Indexed OCR Text

Pages 341-360

بُرٍّ أو قمح عن كل رأسٍ )) كذا في النسخة العتيقة الصحيحة . ورواية
أبي داود ، عن مسدد فيها: (( أدوا صاعاً من برِّ أو قمح عن كل اثنين )) ،
وهذا مخالف للأول ، والله أعلم . وفي رواية سليمان بن حرب ، عن
حماد الجزمُ بثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه عند الدارقطني ، والجزمُ
بعبد الله بن ثعلبة في رواية بحر بن كنيز (١) - كما تقدّم عند الحاكم -
والشك في رواية يزيد بن هارون ، عن حماد فيها عبد الله بن ثعلبة بن
أبي صعير أو عن ثعلبة ، عن أبيه عند الدارقطني - أيضاً - .
العلة الثانية : الاختلاف في اللفظ ؛ ففي حديث سليمان بن حرب عند
الدارقطني ، عن حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ،
عن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه مرفوعاً: (( أدوا صاعاً من قمح))
الحديث ، ثم أتبعه الدارقطني برواية خالد بن خداش ، عن حماد بن
زيد، وقال : بهذا الإسناد مثله . وقد تقدّم من رواية أبي داود، عن مسدد:
((صاع من برّ أو قمح على كل اثنين)). وأخرجه الدارقطني، عن أحمد
ابن داود المكي ، عن مسدد : ثنا حماد بن زيد ، به ، عن ابن ثعلبة بن
أبي صعير ، عن أبيه مرفوعاً: (( أدوا صدقة الفطر صاعاً من تمر أو قمح
عن كل رأس)) الحديث. وفي رواية بكر بن وائل قيل: (( عن كل رأس))
وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في كتاب ((العلل )) :
إنما هو عبد الله بن ثعلبة ، وإنما هو (( على كل رأس أو كل إنسان )» هكذا
رواية بكر بن وائل لم يقم الحديث غيره قد أصاب الإسناد والمتْن . قال
الشيخ: ويمكن أن تحرف ((رأس)) إلى ((اثنين))، ولكن يبعد هذا بعض
الروايات ، كالرواية التي فيها ((صاع بر أو قمح بين كل اثنين )) . انتهى .
وقال صاحب ((تنقيح التحقيق)) بعد ذكره هذا الاختلاف : وقد رُوي
على الشك في الاثنين . قال أحمد بن حنبل (٢): حدَّثنا عفان قال:
سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر ؟ فحدَّثني عن نعمان بن راشد ،
(١) في الأصل: ((كثير)) خطأ.
(٢) مسنده (٥/ ٤٣٢).
- ٣٤١-

عن الزهري ، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير ، عن أبيه أن رسول الله -عليه
السلام - قال: ((أدوا صاعاً من قمح ، أو صاعاً من بُرّ - وشك حمّاد -
عن كل اثنين صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، حر أو مملوك ، غني أو فقير،
أما غنيكم فيزكيه الله ، وأما فقيركم فيردّ عليه أكثر مما يُعطي)). انتهى.
ثم قال : قال مهنأ : ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة
الفطر: ((نصف صاع من بُرّ))، فقال: ليس بصحيح ؛ إنما هو مُرْسل
يَرْويه معمرٌ ، وابن جريج ، عن الزهري مرسلاً ، قلت : مِن قِبَلٍ مَنْ
هذا؟ قال : من قِبَلِ النعمان بن راشد ؛ وليس بالقوي في الحديث ،
وضعف حديث ابن أبي صعير ، وسألته عن ابن أبي صعير : أهو مَعْروف؟
فقال : ومن يَعْرف ابن أبي صعير ؟ ليس هو بمعروف . وذكر أحمد ،
وابن المديني : ابن أبي صعير فضَعَّفاه جميعاً . وقال ابن عبد البر : ليس
دون الزهري من تقوم به الحجة ، والنعمان بن راشد : قال معاوية ، عن
ابن معينٍ : ضعيف . وقال عباس عنه : ليس بشيء . وقال عبد الله بن
[٢٤٩/٢-١) أحمد/ بن حنبل ، عن أبيه : مضطرب الحديث . وقال البخاري : في
حديثه وهم كثير ، وهو في الأصل صدوق . انتهى .
قلت : قد مر ما ذكر عبد الغني في ((الكمال))، وأبو الحجاج المزي
في ((تهذيبه)) في ترجمة عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير ، وأما النعمان بن
راشد فإن البخاري قد أخرج له ، وقال : صدوق . وقال ابن عدي :
النعمان بن راشد قد احتمله الناس ، روى عنه الثقات ، مثل : حماد بن
زيد ، وجرير بن حازم ، ووهيب بن خالد ، وغيرهم من الثقات ، وله
نسخة عن الزهري ، لا بأس به ، والله أعلم )) (١) .
ص - زاد سليمان في حديثه: (( غني ، أو فقير)) .
ش - أي : زاد سليمان بن داود العتكي - أحد شيوخ أبي داود في روايته
الحديث: ((غني ، أو فقير)).
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
-٣٤٢-

١٧٣٩ - ص - نا عليّ بن الحسن الدّرابجرْدي ، نا عبد الله بن یزید ، نا
همام ، نا بكر هو ابن وائل ، عن الزهري ، عن ثعلبة بن عبد الله ، أو قال :
عبد الله بن ثعلبة ، عن النبي - عليه السلام - (١).
ش - هذا مرسل .
وعليّ بن الحسن بن موسى بن ميسرة الهلالي أبو الحسن بن أبي عيسى
النيسابوري الدَّرَابِجِرْدِي . سمع : أبا جابر (٢) محمد بن عبد الملك ،
ومحمد بن جهضم ، وأزهر بن القاسم المكي ، وعبد الله بن يزيد ،
وجماعة آخرين . روى عنه : أبو زرعة ، وأبو حاتم الرازيان، وأبو داود،
ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وجماعة آخرون . قال أبو حامد الشرقي :
هو ثقة مأمون . وقال مسلم بن الحجاج : ذلك الطيب ابن الطيب ،
والدرابجردي نسبة إلى دارا بجرد ، بفتح الدال المهملة ، وسكون الألفين
بينهما راء ، ثم باء موحدة ، وجيم مكسورة ، وراء ساكنة، وفي آخرها
دال مهملة . قال ابن حوقل : معناه : عمل دارا ، وهي مدينة لها سور
وخندق تتولد المياه فيه ، وفيه حشيش يلتف على السابح فيه حتى لا يكاد
يسلم من الغرق ، وفي وسط المدينة جبل حجارة كالقبة ، وليس له اتصال
بالجبال ، وبناحية دارا بجرد جبال من الملح : الأبيض ، والأسود ،
والأحمر ، والأصفر ، والأخضر ، وينحت من هذا الملح موائد ، ويحمل
إلى البلاد، وقال في ((المشترك)): وعَمَلُ دارا بجرد من أَجَلِّ كور
فارس، وقال في ((العزيزي )) : وبأعمال دارابجرد معدن الموميا ، وبها
معدن زئبق. وقال صاحب (( الكمال)) في ترجمة عليّ بن الحسن هذا :
ودارابجرد محلة متصلة بالصحراء في أعلى نيسابور وله بها مسجد مذكور،
(٣)
يتبرك بالصلاة فیه
٠
قلت : وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) فى الأصل: ((حلى بر)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٠٤٣/٢٠).
- ٣٤٣-

((الأنساب)): الدرابجردي، والدرابجردي ، الأول منسوب إلى دارابجرد
فارس ، وهو المشهور ، الثاني منسوب إلى درا بجرد نيسابور ، محلة من
محالها بالصحراء من أعلى البلد ، منها علي بن الحسن بن موسى بن
ميسرة الهلالي .
وعبد الله بن يزيد القرشي العدوي المقرئ ، وهمام بن يحيى العوذي ،
وقد ذكرنا الاختلاف في ثعلبة بن عبد الله الآن .
١٧٤٠ - ص - نا ابن یحیی النيسابوري ، نا موسی بن إسماعيل ، نا همام،
عنٍ بكر الكوفي ، قال ابن يحيى : هو بكر بن وائل بن داود ، أن الزهري
حدَّثهم، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه ، قال: (( قَامَ رَسُولُ الله
-عليه السلام - خَطيباً ، فَأَمَرَ بِصَدَقَة الفطرِ : صَاع تمر ، أو صَاعٍ شَعِيرِ ،
على (١) كُلِّ رَأْس))، زاد عليّ فَي حديثه: ((أَو صَاعٍ بُرَّ، أو قَمحِ بين اثنينِ،
ثم اتفقا عن الصغّرِ، والكبيرِ، والحرِّ، والعبدِ)) (٢).
ش - محمد بن يحيى النيسابوري أحد شيوخ أبي داود .
قوله: ((صاع تمر)) بالجر على أنه بدل من قوله: ((بصدقة الفطر))،
ويجوز رفعه على تقدير : هو صاع تمر .
قوله: ((زاد عليّ)) وهو عليّ بن الحسن الدرابجردي المذكور آنفاً.
قوله: (( ثم اتفقا )) يعني : عليا ، ومحمد بن يحيى .
والحديث أخرجه الدارقطني (٣) : عن عمرو بن عاصم ، عن همام ،
عن بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، عن
أبيه بلفظ: (( إن رسول الله قام خطيباً ، فأمر بصدقة الفطر عن الصغير ،
والكبير ، والحر ، والعبد صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، عن كل
واحد ، أو صاع قمح )) .
(١) في سنن أبي داود: (( عن)).
(٣) (١٤٨/٢).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٣٤٤-

١٧٤١ - ص - نا أحمد بن صالح ، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، قال،
وقال ابن شهاب : قال عبد الله بن ثعلبة : قال ابن صالح : قال العَدَوي (١)
-وإنما هو العُذْري -: ((خَطَبَ رسولُ الله الناسَ قَبلَ الفطر بيومينَ)) (٢)
بمعنى حديث المقرئ .
ش - ابن صالح أحمد بن صالح ، قال العدوي : بفتح العين والدال
المهملتين ، وكسر الواو ، نسبة إلى عدي ، والعُذْري بضم العين المهملة ،
وسكون / الذال المعجمة ، وكسر الراء نسبة إلى عذرة ، وقد ذكرناه .
قوله: ((بمعنى [ ... ] (٣) المقرئ المذكور آنفاً.
[٢٤٩/٢ -ب]
١٧٤٢ - ص - نا محمد بن المثنی ، نا سهل بن يوسف ، قال حميد :
أخبرنا عن الحسن ، قال : (( خَطَبَ ابنُ عَباس في آخِرِ رَمضانَ على مِنبرِ
البَصرةِ ، فقالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُم، فكأنَ الناسَ لَم يَعْلَمُوا ، قال : مَن
هاهنا من أهلِ المدينةِ ؟ قُومُوا إلى إِخوانِكُمْ فعلِّمُوهُم ، فإنهم لا يَعْلَمُون
فَرَضَ رسولُ الله هذه الصدقةَ صاعاً من تمر ، أو شَعيرِ ، أو نصفَ صاعٍ
فَمحِ(٤)، على كَلِّحُرٍّ ، أو مَمْلُوك، ذَكَرَ، أَوْ أُنى، صَغِيرٍ، أو كَبِيرٍ، فلما
قَدِمَّ عَلِيُّ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ، قالَ: قَدَّ أَوْسَعَ اللهُ عليكمٌ ، فلوَ جَعَلْتُمُوهُ
صَاعاً من كلِّ شيء )) قال حميدٌ: وكانَ الحسنُ یَری صَدَقةَ رمَضانَ على من
صَامَ (٥) .
ش - سهل بن يوسف أبو عبد الرحمن الأنماطي ، ويقال : أبو عبد الله
البصري . روى عن : حميد الطويل ، وعبد الله بن عون ، وشعبة ،
وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد
(١) زاد في سنن أبي داود: ((قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: وإنما ... )).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) طمس في الأصل قدر ثلث سطر، ولعل فيه: ((بمعنى حديث المقرئ)) أي :
بمعنى حديث المقرئ المذكور آنفاً)).
(٤) في سنن أبي داود: ((نصف صاع من قمح)).
(٥) النسائي : كتاب الزكاة ، باب : مكيلة زكاة الفطر (٥١/٥).
- ٣٤٥-

ابن المثنى ، وغيرهم . قال أبو حاتم : لا بأس به . وقال ابن معين :
ثقة، قد سمعت منه . روى له الجماعة (١).
والحسن البصري .
قوله: ((فلما قدم عليّ)) أي : عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
قوله: (( فلو جعلتموه)) جواب ((لو)) محذوف ، والتقدير : فلو جعلتم
نصف صاع صاعاً من كل شيء لكان خيراً ، أو لكان حسناً، ونحو ذلك،
(((٢) والحديث أخرجه : النسائي ، وقال : الحسن لم يسمع من ابن
عباس. وقال زكي الدين عبد العظيم : وهذا الذي قاله النسائي هو الذي
قاله الإمام أحمد ، وعليّ بن المديني ، وغيرهما من الأئمة . وقال
ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : الحسن لم يسمع من ابن عباس ،
وقوله : (( خطبنا ابن عباس )) يعني: خطب أهل البصرة . وقال عليّ بن
المديني في حديث الحسن: (( خطبنا ابن عباس بالبصرة )) ، إنما هو كقول
ثابت: ((قدم علينا عمران بن حصين))، ومثل قول مجاهد: (( خرج
علينا عليّ))، وكقول الحسن بن سراقة بن مالك بن جعشم : حدَّثهم .
وقال ابن المديني أيضاً : الحسن لم يسمع من ابن عباس ، وما رآه قط ،
كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة . انتهى .
قلت: قال صاحب (( تنقيح التحقيق)) : الحديث رواته ثقات مشهورون
لكنْ فيه إرسال ، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل ، وقد
جاء في (( مسند أبي يعلى الموصلي )) في حديث عن الحسن ، قال :
أخبرني ابن عباس ، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه . انتهى .
وقال البزار في (( مسنده )) بعد أن رواه : لا نعلم روى الحسن عن ابن
عباس غير هذا الحديث ، ولم يسمع الحسن من ابن عباس ، وقوله :
((خطبنا)) أي : خطب أهل البصرة ، ولم يكن الحسن شاهد الخطبة ، ولا
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٦٢٣/١٢).
(٢) انظر: نصب الراية (٤١٩/٢ - ٤٢٣).
-٣٤٦-

دخل البصرة بعد ؛ لأن ابن عباس خطب يوم الجمل ، والحسن دخل أيام
صفين . انتهى .
طريق آخر أخرجه الحاكم في ((المستدرك )) (١) : عن يحيى بن عباد
السعدي، ثنا ابن جريج، عن عطاء ، عن ابن عباس: (( أن رسول الله
- عليه السلام - بعث صارخاً بمكة صَاحَ : إن صدقة الفطر حق واجب ،
مدان من قمح ، أو صاع من شعير ، أو تمر )) . انتهى .
ورواه البزار بلفظ: ((أو صاع مما سوى ذلك من الطعام))، وصحَّحه
الحاكم ، ورواه البيهقي وقال : تفرد به يحيى بن عباد ، عن ابن جريج .
وقال ابن الجوزي في (( التحقيق )) : وقد تكلم العقيلي في يحيى هذا ،
وضعفه ، وكذلك ضعفه الدارقطني ، وقال الأزدي : منكر الحديث جدا
عن ابن جريج .
طريق آخر أخرجه الدارقطني (٢) ، عن الواقدي : نا عبد الحميد بن
عمران بن أبي أنس ، عن أبيه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن ابن
عباس: (( أن النبي - عليه السلام - أمر بزكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو
صاعاً من شعير، أو مدين من قمح)) . انتهى . وأُعِلِّ بالواقدي .
طريق آخر أخرجه الدارقطني (٣) : عن سلام الطويل ، عن زيد
العمي، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله - عليه
السلام -: ((صدقة الفطر عن كل صغير ، وكبير ، ذكر وأنثى ، نصف
صاع من بر ، أو صاع من تمر ، أو صاع من شعير )) . انتهى . وهو
معلول بسلام الطويل / [ وأخرج الترمذي (٤) عن سالم بن نوح ] (٥) ،
عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : (( أن النبي
[٢ / ٢٥٠-أ]
(١) (١/ ٤١٠)، وليس فيه: ((مدان من قمح))، وأخرجه البيهقي (١٧٢/٤)،
وظاهر كلامه أنه سقط من الأصل .
(٢) (١٤٣/٢).
(٣) (٢/ ١٥٠).
(٤) كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في صدقة الفطر (٦٧٤).
(٥) طمس في الأصل ، وأثبتناه من نصب الراية .
-٣٤٧-

- عليه السلام - بعث رجلاً ينادي في فجاج مكة : ألا إن صدقة الفطر
واجبة على كل مسلم : ذكر ، أو أنثى ، حر ، أو عبد ، صغير ، أو
كبير، مدان من قمح ، أو صاع مما سواه من الطعام )) ، وقال : حسن
غريب ، وأعله ابن الجوزي في (( التحقيق)) بسالم بن نوح، قال : قال
ابن معين: ليس بشيء، وتعقبه صاحب (( التنقيح)) فقال: هو صدوق .
روى له مسلم في ((صحيحه)). وقال أبو زرعة : صدوق ثقة ، ووثقه
ابن حبان . وقال النسائي : ليس بالقوي . وقال الدارقطني: فيه شيء .
وقال ابن عدي : عنده غرائب وأفراد ، وأحاديثه متقاربة محتملة .
طريق آخر أخرجه الدارقطني (١) ، عن علي بن صالح ، عن ابن
جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده: (( أن رسول الله
-عليه السلام - أمر صائحاً فصاح : إن صدقة الفطر حق واجب على كل
مسلم : مدان من قمح ، أو صاع من شعير، أو تمر )) . قال ابن الجوزي:
وعلي بن صالح ضعفوه. قال صاحب ((التنقيح)): هذا خطأ منه ، ولا
نعلم أحداً ضعفه ، لكنه غير مشهور الحال ، وقال ابن أبي حاتم: سألت
أبي عنه ؟ فقال : مجهول ، لا أعرفه ، وذكر غير أبي حاتم أنه مكي
معروف ، وهو أحد العباد ، وكنيته : أبو الحسن . وروى عن : عمرو بن
دينار ، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم ، ويحيى بن جُرْجَة، والأوزاعي ،
وعبيد الله بن عمر ، وجماعة . وروى عنه : سعيد بن سالم القداح ،
ومعتمر بن سليمان ، وسفيان الثوري . وروى له : الترمذي في
(جامعه))، وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال : يعرف ، وتوفي
سنة إحدى وخمسين ومائة ، ورواه البيهقي (٢) كذلك عن المعتمر بن
سليمان ، عن علي بن صالح به ، قال : ورواه سالم بن نوح ، عن ابن
جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعاً ، ثم
(١) (٢/ ١٤١ - ١٤٢) .
(٢) (٤ / ١٧٣) .
-٣٤٨-

قال : قال الترمذي (١) : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ؟
فقال : ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب . انتهى كلامه .
ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا ابن جريج ، عن عمرو بن
شعيب: (( أن النبي - عليه السلام - أمر صارخاً يصرخ )) الحديث ، ومن
طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢) هكذا معضلاً.
وأخرجه الدارقطني (٣) أيضاً عن عبد الوهاب - هو ابن عطاء - :
أخبرنا ابن جريج ، قال : قال عمرو بن شعيب: (( بلغني أن النبي - عليه
السلام - أمر صارخاً يصرخ)) الحديث .
حديث آخر رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣) من طريق ابن المبارك:
أخبرنا ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن فاطمة بنت
المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت: (( كنا نؤدي زكاة الفطر على
عهد رسول الله - عليه السلام - مدين من قمح بالمد الذي تقتاتون به )) ،
وضعَّفَه ابن الجوزي بابن لهيعة. قال صاحب ((التنقيح)) : وحديث ابن
لهيعة يصلح للمتابعة ، سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه .
حديث آخر أخرجه الدارقطني (٤) : عن أبي بكر بن عياش ، عن
أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ ، عن النبي - عليه السلام - أنه
قال في صدقة الفطر: ((نصف صاع من بر، أو صاع من تمر )) . انتهى .
والحارث معروف . وقال الدارقطني : والصحيح موقوف ، ثم أخرجه :
عن عتبة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبي إسحاق به موقوفاً (٤).
حديث آخر أخرجه الدارقطني (٥) أيضاً ، عن سليمان بن أرقم ، عن
الزهري ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن زيد بن ثابت ، قال: (( خطبنا
رسول الله - عليه السلام - فقال : من كان عنده شيء فليتصدق بنصف
(١) في الأصل: (( النمري)) خطأ.
(٣) (٣٤٦/٦، ٣٥٥).
(٥) (٢/ ١٥٠).
(٢) (٢/ ١٤١).
(٤) (١٤٩/٢) .
-٣٤٩-

صاع من بر ، أو صاع من شعير ، أو صاع من تمر ، أو صاع من دقيق ،
أو صاع من زبيب ، أو صاع من سلت)) . قال الدارقطني : لم يروه بهذا
الإسناد غير سليمان بن أرقم ، وهو متروك الحديث .
حديث آخر رواه أبو داود في ((مراسيله )) (١): حدّثنا قتيبة ، أنا
الليث، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، قال :
(فرض رسول الله زكاة الفطر مدين من حنطة)) . قال ابن الجوزي : وهذا
مع إرساله يحتمل أن يكون قوله: (( مدين من حنطة )) تفسيراً من سعيد .
قال صاحب ( التنقيح )) : قد جاء ما يرد هذا، فرواه سعيد بن منصور:
حدّثنا هشيم ، عن عبد الخالق الشيباني قال : سمعت سعيد بن المسيب ،
يقول: (( كانت الصدقة تدفع على عهد النبي - عليه السلام - وأبي بكر
[٢/ ٢٥٠ -ب] نصف صاع [ من ] بُرَّ / [ ورواه الطحاوي ، وأبو عبيد في كتاب
((الأموال)»: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ثنا عبد الخالق بن سلمة الشيباني
به ، قال : كانت ] (٢) صدقة الفطر على عهد رسول الله - عليه السلام
- صاع تمر ، أو نصف صاع حنطة [على كل رأس)) انتهى ] (٢).
[ وقال هشيم : أخبرني ] (٢) سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن
سعيد بن المسيب، قال: (( خطب رسول الله - عليه السلام - ، ثم ذكر
صدقة الفطر ، فحض عليها وقال : نصف صاع من بر ، أو صاع تمر ، أو
شعير، عن كل حر، وعبد ، ذكر ، وأنثى)).
وقال الطحاوي : حدَّثنا المزني ، ثنا الشافعي ، عن يحيى بن حسان ،
عن الليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، وعبد الرحمن بن خالد بن
مسافر ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب: (( أن رسول الله - عليه
السلام - فرض زكاة الفطر مدين من حنطة)) . انتهى .
قال في ((التنقيح)) : وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس ، وكونه
مرسلاً لا يضر ، فإنه مرسل سعيد ، ومراسيل سعيد حجة)) (٣).
(١) (ص/ ١٦).
(٢) طمس فى الأصل ، وأثبتناه من نصب الراية .
(٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
- ٣٥٠-

٢٠ - باب : في تعجيل الزكاة
أي : هذا باب في بيان حكم تعجيل الزكاة .
١٧٤٣ - ص - نا الحسن بن الصباح، نا شبابة، عن ورقاء، عن أبي الزناد،
عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: (( بَعَثَ رسولُ الله - عليه السلام - عمر
ابن الخطاب على الصَّدَقَةِ فمنعَ ابنُ جَمِيلٍ ، وخالدُ بَنُ الوليد ، والعباسُ ،
فقال رسولُ الله - عليه السلام - : ما يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إلا أن كانَ فَقيراً فأَغناهُ
اللهُ! وأما خالدُ بنُ الوليد فإنكم تَظْلَمُونَ خَالَداً ، فقد احْتْبَسَ أَدْرَاعَهُ
وَأَعْتَادَهُ(١) فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَما العباسُ (٢) فهي عَلَيَّ، ومِثْلِها، ثم قال: أَمَا
شَعُرْتَ أن عَمَّ الرَجْلِ صِنْوُ الأَبِ، أو صِنْوُ أَبِيهِ؟)) (٣).
ش - شبابة بن سوار الفزاري المدائني أبو عمرو ، وورقاء بن عمر
اليشكري الكوفي ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني ، وعبد الرحمن
الأعرج .
وابن جميل - بفتح الجيم ، وكسر الميم ، وسكون الياء آخر الحروف ،
ولام - روى عنه : أبو هريرة ، لا يعرف اسمه .
وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن نبطة بن
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي ، سيف الله ، يكنى :
أبا سليمان ، وأمه : لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة بنت
الحارث زوج النبي - عليه السلام - أسلم قبل يوم الفتح بعد الحديبية ،
وشهد مؤتة ، [ و ] من يومئذ سماه رسول الله سيف الله ، وشهد خيبر ،
(١) في سنن أبي داود: ((وأعتده)).
(٢) في سنن أبي داود: ((وأما العباس عم رسول الله وَّر فهي)).
(٣) البخاري: كتاب الزكاة، باب: قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب والغارمين وفي
سبيل الله﴾ (١٤٦٨)، مسلم : كتاب الزكاة، باب : في تقديم الزكاة ومنعها
(٩٨٣)، النسائي : كتاب الزكاة ، باب : إعطاء السيد المال بغير اختيار
المصدق (٣٣/٥) .
- ٣٥١-

والفتح ، وحنيناً ، روي له عن رسول الله - عليه السلام - : ثمانية عشر
حديثاً ، اتفقا على حديث ، وللبخاري حديث موقوف . روى عنه :
قيس بن أبي حازم ، وشقيق بن سلمة . مات بحمص ، ودفن على ميل
منها ، وقيل بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب .
روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله: (( ما ينقم ابن جميل )) يقال : نقم ينقم من باب علم يعلم ،
ونقم ينقم من باب ضرب يضرب ، ويقال : نقم فيه الإحسان إذا جعل
الإحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة ، أي : أداه غناه إلى كفر نعمة الله
تعالى، فما ينقم شيئاً في منع الزكاة ، أي : ما ينكر ويكره إلا أن يكفر
النعمة .
قوله: ((احتبس)) بمعنى: حبس (( أدراعه)): الأدراع جمع درع ، بكسر
الدال ، وهي : الزردية .
قوله: ((وأعتاده )) الأعتاد - بفتح الهمزة - جمع عَّاد - بفتح العين -
ويجمع على أعتاد وأعتد ، وهي : آلات الحرب من السلاح ، والدواب ،
وغيرها، وفي رواية: ((احتبس أدراعه وأعتده ». وقال الشيخ زكي
الدين: وأعتده - بالتاء ثالث الحروف - جمع (( عند)) - بفتح العين ،
وفتح التاء - وهو : الفرس الصلب ، وقيل : المعد للركوب ، وقيل :
السريع الوثب ، وصحَّحه بعضهم ورجحه ، وقال : يعني خيله ، ويكون
فيه دليل على جواز تحبيس الخيل ، وقيل : العتاد : كل ما أعده الرجل من
سلاح ، وآلة ، ومركوب للجهاد ، ويكون فيه جواز تحبيس الدروع ،
والسيوف ، والحجف ، والخيل ، والإبل ، وقد جاء في بعض الروايات :
((احتبس رقيقه ودوابه))، وروي: ((وعتاده ))، وأنكر بعضهم رواية:
((أعتاده))، ولا يصح هذا الإنكار؛ لأنه روي في ((صحيح مسلم)):
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٠٥/١)، وأسد الغابة
(١٠٩/٢)، والإصابة (٤١٣/١).
-٣٥٢-

[٢٥١/٢-١]
((وأعتاده))، وروي: ((وأعبده )) بالباء الموحدة جمع قلة للعبد ، وروي :
((وعقاره)) بالقاف، والعقار: الأرض ، والضياع، والنخل ، ومتاع
البيت . ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده. / [ وأخرج
الترمذي (١) ، عن سالم بن نوح ] (٢) ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده: (( أن النبي - عليه السلام - بعث منادياً
ينادي في فجاج مكة : ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر ، أو
أنثى ، حر ، أو عبد ، صغير ، أو كبير مدان من قمح أو صاع مما سواه
من الطعام)) [ لأنه حبسها ] (٣) ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها،
فلا زكاة فيها ، ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ،
ولم يشح بها ؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً ، فكيف يشح
بواجب عليه ، واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة ، وبه قال
جمهور العلماء من السلف والخلف ، خلافاً لداود ، وفيه دليل على صحة
الوقف، وصحة وقف المنقول ، وبه قال جمهور العلماء ، إلا رواية عن
أبي حنيفة ، وقال بعضهم : هذه الصدقة التي منعها ابن جميل ، وخالد ،
والعباس ، لم تكن زكاة إنما كانت صدقة ، حكاه القاضي عياض ، قال :
ويؤيده أن عبد الرزاق روى هذا الحديث ، وذكر في روايته: (( أن النبي
-عليه السلام- ندب الناس إلى الصدقة)) ، وذكر تمام الحديث . قال ابن
القصار من المالكية : وهذا التأويل أليق ، فلا يظن بالصحابة منع
الواجب ، وعلى هذا فعذر خالد واضح ؛ لأنه أخرج ماله في سبيل
الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع ، ويكون ابن جميل
شح بصدقة التطوع فعتب عليه، وقال في العباس: (( هي عليّ ، ومثلها
معها (٤))) أي: إنه لا يمتنع إذا طلبت منه ، هذا كلام ابن القصار . قال
(١) كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في صدقة التطوع (٦٧٤).
(٢) طمس في الأصل، وأثبتناه من نصب الراية (٢/ ٤٢٠).
(٣) طمس في الأصل ، وأثبتناه من شرح صحيح مسلم (٥٦/٧ - ٥٧).
(٤) كذا، ولم ترد كلمة (( معها)) في نص الحديث .
٢٣ » شرح سنن أبي داوود ٦
-٣٥٣-

القاضي: لكن ظاهر الأحاديث في (( الصحيحين)) أنها في الزكاة، لقوله:
((بعث رسول الله عمر على الصدقة))، وإنما كان يبعث في الفريضة .
وقال الشيخ محيي الدين : الصحيح المشهور : أن هذا كان في الزكاة،
لا في صدقة التطوع، وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم)) (١) .
قوله - عليه السلام -: ((هي عليّ، ومثلها معها (٢) )) معناه : أني
تسلفت منه زكاة عامين ، وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة : معناه :
أنا أؤديها عنه . وقال أبو عبيد، وغيره : معناه : أن النبي - عليه السلام-
أخّرها عن العباس إلى وقت يساره ، من أجل حاجته إليها ، والصواب :
أن معناه تعجلها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم: (( إنا
تعجلنا منه صدقة عامين )) .
وقال الخطابي (٣): وقوله في صدقة العباس: (( هي عليّ، ومثلها))
فإنه يتأول على وجهين ؛ أحدهما : أنه كان قد تسلف منه صدقة سنتين ،
فصار ديناً عليه ، وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها ،
وقد اختلف العلماء في ذلك ، فأجازه (٤) كثير منهم تعجيلها قبل أوان
محلها ذهب إليه : الزهري ، والأوزاعي ، وأصحاب الرأي ، والشافعي،
وكان مالك لا يرى تعجيلها عن وقتها ، وروي عن الحسن البصري أنه
قال: (( للصلاة وقت ، وللزكاة وقت ، فمن صلى قبل الوقت أعاد ، ومن
زكى قبل الوقت أعاد )) قال: قول الحسن ظاهر ، والمعنى بخلافه ؛ لأن
الأجل إذا دخل في الشيء رفقاً بالإنسان فإن له أن يسوغ من حقه ، ويترك
الارتفاق به ، كمن عجل حقاً مؤجلاً لآدمي ، والوجه الآخر هو : أن
یکون قبض منه - عليه السلام - صدقة ذلك العام التي شكاه فيها العامل،
وتعجل صدقة عام ثان، فقال: ((هي عليّ، ومثلها)) أي: الصدقة التي
قد حلت ، وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام لم يحل ، وذلك أن
بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجوزها أكثر من صدقة عام واحد ،
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٢) كذا، ولم ترد كلمة ((معها )) في نص الحديث.
(٣) معالم السنن (٤٦/٢ - ٤٧).
(٤) كذا، وفي المعالم: ((فأجاز)).
-٣٥٤-

وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون وَالله قد تحمل بالصدقة ، وضمن أداءها
عنه لسنتين ، ولذلك قال: ((إن عم الرجل صنو أبيه))، يريد : إن حقه
في الوجوب كحق أبيه ، إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد ، فأنا
أنزهه عن منع الصدقة ، والمطل بها ، وأؤديها عنه ، والأول أصوب ؛ لأن
الضمان فيما لا يجب على العباس ضمان مجهول ، وضمان المجهول غير
جائز، وقد روي: (( أنه استأذن رسول الله - عليه السلام - أن يأذن له
في تعجيل صدقته ، فرخص له في ذلك )) - لما يجيء الآن - .
قوله: ((صنو أبيه)) معناه : أن العم شقيق الأب ، وأصل ذلك في
النخلتين يخرجان من أصل واحد ، يقال : صنو ، وصنوان ، وقنو ،
وقنوان ، وقَلَّ ما جاء من الجمع على هذا البناء ، ويقال : أراد أن أصله ،
وأصل أبيه واحد ، وقيل : الصنو : المثل ، أراد أنه مثل أبيه ، وفيه تعظيم
له للعم .
وقال الجوهري: إذا خرج نخلتان / [ أو ثلاث من أصل واحد، فكل [٢٥١/٢ -ب]
واحد منهن صُنْوٌ ، والاثنتان صنوانِ، والجمع صنوانُ برفع النون ] (١).
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، ولفظ البخاري
والنسائي: ((فهي عليه صدقة ، ومثلها معها))، قال البيهقي: يبعد أن
يكون محفوظاً؛ لأن العباس كان من جملة بني هاشم، تحرم عليه الصدقة،
وقال غيره : إلا أن يقال : لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي
-عليه السلام - ورأى ◌َّيهو إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه، وحكى
البخاري، عن أبي إسحاق: (( هي عليه، ومثلها معها)) قيل: يحتمل
أن يكون - عليه السلام - أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها ،
وللإمام تأخير ذلك إذا أداه اجتهاده إليه ، كما فعل عمر بن الخطاب
-رضي الله عنه - عام الزهادة (٢) إلى أن جبى الناس من العام المقبل ، فأخذ
منهم زكاة عامين ، ورواه موسى بن عقبة ، فقال فيه: (( فهي له ، ومثلها
(١) طمس في الأصل، وأثبتناه من ((الصحاح)) (٢٤٠٤/٦).
(٢) كذا .
-٣٥٥-

معها))، قيل: له بمعنى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١) ،
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٢)، وقال بعضهم: والأشبه
عندي احتمال النبي -عليه السلام- لها ، على ما تقدم ، وإخراجها عنه
برأيه، ويعضده رواية: ((فهي له ، وصدقة عليه)) لا على أنه أحل له
الصدقة ، لكنه تركها له ، وأخرج الصدقة عنه من مال نفسه، والله أعلم.
١٧٤٤ - ص - نا سعيد بن منصور ، نا إسماعيل بن زكرياء ، عن الحجاج
ابن دينار، عن الحكم، عن حُجَيَّةً، عن عليّ: ((أَن العباسَ سأَلَ النبيّ - عليه
السلام - في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قبلَ أَن تَحِلَّ، فَرَخَّصَ له في ذلك (٣))) (٤).
ش - الحجاج بن دينار الواسطي ، مولى أشجع ، وقيل : السلمي .
روى عن : معاوية بن قرة ، ومنصور بن المعتمر ، وأبي غالب حزور ،
وغيرهم . روى عنه : شعبة ، وإسماعيل بن زكرياء ، ومحمد بن بشر
العبدي . قال عبد الله بن المبارك : ثقة . وقال ابن معين : صدوق ، ليس
به بأس . وقال أبو زرعة : لا بأس به، مستقيم الحديث . وقال أبو حاتم:
يكتب حديثه ، ولا يحتج به . وقال أحمد بن عبد الله : ثقة . روى له :
مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٥) .
والحكم بن عتيبة .
وحجية بضم الحاء المهملة ، وفتح الجيم ، وتشديد الياء آخر الحروف ،
وفتحها ، وبعدها تاء تأنيث : ابن عدي الكندي الكوفي . روى عن :
عليّ بن أبي طالب . روى عنه : الحكم بن عتيبة ، وسلمة بن كهيل .
وقال علي بن المديني : ولا أعلم أحداً روى عن حجية إلا سلمة
(١) سورة الرعد : (٢٥) .
(٢) سورة الإسراء : (٧) .
(٣) زاد في سنن أبي داود: (( قال مرة : فأذن له في ذلك)).
(٤) الترمذي : كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في تعجيل الزكاة (٦٧٨) ، ابن
ماجه: كتاب الزكاة ، باب : تعجيل الزكاة قبل محلها (١٧٩٥) .
(٥) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١١١٨/٥).
-٣٥٦-

ابن کھیل ، روى عنه أحاديث . وقال أبو حاتم الرازي : شيخ لا يحتج
بحديثه ، شبيه بالمجهول . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه (١) .
ويستفاد من الحديث : جواز تعجيل الزكاة خلافاً لمن منعه ، وقد مر
بيانه . والحديث أخرجه : الترمذي ، وابن ماجه .
ص - قال أبو داود : هذا الحديثُ رواه (٢) هُشيمٌ، عن منصور بنِ زَاذان،
عن الحَكَمِ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن النبيُّ - عليه السلام - وحديثُ هُشيم
أصح.
ش - هذا معضل ، وأشار أبو داود أنه أصح من الطريق المسند المذكور،
وذكر البيهقي أن هذا الحديث مختلف فيه ، وأن المرسل فيه أصح .
وهشيم : ابن بشير .
ومنصور بن زاذان أبو المغيرة الواسطي الثقفي ، مولى عبد الله بن
أبي عقيل . سمع : الحسن البصري ، وابن سيرين ، وقتادة ، وعطاء .
وروى عن : أنس بن مالك مرسلاً . روى عنه : شعبة ، والضحاك بن
حمزة ، وهشيم ، وأبو عوانة . قال أحمد : شيخ ثقة . وقال ابن معين،
وأبو حاتم : ثقة . وقال ابن سعد : كان ثقة ، ثبتاً . مات في الطاعون
سنة إحدى وثلاثين ومائة . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ،
والنسائي (٣).
والحكم بن عتيبة ، والحسن بن مسلم بن يناق المكي .
(١) المصدر السابق (١١٤١/٥).
(٢) في سنن أبي داود: ((روى هذا الحديث)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦١٩١/٢٨).
-٣٥٧-

٢١ - باب(١) : الزكاة تحمل من بلد إلى بلد
أي : هذا باب في بيان الزكاة ينقلها صاحبها من بلده إلى بلد آخر .
١٧٤٥ - ص - نا نصر بن علي ، أخبرني أبي ، أخبرنا إبراهيم بن عطاء ،
مولى عمران بن حصين، عن أبيه: (( أَنَّ زياداً أو بعضَ الأُمراء بَعَثَ عمرانَ
ابنَ حُصين على الصدقَةِ ، فلما رَجَعَ قال لَعَمْرَانَ : أينَ المالُ ؟ قَال : ولَلمال
أرسلْتَنِي ؟! أَخذْنَاهَا مَن حيثُ كُثَّا نأخذُهَا على عهد رسول الله - عليه
السلام - وَوَضَعْنَاهَا حيثُ كنا نَضَعُهَا على عهد رسول اللهَ - عليه
السلام-))(٢).
ش - أبوه : عليّ بن نصر بن عليّ الكوفي الكبير .
[٢٥٢/٢-١]
وإبراهيم بن عطاء / [ بن أبي ميمونة البصري، روى عن أبيه ] (٣)
عطاء بن أبي ميمونة . روى عنه : أبو عتاب الدلال ، ويزيد بن هارون ،
وغيرهم . قال ابن معين : هو صالح . روى له : أبو داود ، وابن
ماجه(٤) .
وعطاء بن أبي ميمونة البصري ، مولى أنس بن مالك ، ويقال : مولى
عمران بن حصين ، وقد ذكر مرة ، وزياد هذا كان والي العراقين ، ولاه
معاوية بعد استلحاقه ، وكان يقال له : زياد بن أبيه ، وليست له صحبة ،
ولا رؤية ، وقد ذكرناه مستوفى .
وبالحديث قال العلماء من أصحابنا ، وغيرهم : إن نقل الزكاة من بلد
إلى بلد مكروه ، وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم ، إلا أن ينقلها الإنسان
إلى قرابته ، أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده ، لما فيه من الصلة ، أو
(١) في سنن أبي داود: ((باب في الزكاة ... )).
(٢) ابن ماجه: كتاب الزكاة ، باب: ما جاء في عمال الصدقة (١٨١١).
(٣) طمس في الأصل .
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٢١٣/٢).
-٣٥٨-

زيادة دفع الحاجة ، ولو نقل إلى غيرهم أجزأه وإن كان مكروهاً ؛ لأن
المصرف مطلق الفقراء بالنص ، والحديث أخرجه : ابن ماجه .
٢٢ - باب: مَن يُعطى من الصدقة وحدّ الغنی
أي : هذا باب في بيان من يجوز له إعطاء الصدقة ، وبيان حد الغنى
الشرعي .
١٧٤٦ - ص - نا الحسن بن علي ، نا یحیی بن آدم، نا سفيان ، عن حكيم
ابن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه ، عن عبد الله ، قال:
قال رسول الله وَلِ: ((مَنْ سَأَلَ وله ما يُغنيه جَاءَتْ يومَ القيامة خمُوشٌ ، أو
كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ (١) في وجهه، فقيلَ (٢): يا رسولَ اللهَ، وما الغنَى ؟
قال: خمسونَ درهماً، أو قِيمَتُهَا مَنَ الذهب)» (٣) .
ش - سفيان الثوري .
وحكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، قيل : مولى آل الحكم بن
أبي العاص . روى عن : سعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعى ، ومحمد بن
عبد الرحمن النخعي ، وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، والثوري ،
وشعبة ، وغيرهم . قال عبد الرحمن : سألت أبا زرعة عنه ؟ فقال : في
رأيه شيء ، قلت : ما محله ؟ قال : الصدق - إن شاء الله - وسألت
أبي عنه ؟ فقال : ما أقربه من يونس بن خباب في الضعف والرأي ، وهو
ضعيف الحديث ، منكر الحديث، له رأي غير محمود -نسأل الله السلامة-
قلت لأبي : هو أحب إليك أو ثُوير ، قال : ما فيهما إلا ضعيف غال
(١) في سنن أبي داود: ((أو خدوش أو كدوح)).
(٢) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٣) الترمذي: كتاب الزكاة، باب: ما جاء من تحل له الزكاة (٦٥٠) ، النسائى:
كتاب الزكاة ، باب : حد الغنى (٥/ ٩٧)، ابن ماجه : كتاب الزكاة ، باب:
من سأل عن ظهر الغنى (١٨٤٠).
-٣٥٩-

في التشيع ، وهما متقاربان . وقال أحمد بن سنان : قلت لعبد الرحمن
ابن مهدي : لم تركت حديث حكيم بن جبير ؟ قال : أخاف النار .
وقال عليّ بن المديني : سألت يحيى بن سعيد القطان عن حكيم بن جبير؟
فقال : كم روى ؟ إنما روى شيئاً يسيراً ، قلت : من تركه ؟ قال : شعبة
من أجل حديثه في الصدقة ، يعني حديث ابن مسعود : (( من سأل وله ما
يغنيه)) ، وكان يحدث عمن دونه . وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال
الدارقطني: متروك. وقال الذهبي في ((الميزان)): وقال الجوزجاني :
حكيم بن جبير كذاب . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه (١) .
ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي . سمع : أباه ،
وعمه الأسود بن يزيد ، وروى عن عائشة مرسلاً . روى عنه : حكيم بن
جبير ، وسلمة بن كهيل ، والأعمش ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة .
وقال أبو زرعة : كان رفيع القدر ، من الجِلَّةِ . روى له : أبو داود ،
والترمذي ، والنسائي (٢).
وأبوه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي ،
وعبد الله بن مسعود .
قوله: (( وله ما يغنيه)) الواو فيه للحال، وكلمة (( ما)) بمعنى : شيء،
أي : والحال أن له شيئاً يغنيه عن السؤال.
قوله: ((جاءت يوم القيامة)) الضمير في ((جاءت)) يرجع إلى المسألة
التي يدل عليها قوله: (( سأل)).
وقوله: (( خموش)) مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره : وهي
خموش ، أي : المسألة خموش في وجهه ، وتكون الجملة حالاً ، ويؤيد
ما ذكرناه رواية الترمذي: (( من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤٥٢/٧).
(٢) المصدر السابق (٥٤١٢/٢٥) .
-- ٣٦٠-