Indexed OCR Text
Pages 441-460
ابن يزيد بن جابر ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس ، ومَنْ نظر ظاهر هذا الإسناد لم يَرْتَبْ في صحته لثقة رواته وشهرتهم ، وقبول الأئمة أحاديثهم ، واحتجاجهم بها ، وحدّث بهذا الحديث عن حسين الجُعْفي جماعةٌ من النُّبلاء ، وعلّته : أن حُسَين بن علي الجُعْفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا يحتج به ، فلما حدّثه حسين الجُعفي غلط في اسم الجد فقال : ابن جابر ؛ بيّن ذلك الحُفّاظ ونبّهوا عليه؛ قال البخاري في ((التاريخ الكبير )) : عبد الرحمن بن يزيد ابن تميم السُّلَمي الشامي ، عن مكحول . سمع منه : الوليد بن مسلم ، عنده (١) مناكير ، ويُقال : هو الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة ، وحسين فقالوا : عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وابن تميم أصحّ . وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم فقال : عنده مناكير ، فقال : هو الذي روى عنه : أبو أسامة ، وحسين الجُعفي وقالا : هو ابن يزيد بن جابر ؛ وغلطا في نسبه ؛ ويزيد بن تميم أصح ؛ وهو ضعيف الحديث . وقال أبو بكر الخطيب : روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك . وقال موسى بن هارون الحافظ : روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهما منه ، هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ؛ إنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، فظن أنه ابن جابر ، وابن جابر ثقة ، وابن تميم ضعيف . قوله : ((أَرَمت)) على وزن ضربتَ؛ وأصله: ((أرمَمْت)) أي: بليتَ وصرتَ رميما ؛ فحذفوا إحدى الميمَيْن ؛ وهي لغة كما قالوا : ظَلت في ظللت ، وقد مر الكلام فيه مستوفّى في (( باب الجمعة)). (١) في الأصل: ((عدة)) خطأ، وانظر: ((التاريخ الكبير)) (٥/ الترجمة ١١٥٦). - ٤٤١ - ٣٤٨ - بَابُ : النَّهْي أَنْ (١) يَدْعو الإنسانُ على أَهْله وماله أي : هذا باب في بيان النهي عن دعاء الإنسان على أهله وعياله وأمواله، وفي بعض النسخ: (( باب النهي عن دعاء الإنسان على أهله وماله )) . ١۵٠٣ - ص - نا هشام بن عمار ، ویحیی بن الفضل ، وسليمان بن عبد الرحمن قالوا : نا حاتم بن إسماعيل : نا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَة ، عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - عليه السلام -: ((لا تَدْعُوا على أنفسكُم ، ولا تَدْعُوا على أولادِكُم ، ولا تدعوا على خَدَمِكُم ، ولا تدعوا على أموالِكُم ، لا تُوافِقُوا مِن الله تعالى سَاعَةَ نَّلٍ فيها عطاءٌ فَيَسْجيبَ لكم (٢)) (٣) . [٢/ ١٨١-١] ش - / يحيى بن الفضل : السِجِسْتاني ، وسليمان بن عبد الرحمن : التميمي الدمشقي ، وحاتم بن إسماعيل : الكوفي ، وأبو حَزْرَةً - بفتح الحاء المهملة ، وسكون الزاي ، وفتح الراء - وقد مرّ مرةً. قوله: ((على خدمكم)) الخدَم - بفتحتين - جمع خادمٍ ، ويقع الخادم على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتقٍ . قوله : ((ساعة نيْل)) النَّيْل: الإصابة، مصدر من نال ينالُ، والمعنى : ساعة إصابة فيها عطاء . قوله: (فيستجيب لكم)) بالنَّصْب؛ لأنه جواب النهي، والمعنى (٤): (١) في سنن أبي داود: (عن أن)). (٢) جاء في سنن أبي داود بعد الحديث قوله: (( قال أبو داود : هذا الحديث متصل الإسناد ، فإن عبادة بن الوليد بن عبادة لقي جابرا)) . (٣) مسلم : كتاب الزهد والرقائق ، باب : حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (٣٠٠٩) . (٤) مكررة في الأصل. - ٤٤٢ - إن كانت منكم موافقة الساعة التي فيها العطاء يكون من الله الاستجابة لدُعائكم . والحديث : أخرجه مسلم في أثناء حديث جابر الطويل ؛ وليس فيه ذكر الخدم . ٣٤٩ - بَابُ: الصَّلاة على غَيْر النبي - عليه السلام - أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة على غير النبي - عليه السلام -. ١٥٠٤ - ص - نا محمد بن عيسى : نا أبو عوانة ، عن الأَسْود بن قَيْس ، عن نُبَيح العنزي ، عن جابر بن عبد الله ، أن امرأةً قالتْ للنبي - عليه السلام -: صَلِّ عليّ وعلى زَوْجِي فقال النبي - عليه السلام -: ((صَلَّى اللهُ عليك وعلى زَوْجك)) (١) . ش - أبو عوانة : الوَضاح الواسطي ، والأسود بن قيس : العَبْدي الكوفي . ونبيح - بضم النون ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة - ابن عبد الله العَنزِي الكوفي ، أبو عمرو . سمع: جابر بن عبد الله ، وأبا سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمرو . روى عنه : الأسود بن قيس ، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني ، قال أبو زرعة : كوفي ، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس . قلت : قد ذكر أبو داود ، رواية أبي خالد الدالاني (٢) عنه . روى له: أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . قوله: (( صلى الله عليك)) الصلاة من الله تعالى: الرحمة ، ومن الملائكة : الاستغفار ومن المؤمنين : الدعاء . وقد اختلف العلماء في الصلاة على غير الأنبياء ؛ فقال مالك ، (١) الترمذي في ((الشمائل))، باب: ما جاء في إدام رسول الله اَلَه (١٨٠)، النسائي: في ((عمل اليوم والليلة)). (٢) في الأصل: ((الآتي)). -٤٤٣ - وأبو حنيفة ، والشافعي والأكثرون : لا يصلَّى على غير الأنبياء استقلالاً ، لا يقال : اللهم صل على أبي بكر ، أو عمر ، أو عليّ ، أو غيرهم ؛ ولكن يُصلَّى عليهم تبعا ، فيقال : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته - كما جاءت الأحاديث . وقال أحمد وجماعة : يُصلَّى على كل واحد من المؤمنين مستقلاً ، واحتجوا بهذا الحديث وبقوله - عليه السلام -: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) وكان إذا أتاه قوم بصَدقتهم صَلّى عليهم ، واحتج الأكثرون بأن هذا النوع مأخوذ من التوقيف، واستعمال السلف ، ولم يُنقَل استعمالهم ذلك ؛ بل خصّوا به الأنبياء كما خصوا الله تعالى بالتقديس والتَّسْبيح فيقال : قال الله سبحانه وتعالى ، وقال الله تعالى ، وقال عز وجل ، وقال الله جلّت عظمته ، وتقدست أسماؤه ، وتبارك وتعالى ونحو ذلك ، ولا يُقال : قال النبي عز وجلّ وإن كان عزيزا جليلا ولا نحو ذلك . وأجابوا عن الأحاديث أن ما كان من الله ورسوله فهو دعاء وترحم ، وليس فيه معنى التعظيمٍ والتوقير الذي يكون من غيرهما . وكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿ إنّ اللهَ وَمَلَاَئِكَتَهُ يُصَلَّونَ عَلَى النَبِيِّ﴾ الآية (١). وأما الصلاة على الأَل والأزواج والذرية فإنما جاء على التبع لا على الاستقلال ، والتابع يحتمل فيه ما لا يحتمل استقلالا وقال الشيخ محيي الدين : اختلف أصحابنا في الصلاة على غير الأنبياء هل يقال : هو مكروه أو مجرد ترك أدب ؟ والصحيح المشهور : أنه مكروه كراهة تنزيه . وقال الشيخ أبو محمد الجُويني : والسلام في معنى الصلاة ؛ فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء ، فلا يقال : أبو بكر ، وعمر ، وعليّ - عليه السلام - ؛ وإنما يقال ذلك خطابًا للأحياء والأموات ، فيُقال : السلام عليكم ورحمة الله ، والله أعلم. والحديث : أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وإسناده حسنٌ . (١) سورة الأحزاب : (٥٦) . -٤٤٤- ٣٥٠ - بابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أي : هذا باب في بيان الدعاء لأخيه بظهر الغيب أي : في سِرّه . ١٥٠٥ - ص - نا رجاء بن المرجَّى : نا النَّضر بن شُمَیل : نا موسى بن ثروان : حدثني طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز : حدثتني أم الدرداء قالت : حدثني سيّدي، أنه سمعَ رسولَ اللهِ - عليه السلام - يقولُ: ((إذا دَعَى الرجلُ لأخيه بظهرِ الغيْبِ قالت الملائكةُ: آمين ولك بمثل )) (١) . [١٨١/٢ -ب] / ش - النضر بن شُميل: ابن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي المازني أبو الحسن البصري ، سكن مَرْو . سمع : إسماعيل بن أبي خالد ، وهشام بن عروة ، وعبد الله بن عون ، وشعبة وغيرهم . روى عنه : إسحاق بن راهويه ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني وغيرهم . وقال ابن أبي حاتم : سُئل أبي عنه فقال : ثقة ، صاحب سُنَّة . توفي سنة أربع ومائتين . روى له : الجماعة . ومُوسى بن ثروان - بالثاء المثلثة - ويقال : ابن شروان ، ويقال : ابن مروان المعلم العجلي . روى عن : أبي المتوكل الناجي ، وطلحة بن عبيد الله بن كريز ، وبديل بن ميسرة وغيرهم . روى عنه (٢) : شعبة ، وابن المبارك ، والنضر بن شميل وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له: مسلم متابعةً ، وأبو داود . وطلحة بن عبيد الله بن كريز - بفتح الكاف وكسر الراء - ابن جابر بن ربيعة بن هلال أبو المطرف الكوفي . روى عن : ابن عُمر، وأبي الدرداء، وعائشة ، وأم الدرداء الصغرى . روى عنه : أبو حازم الأعرج ، وحميد الطويل ، ومحمد بن إسحاق ، وموسى بن ثروان وغيرهم ، قال ابن معین : ثقة . روی له : مسلم ، وأبو داود . (١) مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ٨٧ - (٢٧٣٢). (٢) مكررة في الأصل . - ٤٤٥- وأم الدرداء هذه : الصغرى تابعية ، واسمها : هُجيمة ويقال : جُهيمة ، ويقال : جمانة بنت حُيي الأوصابية ، ويقال : الوصابيّة ؛ والوَصَابُ : بطن من حمير ، زوجة أبي الدرداء وهي التي مات عنها فخطبها معاوية فلم تفعل ، وهي أم بلال بن أبي الدرداء . سمعت : أبا الدرداء ، وأبا هريرة ، وعائشة الصديقة . روى عنها : جُبير بن نفير ، ورجاء بن حيوة ، وأبو قلابة الجرمي ، وجماعة آخرون كثيرة . روى لها : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه . وأما أم الدرداء الكبرى : فاسمها : خيرة ، لها صحبة وليس لها في الکتابین حدیث . قوله : (( حدثني سيّدي أنه )) أرادت به زوجها أبا الدرداء . وفيه جواز دعوى المرأة زوجها بسيّدي . وذكر خلف الواسطي في تعليقه هذا الحديث في مسند أم الدرداء عن رسول الله - عليه السلام - ؛ لظاهر رآه في «صحيح مسلم » وقد ذكر مسلم قبل ذلك وبعده ما يدل على أنه من روايتها عن أبي الدرداء عن رسول الله - عليه السلام - ، وقد نبّه على هذا غير واحد من الحُفّاظ . قوله: (( بظهر الغيب)) أي : في سرّه وبغير حضوره ، كأنه من وراء معرفته ومعرفة الناس ؛ لأنه دليل على إخلاص الدعاء له كمثل ما يجعله الإنسان وراء ظهره ، ويَسْتره عن أعين الناس . قوله: ((ولك بمثل)) - بكسر الميم وسكون الثاء - و (( بمَثَل)) - بفتحهما أي : لك من الأجر بدعائك مثل ما دعوتَ له فيه ورغبتَ ، ويُقال : مثْله ومَثَلُه ومَثَيله بمعنَّى . ١٥٠٦ - ص - نا أحمد بن عمرو بن السَّرْح : أنا ابن وهب : حدثني عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله - عليه السلام - [ قال]: ((إِن أَسْرَعَ الدَّعَاء إجابةً: دَعْوةُ غائب لغائب )) (١) (١) الترمذي : كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب (١٩٨٠) . -٤٤٦- ش - عبد الرحمن بن زياد : الأفريقي ، وأبو عبد الرحمن : عبد الله ابن يزيد الحُبُلي . والحديث أخرجه : الترمذي ، وقال : حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والأفريقي ضعيف في الحديث . وإنما كان هذا الدعاء أسْرَع إجابة لأنه يصدر عن إخلاصٍ . ١٥٠٧ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبيٍ هريرة، أن النبيَّ - عليه السلام - قال: ((ثلاثُ دَعَوات مُستَجاباتٌ لا شَكَّ فيهنَّ: دَعوةُ الوالد، ودَعْوةُ المسافرِ، ودعوةُ المظلوم)) (١) . ش - هشام : ابن أبي عبد الله الدستوائي ، ويحيى : ابن أبي كثير ، وأبو جعفر : قال الترمذي : وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال له: أبو جَعْفر المؤذن ولا يُعرف اسمُه . وقد روى عنه : يحيى بن أبي كثير غير حديث . وذكر المزّي في ((الأطراف)) قال : ويقال : إن أبا جعفر هذا هو محمد بن علي بن الحسين . قال : وقد رواه - يعني : الحديث - محمد بن سليمان الباغندي الكبير ، عن أبي عاصم وقال : عن أبي جعفر محمد بن علي . والحديث أخرجه : الترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسنٌ . ٣٥١ - بَابٌ: ما يَقُول الرجلُ إذا خافَ قوْمًا أي : هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا خاف عن قوم ظلمة أو عَدوّ. [١٨٢/٢- أ] ١٥٠٨ - ص - نا محمد بن المثنى : نا معاذ بن هشامٍ: / حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي بردة بن عبد الله ، أن أباه حدَّثه ، أن النبيّ - عليه السلام - كان إذا خَافَ قومًا قال: ((اللهمّ إِنّا نَجعَلُكَ فِي نُحُورِهم ، ونعُوذُ بك من شرُورِهمْ)) (٢) . (١) الترمذي : كتاب البر والصلة، باب : ما جاء في دعوة الوالدين (١٩٠٥) وكتاب الدعوات ، باب : حدثنا محمد بن بشار (٣٤٤٨) ، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب : دعوة الوالد ودعوة المظلوم (٣٨٦٢) . (٢) النسائي في الكبرى : كتاب السير ، وفي عمل اليوم والليلة . -٤٤٧- ش - معاذ بن هشام : ابن أبي عبد الله - سنْبر - الدَّسْتوائي البصري ، وأبو بردة بن عبد الله : ابن قيس أبي موسى الأشعري . قوله: (( نجعلك في نحورهم )) يقال : جعلتُ فلانا في نحر العدو ، أي: قبالته وحذاءه ؛ وتخصيص النحر بالذكر لأن العدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال ، والمعنى : نسألك أن تتولانا في الجهة التي يُريدون أن يأتونا منها ، ونتوقى بك عما يواجهوننا به ، فأنت الذي تدفع شرورهم ، وتكفينا أمرهم ، وتحولُ بيننا وبينهم ، ولعله اختار هذا اللفظ تفاؤلا بنحر العدو - أعني : قتلهم - مع ما أراد من المعنى الذي ذكرناه . فإن قيل : النبي - عليه السلام - محفوظ من شر الإنس والجنّ بحفظ الله إياه ، ومؤيَّدٌ بالملائكة ، فكيف يجوز أن يخاف قومًا وهم أعداء الله تعالى ؟ قلت : هنا ثلاثة أجوبة ؛ الأول : أن الطبيعة البشريّة من خواصّها: الخوف مع قطع النظر عن العارض ، والثاني : يجوز أن يكون خوفه على صحابته ، والثالث : أن هذا تعليم لأمته أنهم إذا خافوا قومًا يدعون بهذا الدعاء ، وهذه الأجوبة لاحَتْ لي في هذا المقام من الأنوار الربانية ، فإن ذكرها أحد غيري يكون من توارد الخواطر والاتفاقيات . والحديث أخرجه : النسائي . ٣٥٢ - بَابُ الاسْتِخَارَة أي : هذا باب في بيان الاستخارة ، وهو طلب الخيرة في الشيء . ١٥٠٩ - ص - نا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وعبد الرحمن بن مقاتل خالُ القعنبي ، ومحمد بن عيسى - المعنى واحد - قالوا : نا عبد الرحمن بن أبي الموال : حدثني محمد بن المنكدر ، أنه سمع جابر بن عبد الله قال : كان رسولُ الله - عليه السلام - يُعَلِّمُنَا الاستخارة كما يُعلِّمُنَا السورةَ من القرآن يَقُولُ لَنا : ((إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمرِ فليركعْ ركعتَّيْنِ من غيرِ الفريضة ، وليقلْ: اللهمَّ إني أستَخيرُكَ بعلمكَ ، وأستَقْدرُكَ بِقُدرَتَكَ ، وأَسأَلُكَ من فضلكَ -٤٤٨- العظيم . فإنك تَقْدرُ ولا أقدرُ ، وتعلَمُ ولا أَعلمُ ، وأنتَ علَّمُ الغُيوبِ ، اللهمَّ فإن (١) كُنْتَ تَعلمُ أن هذا الأمْرَ - يُسَمِّيْه بعيْنِهِ الذي يُريدُ - خيرٌ لي فِي دِينِي ومَعَاشِي ومَعَادِي وعَاقبةٍ أَمْرِي، فاقدُرْهُ لِي، وَيَسِّرُهُ لي، وبارِكْ ليَ فيهِ ، اللهم وإن كنتَ تَعْلَمُهُ شرالي - مثلَ الأوّلِ - فاصرِفْني عنه، واصْرِفْهُ عِنِّي واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كانَ ، ثم رَضِّني به ، أو قال : في عَاجِلِ أَمْرِي وآجله )) . قال ابنُ مسلمةَ ، وابنُ عيسى ، عن محمد بن المنكدرِ ، عن (F)- جابر( ش - عبد الرحمن بن مقاتل : أبو سهل التستري خالُ القعنبي ، سكن البصرة . سمع : مالك بن أنس ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي ، وعبد الملك بن قدامة وعبد الله العُمري . روى عنه : أبو داود ، قال أبو حاتم : صدوق . وعبد الرحمن بن زيد بن أبي الموال ، والمشهور : عبد الرحمن بن أبي الموال المدني القرشي مولى علي بن أبي طالب. روى عن: عبد الرحمن ابن أبي عمرة ، ومحمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن المنكدر وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وابن المبارك ، والقعنبي وغيرهم ، قال أحمد : لا بأس به ، وقال ابن معين : ثقة . روى له : الجماعة إلا مُسلما . قوله: ((إذا هم)) أي : إذا قصد . قوله: (( بالأمر)) أي: بأمر من الأمور مثل السفر والنكاح ، وشراء العبد، وطلب الحاجة ونحو ذلك . قوله: (( فليركع )) أي : فليصل ركعتين ، وقد يذكر الركوع ويراد به (١) في سنن أبي داود: ((إن)). (٢) البخاري: كتاب التهجد، باب: ما جاء فى تطوع مثنى مثنى (١١٦٢)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة الاستخارة (٤٨٠) ، النسائي : كتاب النكاح ، باب: كيف الاستخارة ؟ (٣٢٥٣) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة الاستخارة (١٣٨٣). 1 ٢٩ ٥ شرح سنن أبي داوود ٥ -٤٤٩- الصلاة ، كما يذكر السجود ويراد به الصلاة ؛ من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل . قوله : (( من غير الفريضة)) يعني : تكون تلك الركعتان من النوافل. قال الشيخ محيي الدين : الظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب وتحية المسجد وغيرها من النوافل . قلت : قد نظر في ذلك إلى ظاهر اللفظ؛ ولكن السنن تابعة للفرائض، فإذا استثنيت الفرائض تُسْتثنى السنن معها تبعا لها ، فيكون المراد ركعتين من النافلة المحضة . وقال : يقرأ في الأولى ﴿ قُلْ يَا أَيَّها الكَافِرُونَ ﴾ ، وفي [١٨٢/٢ -ب] الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ويستحب / افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله ، والصلاة والتسليم على رسول الله . قوله: ((أستخيرك)) أي : أطلب منك الخير فيما هممت به ، وأن تُخير لي أَصلح الأَمْرين ﴾ أي : تَختاره - لأنك عالم به وأنا جاهل . قوله : ((وأَسْتقدرك)) أي: أطلب أن تُقدرَ لي على أَصلح الأمرين ، أو أطلب منك القدرة على ما نويتُه ؛ فإنك قادر على إقداري عليه ، أو تقدر لي الخير بسبب قدرتك عليه ، والباء للسبيّة في الموضعين. قوله: (( يُسَمّيه بعَيْنه الذي يريدُ)) معترض بين اسم ((إن )) وخبرها ، أي: يُسمِّي الأمر الذي قصده بعينه ، مثلا يقول : اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر خيرٌ لي ، أو هذا النكاح ، أو هذا البيع ونحو ذلك . قوله : (( في ديني )) يعني : إن كان فيه خير يرجع لديني ولمعاشي وعاقبة أمري ، وإنما ذكر عاقبة الأمر لأنه رُبَّ شيء يَهمّه الرجلُ يكون فيه خير في تلك الحال في الظاهر ؛ ولكن لا يكون له خير في آخر الأمر ؛ بل ينقلب إلى عكسه؛ فلذلك زاد - عليه السلام - في الدعاء بقوله ((وعاقبة أمری)). قوله : ((فاقدُره )) - بضم الدال - أي : اقض لي به وهَيّتْهُ . قوله : ((مثل الأول)) أي: يقول مثل ما قال في الأول، يقولُ: ((اللهم - ٤٥٠- وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري فاصرفني عنه )) أي : أقلعه من خاطري أن لا أهمّه بعد ذلك. قوله: (( واصرفه عني )) أي : لا تقض لي به ، ولا ترزقني إياه. قوله: (( حيث كان )) أي : حيث كان الخيرُ . قوله : (( ثم رضّني به )) أي : ثم اجعلني راضيا بذلك ، أي : بخيرك المقدور . والحديث أخرجه : البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه بنحوه . ٣٥٣ - بَابٌ: في الاسْتعَاذة أي : هذا باب في بيان الاستعاذة . ١٥١٠ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع : نا إسرائيل ، عنٍ أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمرَ بن الخطّاب قال : كان النبي -عليه السلام - يَتعوّذُ من خَمْس: من الجُبْن ، والبُخل ، وسُوءِ العَمرِ ، وفتْنة الصَّدْرِ، وعَذابِ القبرِ)) (١). ش - إسرائيل : ابن يونس ، وأبو إسحاق : السبيعي . قوله : ((الجُبن)) - بضم الجيم ، وسكون الباء - الخوف، والجُبن الّذِي يُؤكل - أيْضًا - وفيهما جاء ضم الباء ، ويقال : الذي يؤكل : جبنّ - بتشديد النون - ووجه استعاذته - عليه السلام - من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات ، والقيام بحقوق الله تعالى ، وإزالة المنكر، والإغلاظ على العصاة ، ولأن بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقومُ بنصر المظلوم ، وبالسلامة من البخلِ يَقوم بحقوق المال ، وينبعث للإنفاق والجود ومكارم الأخلاق ، ويمتنع من الطمع فيما ليس له. (١) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من فتنة القبر (٢٦٢/٨)، وباب: الاستعاذة من فتنة الدنيا (٢٦٦/٧)، ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله گچ﴾ (٣٨٤٤). - ٤٥١- قوله: ((وسُوء العُمر)) أرادَ به الخَرَف؛ والخرَفُ - بفتح الراء - فسادُ العقل من الكبر ، وقد خرِف الرجل - بالكسر - فهو خَرِفٌ ؛ وإنما استعاذَ منه لأنه حالةٌ يختلّ فيها أشرف الأشياء الذي هو العقل ، ويَعْجز به عن أداء العبادات . قوله : (( وفتنة الصَّدْر)) يجوز أن يكون المراد بها : ما يحصل فيه من الوساوس الشيطانيّة ، ويجوز أن يكون المراد : ما يكون فيه من الهمم إلى المعاصي ، واكتساب الآثام ونحو ذلك ؛ وذلك لأن الصدر فيه القلبُ ، وهو مَحل هذه الأشياء ، وهو الأصل في أعمال سائر الأعضاء حتى إذا صلح هو صلحت الأعضاء ، وإذا فسد فسدت الأعضاء على ما جاء في الحديث . قوله: ((وعذاب القبر)) فيه إثبات عذاب القبر ، ردّاً على المعتزلة. والحديث : أخرجه النسائي ، وابن ماجه . ١٥١١ - ص- نا مسدد: نا المعتمر قال : سمعت أبي قال : سمعت أنس ابن مالك يقول : كان رسول الله - عليه السلام - يقول: (( اللهم إني أعوذُ بك من العجز والكسَلِ ، والجُبْنِ والبُخْلِ، والهَرَمِ ، وأعوذُ بك من عذابِ القبرِ ، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممات)) (١). ش - المعتمر : ابن سليمان ، وأبوه : سليمان بن طرخان . قوله: (( من العجز)) وهو عدم القدرة على الخير ، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به . قوله: (( والكسل )) وهو عدم انبعاث النفس للخير ، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه . قوله: ((والهرم)) - بفتح الهاء والراء - كِبَر السنّ ؛ وقد هرِم الرجل -بالكسر - وأهرَمه اللهُ فهو هَرِمٌ ، وقوم هرْمَى . (١) البخاري: كتاب الدعوات ، باب: التعوذ من فتنة المحيا والممات (٦٣٦٧) ، مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : التعوذ من العجز والكسل وغيره (٢٧٠٦) ، النسائى : كتاب الاستعاذة ، باب : الاستعاذة من الهم (٢٥٨/٨) . -٤٥٢- [١٨٣/٢-٢] قوله: ((وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)) أي: من/ فتنة الحياة والموت. واختلفوا في المراد بفتنة الموت ؛ فقيل : فتنة القبر ، وقيل : يحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار ، قالوا : واستعادته - عليه السلام - من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله وشرعه - أيضًا - لتعليم أُمته . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي . ١٥١٢ - ص - نا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد قالا : نا يعقوب بن عبد الرحمن - قال سعيد : الزهري - ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أنس ابن مالك قال : كنتُ أخدمُ النبيَّ - عليه السلام - فكنتُ أسمَعُهُ كثيراً يقولُ : ((اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحُزْنِ وضِلِعِ الدَّينِ وغَلَبَةِ الرجالِ )) . وذكر بعضَ ماذكره التَّيْميُّ (١) . ش - يعقوب بن عَبد الرحمن : ابن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ - بتشديد الياء - . وسعيد (٢) : ابن خالد بن قارظ القارظي المدني الزهري . روى عن : ربيعة بن عماد الديلي ، وسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم . روى عنه : الزهري ، وابن أبي ذئب ، ومحمد بن إسحاق بن يَسار وغيرهم ، قال الدارقطني : مدني يحتج به ، قال ابن سَعْد : توفي في آخر سُلْطان بني أمية ، وله أحاديث . روى له : أبو داود ، والنسائي، وابن ماجه . قوله: ((وضلع الديْن )) أي: ثقله، والضَلعُ: الاعوجاج، أي: يُثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال ، يقال : ضلع - بالكسر - يضلع (١) البخاري : كتاب الدعوات ، باب: الاستعاذة من الجبن والكسل (٦٣٦٩) ، · الترمذي: كتاب الدعوات ، باب رقم (٧١) (٣٤٨٤)، النسائي: كتاب ٠٠٠٠ الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الهم (٢٥٧/٨) و(٢٦٥/٨، ٢٧٤). (٢) كذا ترجم المصنف لراوٍ آخر ، وإنما المقصود هو سعيد بن منصور ، والله أعلم. -٤٥٣- ضَلَعًا - بالتحريك - وضَلَع - بالفتح يضلَع ضَلْعًا - بالتسكين - أي : مال . . قوله: (( ما ذكره التيمي )) أي: سليمان بن طرخان التيمي الذي ذكر في الحديث الماضي ، وهو والد المعتمر . والحديث : أخرجه البخاريّ ، والترمذي ، والنسائي . ١٥١٣ - ص - نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن طاوس، عن عبد الله بن عباس ، أن رسول الله - عليه السلام - كان يعَلِّمُهُم هذا الدُّعاءَ كما يُعلِّمُهُمُ السورة من القرآن يَقولُ: «اللهم إني أعوذُ بكَ من عذاب جهنمَ ، وأعوذُ بك من عذاب القبر ، وأعوذُ بك من فتنةِ المسيحِ الدجال، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممَت)) (١). ش - أبو الزبير : محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي . قوله: ((كان يُعلمهم)) أي: يُعلّم الصحابة ، وقد مر الكلام في المسيح الدجال في (( كتاب الصلاة في باب التشهد )) . والحديث : أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي .. ١٥١٤ - ص - نا إبراهيم بن موسى الرازي : أنا عيسى : نا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، أن النبيّ - عليه السلام - كان يَدْعُو بهؤلاء الكلمات : (( اللهم إني أعوذُ بك من فتنة النارِ ، وعذاب النار ، ومن شرِّ الغَنَا والفقرِ)) (٢). (١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : ما يستعاذ منه في الصلاة (٥٩٠) ، الترمذي: كتاب الدعوات، باب رقم (٧٧) (٣٤٩٤)، النسائي: كتاب الجنائز ، باب : التعوذ من عذاب القبر (١٠٤/٤). (٢) البخاري : كتاب الدعوات ، باب: التعوذ من فتنة الفقر (٦٣٧٧)، مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : التعوذ من شر الفتن وغيرها (٥٨٩) ، الترمذي: كتاب الدعوات، باب: ٧٧ (٣٤٩٥)، النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر فتنة الغنى (٢٦٦/٨)، ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله اَلر (٣٨٣٨). - ٤٥٤- ش - عيسى : ابن يونس ، وهشام : ابن عروة . قوله: (( من فتنة النار )) أراد بها الذنوب والأعمال السيئة التي تكون سببا لدخول النار . قوله: ((ومن شر الغنا)) شر الغنا : أن يرزق مالا ولم يرزق هداية إلى إخراج ما أوجب الله عليه فيه من الصدقات ، والصرف في مصارفه الشرعية . وشر الفقر : قيل : فقر النفس ، وقيل : فقر المال ، وشره : أن لا يرزق صبراً على ذلك . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه بنحوه أتم منه . ١٥١٥ - ص - نا موسى بن إسماعيل: نا حمّاد : أنا إسحاق بن عبد الله ، عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله وَِّ كان يقولُ: ((اللهم إني أعوذُ بكَ من الفَقْرِ والقلَّةِ والذَّلَّةَ، وأعوذُ بك مَنَ أنْ أَظلِمَ أو أُظْلِمَ))(١). ش - حماد : ابن سلمة ، وإسحاق بن عبد الله : ابن زيد الأنصاري ، وسعيد بن يَسَار : أبو الحُبَاب المدني . قوله: ((والقلّة)) يجوز أن تكون تفسيرا لقوله ((الفقر)) إذا أريد بالفقر فقر المال ، وإذا أريد بالفقر فقر النفس يكون المراد من القلة الفقر - أعني: فقر المال - . فإن قيل : قد ثبتت أحاديث كثيرة بفضل الفقر ، فكيف تصحّ الاستعاذة منه ؟ قلت : المراد منه : الفقر الذي يكون فيه التسخط وقلة الصبر ، أو الوقوع في الحرام ، أو شبهة للحاجة ، وأما الفقر الذي فيه القناعة والصبر والرضا ، فذاك مما كانت الأنبياء - عليهم السلام - يفتخرون به ، ثم مَن بعدهم من الصلحاء والزهداء . قوله: (( من أن أظلم)) - بفتح الهمزة - أي : أظلم غيري . قوله : (( أو أُظلم)) - بضم الهمزة وفتح اللام - أي : أو يظلمني غيري، والمعنى : وأعوذ بك من أن أكون ظالما أو مظلومًا . والحديث أخرجه : النسائي ، وابن ماجه من حديث جعفر بن عياض / عن أبي هريرة . [٢ /١٨٣ -ب] (١) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الذلة (٢٦١/٨). - ٤٥٥- ١٥١٦ - ص - نا ابن عوف : نا عبد الغفار بن داود : نا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : كان من دعاء رسول الله - عليه السلام -: ((اللهم إني أعوذُ بكَ من زَوَال نعمَتَكَ، وتحوَّل عافيتكَ، وفُجَاءَةِ نقمَتَكَ، وجميع سخطكَ)) (١) . ش - محمد : ابن عوف الحمصي . وعبد الغفار بن داود : ابن مهران بن زياد بن داود بن سليمان بن عمير أبو صالح الحراني ، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة ، وخرج به أبوه إلى البصرة وهو طفل ، وكانت أمه من أهلها فنشأ بها ، وتفقه وسمع الحديث بها من حماد بن سلمة ، ثم رجع إلى مصر مع أبيه ، فسمع من : الليث ابن سَعْد ، وابن لهيعة ، ويَعْقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني . روى عنه : ابن عوف وغيره ، وتوفي بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين . قوله: ((وفجاءة نقمتك)) - بضم الفاء ، وفتح الجيم والمدّ، وبفتح الفاء وسكون الجيم - مقصورة - على وزن ضربة لغتان بمعنى البَغْتة من غير مقدمة ، والنقمة : بكسر النون ، وسكون القاف مثل نِعْمة ، ويُقال : نَقِمة: بفتح النون ، وكسر القاف مثل كلمة . والحديث أخرجه : مسلم . ورواه عن أبي زرعة الرازي أحدٍ حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظا - ولم يرو مسلم في (( صحيحه )) عنه غير هذا الحديث ، وهو من أقران مسلم ، توفي بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين . ١٥١٧ - ص - حدثني عمرو بن عثمان : نا بقية : نا ضبارة بن عبد الله بن أبي السَّليك ، عن دويد بن نافع : نا أبو صالح السمان قال : قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن رسولَ الله وَ ل﴿ كان يدْعو يَقولُ: ((اللهم إني أعوذُ بك من الشِّقاق والنِّفَاقِ، وسُوءِ الأخلاقِ)) (٢). (١) مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء ، وبيان الفتنة بالنساء ٩٦ - (٢٧٣٩). (٢) النسائي : كتاب الاستعاذة ، باب : الاستعاذة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق (٢٦٤/٨) . - ٤٥٦- ش - بقية : ابن الوليد . وضبارة - بضم الضاد المعجمة وكسرها ، وفتح الباء الموحدة بعدها ألف وبعدها راء - ابن عبد الله بن أبي السّليك أبو شريح الشامي الحضرمي . روى عن : دويد بن نافع . روى عنه : بقية ، قال السعدي : روى حديثا معضلا . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . ودُوَيَد - بضم الدال المُهْملة ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال - أيضا - ابن نافع القرشي الأموي مولاهم ، أبو عيسى الدمشقي ، ويقال : الحمصي . روى عن : أم هانئ بنت أبي طالب ، وعروة بن الزبير ، وأبي صالح السمّان ، والزهري وغيرهم. روى عنه : أخوه مسلمة بن نافع ، وضبارة بن عبد الله ، وابنه : عبد الله ابن دُوَيَد ، قال أبو حاتم : هو شيخ . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . قوله: ((يَقُول)) بدل من قوله ((يدعو)) . والشقاق: الخلاف والعداوة. والنفاق : يجوز أن يراد به المعنى المخصوص ؛ وهو الذي يَسْتر الكفر ويظهر الإيمان ، ويجوز أن يراد به الرياء كقوله - عليه السلام -: (( أكثر منافقي هذه الأمة قُراؤها)) أراد بالنفاق هاهنا الرياء ؛ لأن كليهما إظهار غير ما في الباطن، ويجوز أن يراد به النفاق المذكور في قوله: (( آية المنافق ثلاث)) الحديث . والأخلاق : جمع خُلق - بضم اللام وسكونها - وهو الطبع والسجية. والحديث أخرجه: النسائي. وفي ((مختصر السنن)): في إسناده بقية ، ودُوَيْد بن نافع ، وفيهما مقال . ١٥١٨ - ص - نا محمد بن العلاء: أنا (١) ابن إدريس ، عن ابن عجلان، عن المقبري ، عن أبي هريرةَ قال : كان رسولُ الله - عليه السلام - يقولُ : ((اللهم إني أَعُوذُ بكَ مِنِ الجُوعِ؛ فإنه بئس الضَّحِيعُ، وأعوذُ بكَ من الخيانةِ؛ فإنها بِئستِ البِطَانَةُ )) (٢) (١) في سنن أبي داود: ((عن)). (٢) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الخيانة (٢٦٣/٨). ٣٠ • شرح سنن أبي داوود ٥ -٤٥٧- ش - عبد الله : ابن إدريس، ومحمد : ابن عجلان، وسعيد : المقبري. قوله: ((فإنه)) أي : فإن الجوع بئس الضجيع ؛ والضجيع : الذي يُضاجعك، من ضجع إذا وضع جنبه على الأرض يضجع ضجعًا وضجوعًا فهو ضاجع ، وأضجع مثله وأضجَعْتُه أنا . قوله: (( بئست البطانة)) بطانة الرجل : صاحب سِرّه وداخلة أمره ، الذي يُشاورُه في أمره وأحْواله . والحديث أخرجه : النسائي . ١٥١٩ - ص - ناقتيبة بن سعيد: نا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أخيه : عبّاد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقولُ: كان رسولُ [١٨٤/٢-١] الله / - عليه السلام - يقول: (( اللهم إني أعوذُ بك من الأَرْبعِ: من علم لا يَنفَعُ، ومن قلبٍ لا يَخْشِعُ، ومن نفسٍ لا تَشْبِعُ، ومِن دعاءٍ لا يُسْمِعُ )) (١). ش - عباد - بتشديد الباء - بن كيسان ، وهو ابن أبي سعيد المقبري . روى عن : أبيه . روى عنه : أخوه : سعيد . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . قوله: ((من علم لا ينفع)) العلم الذي لا ينفع وبال وحَسْرة كمثل الحمار الذي يحمل أسفارا . والقلب الذي لا يخشع : قلب قاسٍ لا ينقاد للطاعة، ولا لأمور الشريعة . والنفس التي لا تشبع : استعارةٌ من الحرص والطمع والشَّرَه، وتعلّق النفس بالآمال البعيدة . والدُّعاء الذي لا يُسمَعُ: أي لا يُستجاب كلا دعاء ، وجوده وعدمه سواء . هذا الحديث وغيره من الأدعية المَسْجُوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلَّف ؛ فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ، ويُلْهِي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب ، فأما ما حصل بلا كلفة ، ولا إِعْمال فكرٍ لكمال (١) النسائي: (٢٦٣/٨) كتاب الاستعاذة، باب : الاستعاذة من نفس لا تشبع (٢٦٣/٨)، وباب: الاستعاذة من دعاء لا يسمع (٢٨٤/٨)، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب: دعاء رسول الله وَالر (٣٨٣٧). -٤٥٨- الفصاحة ونحو ذلك ، أو كان محفوظا فلا بأس به ؛ بل هو حسَنُ . والحديث أخرجه : النسائي ، وابن ماجه . وأخرجه مسلم في (( صحيحه )) من حديث زيد بن أرقم ، عن رسول الله - عليه السلام - بنحوه أتم منه. وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله - عليه السلام - ، وقال : حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ١٥٢٠ - ص - نا محمد بن المتوكل : نا المعتمر قال : قال أبو المعتمر : أُرَى أن أنس بن مالك حدثنا أن رسولَ الله - عليه السلام - كان يقول : ((إني (١) أعوذُ بك من صلاة لا تنفعُ )) وذكر دعاءً آخرَ (٢) . ش - المعتمر : هو ابن سليمان ، وأبو المعتمر : سُليمان بن طرخان التيمي ، والد المعتمر . قوله: ((أرى)) على صيغة المجهول ، أي: أظن أن أنس بن مالك . وقد اتفق البخاري ، ومسلم على الاحتجاج بحديث أبي المعتمر ، غير أنه لم يُجزَمْ بسماعه من أنس بن مالكٍ . ١٥٢١ - ص -نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن منصور ، عن هلال ابن يساف ، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال : سألت عائشةَ أمَّ المؤمنين - رضي الله عنها - عما كان رسولُ الله يدعو به، قالت: كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شَرِّ ما عملتُ، ومنَ شرِّ ما لم أَعْمَلْ)) (٣). ش - جرير : ابن عبد الحميد ، ومنصور : ابن المعتمر . وفَرْوة بن نوفل الأشجعي : روى عن : أبيه ، وعائشة زوج النبي (١) في سنن أبي داود: ((اللهم إني)). (٢) تفرد به أبو داود . (٣) مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب : التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (٢٧١٦/٦٥)، النسائي : كتاب السهو ، باب : التعوذ في الصلاة (٥٦/٣)، وكتاب الاستعاذة، باب: من شر ما عمل وذكر الاختلاف على هلال (٢٨١/٨)، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب : ما تعوذ منه رسول الله ◌َخة (٣٨٣٩) . - ٤٥٩- - عليه السلام - . روى عنه : السَّبيعي ، وهلال بن يساف ، وشريك بن طارق . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . والحديث أخرجه : مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ١۵٢٢ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا محمد بن عبد الله بن الزبيرح ونا أحمد : نا وكيع - المعنى - ، عن سَعْد بن أوس ، عن بلال العَبْسي ، عن شُتَيْر بن شَكَلٍ ، عن أبيه - قال في حديث أبي أحمد : شَكَل بن حميدَ - قال: قلتُ: يا رسولَ الله! عَلِّمْنِي دعاءً، قال: ((قُلْ: اللهمَّ إني أعوذُ بك من شرِّ سَمْعي، ومن شرِّ بَصَرِي ، ومن شرٌّ لِسَانِي، ومن شرِّ قَلْبِي ، ومنْ شرِّ مَنِّي)) (١) . ش - سَعْد بن أوس: العَبْسي ، ويقال : العدوي ، ويقال : العبْدي ، أبو محمد الكاتب الكوفي ، ويقال : البصري . سمع : الشعبي ، وأنس ابن سيرين ، وبلالا (٢) العَبْسي وغيرهم . روى عنه: وكيع ، وأبو نعيم، وأبو أحمد الزبيري وغيرهم ، قال ابن معين : بصري ضعيف ، وقال أبو حاتم : صالح . روى له : أبوداود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وبلال : ابن يَحْيِى العَبْسي الكوفي . روى عن : علي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وشتير بن شكل . روى عنه : سَعْد بن أوس ، وليث ابن أبي سليم ، ووكيع ، وحماد ، وأبو أحمد الزَّبَيْري . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وشتير - بضم الشين المعجمة ، وفتح التاء ثالث الحروف ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها راء - ابن شكل - بفتح الشين المعجمة ، وفتح الكاف بعدها لام - ابن حُميد العَبْسي ، أبو عيسى الكوفي . روى (١) الترمذي: كتاب الدعوات، باب رقم (٧٥). (٣٤٩٢) ، النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر الذكر (٨/ ٢٦٧). (٢) في الأصل: ((وبلال)). - ٤٦٠-