Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٤١ - كَيفَ يُستحبُّالتَّرَسُلُ في القُرآنِ ؟
أي : هذا بيان كيف يستحب للقارئ أن يترسّل في قراءته ؛ يُقال :
ترسَّلَ الرجلُ في كلامه ومَشْيه إذا لم يعجل ؛ والترسّل والترتّل سواءٌ .
وفي بعض النسخ: ((بابٌ في تَرتيلِ القرآن)) وفي بعضها: ((باب
استحباب الترتل في القرآن)) (١).
١٤٣٤ - ص - نا مُسدّد: نا يحيى، عن سفيان : حدثني عاصم بن بهدلة،
عن زرّ، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((يُقال لصَاحب
القرآن : اقرأ وارْتَق ورتِّلْ كما كُنْتَ تُرتِّلُ في الدنيا ؛ فإن مَنْزِلَكَ عند آخر آية
تَقْرؤُهَا)) (٢) .
ش - يحيى : القطان ، وسفيان : الثوري ، وزِرّ : ابن حُبَيْش .
قوله: (( وارتق)) أمرٌ من ارتقى يَرتقي؛ ومعناه: اصعَدْ إلى منزلك
درجةً درجةً ؛ فإن منزلَه بحسَب قراءته من الآيات ، وهو معنى قوله :
((فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)» وجاء في الأثر أن عدد آي القرآن على
قدر عدد درج الجنة ، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى
درج الجنة ، ومن قرأ جزءًا منها كان رقيه في الدرج على قدر ذلك ،
فيكون منتهى الثواب على قدر منتهى القراءة . ويُستفاد منه : استحباب
الترتيل في القراءة . والحديث : أخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وقال
الترمذي : حسن صحيحٌ .
١٤٣٥ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا جرير ، عن قتادة قال : سألتُ
أنَسًا عن قراءة النبيُّ - عليه السلام -، فقالَ: كان يَمُدُّمَدا(٣).
(١) كما في سنن أبي داود، وعنده ((القراءة)) بدلا من ((القرآن)).
(٢) الترمذي : ثواب القرآن ، باب : من ليس في جوفه نار كالبيت الخرب
(٢٩١٤)، تحفة (٦/ ٨٦٢٧).
(٣) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: مد القرآن (٥٠٤٥)، الترمذي :
في ((الشمائل))، باب: ما جاء في قراءة رسول اللّه وَلو (٣١٦)،
النسائي: كتاب الافتتاح، باب: تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب (١٧٦/٢) ، =
- ٣٨١-

" ش - جرير : ابن حازم البصري .
قوله : ((كان يَمدّ)) من مدَدتُ الشيء مَدا ومدادا وهو ما يُكثَّرُ به الشيءُ
ويُزادُ ؛ ولكن المرادَ من المدّ هَاهُنا هو المَدّ المُصطلح بَيْن أهل القراءة ،
وذلك يحسُن به نظم القرآن ، ويُعطي للحروف حَقها ، ويَحْصلُ به
الترتيلُ . والحديث أخرجه : البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه .
١٤٣٦ - ص - نا يزيد بن خالد بن موهب الرمْلي : نا الليث ، عن ابن
أبي مليكة، عن يَعْلِى بن مَمْلَك ، أنه سأَلَ أمَّ سلمةَ عن قراءة رسول الله
-عليه السلام - وصلاته فقالت : وَمَا لَكُم وصلاتَه، كان يُصلِّي وَيَنَامُ قدَرَ ما
صَلَّى ، ثم يُصلِّي قدرً ما نَامَ ، ثم ينامُ قدرَ ما صَلَّى حتى يُصْبحَ ، ونَعتَتْ
قراءته فإذا هِي تَنْعُتُ (١) حَرْفا حَرْقًا (٢).
ش - الليث : ابن سَعْد ، وعبد الله: ابن أبي مليكة . ويَعْلِى بن مَمْلك
- بفتح الميم الأولى ، وسكون الثانية ، وبعدها لام وکاف - . روی عن:
أم سلمة زوج النبي - عليه السلام - . روى عنه : ابن أبي مليكة . روى
له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي .
قوله: ((ونَعتَتْ)) النَّعْت: وصْف الشيء بما فيه من حُسْنِ، ولا يُقالُ
في المذموم إلا أن يتكلّف متكلف فيقول : نعت سُوء .
قوله: « تنعت حرفا حرفًا)) يعني: كان يقرأ القرآن حرفا حرفًا؛ وذلك
لا يكون إلا بالترتيل والتأني ، ورعاية مخارج الحروف ، وإعطاء حقوقها،
ورعاية المدود بأجناسها ونحو ذلك . والحديثُ : أخرجه الترمذي
= ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب : ما جاء في القراءة في
صلاة الليل (١٣٥١) .
(١) في سنن أبي داود: ((تنعت قراءته)).
(٢) الترمذي: ثواب القرآن، باب: كيف كانت قراءة النبى وَل و (٢٩٢٤)،
النسائي : كتاب الافتتاح ، باب : تزيين القرآن بالصوت (١٧٩/٢).
-٣٨٢-

/ والنسائي ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من [٢/ ١٧٠-١]
حديث ليث بن سَعْد ، عن ابن أبي مليكة ، عن يَعلى بن مَملك .
١٤٣٧ - ص - نا حفص بن عُمر : نا شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن
عبد الله بن مُغفّل قال : رأيتُ النبيَّ - عليه السلام - يومَ فتح مكة وهو على
ناقة يقرأُ بسُورةِ الفتحِ وهو يُرجِّعُ (١).
ش - الترجيع : ترديد القراءة ، وقيل : هو تقارب حروف الحركات في
الصوت. وفي ((صحيح البخاري)) : كيف كان ترجيعه فقال: أاآآاآ
ثلاث مرات ؛ وهذا إنما حصل منه - عليه السلام - لأنه كان راكبًا ،
فجعلت الناقّةُ تحركهُ فيحصلُ هذا من صوته . وقد جاء في حديث آخر أنه
كان لا يُرجّع ، قيل : لعلّه لم يكن راكبًا فلم يلجأ إلى الترجيع .
والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي .
١٤٣٨ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن الأعمش ، عن
طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة ، عن البراء بن عازب قال : قال
رسولُ اللهَِِّ: ((زَيْنُوا القرآنَ بأصْوَاتِكُم)) (٢) .
ش - جرير : ابن عبد الحميد ، وطلحة : ابن مُصرف الكوفي .
قوله: ((زيّنوا القرآن بأصْواتكم)) قيل: معناه: زيّنوا أصواتكم بالقرآن؛
هكذا فسّرّه غير واحد من أئمة الحديث وقالوا : إنه من باب المقلوب كما
قالوا : عرضت الناقة على الحوض ، وكقولهم : استوى العُود على
الجرباء أي: استوى الجرباء على العود. وفي بعض طرُقُه: ((زينوا
أصواتكم بالقرآن )» والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآن ، والهجوا بقراءته،
واتخذوه شعارا وزينةً ؛ وليس ذلك على تطريب القول . وقال آخرون :
(١) البخاري : كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي الراية يوم الفتح (٤٢٨١)،
مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب: قراءة وَّر سورة الفتح يوم
الفتح (٧٩٤)، الترمذي في ((الشمائل))، النسائي في الكبرى : كتاب
فضائل القرآن .
(٢) النسائي: كتاب الافتتاح ، باب: تزيين القرآن بالصوت (١٧٩/٢) ، ابن
ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : في حسن الصوت بالقرآن (١٣٤٢).
-٣٨٣-

لا حاجة إلى القلب ؛ وإنما معناه : الحثّ على الترسّل الذي أمر به في
قوله تعالى: ﴿وَرَتِّل الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (١) فكأن الزينة للمرتل لا للقرآن ،
كما يُقال: وَيْل للشَّعْر من رُوَاَة السُّوء ، فهو راجع إلى الراوي لا إلى
الشعر ؛ فهو حثّ على ما يزين من الترتيل ، والتدبّر ومراعاة الإعراب ،
وقيل : أراد بالقرآن القراءة أي : زينوا قراءتكم بأصواتكم . والحديث
أخرجه : النسائي ، وابن ماجه .
١٤٣٩ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي، وقُتيبة بن سَعيد، ويزيدُ بن خالد
ابن مَوهب الرملي بمعناه، أن الليث حدثهم عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن
عُبيد الله بن أبي نهيك ، عن سَعْد بن أبي وقاص . وقال يزيدُ : عن ابن
أبي مليكة ، عن سعيد بن أبي سَعيد - وقال قتيبة : هو في كتابي عن سعيد بن
أبي سَعيد - قال: قال رسولُ الله: ((ليْس مِنَّا من لم يَتَغنَّ بالقرآنِ)) (٢) .
ش - عُبيد الله بن أبي نهيك - بفتح النون وكسْر الهاء - . روى عن :
سَعْد بن أبي وقاص . روى عنه : ابن أبي مليكة . روى له : أبو داود ،
وذكره في ((الكمال)) في باب ((عبد الله)) بالتكبير في العبد ، وفي نسخ
كثيرة من ((السُّنَن )): عُبَيْد الله - بالتصغير .
قوله: (( وقال يزيد )) أي : قال يزيد بن خالد المذكور في روايته عن
عبد الله بن أبي مليكة ، عن سعيد بن أبي سَعيد المقبري .
قوله: (( وقال قتيبة)) أي: قال قتيبة بن سعيد في روايته : إن الليث
حدثه عن سعيد بن أبي سعيد ، عن سَعْد بن أبي وقاص قال : قال
رسول الله . وروى هذا الحديث أبو صالح كاتب الليث ، عن الليث ،
عن ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سَعْد بن أبي وقاص،
عن رسول الله وَّر، وقال أبو صالح: هكذا حدّث به الليث، عن سَعْدِ
- يعني : ابن أبي وقاص - وكان يُحدِّثُ قبلَ ذلك عن [ ابن ] أبي مليكة،
عن سَعيد بن أبي سعيد . وقال الدارقطني : اختلف عن الليث في ذكر
(١) سورة المزمل: (٤) .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٣٨٤-

سَعْد بن أبي وقاص ؛ فأما الغرباء عن الليث : فرووه على الصواب عن
سعد ، وأما أهل مصر : فرَوَوْه وقالوا : عن سعيد بن أبي سعيد مكان
سَعْدَ ، والصواب : ما رواه عمرو بن دينار ، وابن جريج ، عن ابن
أبي مليكة ، عن عبيد الله بن أبي نهيك ، عن سَعْد .
قوله: ((من لم يتغن بالقرآن)) قال وكيع وسفيان بن عيينة : معناه : من
لم يَسْتَغْن به . واختلف في معنى ذلك ، فقيل : يستغني به عن الناس ،
وقيل : يستغني به عن غيره من الأحاديث والكُتب ، وقيل : معناه من لم
يجهر به ، وقيل : من لم يُحسِّن صوته ، وقيل : من لم يجعله هجيراه.
وقال ابن الأعرابي : كانت العرب تتغنى بالركبان / إذا ركبت وإذا جلست [٢/ ١٧٠ -ب]
في الأفنية وعلى أكثر أحوالها ، فلما نزل القرآن أحبّ النبي - عليه
السلام- أن يكون هَجيراهم بالقرآن مكان التغني بالرُّكبان . وأول مَن قرأ
بالألحان : عُبِيدُ الله بن أبي بكرة ، فورثه عنه عُبيد الله بن عمر ، ولذلك
يُقالُ : قراءة العُمري ، وأخذ ذلك عنه: سعيد العلاّفِ الأَباضي . وقال
الشافعي : معناه : تحسين القراءة وترقيقها . وقال أبو عبيد القاسم بن
سلام : مَحملُ هذه الأحاديث التي ذكرناها في حُسْن الصَّوْت إنما هو على
طريق الحزن والتخويف والتشويق ؛ فهذا وجهُهُ لا الألحان المطربة المُلْهية .
قوله : ((ليْسَ منا )) بمعنى: ليس على سيرتنا ، أو ليس بمهتد بهَدْينا،
ولا بمتخلّق بأَخْلاقنا . وذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين
الإسلام؛ وليس بصحيح، وكذا معنى قوله: ((من غشّنا)) ونحو ذلك.
١٤٤٠ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا سفيان بن عُيَينة ، عن عَمرو ،
عن ابن أبي مليكة ، عن عُبيد الله بن أبي نهيك ، عن سَعْد قال : قال النبي
-عليه السلام - مثله (١) .
ش - أي : مثل الحديث المذكور .
١٤٤١ - ص - نا عبد الأعلى بن حماد : نا عبد الجبار بن الورْد قال :
(١) تفرد به أبو داود .
٢٥ • شرح سنن أبي داوود ٥
- ٣٨٥-

سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبيد الله بن أبي بَزيد : مرّ بنا أبو لُبَابة
فاتبعناه حتى دخَلَ بيتَه فدخلنا عليه ، فإذا رجلٌ رَثُّ البَيْت ، رَثُّ الهيئَة ،
فسمعتُه يقولُ: سمعتُ رسولَ الله - عليه السلام - يقولُ: (( ليسَ مِنَّا من لَم
يَتَغَنَّ بالقرآن )). قال: فقلتُ لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيتَ إذا لم
يَكُن حسَنَ الَصَّوْت؟ قال: يُحَسِّنُه ما استطاعَ (١) .
ش - عبد الأعلى بن حماد : ابن نصر النَّرْسِي الباهلي أبو يحيى
البصري ، سكن بغداد ، ونَرْس - بالنون - لقب لجدهم ، وكان اسمه
نصرا فلقبته القبط نَرْسًا . روى عن : مالك بن أنس ، وحماد بن سلمة ،
وحماد بن زيد ، وابن عيينة وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، وأبو حاتم،
وأبو زرعة ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي ، عن رجل ، عنه ،
وغيرهم . مات بالبصرة في سنة سبع وثلاثين ومائتين .
وعبد الجبار بن الورد : المكي ، أخو وُهَيْب . روى عن : ابن
أبي مليكة ، وعمرو بن شعيب ، وعطاف بن خالد . روى عنه :
عبد الأعلى بن حماد ، وبُسرة بنت صفوان ، قال ابن معين ، وأبو حاتم:
هو ثقة ، وقال أحمد : لا بأس به . روى له : أبو داود ، والنسائي .
وعبيد الله بن أبي يزيد : المكي مولى آل قارظِ حُلفاء بني زهرة .
سمع: ابن عباس ، وابن عُمرَ ، وابن الزبير ، ونافع بن جبير ،
ومجاهدا. روى عنه : ابن جريج ، وشعبة ، وحماد بن زيد وغيرهم ،
قال ابن معين : ثقة . مات سنة ست وعشرين ومائة . روى له: الجماعة.
وأبو لُبابة : اسمُهُ : رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر الأنصاري المدني ،
وقيل : اسمه : بَشير . روى له : مسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه .
قوله: ((رَثّ البَيْت)) الرث - بفتح الراء ، وتشديد الثاء المثلثة - الشيء
البالي ، وفلان رث الهيئة ، وفي هيئته رثاثة ، أي : بذاذة ، وأرَثَّ
الثوبُ، أي : أَخْلقَ .
(١) تفرد به أبو داود .
-٣٨٦-

قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني ((إذا لم يكن)) أي: القارِئ.
١٤٤٢ - ص - نا سليمان الأنباري قال : قال وكيع وابن عيينة :
يَسْتُغنِي(١) (٢) .
ش - أي : قال وكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينة في تفسير قوله :
((من لم يتغن)) : من لم يَسْتغن، وقد ذكرناه الآن.
١٤٤٣ - ص - نا سليمان بن داود المَهْري : أنا ابنُ وهب : حدثني عُمر
ابن مالك ، وحَيْوة ، عَن ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أن رسولَ الله - عليه السلام -
قال : (( ما أَذِنَ اللهُ لِشيءٍ ما أَذِنَ لِنْبِيٌّ حَسَنِ الصَوْتِ يَتَغَنَّى بِالقرآنِ بِجْهَرُ
به))(٣)
ش - عُمر بن مالك : الشرعبي المصري ، وحيوة : ابن شريح ،
ویزید: ابن الهاد .
قوله: (( ما أذن اللهُ)) - بفتح الهمزة ، وكسْر الذال المعجمة - يُقال :
أذنتُ للشيء آذَنُ أَذَنَا - بفتح الهمزة والذال - ؛ والمعنى : ما استمع لشيء
كاستماعه لهذا ، والله تعالى لا يَشْغلُه شأنٌ عن شأنٍ ؛ وإنما هي استعارة
الرضا والقبول لقراءته وعمله ، والثواب عليه .
قوله: (( ما أذن لنبيٌّ)) ((ما)) مَصْدرية؛ والتقدير: كأَذَّتِه لنبيِّ .
قوله: ((يتغنى بالقرآن)) قد بيّنا الاختلاف في معناه، وهذه / جملة [١٧١/٢ -أ]
حالية ، وكذا قوله : (( يَجْهر به )) حال أُخرى مترادفة أو متداخلة ، وقد
(١) في سنن أبي داود: ((يعني: يستغني به)).
(٢) انظر التخريج المتقدم .
(٣) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: من لم يتغن بالقرآن (٥٠٢٣)،
مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : استحباب تحسين الصوت بالقرآن
(٧٩٢) ، النسائي: كتاب الافتتاح ، باب : في تزيين الصوت بالقرآن
(١٠١٨) .
-٣٨٧-

قيل: إنه تفسيرٌ لقوله: (( يتغنى)) وكل من رفع صوته بشيء مُعلِنا به فقد
تغنى به . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
٣٤٢ - بَابٌ: فِيمَنْ حَفِظَ القُرآنَ ثم نَسِيَهُ
أي : هذا باب في بيان الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه ، وفي
بعض النسخ: ((باب التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه)) (١) وفي
بعضها: ((التشديدُ فيمن حفظ القرآن ثم نسيه)) بدون لفظ ((باب)).
١٤٤٤ - ص - نا محمد بن العلاء : خبّرِنا ابنُ إدريس ، عنِ يَزيد بن
أبي زياد ، عن عيسى بن فائد، عن سَعْد بن عُبادة قال : قال رسولُ الله - عليه
السلام - : (( ما من امرئ يقرأُ القرآن ثم يَنْساهُ، إلا لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ
أجْذمَ))(٢) .
د
ش - ابن إدريس : عبد الله بن إدريس . ويزيد بن أبي زياد : الهاشمي
مولاهم الكوفي ، كنيته : أبو عبد الله ، ولا يحتج بحديثه .
:
وعيسى بن فائد - بالفاء . روى عن : سَعْد بن عبادة ، وقيل : عن
رجل من خزاعة . وروى عنه : يزيد بن أبي زياد ، قال علي بن المديني :
لم يَرْو عنه غيره ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : عيسى بن فائد .
روى عمن سمع سَعْد بن عبادة ؛ فالحديث على هذا منقطع مع ضَعْفِه .
قوله: ((أجزم)) الأجذمُ : المقطوع اليد ، وقيل : الأجذم هاهنا :
المجذوم ، وقيل : يلقى الله تعالى خالي اليد عن الخير ؛ كنى باليد عما
تحويه اليدُ ، وقيل : لقي الله تعالى لا حجة له . وذكر الجوهري أنه لا
يقال للمجذوم أجذم . ثم قيل : ليس المراد : مَنْ يحفظ القرآن بالغيب
ثم ينساه ؛ وإنما المرادُ : الذي يقرأ القرآن ، ويعلم حَلاله وحرامه ثم
بَنساه. أي : يتركه ولا يعمل بما فيه ، فافهم .
(١) كما في سنن أبي داود .
(٢) تفرد به أبو داود .
-٣٨٨-
:

٣٤٣ - بَابٌ: أُنزِلَ القُرآنُ على سَبْعَة أَحْرُف
أي : هذا باب في بيان أن القرآن أنزل على سَبْعَةٍ أَحرفٍ ، وفي بعض
النسخ : ((باب في قوله : نزل القرآن على سبعة أحرف)) وفي بَعضِها :
((أُنزل القرآن على سبعة أَحْرف)) بدون لفظ الباب.
١٤٤٥ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن
الزُّبير ، عن عبد الرحمن بن عَبْد القاريّ قال : سمعتُ عمرَ بن الخطاب
يَقولُ : سمعتُ هشام بن حكيم بن حزام يقرأُ سُورةَ الفُرقانِ على غَيْرِ ما
أقرؤُهَا، وكان رسولُ الله أَقرأنيه (١) ، فكدتُ أَنْ أَعْجِلَ عليه ، ثم أمْهَلْتُهُ
حتى انصرفَ ، ثم لبَيْتُهُ بِردائي ، فجئتُ به رسولَ الله فقلتُ : يا رسولَ الله !
إني سمعتُ هذا يقرأُ سُورةً الفرقان على غير ما أَقْرَأَتَنَهَا، فقال له رسولُ الله:
((اقْرأْ)) فقرأَ القِرَاءَةَ التي سمعتُهُ يقَرَأُ، فقالَّ رسولُ الله: ((هكذا أُنزِلَتْ )) ثم
قال لي: ((اقرأ)) فقرأتُ، فقال: ((هكذا أُنزِلَتْ)) ثم قال: ((إن هَذَا القُرآنَ
أُنزِلَ على سَبْعَةٍ أحرُف، فاقْرُءُوا ما تَسَّرِ منهُ)) (٢).
ش - عبد الرحمن بن عبدٍ - بالتنوين ، والقارِيَّ - بالتشديد - نسْبة
إلى قارة - وقد ذکرناه .
وهشام بن حكيم بن حزام - بكسر الحاء المهملة ، وفتح الزاي - ابن
خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي ، أسلم
يوم الفتح . رُوي له عن رسول الله ستة أحاديث . روى له : مسلم
حديثًا واحدًا . روى عنه : عروة بن الزبير ، وقتادة البصري - والد
عبد الرحمن بن قتادة - ، وجُبير بن نُفير ، مات قبل أبيه ، وقيل : إنه
استشهد بأجنادين . روى له : أبو داود ، والنسائي .
(١) في سنن أبي داود: ((أقرأنيها)).
(٢) البخاري: كتاب فضائل القرآن ، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف
(٤٩٩٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب: القرآن على سبعة أحرف
(٨١٨)، الترمذي: كتاب القراءات ، باب: القرآن أنزل على سبعة أحرف
(٢٩٤٤)، النسائي: كتاب الافتتاح (٩٣٧، ٩٣٩).
-٣٨٩-

قوله: (( ثم لبيته)) - بتخفيف الباء وتشديدها ، والتخفيف أعرف -
ومعناه : جمعت عليه ثوبه عند صَدْره في لبّته ، ومَسكته بها وسُقْتُه ؛
واللبّة: المنحر، ووقع هاهنا (( لبيته بردائي))، ولفظ البخاري ، ومسلم،
والترمذي، والنسائي (( بردائه)) ويحتمل أن يكون جمعهما له لما حصل
عنده من الإنكار عليه .
قوله: ((على سَبعة أحرُّف)) قال العلماء: سبب إنزاله على سبعة أحرف
التخفيف والتَّسْهيل؛ ولهذا قال - عليه السلام -: ((هُوَّن على أمتِي)).
واختلفوا في المراد بسَبْعة أحرف؛ (((١) قال القاضي : قيل: هو
توسعة وتَسْهيل لم يقصد به الحصْر ، وقال الأكثرون : هو حَصْرٌ للعدد في
[٢/ ١٧١ -ب] سَبْعَةٍ، ثم قيل: هي سَبْعة في المعاني / كالوَعْد والوعيد ، والمحكم
والمُتَشّابه ، والحلال والحرام ، والقصص والأمثال ، والأمر والنَّهي.
ثم اختلف هؤلاء في تعيين السَّبْعة ، وقال آخرون : هي في صورة
التلاوة وكيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار ، وتفخيم وترقيق ، وإمالة
ومَدِّ ؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه ، فيسّرَ اللهُ تعالى
عليهم ، ليقرأَ كلُّ إنسان بما يُوافقُ لغتَه، ويَسْهِلَ على لسانه . وقال
آخرون: هي الألفاظُ والحروفُ .
ثم اختلف هؤلاء ، فقيل : سُبْعُ قراءات وأوجُه . وقال أبو عبيد :
سبع لغات للعرب يمنها ومعدها ، وهي أفصح اللغات وأعْلاها ، وقيل :
بل السبعة كلها لِمُضَر وحدها ، وهي متفرقة في القرآن غير مجتمعة في
كلمة واحدة . وقيل : بل هي مجتمعة في بعض الكلمات كقوله تعالى :
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ و﴿ نَرْتَعْ وَلْعَبْ﴾ و﴿بَاعِدْ بِينَ أَسْفَارِنَا ﴾
و﴿بَعَذَابِ بَئيس﴾ وغير ذلك . وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني:
الصحيح : أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضَت عن رسول الله
-عليه السلام - ، وضبطتها عنه الأمة ، وأثبتها عثمان والجماعة في
المصحف، وأخبروا بصحتها ، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواتراً ، وأن
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٩٩/٦ - ١٠٠).
- ٣٩٠-

هذه الأحرف تختلف معانيها تارةً وألفاظها أخرى ، وليست متضادةً ولا
متنافية .
وقال الطحاوي : إن القراءة بالأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصةً
للضرورة لاختلاف لغة العرب ، ومَشقّة أخذ جميع الطوائف بلغة ، فلما
كثر الناسُ والكتاب ، وارتفعت الضرورة عادت إلى قراءة واحدة . وقال
الداودي : وهذه القراءات السبع التي يقْرأ الناسُ اليوم بها ليس هو كل
حرف منها هو أحد تلك السبعة؛ بل قد تكون متفرقة فيها. وقال أبو عبد الله
ابن أبي مقرن : هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من
السبعة المذكورة في الحديث ، وهو الذي جمع عثمان - رضي الله عنه -
عليه المصحفَ . وكذا ذكره النحاسُ وغيرُه . وقال غيره : ولا تكن القراءة
بالسبعة المذكورة في الحديث في ختمة واحدة ، ولا ندري أي " هذه
القراءات كان آخر العرض على النبي - عليه السلام - ، وكلها مستفيضة
عن النبي - عليه السلام - ضبطها عنه الأئمة ، وأضافت كل حرف منها
إلى من أضيف إليه من الصحابة أي : إنه كان أكثر قراءة به ، كما أضيفت
كل قراءة منها إلى من اختار القراءة بها من القراء السبعة وغيرهم . قال
المازري : وأما قول من قال : المراد سبعة مَعان مختلفة كالأحكام والأمثال
والقصص فخطأ ؛ لأن النبي - عليه السلام - أشار إلى جواز القراءة بكل
واحد من الحروف ، وإبدال حرف بحرف ، وقد تقرّر إجماع المسلمين :
أنه يحرم إبدال آية أمثال بآية أحكام . قال : وقول من قال : المراد :
خواتيم الآي فيجعل مكان ((غفور رحيم)): ((سميع بصير )) فاسد
-أيضا- للإجماع على منع تغيير القرآن للناس (١) ، والله أعلم .
والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي .
١٤٤٦ - ص - نا محمد بن یحیی بن فارس : نا عبد الرزاق : أنا معمر
قال : قال الزهري : إنما هذه الأحرفُ في الأمرِ الواحدِ ؛ ليْسَ يختلفُ في
حلال ولا حرامٍ (٢).
(١) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٢) تفرد به أبو داود .
-٣٩١-

· ش - عبد الرزاق : ابن همام ، ومعمر : ابن راشد ، ومحمد بن
مُسلم : الزهري .
قوله: ((إنما هذه الأحرف)) أي: الأحرف السبعة المذكورة (( في الأمر
الواحد ليس يختلف)) أي : الأمر الواحد مثلا إذا كانت سبع لغات في
كلمة واحدة ، وهي سَبع قراءات لا يختلف حكم تلك الكلمة في الحلال
والحرام بسبب الاختلاف في اللفظ ، فافهم .
١٤٤٧ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي : نا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن
يحيى بن يَعْمُر ، عن سليمان بن صُرَد الخُزاعي ، عن أُبيِّ بن كعب قال: قال
ءِ
النبيّ - عليه السلام -: « يا أُبيُّ ! إني أُقْرِئْتُ القرآنَ فقيلَ لي : على حرف
أو حرفَيْنِ ، فقال المَلَكُ الذي معي : قل : على حرفَّيْنِ . قلتُ : على حرفین ،
فقيلَ لي : على حرفين أو ثلاث ، فقال المَلَكُ الذي معي : قلْ : على
ثلاث (١) ، قلتُ: على ثلاث (١) حَتى بَلَغَ سبعةَ أَحرف ، ثم قال : ليس منها
إلا شاف كاف، إن قلتَ : سَميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، مالم تختم آيةً
[٢/ ١٧٢ - ٢] عذاب / برحمةً، أو آيةَ رحمة بعذابٍ)) (٢) .
شّ - سُليمان بن صُرد : الصحابيّ . روى عن : أبيّ بن كعب
الصحابيّ .
قوله: ((أُقْرِئتُ)) على صيغة المَجْهول .
قوله: (( ليس منها إلا كاف شاف)) أي : ليس من هذه الأحرف السبعة
حرفٌ إلا وهو حَرْفٌ كافٍ لكلّ شيءٍ ، شافٍ مِن كل ذنبٍ . والحاصل :
أن حكم الجميع حكم القرآن في كونه كافيا شافيًا .
قوله: ((إن قلت: سميعا عليماً)) واصل بقوله ((كاف))، يعني: إن
قلت : سميعا عليما موضع عزيز حكيم ، أو بالعكس فهو كاف ما لم
تَختم آية عذاب برحمة ، مثلا تكون الآية في العذاب ثم يَخْتمها بقوله
((غفور رحيم)) أو تكون في رَحْمة ثم يختمها بقوله: ((شديد العقاب))
(١) في سنن أبي داود: ((ثلاثة)).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٣٩٢-

ونحوهِ ؛ وهذا الحكمُ إنما كان قبل الإجماع على ترتيب القرآن في
المصحف العثماني ، فلما وقع الإجماع على منع تغيير الناس القرآن لم
يَجُز لأحد أن يَجْعل موضع ((سميع عليم)) مثلا ((عزيزا حكيما. )) ، ونحو
ذلك قصدا وعمدا ؛ ولكن إذا جرى على لسانه من غير قصد إلى التغيير
فلا بأس بذلك ، حتى لو كان في الصلاة لا تفسدُ صلاته .
١٤٤٨ - ص - نا ابن المثنى : نا محمد بن جعفر : نا شعبة ، عن الحكم،
عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى ، عن أُبيِّ بن كعب، أن النبيّ - عليه السلام -
كان عندَ أَضَاة بني غفار، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: ((إن اللهَ يَأْمُرُكَ
أن تُقْرِئَّ أُمْتَكَ على حُّرْف ، قالَ: أسأل اللهَ مُعافاتَه ومغفرتَه ، إن أمتي لا
تُطيقُ ذلك ، ثم أَتاه ثانيةً فذكر نحوه هذا حتى بلغَ سبْعةَ أحرف ، قال : إن اللهَ
يأمُرُكَ أن تُقْرِئَ أمتَكَ على سبعة أحرف فأيّما حَرْف قَرءُوا عليه فقد
أصَابُوا))(١) .
ش - الحكم : ابن عُتَيْبة ، وعبد الرحمن : ابن أبي ليلى.
قوله : ((كان عند أَضَاة بني غفار)) - بفتح الهمزة ، وبضاد معجمة
مقصورة - وهي الماء المستنقع كالغدير ، وجمعُها : أضًا كحصاة وحَصِّ ،
وإضاءٌ - أيضًا - بكسر الهمزة ، والمدِّ كأكم وإِكامٍ . والحديث أخرجه :
مسلم ، والنسائي .
٣٤٤ - بَابُ الدُّعَاء
أي : هذا باب في بيان الدعاء، وفي بعض النسخ: (( باب جماع
الدُّعاء )).
١٤٤٩ - ص - نا حفص بن عمر : نا شعبة ، عن منصور ، عن ذرّ، عن
يُسَيْع الحضرمي ، عن النعمان بن بَشير، عن النبيِّ - عليه السلام - قال :
(١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : القرآن نزل على سبعة أحرف
(٨٢١)، النسائي: كتاب افتتاح الصلاة (٩٤٠).
- ٣٩٣-

((الدُّعَاءُ هو (١) العبادةُ؛ قال ربُّكم: ﴿ادْعونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ (٢)))) (٣) .
ش - منصور : ابن المعتمر ، وذر : ابن عبد الله المُرهِبِي ، ويُسَيْع
-بضم الياء آخر الجروف ، وفتح السين المهملة ، وسكون الياء ، وفي
آخره عين مهملة - ويقال : أُسَيْع - بالهمزة المضمومة مَوْضع الياء - ،
وقال أحمد بن حنبل : أُخبرت أن أُسَيْعا هو يُسَيْع بن معدان الحضرمي
الكوفي . سمع : علي بن أبي طالب ، والنعمان بن بشير . روى عنه :
ذَر ، قال ابن المديني : هو معروف . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه .
قوله: ((الدعاء هو العبادة)) معناه : الدعاء هي (٤) التي تختم بها
العبادة، وقيل : نفسُ الدعاء هي (٤) العبادة ؛ لأنها مشتملة على ذكر الله
تعالى بأسمائه وصفاته ، وعلى التضرع إليه ، والابتهال لديه ، والسؤال
منه ؛ فكل ذلك عبادةٌ . والحديث أخرجه : الترمذي ، وابن ماجه ، وقال
الترمذي : حديث حسن صحيح .
١٤٥٠ - ص - نا مسدّد : نا یحیی ، عن شُعْبة ، عن زياد بن مخْراق ، عن
أبي نعامة ، عن ابنِ لِسَعْدِ قال : سمعني أَبِي وأنا أقول : اللهم إني أسألُكَ
الجنةَ ونعيمها وبهجَتُها وكذا وكذا ، وأعوذُ بك من النار وسلاسلها وأغلالها
وكذا وكذا، فقال: يا بُنِيَّ! إني سمعتُ رسول الله وَلَّ يقول: (( سيكونُ قومٌ
يعتَدُون في الدعاء، فإياكَ أن تكون منهم ؛ إنك إن أُعْطيتَ الجنةَ أُعطيتَها وما
(١) في الأصل: ((هي))، وصوبها المصنف في الشرح.
(٢) سورة غافر: (٦٠).
(٣) الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ((ومن سورة البقرة)) (٢٩٦٩)،
وكتاب الدعوات ، باب : ما جاء في فضل الدعاء (٣٣٧٢) ، ابن ماجه :
كتاب الدعاء ، باب : فضل الدعاء (٣٨٢٨).
(٤) كذا .
- ٣٩٤-

فيها من الخير، وإن أُعذْتَ منها - يعني: من النار (١) - أُعذْتَ منها وما فيها
من الشَرِّ)) (٢).
ش - يحيى : القطان ، وزياد بن مخراق : أبو الحارث المزني مولاهم
البصري . سمع : معاوية بن قرة ، وشهر بن حوشب ، وأبا نعامة .
روى عنه : شعبة ، وابن علية ، وابن عيينة وغيرهم . قال ابن معين :
ثقة، وقال النسائي : ثقة ، وقال شعبة : لا تكتبوا عن الفقراء شيئا ؛
فإنهم يكذبون لكم . وقال : اكتبوا عن زياد بن مخراق ، فإنه رجل
مُوسِرٌ لا يكذبُ / روى له : أبو داود .
[١٧٢/٢ -ب]
وأبو نعامة : قَيْسُ بن عَبَاية الحَنفِيّ .
قوله: ((عَنْ ابن لسَعْد )) سَعْدٌ هذا هو ابن أبي وقاص ، وابنه هذا لم
یُسمّ ، فإن كان عمرًا (٣) فلا يحتج به .
قوله: ((وبهجتها )) أي : زينتها .
قوله: (( وسلاسلها)) جمع سلسلة، والأغلال: جمع (( غل)) بضم
الغين ، وهي الحديدة التي تجمعُ يد المغلول إلى عنقه .
قوله: (( يَعْتدون في الدعاء)) هو الخروج فيه عن الوضع الشرعي ،
والسُّنَّة المأثور بها .
١٤٥١ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا عبدُ الله بن يَزِيد : نا حيوة : أخبرني
أُبُو هانئ حُميد بن هانئ، أن أبا علي عمرو بن مالك حدّثه، أنه سمعَ فَضالة
ابن عُبَيْد صاحبَ رسول الله - عليه السلام - يقولُ : سمعَ رسولُ الله رجلاً
يدْعُو في صلاته لم يُمَجِّدِ الله، ولم يُصَلِّ على النبيِّ - عليه السلام - ، فقال
رسولُ الله - عليه السلام - : ((عَجِلَ هذا )) ثم دَعاهُ فقال له أو لغيره :
(١) في سنن أبي داود: ((وإن أعذت من النار)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) في الأصل: ((عمرو)).
- ٣٩٥-

((إذا صَلَّى أحدُكُمْ فِلَيَبْدأ بتمجيد ربِّه، والثناء عليه، ثم يُصلِّي على النبيِّ، ثم
يَدْعُو بِمَا شَاءَ (١)) (٢) .
ش - عبد الله بن يزيد : القرشي العدوي مولى آل عمر بن الخطاب ،
وحيوة : ابن شريح .
وحميد بن هانئ المصري أبو هانئ : الخولاني ، من بني يعلى بن مالك
ابن خولان . سمع : عمرو بن حريث . وروى عن : أبي عبد الرحمن
الحبلي ، وعمرو بن مالك ، وشرحبيل بن شريك وغيرهم . روى عنه :
الليث بن سعد ، وحيوة بن شريح ، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم ، قال
أبو حاتم : صالح . توفي سنة اثنتين وأربعين ومائة . روى له : الجماعة
إلا البخاري .
وعمرُو بن مالكِ الجنبي أبو علي المصري . سمع : فضالة بن عبيد
الأنصاري . روى عنه : حميد بن هانئ . روى له : أبو داود ،
والترمذي، والنسائي ، وابن ماجه . وفضالة بن عبيد : ابن نافذ بن قيس
ابن صُهَيبة ، شهد أحدا وبَايَع تحت الشجرة ، وشهد خيبر مع النبي - عليه
السلام - ، وولاه معاوية على الغزو ، ثم ولاه على قضاء دمشق ، وكان
خليفة معاوية على دمشق ، وابتنى بها دارا . رُوي له عن رسول الله - عليه
السلام - خمسون حديثًا . روى له : مسلم حديثين ، وقد روى عن:
عمر بن الخطاب ، وأبي الدرداء . روى له : ثمامة بن شفي ، وعُلَي بن
رباح ، وعَمرو بن مالك ، وغيرهم . مات بدمشق سنة ثلاث وخمسين ،
وقيل : سنة تسع وستين ، وقبرُهُ بباب الصغير . روى له : الجماعة إلا
البخاريّ .
قوله: ((لم يُمجّد الله )) من التمجيد ؛ وهو التعظيم.
(١) في سنن أبي داود: ((يدعو بعد بما شاء)).
(٢) الترمذي : كتاب الدعوات ، باب : ادع تجب (٣٤٧٥) ، النسائي : كتاب
افتتاح الصلاة، باب: التمجيد والصلاة على النبي ◌َطار (١٢٨٥).
-٣٩٦-

قوله: ((عجل)) أي : استعجل . وبهذا الحديث استدل الشافعي أن
الصلاة على النبي - عليه السلام - في الصلاة فرضٌ ؛ وهو قول أحمد
حتى لو تركت لم تصح الصلاة . وعند أبي حنيفة ، ومالك ، والجماهير:
هي سُنَّة فلا تفسد الصلاة بتركها ، وقد مر الكلام في هذا الباب
مستوفّى. والاستدلال بهذا الحديث على الفرضية غير صحيح على ما لا
يخفى . والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي ، وقال الترمذي :
حديث صحيح . ورواه ابن خزيمة ، وابن حبان في (( صحيحهما ))
والحاكم في ((المستدرك)) وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه
ولا أعلم له علّةً .
١٤٥٢ - ص - نا هارون بن عبد الله : نا يزيد بن هارون ، عن الأسود بن
شَيْيان ، عن أبي نوفل ، عن عائشة قالت : كان رسولُ الله - عليه السلام -
يَسْتحبُّ الجَوامعَ من الدعاءِ ، ويَدَعُ ما سوى ذلك (١) .
ش - الأسود بن شيبان : السَّدُوسي البصري .
وأبو نَوْفل : مُعاوية بن مسلم بن عمرو بن أبي عقرب ، أبو يزيد
الكناني الديلي العُرَيْجيُّ ، قال أبو حاتم : اسمُهُ : عمرو بن مسلم بن
أبي عقرب ، وقيل : مسلم بن أبي عقرب . سمع : أباه ، وعبد الله بن
عباس ، وابن الزبير ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق . وروى عن : ابن
عُمرَ ، وعائشةَ ، روى عنه : علي بن زيد بن جدعان ، وابن جريج ،
وشعبة ، والأسود بن شيبان ، قال ابن معين : ثقة . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، والترمذي (٢) .
قوله : ((يَستحبَّ الجوامع من الدعاء)) أي : التي تجمعُ الأغراض
الصالحة والمقاصدَ الصحيحة ، أو تجمعُ الثناء على الله تعالى ، وآداب
المسألة .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٣٤/ ٧٦٧٧) .
-٣٩٧-

قوله: ((ويدع ما سوى ذلك)) أراد به الأدعية المطولة، والتي لا تجمعُ
الأغراض الصحيحة .
١٤٥٣ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن
أبي هريرة، أن رسولَ الله - عليه السلام - قال: ((لا يَقُولَنَّ أحدُكُم : اللهم
اغفرْ لي إن شئتَ، اللهم ارْحمِنِي إِن شئتَ، ليعْزِمِ المسألةَ، فإنه لا مُكْرِهَ له)(١).
ش - أبو الزناد : عبد الله بن ذكوان .
[٢ /١٧٣-١]
قوله: / ((ليعزم)) أي: ليجدّ فيها وليقطع، ولا يَسْتِثِنِي ، وقيل : عزم
المسألة : حُسن الظنِّ بالله عز وجلّ في الإجابة ، وقيل : كره الاستثناء
هاهنا لوجهين ؛ أحدهما : أن مشيئة الله تبارك وتعالى ثابتة معلومة ، وأنه
لا يَفْعلُ من ذلك إلا ما شاء ، وإنما يتحقق استعمالُ المشيئة في حق مَنْ
يتوجّه عليه الإكراه ، والله تعالى منزّه عن ذلك، والآخر : أن في هذا
اللفظ ظهور الاستغناء ، إذ لا يستعمل هذا اللفظ إلا فيما لا يُضطر إليه
الإنسان ، فأما ما يضطر إليه فإنه يعزم عليه ، ويلح فيه .
قوله: ((فإنه لا مكره له )) أي: فإن الشأن: لا مُكرهَ الله تعالى .
والحديث : أخرجه الجماعة .
١٤٥٤ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي عُبيد،
عن أبي هريرة، أن رسولَ الله - عليه السلام - قال: (( يُستجابُ لأحدكُم ما
لم يَعْجل فيقولُ: قد دَعَوْتُ فلم يُسْتِجَبْ لِي)) (٢) .
(١) البخاري : كتاب الدعوات ، باب ليعزم المسألة (٦٣٣٩)، الترمذي : كتاب
الدعاء ، باب : العزم بالمسألة (٣٤٩٢) ، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب :
لا يقول الرجل اغفر لي إن شئت (٣٨٥٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الذكر
والدعاء ، باب: العزم بالدعاء (٢٦٧٩)، والنسائي في (( عمل اليوم والليلة))
من طرق عن أبي هريرة .
(٢) البخاري : كتاب الدعوات ، باب : يستجاب للعبد مالم يعجل (٦٣٤٠)،
مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب : بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل
فيقول دعوت فلم يستجب لي (٩٠/ ٢٧٣٥) ، الترمذي : كتاب الدعوات ،
باب : ما جاء فيمن يستعجل في دعائه (٣٣٨٧) ، ابن ماجه : كتاب الدعاء ،
باب : يستجاب لأحدكم مالم يعجل (٣٨٥٣).
-٣٩٨-

ش - أبو عُبيد: اسمُهُ : سعد بن عُبيد المدني ، مولى عبد الرحمن بن
أزهر ، ويقال : مولى عبد الرحمن بن عوف ، وهو ابن عمه . سمع :
عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبا هريرة.
روى عنه : الزهري ، وسعيد بن خالد القارظي ، قال الزهري : كان من
الفقهاء والقدماء . توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين . روى له : الجماعة .
قوله: ((يُستجابُ)) قال الباجي: يحتمل ((يُستجاب)) الإخبار عن
وجوب وقوع الإجابة ، والثاني : الإخبار عن جواز وقوعها ، فإذا كان
بمعنى الوجوب فالإجابة بثلاثة أشياء : إما تعجيل ما سَأل فيه ، وإما أن
يكفر عنه به ، وإما أن يدخر على ما جاء في الحديث . فإذا قال : دعوتُ
فلم يُسْتَجَبْ لي نالَ وجوبَ أحد هذه الثلاثة ، إذ عَرَّى الدعاء من
جميعها، وإذا كان بمعنى الجواز لوقوع الإجابة فيمنع ذلك قول الداعي :
قد دعوت فلم يستجب لي ؛ لأن ذلك من باب القُنوط ، وضُعف النفس
والسَّخط ، وقيل : معناه : أنه يَسأمُ من الدعاء ويتركُه فيكون كالمنان
بدعائه ، والمُبخّل لربّه الكريم ، وقيل : إنما ذلك إذا كان غرضه من الدعاء
ما يُريد فقط ، وإذا لم يَنله ثقُل عليه الدعاء ؛ بل يجبُ أن يكون أبدأ في
دعائه باسم إظهار الحاجة إليه ، والطاعة له وسمة العبوديّة .
قوله: ((ما لم يَعْجل)) أي: يقطع الدعاء . والحديث : أخرجه
البخاري، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجه .
١٤٥٥ - ص - نا عبد الله بن مسْلمة: نا عبد الملك بن محمد بن أيمن ،
عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن من حدثه ، عن محمد بن کعب
القُرظي قال : حدثني عبد الله بن عباس ، أن رسول الله - عليه السلام - قال :
(( لا تَسْتُرُوا الْجُدُّرَ، مَن نظَرَ في كتابٍ أخيه بغيرِ إذنهِ ، فإنما ينظُرُ في النارِ ،
سَلُوا اللهَ بُبُطُونِ أَكُفِّكُم ولا تسألُوهُ بَظُهُوَرِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُم فامْسَحُوا بها
وُجُوهَكُمْ )) (١) .
(١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: من رفع يديه في الدعاء ومسح بهما
وجهه (١١٨١)، وكتاب الدعاء ، باب: رفع اليدين فى الدعاء (٣٨٦٦).
-٣٩٩-

ش - (( لا تستروا الجدر)) الجُدُر - بضمتين - جمعُ جدار ؛ وإنما نهى
عن ذلك لما فيه من الإسراف ، ونوع من التجبّر ، فإن قصد به دَفع الحر أو
البرد جاز .
قوله: ((فإنما ينظر في النار )) قيل: هو تمثيلٌ أي : فليحذر هذا الصَّنيع
كما يَحذرُ النارَ ، إذْ كان معلومًا أن النظر في النار والتحديق لها يَضر
بالبَصر ، ويحتملُ أن يُريد بالنظر الدنوّ منها ؛ لأن النظر إلى الشيء إنما
يتحقق بقرب المسافة بينك وبينه . وقيل : معناه : فإنما ينظر إلى ما يُوجب
عليه النار فأضْمَره . وزعم بعض أهل العلم أنه أراد به الكتاب الذي فيه
أمانة وسرّ ، يكره صاحبه أن يطلع عليه أحد دون الكتب التي فيها العلمُ ،
فإنه لا يحل منعه ، ولا يجوز كتمانه ، وقيل : هو عام في كل كتاب ؛
لأن صاحب الشيء أولى بماله ، وإنما يأثم بكتمان العلم الذي يُسأل عنه ،
فأما أن يأثم في منعه كتابًا عنده وحبسِه عن غيره فلا وجه له والله أعلم .
قوله: ((سَلوا)) أصله : اسْأَلُوا الله .
۔
قوله: ((ولا تسألوه بظهورها)) قد صح عن رسول الله - عليه السلام -
أنه استسقى وأشار بظهر كفّيه إلى السماء من رواية أنس بن مالك ، وقد
تقدم . وهو اختيار جماعة من العلماء ، واستحبوه ، وهو الذي فسّره
المفسرون بالرَّهَب في قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ (١) قالوا:
وأما عند المسألة والرغبة فتُبْسط الأيدي وظهورها إلى الأرض وهو الرّغبُ.
والحديث أخرجه : ابن ماجه .
[١٧٣/٢-ب] ص - قال أبو داود : رُوي هذا الحدیثُ من غیر / وجه، عن محمد بن
كعب كلَّها واهيةٌ؛ وهذا الطريقُ أمثلُها؛ وهو ضعيفٌ - أيضًا .
ش - أي : كلها ضعيفة ساقطة ؛ وهذا الطريق الذي ذكره أمثلها يعني :
أفضلها ، وهو ضعيف - أيضاً - لأن فيه مجهولاً .
١٤٥٦ - ص - نا سليمان بن عبد الحميد البَهْراني قال: قرأتُ (٢) في
(١) سورة الأنبياء : (٩٠).
(٢) في سنن أبي داود: ((قرأته ».
- ٤٠٠-