(٧٣/١)، و((التمهيد)) (٣٠٧/٢٢ - ٣١٣)، و(«الأوسط)) (١٣٨/٢)، و((تنقيح
التحقيق)) لابن عبد الهادي (٣٣٢/١).
(١) انظر: ((الأصل)) (٦٨/١)، ((المبسوط)) (٦٠/١، ٨٦)، ((بدائع الصنائع))
(١٨/١)، ((شرح فتح القدير)) (١٨٧/١، ٢٠٢، ٢٠٨)، ((تبيين الحقائق))
(٧٧/١)، ((البحر الرائق)) (٢٣٩/١، ٢٥٣ - ٢٥٤)، ((الاختيار)) (٣١/١)،
((فتح باب العناية)) (٢٥٩/١، ٢٧١ - ٢٧٢)، ((حاشية ابن عابدين))
(١/ ٢١٣).
(٢) وعزاه في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٠/٣) لأحمد وإسحاق بن راهويه
وأبي ثور، وانظر: ((المغني)) (٢٠٩/١ ط هجر)، ((المجموع)) (١٢٠/٢ - ط
دار إحياء التراث)، والمراجع السابقة.
(٣) انظر: ((شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني)) (١/ ٤٧٠) ومصادر المالكية
السابقة.