Indexed OCR Text
Pages 401-420
واختلف العلماء فيما أمر به النبي - عليه السلام - عُمر من ذلك بعد
إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد . فقيل : هو أمر ندب من النبي -عليه
السلام - لكل من أُعطي عطية كانت من سلطان أو عاميٌّ ، صالحاً كان أو
فاسقاً ، بعد أن يكون ممن يجوز عطيته ، حكى ذلك غير واحد ، وقيل
ذلك من النبي - عليه السلام - ندب إلى قبول عطية غير السلطان ،
فبعضهم منعها وبعضهم كرهها . وقال آخرون : ذلك ندب لقبول هدية
السلطان دون غيره ، ورجح بعضهم الأول ؛ لأن النبي - عليه السلام -
يخصص وجهاً من الوجوه . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ،
والنسائي بنحوه .
١٧٦٨ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله
ابن عمر ، أن رسولَ الله وَّهِ قال وهو على المنبر، وهو يذكرُ الصدقةَ
والتعففَ منها والمسألةَ: ((اليدُ العُليا خيرٌ من اليدَ السُّفْلَى، واليدُ العُليا
المنفقَةُ، والسُّفْلَى السَّائِلَةُ )) (١).
ش - هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم من قوله: (( واليد العليا
المنفقة )) من الإنفاق ، وكذا هي رواية أبي داود عن أكثر الرواة ، وفيه دليل
للجمهور أن اليد العليا هي المنفقة .
وقال الخطابي (٢) : المتعففة لما نذكره الآن. وقال غيره: العليا الآخذة،
والسفلى المانعة ، حكاه القاضي . والمراد بالعلو : علو الفضل والمجد ونيل
الثواب .
قلت : هو قول المتصوفة ، ذهبوا إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها
نائبة عن يد الله تعالى . وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع فهم
(١) البخاري: كتاب الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى (١٤٢٩)، مسلم:
كتاب الزكاة ، باب : بيان أن اليد العليا خير (١٠٣٣)، النسائي : كتاب
الزكاة ، باب : أيتهما اليد العليا (٦١/٥)، وباب: اليد السفلى (٦١/٥).
(٢) معالم السنن (٦٠/٢).
٢٦ • شرح سنن أبي داوود ٦
- ٤٠١-
المقصد من الحث على الصدقة أَوْلى ، فعلى التأويل الأول هي العليا
بالصورة . وعلى الثاني عليا بالمعنى . وفي الحديث ندب إلى التعفف عن
المسألة ، وحض على معالي الأمور ، وترك دنيِّها ، وفيه أيضاً حض على
الصدقة . والحديث أخرجه : النسائي أيضاً بنحوه .
ص - قال أبو داود : اخْتُلفَ على أيوبَ، عن نافعٍ في هذا الحديثِ ،
فقال(١) عبدُ الوارث: اليدُ الَعُلْيَا المتعففةُ. وقال أكثرُهُمْ عن حمادِ بنِ زيدٍ،
عن أيوبَ: اليدُ العُلْيَاَ المنفقةُ. وقال واحدٌ (٢) : المتعففةُ.
ش - أشار بهذا إلى أن أكثر الرواة رووا: ((اليد العُليا المنفقة)) من
الإنفاق، وأن رواية: (( اليد العليا المتعففة)) بالعين من العفة هي رواية
واحد ، وهي رواية عبد الوارث بن سعيد ، عن حماد بن زيد ، ورجح
الخطابي (٣) رواية (( المتعففة)) وقال: هي أشبه وأصح في المعنى ، وذلك
أن ابن عمر ذكر أن رسول الله - عليه السلام - قال هذا الكلام وهو يذكر
الصدقة والتعفف منها ، فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما
يطابقه في معناه أَوْلى ، وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هي أن يد
المعطي مستعلية فوق يد الآخذ ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق ،
وليس عندي ذلك بالوجه ، وإنما هو من علاء المجد والكرم ، يريد به
الترفع عن المسألة والتعفف عنها ، وأنشدني أبو عمر قال : أنشدنا
أبو العباس قال : أنشدنا ابن الأعرابي في معناه :
سموت إلى العلياء من جانب الفقر
إذا كان باب الذل من جانب الغنى
يريد به التعزز بترك المسألة ، والتنزه عنها .
وقال الشيخ محيي الدين (٤) : والصحيح : الرواية الأولى ، ويحتمل
صحة الروايتين ، فالمنفقة أعلى من السائلة ، والمتعففة خير من السائلة .
(١) في سنن أبي داود: ((قال)).
(٢) في سنن أبي داود: ((وقال واحد عن حماد)). (٣) معالم السنن (٢ / ٦٠).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٢٥/٧).
-٤٠٢-
١٧٦٩ - ص - نا أحمد بن حنبل ، نا عبيدة بن حميد التيمي ، حدثني
أبو الزعراء ، / عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضلة قال: قال [٢٦٠/٢ -ب]
رسولُ الله ◌َّةِ: [ ((الأَيْدِي ثلاثةٌ: فيدُ الله جل وعز العُلْيَا،](١) ، ويدُ المُعْطي
التي تَلِيهَاَ، ويدُ السائلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الفَضلَ ولا تَعْجَزْ عنْ نَفْسِكَ)) (٢).
ش - أبو الزعراء : عبد الله بن هانئ الكوفي الكندي . سمع :
عبد الله بن مسعود . روى عنه : سلمة بن كهيل قال البخاري : ولا يتابع
في حديثه . وقال النسائي وعليّ بن المديني : لا نعلم أحداً روى عنه إلا
سلمة بن كهيل . وقال ابن عدي : والذي قال النسائي كما قال ، ويروي
سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء ، عن ابن مسعود إن كان قد سمع من
عبد الله بن مسعود ، ويروي عن أبي الأحوص عن أبيه ، وغيرهم (٣).
وأبو الأحوص : عوف بن مالك بن نضلة الكوفي .
قوله: (( فيد الله جل وعز العليا )) المراد بها : قدرته الباسطة (٤) . وقد
جعل في هذا الحديث اليد العليا لله تعالى ، ثم للمعطي وهي يد المنفق .
ويؤيد هذا رواية الجمهور : ((أن اليد العليا هي المنفقة)).
قوله: ((فأعط الفضل)) أي : الذي يفضل من كفايته ، وهو الذي لا
يحتاج إليه ، وفيه حث على الصدقة عن فضل ماله ، ووصيته لترك العجز
والكسل في الصدقة .
(١) طمس فى الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٦/ ٣٦٢٧).
(٤) بل المراد : يد الله سبحانه على وجه الحقيقة ، يداً لا تأويل فيها ، ولا تشبيه ،
ولا تعطيل ، ولا تمثيل ، قال تعالى : ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وهذا اعتقاد
أهل السُّنَّة والجماعة ، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (ص/ ٥٣ - ٥٩)،
ومجموع الفتاوى (١٣٣/٣).
- ٤٠٣-
٢٧ - باب : الصدقة على بني هاشم
أي: هذا باب في بيان الصدقة على بني هاشم. قال صاحب ((الهداية)):
وهم آل عليّ ، وآل عباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وآل الحارث بن
عبد المطلب ، ومواليهم .
قلت : هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة .
١٧٧٠ - ص - نا محمد بن كثير ، أنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن
أبي رافع ، عن أبي رافع ، أن النبيَّ - عليه السلام - بَعَثَ رجلاً على الصدقة
من بني مخزومٍ فقال لأبي رافعٍ : اصْحَبْنِي فإنكَ تُصيبُ منها . قال : حتى
آتِي النبيَّ - عليه السلام - فَأَسْأَلُهُ فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ فقالَ: (( مَوْلَى القومِ من
أنفُسِهِمْ، وإِنَّا لا تَحلُّ لنا الصدقةُ)) (١) .
ش - ابن أبي رافع اسمه : عُبيد الله ، كاتب عليّ - رضي الله عنه -،
واسم أبي رافع : إبراهيم ، أو أسلم ، أو ثابت ، أو هرمز ، وقد ذكرناه
وهو مولى النبي - عليه السلام - .
قوله: (( بعث رجلاً على الصدقة)) هذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم
القرشي المخزومي ، بَيِّن ذلك النسائي والخطيب ، كان من المهاجرين
الأولين ، وكنيته : أبو عبد الله ، وهو الذي استخفى رسول الله - عليه
السلام - في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلاً آخرهم
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وهي التي تعرف بالخيزران (٢).
وقال الخطابي (٣) : أما النبي - عليه السلام - فلا خلاف بين المسلمين
(١) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي وَّ وأهل
بيته ومواليه (٦٥٧) ، النسائي : كتاب الزكاة ، باب : مولى القوم منهم
(١٠٧/٥).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (١/ ١٠٧)، وأسد الغابة
(٧٤/١)، والإصابة (٢٨/١).
(٣) معالم السنن (٢/ ٦٠ - ٦١) .
- ٤٠٤ -
أن الصدقة لا تحل له ، وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء . وقال
الشافعي : لا تحل الصدقة لبني المطلب ؛ لأن النبي - عليه السلام -
أعطاهم من سهم ذي القربى ، وأشركهم فيه مع بني هاشم ، ولم يُعط
أحداً من قبائل قريش غيرهم . وتلك العطية عوض عُوضوه بدلاً عما
حُرموه من الصدقة ، فأما موالي بني هاشم فإنه لاحظ لهم في سهم
ذي القربى ، فلا يجوز أن يحرموا من الصدقة ، ويشبه أن يكون إنما نهاه
عن ذلك تنزيهاً له. وقال: (( مولى القوم من أنفسهم )) على سبيل التشبيه
في الاستنان بهم ، والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة ، التي هي
أوساخ الناس ، ويشبه أن يكون عليه السلام قد كان يُكْفِيهِ المؤنة ، ويُزيحُ
له العلةَ ، إذ كان أبو رافع مولى له ، وكان ينصرف له في الحاجة والخدمة
فقال له على هذا المعنى : إذا كنت تستغني بما أعطيتك فلا تطلب أوساخ
الناس ، فإنك مولانا ومنا قال : وكان النبي - عليه السلام - يقبل الهدية
ولا يأخذ الصدقة لنفسه ، وكأن المعنى في ذلك أن الهدية إنما يُراد بها ثواب
الدنيا ، وقد كان عليه السلام يقبلها ، ويثيب عليها ، فتزول المنّة عنه .
والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن تكون يدٌ أعلى من يده في ذات
الله تعالى وفي أمر الآخرة .
وقال الشيخ محيي الدين (١) : تحرم الزكاة على النبي - عليه السلام -
وعلى آله وهم : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، هذا مذهب الشافعي
وموافقيه، أن آله - عليه السلام - هم بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وبه قال
بعض المالكية . وقال أبو حنيفة ومالك : هم بنو هاشم خاصة .. قال
القاضي : وقال بعض العلماء : هم قريش كلها . وقال أصبغ المالكي :
هم بنو قصي . وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة / [ أقوال :
أصحها: أنها تحرم على رسول الله وَ ﴿ وتحل لآله، والثاني: تحرم](٢)
عليه وعليهم . والثالث : تحل له ولهم ، وأما لموالي بني هاشم
[٢٦١/٢-١]
(١) شرح صحيح مسلم (١٧٦/٧).
(٢) طمس في الأصل ، وأثبتناه من شرح صحيح مسلم .
- ٤٠٥-
وبني المطلب ، فهل تحرم عليهم الزكاة ؟ فيه وجهان لأصحابنا ،
أصحهما: تحرم . والثاني : تحل ، وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر
الكوفيين وبعض المالكية ، وبالإباحة قال مالك ، وادعى ابن بطال المالكي
أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم . وأما موالي غيرهم فيباح لهم
بالإجماع ، وليس كما قال ، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي
بني هاشم وبني المطلب ، ولا فرق بينهما .
قلت: ذكر في (( شرح الآثار)) للطحاوي ، عن أبي حنيفة : لا بأس
بالصدقة كلها على بني هاشم ، والحرمة في عهد رسول الله للعوض وهو
خمس الخمس ، فلما سقط ذلك بموته حلت لهم الصدقة ، وذكر في
غيره: أن الصدقة المفروضة والتطوع محرمة على بني هاشم في قول
أبي يوسف ومحمد ، وعن أبي حنيفة روايتان فيها قال الطحاوي :
وبالجواز نأخذ .
والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي . وقال الترمذي : هذا حديث
حسن صحيح، ورواه أحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((مستدركه ))
وقال : صحيح على شرط الشيخين .
١٧٧١ - ص - نا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم - المعنى - قالا:
نا حماد ، عن قتادةَ، عن أنس: أن النبيَّ - عليه السلام - كان يَمَر بالتمرة
٤٠٠
العَائِرَةِ فما يَمْنَعُهُ مِن أَخذِهَا إِلَّ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةٌ (١) .
ش - ((العائرةُ)) الساقطة لا يعرف لها مالك ، من عار الفرس يعير إذا
انطلق من مربطه مارا على وجهه ، وهذا أصل في الورع ، وفي أن كل ما
لا يستبينه الإنسان مباحاً ، فإنه يُجتنب ، وفيه دليل على أن التمرة ونحوها
من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة أن له أخذها وأكلها إن شاء ، وليس
لها حكم اللقطة .
١٧٧٢ - ص - نا نصر بن علي، أنا أبي ، عن خالد بن قيس ، عن قتادةَ،
(١) تفرد به أبو داود .
-٤٠٦-
عن أنس : أن النبيَّ - عليه السلام - وَجَدَ تَمرةً فقال: ((لَولا أَنِّي أَخافُ أن
تكونَ صَدّقةً لأَكَلتُهَا)) (١) .
ش - أبوه : عليّ بن نصر بن عليّ الكوفي الكبير ، وخالد بن قيس
الأزدي البصري أخو نوح .
قوله: ((أن تكون صدقة)) فيه دليل على تحريم الصدقة على النبي - عليه
السلام - مطلقاً ، سواء كانت فرضاً أو تطوعاً لعموم اللفظ ، وفيه
استعمال الورع ؛ لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال ، لكن الورع
تركها . والحديث أخرجه مسلم .
ص - قال أبو داودَ : رواه هشامٌ، عن قتادةَ هَكذَاً .
ش - أي : روى الحديث المذكور هشام بن أبي عبد الله الدَّستوائي عن
قتادة بن دعامة (( هكذا)) أي : كما روى خالد بن قيس ، عن قتادة .
١٧٧٣ - ص - نا محمد بن عبيد المحاربي ، نا محمد بن فضيل ، عن
الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن
عباس قال : بَعَثَنِي أبي إلى النبيِّ - عليه السلام - في إِبلِ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ من
الصدقّة (٢).
ش - الحديث أخرجه النسائي أيضاً .
قال الخطابي (٣) : هذا لا أدري ما وجهه ، والذي لا أشك فيه أن
الصدقة محرمة على العباس ، والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوي القربى
من الفيء ، ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة - إن ثبت الحديث -
قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة ، فقد رُوي أنه شُكي إليه
العباس في منع الصدقة فقال: (( هي عليَّ ومثلها)) (٤) ، كأنه كان قد
تسلف منه صدقة عامين ، فردها ، أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته
(١) مسلم: كتاب الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله وَ ﴿ ﴿و (١٠٧١).
(٢) النسائي في الكبرى ، كتاب الصلاة .
(٤) تقدم قريباً .
(٣) معالم السنن (٦٢/٢).
- ٤٠٧-
إيل الصدقة ، فروى الحديث مَن رواه على الاختصار من غير ذكر السبب
فيه ، والله أعلم .
١٧٧٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا : نا محمد
-هو ابن أبي عبيدة - عن أبيه ، عن الأعمش ، عن سالم ، عن كريب مولی
ابن عباس، عن ابن عباس نحوه زاد أَبي: ((يُبْدِلُهَا (١))) (٢).
ش - محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود الكوفي المسعودي ، واسم أبي عبيدة عبد الملك ، وقد ذكرناه مرة .
قوله: ((نحوه)) أي: نحو الحديث المذكور: ((وزاد فيه)) [ ... ](٣).
٢٨ - بابٌ: في فقير يهدي إلى غنيٌّ من الصدقة
أي : هذا باب في بيان حكم الهدية التي يهديها الفقير إلى الغني من
الصدقة .
١٧٧٥ - ص - نا عمرو بن مرزوق ، نا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن
ے
[٢٦١/٢ -ب] النبي - عليه السلام - / أُنِيَ بِلَحْم، قال: ما هذا؟ قالوا: شيءٌ تُصُدِّقَ به
[على بَرِيرَةَ، فقال: ((هو لها صَدَقَةٌ، ولنا هَديَّةٌ))] (٤)، (٥) .
[ ... ] (٦) المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحلت لكل
أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه . والحديث [ أخرجه ] (٧):
البخاري، ومسلم ، والنسائي .
(١) في سنن أبي داود: ((يبدلها له)).
(٢) انظر التخريج المتقدم .
(٣) بياض في الأصل قدر نصف سطر.
(٤) طمس في الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٥) البخاري : كتاب الزكاة ، باب : إذا تحولت الصدقة (١٤٩٥)، مسلم : كتاب
الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي وَلّ ولبني هاشم وبني عبد المطلب
(١٠٧٤)، النسائي: كتاب الزكاة، باب: إذا تحولت الصدقة (١٠٧/٥).
(٦) طمس في الأصل قدر نصف سطر .
(٧) غير واضح في الأصل .
-٤٠٨-
٢٩ - باب : من تصدق بصدقة ثم ورثها
أي : هذا باب في بيان من تصدق بشيء ثم ورث ذلك الشيء .
١٧٧٦ - ص - نا أحمد بن عبد الله بن يونس ، نا زهير ، نا عبد الله بن
عطاء ، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه بريدةَ، أن امرأةً أتتْ رسولَ الله وَاهـ
فقالتْ : كُنْتُ تَصدقْتُ على أُمِّي بوَلَيدَة ، وإنها مَاتتْ وتركتْ تلك الوليدةَ .
قال: ((قد وَجَبَ أَجْرُكِ، ورجعتَّ إلَيكَ في الميراثِ)) (١) .
ش - زهير بن معاوية .
وعبد الله بن عطاء المكي ، ويقال : الطائفي أبو عطاء المدني ، ويقال :
الواسطي مولى المطلب . روى عن : عبد الله بن بريدة ، وأخيه سليمان ،
وسعد بن إبراهيم ، وغيرهم . روى عنه : الثوري، ومحمد بن أبي ليلى،
وشعبة ، وزهير ، وغيرهم . وقال النسائي : ليس بالقوي . روى له
الجماعة إلا البخاري (٢) .
وعبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي قاضي مرو .
قوله : (( بوليدة )) الوليدة - بفتح الواو ، وكسر اللام - الجارية الصغيرة،
والولائد (٣) الوصائف . وقيل : هي كناية عما ولد من الإماء في ملك
الرجل . وقال الجوهري : والوليدة : الصبية والأمة . وقيل : الصدقة في
الوليدة معناها التمليك ، فإذا ملكتها في حياتها بالإقباض ثم ماتت كانت
كسبيل سائر أملاكها ، وذكر أبو بكر المعافري أن الناس اختلفوا فيما إذا
عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها ؟
قال : الصحيح جواز أكلها للأثر والنظر [ ثم ] ذكر هذا الحديث . وقال:
الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام . والحديث أخرجه : مسلم ، والترمذي ،
(١) مسلم : كتاب الصوم ، باب : قضاء الصوم عن الميت (١١٤٩)، الترمذي:
كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في المتصدق يرث صدقته (٦٦٧) ، ابن ماجه :
كتاب الصدقات ، باب : من تصدق بصدقة ثم ورثها (٢٣٩٤).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٢٩/١٥). (٣) في الأصل: ((والواليد)).
- ٤٠٩-
والنسائي ، وابن ماجه . وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلّت له .
٣٠ - باب : حقوق المال
أي : هذا باب في بيان الحقوق الواجبة في المال .
١٧٧٧ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، نا أبو عوانة، عن عاصم بن أبي النجود،
عن شقيق ، عن عبد الله قال : كنا نَعُدُّ الماعونَ على عهد رسول الله عاريةَ
الدَّو والقدْر (١) .
ش - أبو عوانة الوضاح ، وشقيق بن سلمة ، وعبد الله بن مسعود
-رضي الله عنه - .
قوله: ((نعد الماعون)) كلمة نعد تتعدى [ إلى ] مفعولين أحدهما قوله:
((الماعون))، والآخر قوله: ((عارية الدلو))، وهي كلام إضافي ،
و((الماعون)) قد فسره في الحديث بأنه ((عارية الدلو والقدر))، ونحو ذلك
من آلات البيت كالفأس ، والقدوم ، والمنخل ، والغربال ، ونحو ذلك .
وقيل : الماعون الماء والملح والنار ، وقيل : المعونة بما يخف مؤنته ، وقيل:
هو الحق ، وقيل : الزكاة ، وقيل : المعروف ، وقيل : المال ، وقيل :
الماء عند الحاجة ، ومنه المعين ، وقيل : القليل من الكثير ، وقيل :
الماعون في الجاهلية : العطاء والنفقة ، وفي الإسلام : الزكاة والطاعة ،
وقد ذكره الجوهري في باب النون في فصل الميم ، ويدل ذلك على أن الميم
فيه أصلية ، وقال : ومن الناس من يقول الماعون أصله : معونة ، والألف
عوض عن الهاء ، والعارية فيها ثلاث لغات عارية بالتشديد ، وعارية
بالتخفيف وعارة ، وهي مشتقة من التعاور ، وهي من ذوات الواو ،
وقيل: هي من العار لأن طلبها عارٌ وعيب . والقدر مؤنث وتصغيرها قُدِيْرٌ
(١) النسائي في الكبرى : كتاب التفسير .
- ٤١٠-
بغير هاء على غير قياس ، وحكى بعضهم قُدَيرة . وروى ابن أبي شيبة في
((مصنفه)): نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن
الحارث بن سُويد، عن عبد الله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: ((هو ما
تعاور الناس بينهم : الفأس ، والقدر ، والدلو ، وأشباهه)).
وأخرج عن عليِّ : الماعون : الزكاة المفروضة . وعن ابن عباس :
عارية المتاع . وعن ابن عمر : هو المال الذي لا يُعطى حقه . وعن عليٍّ:
منع الفأس والقدر والدلو .
[٢٦٢/٢-١] {ُ
١٧٧٨ - ص - نا موسى بن إسماعيل ، نا حماد ، عن سهيل بن
أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ◌ِوٍَّ قال: ((مَا من
صَاحِب كَنْز لا يُؤَدِّي / [ حَقَّهُ إلا جَعَلَهُ اللهُ يومَ القيامة يُحمى عليها في نار
جهنم، فتُّوى بها](١) جبهتُهُ وجنبُهُ وظهرُهُ، حتى يقضي اللهُ بينَ [ عِبادِهِ
في يومٍ كان مقدَارُهُ خمسين ألف سنة مما تعدون] (١) ، ثم يُرَى سَبِيلَه إما إلى
الجنة وإما إلى النار ، ومَا من صاحب غنم لا يُؤَدِّي حَقَّها إلا جاءتْ يومَ
القيامَة أَوْفَرَ مَا كَانتْ فَيُبْطَحُ لها بقاعٍ قَرَّقَرٍ فَتُنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافها ،
ليس فيها عَقْصَاءُ ولا جَلْحَاءُ كلماً مضتٌ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عليه أُولَاهَا حَتى
يَحْكُمَ الله سبحانه بين عباده في يوم كان مِقْدَارُهُ خمسينَ ألفَ سَنة مما تعدونَ،
ثم يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إلى الجنة وإِمَّا إلى النارِ، وما من صاحب إبل لا يُؤَدِّي حَقَّهَا
إلا جَاءَتَ يومَ القيامةِ أوفَرَ ما كانتْ، فَيُبْطَحُ لها بقاعِ قَرَّقَرِ فُتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا
كلما مَضَتْ أُخْرَاهَا (٢) رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يَحْكُمُ الله سبحانه بين عباده
في يومٍ كان مِقْدَارُهُ خمسينَ ألف سنة مما تعدونَ، ثم يُرَى سَبِيلَهُ إما إلى الجنةِ
وإما إلى النارِ)) (٣).
ش - حماد بن سلمة ، وأبو صالح ذكوان الزيات .
(١) طمس في الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((مضت عليه أخراها)).
(٣) مسلم : كتاب الزكاة ، باب : إثم مانع الزكاة (٩٨٧).
- ٤١١-
قوله: (( ما من صاحب كنز)) (((١) قال الطبري: الكنز: كل شيء
مجموع بعضه على بعض ، سواء كان في بطن الأرض أم على ظهرها .
زاد صاحب ((العين )) وغيره : وكان مخزوناً . قال القاضي : واختلف
السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث ، فقال أكثرهم : هو
كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يؤدَّ ، فأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز ،
وقيل : الكنز هو المذكور عن أهل اللغة ، ولكن الآية منسوخة بوجوب
الزكاة . وقيل : المراد بالآية : أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك . وقيل :
كلما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته ، وقيل : هو ما فضل
عن الحاجة ، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال ، واتفق أئمة
الفتوى على القول الأول ، وهو الصحيح لقوله - عليه السلام -: (( ما
من صاحب كنز لا يؤدي زكاته)) ، وذكر عقابه . وفي الحديث الآخر :
((من كان عنده مال لم يؤد زكاته يمثل له شجاع أقرع))، وفي آخره :
((فيقول : أنا كنزك)) .
قوله : ((إلا جعله الله )) الضمير المنصوب يرجع إلى صاحب الكنز ،
وكذلك الضمير المرفوع في قوله: (( يُحمى))، والضمير الذي في ((عليها))
يرجع إلى الكنز ، وتأنيثه باعتبار أن الكنز مشتمل على أموال .
قوله: (( فتكوى بها جبهته)) إنما خص هؤلاء الأعضاء الثلاثة ، أما الجبهة
فلأنه زواها على الفقير ، وأما الجنب فلأنه ازْوَرَّ عنه ، وأما الظهر فلأنه
ولاه ظهره .
قوله: (( مما تعدون )) أي : من سنيِّ الدنيا.
قوله: ((أوفر ما كانت)) أي: أحسن ما كانت من السِّمن وصلاح الحال.
قوله: ((فيبطح لها)) أي : يلقى على وجهه ، والبطح في اللغة : البسط
والمد ، فقد يكون على وجهه ، وقد يكون على ظهره .
قوله: ((لها)) أي: للغنم ، أي لأجلها ، والمعنى : يبطح لوطئها عليه.
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٧/ ٦٧ - ٦٨).
-٤١٢ -
قوله: ((بقاع)) أي: في قاع ، والقاع : المستوي من الأرض الواسع ،
وقد يجتمع فيه الماء . وقيل : أرض فيها رملٌ .
قوله: ((قرقر)) بقافين ورائين مهملتين، والقرقر أيضاً : المستوي من
الأرض المتسع ، ذُكِرَ للتأكيد ، أو يكون القاع بمعنى البقعة من الأرض ،
والقرقر صفتها .
قوله: ((بأظلافها)»: الأظلاف جمع ظلف ، وهي للبقر والغنم
والظباء، وكل حافر منشق منقسم فهو ظلف ، والخف للبعير ، والحافر
للفرس والبغل والحمار ، وما ليس بمنشق من الدواب ، وقد استعير الظلف
للأفراس .
قوله: ((عقصاء)) بفتح العين المهملة، وسكون القاف ، وبالصاد
المهملة، وهي الملتوية القرنين ، و(( الجلحاء )) بفتح الجيم ، وسكون اللام،
وبالحاء المهملة ، التي لا قرن لها ، واشترط ذلك ليكون أنكى لها وأدنى
أن تمور في المنطوح . والحديث أخرجه : مسلم ، وأخرجه البخاري ،
والنسائي مختصراً بنحوه من حديث الأعرج عن أبي هريرة .
١٧٧٩ - ص - نا جعفر بن مسافر ، نا ابن أبي فدیك ، عن هشام بن سعد
عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ - عليه
السلام- نحوه. قال في قصة الإبلِ بعد قوله: ((لا يُؤَدِّي حَقَّهَا))، قال:
((من حَقِّهَا حَلَبُهَا يومَ / وَرْدهًا)) (١).
[٢٦٢/٢ -ب)
ش - ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل [ ... ] (٢).
((حلبها)) بفتح الحاء واللام مصدر من حلبت الناقة وأيضاً اللبن المحلوب.
وروي ((حلْبها)) بإسكان اللام وكلاهما صحيح. وأشار وَّو إلى ذلك
لما يحضرها من المساكين ، ومن لا لبن له فيعطى شيئاً .
واختلف الناس في قوله: ((ومن حقها)) فذهبت طائفة إلى أن في المال
(١) انظر التخريج المتقدم .
(٢) طمس في الأصل قدر نصف سطر .
- ٤١٣-
حقا سوى الزكاة ، وقالوا : حق المال أن تنحر السمينة ، وتمنح الغزيرة ،
ويُفُقرُ الظهرُ ، وغير ذلك . قاله الحسن البصري وغيره ، وأكثر العلماء
على أن ذلك كله من الزكاة المفروضة ، ولا حق عندهم في المال سواها ،
وتأولوا قوله - عليه السلام -: (( من حقها )) أن ذلك حق في كرم
المواساة وشريف الأخلاق .
(((١) وقال المازري : يحتمل أن يكون هذا الحق في موضع تتعين فيه
المواساة . وقال القاضي : ولعلّ هذا كان قبيل وجوب الزكاة ، وقد
اختلف السلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقَّ مَّعْلُومٌ ** لِلسَّائل
وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) ، فقال الجمهور : المراد به : الزكاة ، وأنه ليس في
المال حق سوى الزكاة ، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب ومكارم
الأخلاق ، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أثنى عليهم بخصال كريمة ،
فلا يقتضي الوجوب كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ﴾ (٣)، وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفَظه
لفظ خبر فمعناه أمر . قال : وذهب جماعة منهم : الشعبي ، والحسن ،
وطاوس ، وعطاء ، ومسروق ، وغيرهم إلى أنها محكمة ، وأن في المال
حقا سوى الزكاة من فك الأسير ، وإطعام المضطر ، والمواساة في العسرة،
وصلة القرابة )) (٤) .
١٧٨٠ - ص - نا الحسن بن عليّ ، نا يزيد بن هارون ، أنا شعبة ، عن
قتادة ، عن أبي عمر الغُداني ، عن أبي هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله - عليه
السلام - نحو هذه القصة - فقال له - يعني : لأبي هريرةَ - : فَما حَقُّ
الإِبلِ؟ قال: (( تُعطِي الكَرِيمَةِ ، وتَمنحُ الغَزِيرةَ ، وتُفْقِرُ الظَّهْرَ ، وتُطرقُ
الفحلَ، وتُسقِي اللبنَ)) (٥) .
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٧١/٧). (٢) سورة المعارج: (٢٤، ٢٥).
(٣) سورة الذاريات : (١٧).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٥) النسائي : كتاب الزكاة ، باب : سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلاً لأهلها
ولحمولتهم (٢٥/٥) .
-٤١٤-
ش - أبو عمر الغُداني ذكره في ((الكمال)) في باب الكنى ، فقال :
روى عنه قتادة ، حديثه في البصريين . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي (١) . انتهى . والغُداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال
المهملة : منسوب إلى غُدانة بطن من بني تميم .
قوله: (( تُعطي الكريمة)) أي: النفيسة، وكرائم المال: نفائسه . وقيل :
ما يختص صاحبه لنفسه منها . والغزيرة : الكثيرة اللبن . ومعنى تمنح :
تعطي ، وهو بكسر النون وفتحها ، والمنيحة والمنحة عند العرب على
وجهين ، أحدهما : العطية مثلاً كالهبة . والثاني : يختص بذوات
الألبان، وأرض الزراعة ينتفع بها ثم يصرفها إليه .
قوله: ((وتفقر الظهر)) من الإفقار بتقديم الفاء على القاف ، وإفقار
الظهر : إعارته للركوب ، يقال : أفقرت الرجل بعيري ، إذا أعرته ظهره
يركبه ، ويبلغ عليه حاجته ، مأخوذ من ركوب فقار الظهر ، وهو
خرزاته، الواحدة فقارة .
قوله: (( وتُطرق الفحل)) من الإطراق ، وإطراق الفحل : إعارته
للضراب ، لا يمنعه إذا طلبه ، ولا يأخذ عليه عسباً ، أي : أجراً ، ويقال:
طرق الفحل الناقة فهي مطروقة ، وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن
تطرق . والحديث أخرجه : النسائي .
١٧٨١ - ص - نا يحيى بن خلف ، نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال:
قال أبو الزبير : سمعتُ عُبيدَ بنَ عُمير يقولُ : قال رجلٌ : يا رسولَ الله ، ما
حَقُّ الإِبلِ؟ ذكر نحوَهَ زادَ : (( وإِعَارَةُ دَلْوِهَا)» (٢).
ش - أبو عاصم : ضحاك بن مخلد النبيل ، وعبد الملك بن جريج ،
وأبو الزبير : محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وعُبيد : ابن عمير بن
قتادة المكي ، قيل : إنه رأى النبي - عليه السلام - وقد ذكرناه .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٥٢٩/٣٤). (٢) تفرد به أبو داود .
- ٤١٥-
قوله : (( ذكر نحوه )) أي : نحو الحديث المذكور (١).
١٧٨٢ - ص - نا عبد العزيز بن يحيى الحراني ، حدثني محمد بن
سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حَبّان ، عن عمه :
واسع بن حبَّان، عن جابر بن عبد الله: أن النبيَّ - عليه السلام - أَمَرَ من كلِّ
جَادٌّ عَشْرَةَ أَوْسق من التمرِ بِقِنْوِ يُعَلَّقُ في المسجدِ للمساكينِ)) (٢) .
[٢٦٣/٢-١]
/[ ... ] (٣)، [ ((حبَّان))] بفتح الحاء والباء بواحدة.
قوله: (( من كل جاد عشرة أوسق )) الجاد بالجيم وتشديد الدال بمعنى
المجدود ، والمعنى : من كل نخل يُجد منه ، أي : يقطع عشرة أوسق ،
وهو مضاف إلى العشرة ، المضافة إلى الأوسق ، وهي جمع وسق ، وقد
مر تفسيره مستوفى، وكلمة (( من)) في قوله: ((من التمر)) للبيان.
وقوله: ((بقنو)) متعلق بقوله: ((أمر))، و((القنو)) بكسر القاف،
وسكون النون : هو العذق - بكسر العين - بما عليه من الرطب والبُسر
يُعلق للمساكين يأكلونه ، وهذا من المعروف دون الفرض ، ومن الناس من
ذهب إلى وجوب ذلك بظاهر الأمر ، والجمهور أنه أمر ندب للمواساة ،
وإظهار الكرم والجود .
١٧٨٣ - ص - نا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا :
نا أبو الأشهب عن أبي نضرةَ ، عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحنُ معَ
رسول الله - عليه السلام - في سَفَر إذ جَاءَ رجلٌ على نَاقَة له فجَعَل يُصَرِّفُها
يميناً وشمالاً ، فقال رسولُ الله: ((مَّنْ كانَ عندَهُ فَضلُ ظَهرَ فَلْيَعُدْ به على مَن
لا ظَهْرَّ له، ومن كانَ عندَهُ فَضَلُ زادٍ فَلَيَعُدْ به على مَن لاَ زَادَ له، حتى ظَنَّا
أنه لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في الفَضْلِ )) (٣).
(١) بياض في الأصل سطر إلا كلمتين .
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) طمس في الأصل قدر نصف سطر .
(٤) مسلم : كتاب اللقطة، باب : استحباب المؤاساة بفضول الماء (١٧٢٨).
-٤١٦-
ش - أبو الأشهب : جعفر بن حيان العطاردي البصري ، وأبو نضرة :
المنذر بن مالك العَوَقِي البصري [ ... ] (١).
١٧٨٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا يحيى بن يعلى المحاربي ، نا أبي،
نا غيلان، عن جعفر بن إياس ، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نَزَلَتْ
هذه الآيةُ: ﴿الَّذِينَ (٢) يَكْتُزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣) ، قال: كَبُرَ ذلك
على المسلمينَ فقالَ عُمرُ : أنا أُفَرِّجُ عنكُم ، فانطَلَقُوا فقالوا (٤): يا نِيَّ اللهِ،
إنه كُبُرَ على أَصْحَابِكَ هذه الآيةُ فقال: ((إنه ما فَرَضَ الزكاةَ (٥) إلا لُيُطيِّب
ما بَقِيَ من أموالكُم، وإنما فَرَضَ المواريثَ ليكون من بعدكُم ))، قال : فَكَبَّر
عمرُ ثم قال (٦): ((ألا أُخْبرُكَ بخير ما يَكْنزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ: إذا نَظَرَ
إليها تَسُرُّهُ (٧)، وإِذا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذا غَابَ عنها حَفَظَّهُ)) (٨).
ش - يحيى بن يعلى بن الحارث بن حرب بن جرير بن الحارث أبو زكرياء
المحاربي الكوفي . روى عن : أبيه ، وزائدة بن قدامة . روى عنه :
أبو كريب ، وأبو حاتم الرازي - وقال : ثقة - والبخاري ، وأبو زرعة
الرازي . روى له الجماعة (٩) .
وأبوه : يعلى بن الحارث قد ذكرناه .
وغيلان بن جامع بن أشعث المحاربي ، أبو عبد الله الكوفي قاضيها .
روى عن : الحكم بن عُتيبة ، وإياس بن سلمة بن الأكوع ، وعلقمة بن
مرثد ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، ويعلى بن الحارث .
(١) بياض في الأصل قدر ثلاثة أسطر. (٢) في سنن أبي داود: ((والذين)).
(٣) سورة التوبة (٣٤).
(٤) في سنن أبي داود: (( فانطلق فقال))، وسيذكر المصنف أنها نسخة .
(٥) في سنن أبي داود: ((فقال رسول الله وَ له: إن الله لم يفرض الزكاة)).
(٦) في سنن أبي داود: (( لتكون لمن بعدكم ، فكبر عمر ثم قال له )).
(٧) في سنن أبي داود: ((سرته))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٨) تفرد به أبو داود .
(٩) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٤٩/٣٢).
٢٧ ، شرح سنن أبي داوود ٦
-٤١٧-
قال ابن معين : هو ثقة . وقال أبو حاتم : شيخ . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، وابن ماجه ، والنسائي (١) .
وجعفر بن إياس ، وهو ابن أبي وحشية الواسطي .
قوله: ((فانطلقوا فقالوا))، وفي نسخة صحيحة: ((فانطلق فقال)) أي:
(( فانطلق عمر فقال )).
قوله: ((إنه)) أي : إن الشأن.
قوله: ((إنه ما فرض)) أي: إن الله ما فرض الزكاة .
قوله: ((المرأة الصالحة)) مبتدأ وخبره قوله: ((بخير ما يكنز))، ولفظ :
((خير)) مضاف إلى ((ما يكنز)).
قوله: ((تسره))، وفي بعض النسخ: ((سرته)).
٣١ - باب : حق السائل
أي : هذا باب في بيان حق السائل .
١٧٨٥ - ص - نا محمد بن کثیر ، أنا سفیان ، نا مصعب بن محمد بن
شُرحبيل ، حدَّثني يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت حسين ، عن حسين
ابن عليّ قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((للسَّائل حَقَّ وإن جَاءَ على
فَرَسٍ)) (٢).
ش - سفيان الثوري ، ويعلى بن أبي يحيى قال أبو حاتم الرازي :
مجهول . روی له : أبو داود .
وفاطمة بنت حسين بن عليّ بن أبي طالب ، الهاشمية المدنية ، روت
عن جدتها فاطمة مرسلاً ، وعن أبيها وعمتها زينب بنت عليّ ، وأخيها
[٢٦٣/٢-ب] عليّ بن الحسين، وعبد الله بن العباس، / وعائشة أم المؤمنين ، وأسماء
(١) المصدر السابق (٤٦٩٩/٢٣).
(٢) تفرد به أبو داود .
-٤١٨-
بنت عميس ، [ روى عنها: أبناؤها: إبراهيم وحسن وعبد الله ] (١)
بنو الحسن بن الحسن ، وابنها (٢) محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ،
[ وشيبة بن نعامة ] (٣) ، وعائشة بنت طلحة ، وعمارة بن غزية ، ويحيى
ابن أبي يعلى ، وجماعة آخرون . روى لها : أبو داود ، والترمذي ،
وابن ماجه (٤)
.
والحسين بن عليّ بن أبي طالب، القرشي ، الهاشمي، سبط رسول الله
- عليه السلام - وريحانته ، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع ،
وقيل : سنة ثلاث ، يكنى : أبا عبد الله . روى عن رسول الله - عليه
السلام - ثمانية أحاديث ، رويا له عن أبيه . روى عنه : عليّ بن
الحسين، وابنته فاطمة ، وابن أخيه زيد بن الحسن ، وشعيب بن خالد ،
وغيرهم . قتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وهو ابن خمس
وخمسين سنة بكربلاء من أرض العراق . روى له : أبو داود ، والنسائی،
وابن ماجه . وقال أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السكن : قد رُوي من
وجوه صحاح حضور الحسين بن عليّ رسولَ الله - عليه السلام - ولعبه
بين يديه ، وتقبيله إياه ، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن عليّ عن
رسول الله - عليه السلام - فكلها مراسيل . وقال أبو القاسم البغوي
نحواً من ذلك . وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء : سمع
النبي - عليه السلام - ورآه ، ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر
واحدٌ (٥) .
وقال الخطابي (٦) : معنى هذا الكلام : الأمر بحسن الظن بالسائل إذا
(١) طمس في الأصل ، وأثبتناه من تهذيب الكمال .
(٢) في الأصل: (( بن )) خطأ.
(٣) غير واضح في الأصل ، وأثبتناه من تهذيب الكمال .
(٤) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (٧٩٠١/٣٥).
(٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٦٩/١)، وأسد الغابة
(١٠/٢)، والإصابة (٣٢٨/١).
(٦) معالم السنن (٦٤/٢ - ٦٥).
-٤١٩-
تعرض لك ، وأن لا تجيهه بالتكذيب والرد مع إمكان الصدق في أمره ،
يقول : لا تخيب السائل إذا سألك وإن راقك منظره ، فقد یکون له الفرس
يركبه ووراء ذلك عيلة ودين يجوز له معها أخذ الصدقة ، وقد يكون من
أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغنى عنها ، وقد يكون صاحب
حمالة وغرامة لديون ادّانها في معروف وإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك ،
فلا يرد ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق .
وقال ابن الصلاح : بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال : أربعة أحاديث
تدور عن رسول الله - عليه السلام - في الأسواق ليس لها أصل: (( من
بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة))، و((من آذى ذميا فأنا خصمه يوم
القيامة))، و(نحركم يوم صومكم))، و(( للسائل حق وإن جاء على
فرس)) .
١٧٨٦ - ص - نا محمد بن رافع ، نا یحیی بن آدم ، نا زهیر ، عن شیخ
قال : رأيت سفيان عنده، عن فاطمة بنت حُسين ، عن أبيها ، عن عليّ، عن
النبي - عليه السلام - مثله (١) .
ش - فيه مجهول وأيضاً هو ليس برواية عن سفيان ، وإنما هو إخبار
عما كان عنده عن فاطمة بنت حسين .
١٧٨٧ - ص - نا قتيبة ، نا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن
عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بُجيد - وكانت ممن بايعَ رسولَ الله وَلّ-
أنها قالتْ له: يا رسولَ الله (٢) ، إن المسكينَ ليقومُ على بَابِي فما أَجدُلَّهُ شَيئاً
أُعْطيه إِيَّاهُ، فقال لها (٣) رسولُ الله - عليه السلام -: ((إن لم تَجدي له شيئاً
تُعْطِیه إِيَّاهُ إلا ظلفاً مُحْرَقاً فادْفَعیه إلیه في يدِهِ)) (٤) ..
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في سنن أبي داود: (( يا رسول الله، صلى الله عليك، إن ... )).
(٣) في الأصل: ((له )) خطأ.
(٤) الترمذي : كتاب الزكاة ، باب : في حق السائل (١٦٦٥)، النسائي: كتاب
الزكاة ، باب: رد السائل (٨٢/٥).
- ٤٢٠ -