Indexed OCR Text

Pages 161-180

تسليمة واحدة ، وحديث ابن عمر ليس بأربع ، وإنما هو ركعتان صلاهما
- عليه السلام - بياناً للجواز ، وأما الأربع التي بعد الظهر فالثنتان منها
مؤكدة ، وتكميلها أربعاً مستحب ، وينبغي أن تكون بتسليمة واحدة ،
قياساً على الأربع التي قبلها ، ولأنها من نوافل النهار ، فالأربع بتسليمة
أفضل . والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وذكر
أبو زرعة ، وهشام بن عمار ، وأبو عبد الرحمن النسائي ، أن مكحولاً
لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان ، وصحَّحه الترمذي من حديث
أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة ، والقاسم
هذا اختلف الناس فيه ، فمنهم من يضعف روايته ، ومنهم من يوثقه .
ص - قال أبو داود : رواه العلاء بن الحارث ، وسليمان بن موسى ، عن
مکحول مثله (١) .
ش - أي : روى هذا الحديث العلاء بن الحارث الدمشقي ، وسليمان
ابن موسى الأشدق الدمشقي ، عن مكحول الدمشقي مثل ما ذكر .
١٢٤٠ - ص - نا ابن المثنى ، نا محمد بن جعفر، نا شعبة ، قال : سمعت
عبيدة عن إبراهيم ، عن ابن منجاب ، عن قرثع ، عن أبي أيوب ، عن النبيٍ
-عليه السلام - قال: ((أَرْبَعٌ قَبَلَ الظهرِ، ليسَ فيهن تَسْلِيمٌ ، تُفْتَحُ لَهنَّ
أبوابُ السماء)) (٢).
ش - محمد بن المثنى .
وعُبيدة - بضم العين المهملة ، وفتح الباء -: ابن معتب أبو عبد الكريم
الكوفي . روى عن : إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وأبي وائل . روى
عنه : الثوري ، وشعبة ، وهشيم ، وغيرهم . قال أبو حاتم : ضعيف
الحديث . وقال أبو زرعة : ليس بقوي ، وقال : عمرو بن علي
-
-
(١) في سنن أبي داود: ((عن مكحول بإسناده مثله)).
(٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : في الأربع ركعات قبل الظهر
(١١٥٧).
١١ ٥ شرح سنن أبي داوود ٥
-١٦١-
1

سيء الحفظ ، ضرير ، متروك الحديث . وقال أحمد : ترك الناس حديثه.
وقال ابن عدي : وهو مع ضعفه يكتب حديثه (١) .
وإبراهيم بن يزيد النخعي .
وابن منجاب اسمه : سهم بن منجاب بن راشد الضبي الكوفي . روى
. روى عنه :
عن : أبيه ، وقزعة (٢) بن يحيى ، وقرئع الضبي
إبراهيم النخعي ، وضرار بن مرة . روى له : مسلم ، وأبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (٣) .
ومنجاب بكسر الميم ، وسكون النون، وبالجيم، وفي آخره باء موحدة.
وقرئع الضبي ، روى عن : سلمان الفارسي ، حدَّثنا ، وعن
أبي موسى ، حدَّثنا ، وعن أبي أيوب الأنصاري ، حدَّثنا ، وروى عن :
رجل ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . روى عنه : علقمة بن
قيس ، وسهم بن منجاب . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه (٤)
وقرئع بالقاف ، والراء ، والثاء المثلثة ، والعين المهملة .
[١٢٨/٢ - ب) قوله: ((تفتح لهن)) اللام فيه للتعليل ، أي: لأجل / صلاتها تفتح
أبواب السماء ، ويصعد عمله ذاك إليها ، وهذا الحديث حجة على
الشافعي في أن الأربع عنده بتسليمتان (٥) ، وقد ذكرناه .
ص - قال أبو داود : فبلغني ، عن یحیی بن سعيد القطان لو حدثت عن
عبيدة بشيء حدثت (٦) بهذا الحديث .
ش - أشار بهذا إلى تضعيف عبيدة بن معتب المذكور ، وقال زهير بن
معاوية : عن يحيى ، وذكر حديث عبيدة الضبي ، حديث أبي أيوب :
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٩/ ٣٧٦٠).
(٢) في الأصل: ((أو قزعة)).
(٣) المصدر السابق (١٢ /٢٦٢٥).
(٤) المصدر السابق (٤٨٦٣/٢٣).
(٦) في سنن أبي داود: ((لحدثت عنه بهذا)).
(٥) كذا .
-١٦٢-

((من صلى قبل الظهر أربعاً)) أكتبه ؟ قال: لا يكتب ، لا يكتب ، أما إنه
من عتيق حديثه ، قال: وكان يحيى، وعبد الرحمن لا يحدثان عن عبيدة.
ص - قال أبو داود : عبيدة ضعیف ، وابن منجاب هو سهم .
ش- أي : اسم ابن منجاب المذكور في سند الحديث المذكور سهم ،
بفتح السين المهملة ، وسكون الهاء ، وفي آخره ميم ، وقد بيناه .
٢٨٤ - باب : الصلاة قبل العصر
أي : هذا باب في بيان صلاة النفل قبل فرض العصر .
١٢٤١ - ص - نا أحمد بن إبراهيم ، نا أبو داود ، نا محمد بن مهران
القرشي، حدثني جدي أبو المثنى، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّر؛
((رَحِمَ اللهُ امْراً صَلَّى قَبَلَ العَصْرِ أَربعاً)) (١) .
ش - أحمد بن إبراهيم الدورقي ، وأبو داود الطيالسي ، ومحمد بن
مهران القرشي . روى عن : جده أبي المثنى . روى عنه : أبو داود
الطيالسي . روى له : أبو داود ، وأبو المثنى اسمه : مسلم بن المثنى المؤذن
القرشي الكوفي .
وبهذا الحديث أخذ العلماء أن السُّنَّة قبل العصر أربع ، وقال صاحب
((المبسوط)): إن التطوع قبل العصر حسن ؛ لأن كون الأربع من السنن
الراتبة غير ثابت ؛ لأنها لم تذكر في حديث عائشة ، ولم يرو أنه - عليه
السلام - واظب على ذلك ، واختلف في فعله إياها ، فرُوي أنه صلاها
أربعاً ، ورُوي أنه صلاها ركعتين ، فإن صلى أربعاً كان حسناً . والحديث:
أخرجه الترمذي ، وقال : حديث حسن غريب .
١٢٤٢ - ص - نا حفص بن عمر ، نا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر (٤٣٠).
- ١٦٣-

عاصم بن ضمرة، عن علي - رضي الله عنه - : ((أَنَّ النبيَّ - عليه السلام -
كان يُصَلِّي قَبلَ العَصرِ ركعتينٍ » (١).
٠
ش - أبو إسحاق السبيعي .
وعاصم بن ضمرة السلولي الكوفي . سمع : عليّ بن أبي طالب .
روى عنه : الحكم بن عتيبة ، وأبو إسحاق ، وقال : ما حدَّثني بحديث
قط إلا عن عليّ ، وقال عليّ بن المديني، وأحمد بن عبد الله : هو ثقة ،
مات في سنة أربع وسبعين . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي،
وابن ماجه (٢) .
وأخرج الترمذي ، عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ، قال: (( كان
النبي - عليه السلام - يصلي قبل العصر أربع ركعات ، يفصل بينهن
بالتسليم على الملائكة المقربين ، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين )) (٣)
وقال : حديث علي حديث حسن ، واختار إسحاق بن إبراهيم أن لا
يفصل في الأربع قبل العصر ، واحتج بهذا الحديث ، قال : ومعنى أنه
يفصل بينهن بالتسليم يعني (٤) التشهد ، ورأي الشافعي وأحمد : صلاة
الليل والنهار مثنى مثنى ، يختارَان الفصل في الأربع قبل العصر .
٢٨٥ - باب : الصلاة بعد العصر
أي : هذا باب في بيان صلاة النفل بعد فرض العصر .
١٢٤٣ - نا أحمد بن صالح ، نا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن
الحارث، عن بكير بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس: (( أن عبدَ الله بنَ
عباسٍ، وعبد الرحمنِ بنَ أَزْهر ، والمسورَ بنَ مَخْرَمَةَ أَرْسَلُوهُ إلى عائشةَ زَوجٍ
النبي - عليه السلام - فقالواً: اقْرَاً عليها السَّلَامَ منَّا جَميعاً، وسَلَهَا عن
(١) تفرد به أبو داود. (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠١٢/١٣).
(٣) كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الأربع قبل العصر (٤٢٩).
(٤) في الأصل: ((بعد))، والتصويب من جامع الترمذي.
-١٦٤-

الركعتين بعدَ العصر، وقل: إنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّك تُصَلِّيْنَهُمَا، وقد بَلَغَنَا أن رسولَ
الله ◌َ﴿ فَهَى عَنْهُمَا ، فَدخلتُ عَلَّيها ، فَبَلَّغْتُهَاَ ما أَرسلُوني به ، فقالت : سَلْ
أَمَّسلمةَ، فخرجتُ إليهم، فأخبرتُهم بقولِهَا، فَرَدُّوني إلي أمِّ سَلَمَة ، بمثلٍ ما
أَرسَلُونِي به إلى عائشةَ، فقالت أُمُّ سَلَمَّة: سمعتُ رسولَ اللهِ يَنْهَى
عنهما، ثم رأيتُهُ يُصَلِيهمَا ، أَمَّا حينَ صَلَاهَا فإنه صَلَّى العَصْرَ، ثم دَخَلَ
-وعندِي نِسْوَةٌ مِن بَنِي حَرَام ، من الأنصار - فَصَلَاهَا (١) ، فَأَرْسَلْتُ إليه
الجاريةَ ، فقلتُ: قُومِي بجنْبِهِ ، فَقُولِي له: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ الله،
أَسْمَعُكَ تَنْهَاهُنَّ عَن (٢) هاتين الركعتين، وأَرَاكَ تُصَلِيهمَا؟ / فإن أشارَ
بيده استأخري (٣) عنه، قالت : ففعلت الجاریةُ فأشارَ بیده فاستأخرت عنه ،
فلما انصرف قال: (( يا بنْتَ أبي أُمّة ، سألت عن الركعتَيْن بعد العَصْر، إنه
أَتَى (٤) ناسٌ من عَبْد القَيْس بالإسلام من قومهم ، فشغلوني عن الركعتين
اللتين بعد الظهر فهُما هاتان)) (٥) .
[١٢٩/٢ - أ]
ش - كريب: ابن أبي مسلم القرشي الهاشمي مولى عبد الله بن عباس.
وعبد الرحمن بن أزهر : ابن عوف ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف
القرشي الزهري ، شهد مع رسول الله حُنيناً ، وقيل : هو ابن عم
عبد الرحمن بن عوف ، وقال النمري : وقد غلط فيه من جعله ابن عم
عبد الرحمن بن عوف ، وقال في (( الكمال )) : يكني أبا جُبير ، شهد مع
النبي - عليه السلام - حنيناً ، وروى عنه حديث شارب الخمر بحنين .
(١) في سنن أبي داود: ((فصلاهما)). (٢) في سنن أبي داود: ((تنهى عن)).
(٣) في سنن أبي داود: ((فاستأخري)).
(٤) في سنن أبي داود: ((أتاني)).
(٥) البخاري : كتاب المواقيت، باب: إذا كَلَم وهو يصلى فأشار بيده (١٢٣٣)،
مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما
النبي وَ ﴿ بعد العصر (٨٣٤) ..
-١٦٥-

روى عنه : ابنه : عبد الله ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وكريب مولى
ابن عباس . مات قبل الحرة . روى له : أبو داود (١) .
والمسْور بن مخرمة : ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن
كلاب القرشي الزهري ، يكنى أبا عبد الرحمن ، ويقال : أبو عثمان ،
وأمه : الشفاء بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف ، له ولأبيه صحبة
من النبي - عليه السلام - . توفي رسول الله وهو ابن ثمان سنين ، وقد
سمع من رسول الله وصح سماعُه منه ، روي له عن رسول الله اثنان
وعشرون حديثاً ؛ اتفقا على حديثين . وانفرد البخاري بأربعة ومسلم
بحديث ، روى عنه : أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، وعلي بن الحسن بن
عليّ بن أبي طالب ، وسعيد بن المسيّب ، وجماعة آخرون . قتل بمكة مع
ابن الزبير سنة ثلاث وسَبْعين ودفن بالحَجُون ، ويُقالُ : أصابه المنجنيق وهو
يُصلي في الحجر ، فمكث خمسة أيام ثم مات ، ومات في ربيع الآخر
سنة أربع وستين وهو يومئذ ابن ثلاث وستين ، وولد بمكة بعد الهجرة
بسنتين ، وكان مروان ولد معه في تلك السنة . روى له الجماعة (٢).
قوله: ((أرسلوه)) أي: أرسلوا كُرِيباً .
قوله: ((إنا أخبرنا )) على صيغة المجهول .
قوله: (( من بني حرام )) - بجاء وراء مهملتين مفتوحتين - وبنو حرام في
الأنصار منهم : جابر بن عبد الله وغيره ، ويشبه أن تكون احترزت بقولها:
((من الأنصار)) من غيرهم ؛ فإن في العرب عدة بطون يقال لهم : بنو
حرام. قال ابن دريد: في العرب بطون ينسبون إلى ((حرام)): بطن في
تميمٍ ، وبطن في جذام ، وبطن في بكر بن وائل . وذكر غيره أن في
خزاعة حراماً ، وفي عُذْرة حراماً ، وفي بَلي حراماً ، وبالبصرة قبيلة يُقال
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٠٦/٢)، وأسد الغابة
(٤٢٤/٣)، والإصابة (٣٨٩/٢).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٤١٦/٣)، وأسد الغابة (١٧٥/٥)، والإصابة
(٤١٩/٣) .
-١٦٦-

لها : بنو حرام، نُسب إليها جماعةٌ ، منهم : أبو محمد القاسم بن علي
الحريري الحرامي مصنف ((المقامات))، وبالكوفة - أيضاً - خطة تُنْسب
إلى بني حرام من تميم .
قوله: (( يا بنت أبي أميّة)) خطاب لأم سلمة ، واسمها : هنْد بنت
أبي أمية - واسمُهُ : حذيفة ، ويقال : سهيل - بن المغيرة بن عبد الله بن
عمر بن مخزوم ، ويعرف بزاد الراكب ، ومعناه : أنه كان إذا سافر لم
يتزود معه أحد ، وسمّ بهذا - أيضاً - زمعة بن الأسود بن الصلت بن
أسد بن عبد العزى بن قصي ، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية بن
عبد شمس ، وكان هذا خلقاً من أخلاق أشراف قريش ، فلم يسمّ بذلك
غير هؤلاء الثلاثة ؛ ذكره الزبير بن بكار .
وهذا الحديث هو عمدةُ الشافعية في أن الصلاة التي لها سبب لا تكره
في وقت النهي ؛ وإنما تكره ما لا سبب لها ، وأن السنن الراتبة إذا فاتت
يستحب قضاؤها ؛ وهو الصحيح عندهم . وقال الشيخ محيي الدين (١):
وليس لنا أصحّ دلالة منه ، ودلالته ظاهرة .
قلنا : هذا كان خاصا بالنبي - عليه السلام - والدليل على ذلك : ما
رواه الطحاوي (٢) ، عن ابن شيبة قال: نا يزيد بن هارون : أنا حماد بن
سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن ذكوان ، عن أم سلمة قالت : صلى
رسول الله - عليه السلام - العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين ، فقلت :
يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها، قال: ((قدم عليَّ / مالٌ [١٢٩/٢ سب]
فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن )) ، قلت : يا
رسول الله، أفنَقْضيهما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)). فنهى رسول الله وَلـ
في هذا الحديث أحداً (٣) أن يصليهما بعد العصر قضاء عما كانَ يصليه بعد
الظهر ، فدل ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا فاتتاه خلاف حكمه ،
(١) شرح صحيح مسلم (٦/ ١٢١) .
(٢) شرح معاني الآثار (٣٠٦/١).
(٣) في الأصل: ((أحدٌ )).
-١٦٧-

فليس لأحد أن يصليهما بعد العَصْر ، ولا أن يتطوع بعد العصر - أيضاً -
وهذا هو النظر - أيضاً - وذلك أن الركعتين بعد الظهر ليستا فرضاً ، فإذا
تُرِكِتَا حتى تُصلَى بعد صلاة العصر، فإن صُلِّتا بعد ذلك فإنما تطوّعَ بهما
مُصَليهما في غير وقت تطوّعَ ، فلذلك نُهينا أن نصلي بعد العصر تطوعاً ،
وجعلنا هاتين الركعتين وغيرهما من سائر التطوع في ذلك سواءً .
وبهذا التقرير بطل كلام الشيخ محيي الدين في شرح الحديث المذكور :
(( الأصل : الاقتداء به - عليه السلام - وعدم التخصيص حتى يقوم دليل
به )) ، ولا دليل أعظم من هذا ، ولا أَصْرَحُ ولا أَقْطَع للنزاع . وقولُ
البيهقي: ((إن هذه رواية ضعيفة)) ليْس بصحيح ؛ فإن حماد بن سلمة لا
يُسأل عنه لجلالته، والأزرق وثَّقه غيرُ واحد ، وخرج البخاري حديثه
محتجاً به ، وذكوان وثقه غيرُ واحد وصحّحوا حديثه . وهنا شيء آخرُ
يلزمهم : وهو أنه - عليه السلام - كان يداوم عليها ، وهم لا يقولون به
في الصحيح الأَشْهر ، فإن عُورِضوا يقولون : هذا من خصائص رسول
الله ، ثم في الاستدلال بالحديث يقولون : الأصل : عدم التخصيص ؛
وهذا كما يُقال : فلان مثل الظليم يَسْتجملُ عنْد الاسْتطارة ويَسْتطيرُ عنْد
الاستحمالِ .
ويستفاد من الحديث فوائد أخرى ، الأولى : يستحب للعالم إذا طلب
منه تحقيق أمر مُهمّ ، ويعلم أن غيره أعلم وأعرف بأصْله أن يرشد إليه إذا
أمکنه .
الثانية : الاعتراف لأهل الفضل بمزيّتهم .
الثالثة : من أدب الرسول أن لا يستقل بتصرف شيء لم يؤذن له فيه ؛
فإن كريباً لم يستقل بالذهاب إلى أم سلمة حتى رجع إليهم .
الرابعة : قبول خبر الواحد والمرأة مع القدرة على التبين ، بالسماع من
لفظ رسول الله - عليه السلام - .
الخامسة : لا بأس للإنسان أن يذكر نفسه بالكنية إذا لم يعرف إلا بها .
-١٦٨-

السادسة : ينبغي للتابع إذا رأى من المتبوع شيئاً يُخالفُ المعروف من
طريقته ، والمعتاد من حاله ، يَسألُه بلطف عنه ، فإن كان ناسياً رجع عنه ،
وإن كان عامداً وله معنى مخصّص عَرَّفه للتابع واستفاده .
السابعة: إشارة المصلي بيده ونحوها من الأفعال الخفيّة لا تبطل الصلاة.
الثامنة : فيه إثبات سُنَّة الظهر بعدها .
التاسعة : إذا تعارضَت المصالح والمهمات بدئ بأهمها ؛ ولهذا بدأ النبي
- عليه السلام - بحديث القوم في الإسلام ، وترك سُنَّة الظهر حتى فات
وقتها ؛ لأن الاشتغال بإرشادهم وهدايتهم وقومهم إلى الإسلام أهمّ .
والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم .
٢٨٦ - بَابُ: مَنْ رَخّصَ فِيهمَا إذا كانَت الشمسُ مُرْتفعةً
أي : هذا باب في بيان قول من رخّص في الركعتين بعد العصر إذا
كانتِ الشمس مرتفعةً .
١٢٤٤ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن
يَساف، عن وَهْب بن الأجدع ، عن عليّ - رضي الله عنه - أن النبي - عليه
السلام - نهَى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعةٌ (١).
ش - وهب بن الأجدع : الهمداني الخارفي (٢) . سمع : عمر بن
الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب . روى عنه: الشعبي، وهلال بن يساف.
قال ابن سَعْد : كان قليل الحديث . روى له : أبو داود ، والنسائي (٣).
قد استدلّ بعضهم بهذا الحديث أن ركعتي الظهر إذا فاتتا يصليهما بعد
(١) النسائي : كتاب المواقيت ، باب: الرخصة في الصلاة بعد العصر (٥٧٤).
(٢) في الأصل: ((الجارفي)) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٧٤٨/٣١).
-١٦٩-

العصر إذا كانت الشمس مرتفعةً ، وكذا سائر النوافل التي لها سببٌ .
والحديث الصحيح : وهو قوله - عليه السلام -: (( لا صلاة بعد صلاة
الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب
الشمس )) يَردُّ هذا وأمثاله، وقد حمله بعضُهم على أن النهي عن الصلاة
الواجبة مثل الفائتة ونحوها ، فإنه لا يكره فعلها بعد العصر بالإجماع ؛
ولكن ما دامت الشمس مرتفعةً ، فإذا اصفرت الشمس أو دنت للغر[و]ب
يكره ذلك - أيضاً - . والحديث أخرجه : النسائي.
١٢٤٥ - ص - نا محمد بن كثير : أنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن
عاصم بن ضمرة، عن عليّ قال: كان رسول الله - عليه السلام - يُصلي في
إثرِ كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصرَ (١).
[٢ / ١٣٠-١]
ش - / هذا - أيضاً - صريح ، ودالّ قطعي على أنه لا صلاة بعد
صلاتي الفجر والعصر سواء كان لها سبب أو لم يكن .
١٢٤٦ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا أبان : نا قتادة ، عن أبي العالية ،
عن ابن عباس قال : شهد عندي رجال مَرضيّون فيهم عمر بن الخطاب
-وأرضاهم عندي : عُمر - أن نبي الله - عليه السلام - قال: (( لا صلاة بعد
صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب
الشمسُ)) (٢).
ش - أبان : ابن يزيد العطار ، وأبو العالية : الرياحي ، اسمه : رفيع
ابن مهران البصري ، وقد مرّ .
(١) النسائي في الكبرى ، كتاب الصلاة .
(٢) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة ، باب : الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع
الشمس (٥٨١) ، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الأوقات
التي نهى عن الصلاة فيها (٨٢٦/٢٨٦) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب :
ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر (١٨٣) ، النسائي : كتاب
المواقيت ، باب : النهي عن الصلاة بعد الصبح (٥٦١) ، ابن ماجه : كتاب
إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر
(١٢٥٠) .
- ١٧٠-

قوله: (( شهد عندي)) معناه : بيّنوا لي وأعلموني به ، قال تعالى:
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ (١). قال الزجاج: معناه: بَيّن . وقال
السَّفَاقُسي : اختلف العلماء في تأويل نهيه - عليه السلام - عن الصلاة
بعد الصبح والعَصْر . قال أبو طلحة : المراد بذلك : كل صلاة ؛ ولا
يثبتُ ذلك عنه . وقال ابن حزم : إن قوماً لم يروا الصلاة أصلاً في هذين
الوقتين . وقال النووي : أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في
هذه الأوقات ، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها . وقال أصحابنا :
ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ، وسجدة التلاوة ، وصلاة
الجنازة ؛ لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به ، لا
المعنى في الوقت ، فلم تظهر في حق الفرائض وفيما وجب بعينه كسجدة
التلاوة وكذا صلاة الجنازة ؛ لأنها ليست بموقوفة على فعل العبد ؛ ولكن
يظهرُ في حق المنذور ؛ لأنه تعلّق وجوبه بسببٍ من جهته وفي حق ركعتي
الطواف وفي الذي شرع فيه ثم أفسده ؛ لأن الوجوب لغيره وهو ختم
الطواف وصيانة المؤدّي .
فإن قيل : شغل الوقت كله : تقديري ، وأداء النوافل : تحقيقي . قلنا:
الفرض التقديري أقوى من النفل التحقيقي ، ولا يظهر النهي في حق مثله
من الفرض . وقال ابن بطال : تواترت الأخبارُ والأحاديث عن النبي
-عليه السلام - أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ، وكان عمر
يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير ؛ فدلّ
أن صلاته - عليه السلام - الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته .
قلت : وكذا قال الماوردي وغيره : إنه من خصوصياته - عليه السلام - ،
وقد مر الكلام فيه آنفاً . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ،
والترمذي .
١٢٤٧ - ص - نا الربيع بن نافع : نا محمد بن مهاجر ، عن العباس بن
(١) سورة آل عمران: (١٨).
- ١٧١-

سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة ، عن عَمرو بن عَبَسة السُلَمي أنه قال :
قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمعُ؟ قال: ((جوفُ الليل الآخرُ فصَلِّ ما
شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ، ثم اقصرْ حتى
تطلع الشمسُ فترتفع قيْسَ رُمْحِ أَوْ رمحين ؛ فإنها تطلع بَيْن قرني شيطان
وتُصلِّي لِها الكُفَارُ ثم صَلِّ ما شئتَ ؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبةٌ حتى يعدلُ
الرمحُ ظلّه ثم اقصرْ، فإن جهنم تسّجرُ وتفتح أبوابها ، فإذا زاغت الشمس
فصَلِّ ما شئت ؛ فإن الصلاة مشهودة حتى تُصلّي العصرَ ، ثم اقصرْ حتى
تَغْرُب الشمسُ ؛ فإنها تغربُ بين قرني شيطان ، وتُصلي (١) لها الكفارُ ))
وقصّ حديثاً طويلاً . قال العباس : هكذا حدَّثني أبو سلام، عن أبي أمامة إلا
أن أُخطئ شيئاً لا أُريدُه فأستغفر الله وأتوبُ إليه (٢).
ش - عباس بن سالم : ابن جميل بن عمرو بن ثوابة (٣) بن الأخنس
ابن مالك بن النعمان بن امرئ القيس اللخمي الدمشقي . روى عن :
أبي سلام ، وأبي إدريس الخولاني ، ومدرك بن عبد الله الأزدي . روى
عنه : محمد بن مهاجر الأنصاري . قال أحمد بن عبد الله : ثقة . روى
له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٤).
وأَبُو سلام : ممطور الأعرج الباهلي ، وأبو أمامة : صُدي بن عجلان
الباهلي الصحابي .
وعمرو بن عَبَسَة - بفتح العين والباء الموحدة والسين المهملة - بن عامر
ابن خالد بن غاضرة بن عتاب السُّلَمي ، يكنى : أبا نجيح ، قدم على
النبي - عليه السلام - مكة ، ثم قدم عليه المدينة مهاجراً ، وكان رابع
أربعة في الإسلام ، وهو أخو أبي ذر الغفاري لأمه ، وأمهما : رملة بنت
الوقيعة بن حرام بن غفار ، روي له عن رسول الله - عليه السلام -
(١) في سنن أبي داود: ((ويصلي)).
(٢) الترمذي : كتاب الدعوات ، باب : في انتظار الفرج وغير ذلك (٣٥٧٣).
(٣) في الأصل: ((بوانة )).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣١٢١/١٤).
-١٧٢-

/ ثمانية وثلاثون حديثاً، روى له مسلم حديثاً واحداً، روى عنه: [١٣٠/٢ -ب]
أبو أمامة ، وابن مسعود ، وسهل بن سَعْد الساعدي ، وجماعة آخرون ،
نزل الشام وسكن حمْص إلى أن مات . روى له : أبو داود ، والترمذي،
والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله : (( أي الليل أسمعُ؟ )) أي : أيُّ أجزاء الليل ؟ أو أيّ أوقات الليل
أقربُ إلى الاستجابة ؟ وضع السمع موضع الإجابة مجازاً كما في قوله :
(( سمع الله لمن حمده )).
قوله: ((جوفُ الليل الآخرُ)) ارتفاع ((جوف)) على الابتداء ، وخبره
محذوف ؛ والتقدير : جوف الليل الآخر أسمع : أرْجى وأقربُ للإجابة ،
وارتفاع ((الآخرُ)) على أنه صفة للجَوْف، والمراد منه: ثلث الليل الآخر؛
وهو الجزء الخامس من أسداس الليل .
قوله : ((مشهودة)) يعني : تشهدها الملائكة . (( مكتوبة )) يعني: تكتب
أجرها للمُصلي .
قوله : (( ثم اقصرْ حتى تطلع الشمس )) أي : ثم احبس نفسك عن
الصلاة إلى طلوع الشمس ؛ وهذا بعمومه يتناول ماله سبب وما لا سببَ
له .
قوله : (( قيْسَ رمح )) أي : قدر رمح في رأي العين ، يقال : قيْس
وقاس وقيد وقاد وقاب بمعنى ، وقد تقدّم مثله غير مرة .
قوله: (( فإنها تطلع بين قرني شيطان )) قد ذكرنا أنه بمعنى جانبي رأسه ؛
وذلك أنه يقابل الشمس حين طلوعها ، ويَنْتصبُ دونَها حتى يكون طلوعها
بين قرنَيْه، فينقلب سجودُ الكفار للشمس عبادةً له ؛ وهذا هو المعنى
الحقيقيّ، وذكرنا فيه وجوهاً أخرى في كتاب ((الصلاة)).
قوله: (( حتى يَعْدل الرمح ظله)) هو إذا قامت الشمس قبل أن تزول ،
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٤٩٨)، وأسد الغابة
(٤ / ٢٥١)، والإصابة (٥/٣).
- ١٧٣-

فإذا تناهى قصر الظل فهو وقت اعتداله ، وإذا أخذ في الزيادة فهو وقت
الزوال .
قوله: (( ثم اقصرْ)) عام يتناول يوم الجمعة وغيره ، واستثنى الشافعي
حالة الاستواء يوم الجمعة .
قوله: ((فإن جهنم تسجّر )) أي: تُوقدُ ، وأراد به الإبراد بالظهر ؛ لقوله
- عليه السلام -: ((أبردوا بالظهر؛ فإن شدّة الحرّ من فيح جهنم)).
واختلف في جهنم : اسم عربيّ أو عجميّ ؟ فقيل : عربيّ مشتق من
الجهومة ؛ وهي كراهة المنظر ، وقيل : من قولهم : بئر جَهْنام أي :
عميقة، فعلى هذا لم تصرف للعلميّة والتأنيث . وقال الأكثرون : هي
عجميّة معرّبة ، وامتنع صرفها للعلميّة والعجمة .
قوله: ((فإذا زاغت )) أي : مالت .
قوله: ((قال العباس)) أي: " العباس بن سالم المذكور . والحديث
أخرجه : الترمذي مختصراً بمعناه ، وقال : هذا حديث حسن صحيح
غريب من هذا الوجه . وقد أخرج مسلم طرفاً منه في أثناء الحديث
الطويل .
١٢٤٨ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا وهیب : نا قدامة بن موسى ، عن
أيّوب بن حُصَين ، عن أبي علقمة، عن يَسَار مولى ابن عمر قال : رآني ابن
عُمر وأنا أُصلِي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسَار، إن رسول الله بَير خرج
علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: (( ليبلغ شاهدكم غائبكم ! لا تصلوا
بعد الفجر إلا سجدتَيْن)) (١).
ش - وُهَيب : ابن خالد البصري .
وقدامة بن موسى : ابن عمر (٢) بن قدامة بن مظعون . روى عنه :
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين
(٤١٩)، ابن ماجه: كتاب المقدمة ، باب: من بلغ علماً (٢٣٥).
(٢) في الأصل: ((عمرو )) خطأ .
- ١٧٤-

يحيى بن سعيد الأنصاري ، وحفص بن غياث (١) ، ذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: مات [ سنة ] ثلاث وخمسين ومائة ، وكان إمام مسجد
رسول الله (٢)
وأيوب بن حصين : التميمي . روى عن : يَسار بن نمير العدوي مولی
عبد الله بن عمر . روى عنه : قدامة بن موسى . روى له : أبو داود(٣).
وأبو علقمة : الهاشمي مولى عبد الله بن عباس ، وقد ذكرناه .
ويَسَار - بفتح الياء آخر الحروف - بن نُمير - بضم النون - القرشي
العدوي مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب . روى عنه : أبو أمامة ،
وأبو علقمة . قال أبو زرعة : مديني ثقة . روى له: أبو داود، والترمذي،
وابن ماجه (٤) .
قوله: ((إلا سجدتين)) أي : ركعتين ؛ وهما ركعتا الفجر . وروى
الترمذي هذا الحديث، ولفظه: ((لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين))،
ثم قال : ومعنى هذا الحديث : إنما يقول : لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا
ركعتي الفجر . قال : وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ، وحفصة قال
أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة
ابن موسى (٥) ، وروى عنه غير واحد ، وهو ما اجتمع عليه أهل
العلم (٦): كرهوا أن يصلي الرجل / بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .
[١٣١/٢ -أ]
(١) في الأصل: (( عمان)).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٣/ ٤٨٦٠).
(٣) المصدر السابق (٥١٥٦/٢٥) .
(٤) المصدر السابق (٧٠٧٤/٣٢) .
(٥) ذكر الحافظان ابن حجر في ((التلخيص)) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، والزيلعي في
نصب الراية (٢٥٦/١) طرقاً لهذا الحديث من غير طريق قدامة . وقال
الزيلعي: ((وكل ذلك يعكر على الترمذي في قوله: (( لا نعرفه إلا من حديث
قدامة )) .
(٦) قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٠٢/١): ((تنبيه: دعوى الترمذي الإجماع
على الكراهة لذلك عجيب ! فإن الخلاف فیه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره،=
- ١٧٥-

وأخرجه ابن ماجه - أيضاً - ، وذكره البخاري في ((التاريخ الكبير ))
وساق اختلاف الرواة فيه .
١٢٤٩ - ص - نا حفص بن عمر : نا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن
الأسود، ومسروق قالا : نشهَدُ على عائشة أنها قالت : ما من يوم يأتي على
النَّبِي - عليه السلام - إلا صلّى بعْد العَصْر ركعتين (١).
ش - أبو إسحاق : السبيعي ، والأَسْود : ابن يزيد النخعي ، ومَسْروق:
ابن الأجدع .
واختلفوا في معنى الحديث ؛ فقالت طائفة : إنه صلى بعد العصر تبييناً
لأمته أن نَهْيه - عليه السلام - عن الصلاة بعد الصبح وبعد العَصْر على
وجه الكراهة ، لا على التحريم . وقالت طائفة : الأصل فيه : أنه صلاها
يوماً قضاءً لفائت ركعتي الظهر ، وكان عليه السلام إذا فعل فعلاً واظب
عليه ولم يقطعه فيما بعد . وقالت طائفة : إنه - عليه السلام - مخصوص
بذلك ؛ وهذا هو الأشهر .
وقال الطحاوي (٢) بعد أن روى هذا الحديث : فذهب قوم إلى هذا
وقالوا : لا بأس أن يصلي الرجل بعد العصر ركعتين وهما من السُّنَّة
عندهم ؛ واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ، فخالفهم أكثر العلماء في ذلك
وكرهوها ، واحتجوا في ذلك بما حدثنا عليّ بن معبد قال : نا عبيد الله
ابن موسى العبسي قال : نا طلحة بن يحيى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة أن معاوية أرسل إلى أم سلمة يسألها عن الركعتين اللتين ركعهما
= وقال الحسن البصري : لا بأس به . وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة
بالليل . وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر المروزي )) .
(١) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة ، باب : ما يصلى بعد العصر من الفوائت
ونحوها (٥٩٣) ، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : معرفة
الركعتين اللتين كان يصليهما النبي وَ لمر بعد العصر (٨٣٥)، النسائي: كتاب
المواقيت ، باب (٣٦) .
(٢) شرح معاني الآثار (٣٠١/١).
-١٧٦-

رسول الله - عليه السلام - بعد العصر فقالت : نعم صلى رسول الله
عندي ركعتين بعد العَصْر فقلت: أُمرت بهما ؟ قال: (( لا ، ولكني
أصليهما بعد الظهر ، فشُغِلتُ عنهما فصليتهُما الآن )).
وحديث عائشة هذا : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
١٢٥٠ - ص - نا عُبيد الله بن سَعْد : نا عمي : نا أبي ، عن ابن إسحاق ،
عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ذكوان مولى عائشة أنها حدّثته أن
رسولَ الله - عليه السلام - كان يُصلِي بعدَ العَصْر ويَنْهى عنها ، ويُواصل
ويَنّهى عن الوصال (١) .
ش - عبيد الله بن سَعْد : ابن إبراهيم ، وعمه : يعقوب بن إبراهيم ،
وأبو عمّه : إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري
القرشي ، ومحمد : ابن إسحاق بن يسار .
وذكوان : أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين . سمع : عائشة . روى
عنه: عليّ بن الحُسين ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ، والأزرق بن قيس ،
وكانت عائشة دبّرته وقالت : إذا واريتني فأنت حر ، قال عروة : كان
ذكوان غلام عائشة يؤم قريشاً وخلفه عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ لأنه
أقرؤهم للقرآن . قال محمد بن عمر : مات ليالي الحرة ، وقال بعضهم :
أحسبُه قتل بالحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين . روى له : البخاري ،
ومسلم، وأبو داود ، والنسائي (٢).
وهذا الحديث ينطق بأن صلاته - عليه السلام - بعد العصر كانت من
خصائصه ، كما أن الوصال كان من خصائصه ؛ فلذلك كان ينهى عنهما ،
وهذا يرد قول مَنْ يدّعي عدم التخصيص كالبيهقي والنوويّ وغيرهما ،
ودَعْوَى عدم التخصيص مع هذا الحديث مكابرة ، فافهم .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨١٥/٨).
١٢ × شرح سنن أبي داوود ٥
-١٧٧-

٢٨٧ - بَابُ: الصَّلاة قبْل المَغْرِب
أي : هذا باب في بيان الصلاة قبل المغرب .
١٢٥١ - ص - نا عبيد الله بن عمر : نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين
المعلم، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن عبد الله المزَني قال: قال رسول الله أكلير :
((صلّوا قبل المغرب ركعتين))، ثم قال: ((صلوا قبل المغرب ركعتين لمنْ
شاء)» خَشْيَةَ أَن يتخذها الناسُ سُنَّةٍ (١).
ش - عبد الله بن مُغفل الُزني .
اختلف السلف في التنفل قبل المغرب ؛ فأجازه طائفة من الصحابة
والتابعين والفقهاء ؛ وحجتهم : هذا الحديث وأمثاله ، وروي عن جماعة
من الصحابة وغيرهم أنهم كانوا لا يصلونها . وقال إبراهيم النخعي : هي
بدْعة . والصحيح : أن الحديث محمول على أنه كان في أَوّل الإسلام
ليتبيّن خروج الوقت المنهي عن الصلاة فيه بمغيب الشمس ، وحل فعل
النافلة والفريضة ، ثم التزم الناس المبادرة لفريضة المغرب لئلا يتباطأ الناس
(١٣١/٢ -ب] بالصلاة عن وقتها الفاضل. وأخرجه / البخاري بنحوه .
١٢٥٢ - ص - نا (٢) عبد الله بن محمد النفيلي : نا ابن عليّة، عن
الجريري ، عن عبد الله بن بُرَيْدة ، عن عبد الله بن مُغفّل قال : قال رسول الله
وَل: ((بين كل أذانين صلاة، بَيْن كل أذانين صلاة لمن شاء)) (٣).
ش - ابن عليّة : إسماعيل ، والجُريري : سعيد بن إياس النضري .
(١) البخاري: كتاب التهجد بالليل والتطوع، باب: الصلاة قبل المغرب (١١٨٣).
(٢) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي .
(٣) البخاري : كتاب الأذان ، باب : كم بين الأذان والإقامة (٦٢٤) ، مسلم :
كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب: بين كل أذانين صلاة (٨٣٨/٣٠٤)،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الصلاة قبل المغرب (١٨٥) ،
النسائي : كتاب الأذان ، باب : الصلاة بين الأذان والإقامة (٦٨٠) ، ابن
ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في الركعتين قبل المغرب
(١١٦٢).
-١٧٨-

قوله: (( بين كل أذانين)) أرادَ بهما: الأذان والإقامة حملاً أحد الاسمين
على الآخر ، والعربُ تفعل ذلك كقولهم : الأسودان : التمر والماء ،
والأسود أحدهما ، ومنه : الأبوان ، والعُمران ، والقمران .
قلت : يجوز أن يطلق على الإقامة الأذان من حيث أنها إعلام
للحاضرين كما أن الأذان إعلام للغائبين . وقال الشيخ محيي الدين (١):
وهذه الأحاديث فيها استحباب ركعتين بين الغروب وصلاة المغرب ، وفي
المسألة وجهان لأصحابنا ، أشهرهما : لا يُستحب ، وأصحهما عند
المحققين : يُستحب لهذه الأحاديث ، وبه قال أحمد ، وإسحاق .
قلت : وعند أبي حنيفة وأصحابه : لا يستحب ذلك ؛ بل ذهب
بعضهم إلى كراهته ، وبه قال مالك وأكثر الفقهاء ؛ لأن استحبابها يؤدي
إلى تأخير المغرب عن أول وقتها قليلاً . وقد قال بعضهم : إن هذه
الأحاديث منسوخة . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ،
وابن ماجه .
١٢٥٣ - ص - نا محمد بن عبد الرحيم البرقي : أنا سعيد بن سليمان :
نا منصور بن أبي الأسود ، عن المختار بن فلفل ، عن أنس بن مالك قال :
صليتُ الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ، قال : قلت لأنسٍ :
أَرَاكُم رسولُ الله ؟ قال: نعم رآنا فلم يأمرنا ولم يَنّهنا (٢).
ش - سعيد بن سليمان : ابن نشيط ، أبو عثمان الواسطي ، سكن
بغداد ، يُعْرف بسَعدَوَيْه . سمع : الليث بن سعد ، ومنصور بن
أبي الأسود ، وهشام بن بشير ، وغيرهم . روى عنه : ابن معين ،
والوليد بن شجاع ، ومحمد بن عبد الرحيم البرقي البزاز ، وغيرهم .
قال أبو حاتم : ثقة ، مأمون . روى له الجماعة (٣).
(١) شرح صحيح مسلم (١٢٣/٦).
(٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : استحباب ركعتين قبل صلاة
المغرب (٨٣٦/٣٠٢).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٢٩١/١٠).
-١٧٩-

ومنصور بن أبي الأسود : الليثي . روى عن : المختار بن فلفل ،
والأعمش ، ومغيرة بن مقسم ، وغيرهم . روی عنه : سعید بن سليمان،
ومحمد بن الصلت ، ومعن بن عيسى القزاز ، وغيرهم . قال ابن معين :
ثقة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي (١) .
قوله: (( أراكم رسول الله ؟ )) الهمزة فيه للاستفهام .
قوله: (( فلم يأمرنا )) يدل على أن هذه الصلاة ليست بمُستحبة .
وقوله : ((ولم ينهنا )) يدل على أنها مُباحةٌ ، ولا ينتهض هذا دليلاً لمن
يدعي استحباب هذه الصلاة . وأخرجه مسلمٌ .
١٢٥٤ - ص - نا محمد بن بشار : نا محمد بن جعفر : نا شعبة ، عن
أبي شعيب، عن طاوس قال : سئل ابن عُمر عن الركعتين قبل المغرب فقال:
ما رأيتُ أحداً على عَهْدِ رَسُول الله - عليه السلام - يُصَلّيهما ، ورَخّص في
الركعتين بعد العَصْر (٢).
ش - يُسْتفادُ منه حكمان ؛ الأول : عدم استحباب الركعتين بعد الغروب
قبل المغرب ، والثاني : كراهة الركعتين بعد صلاة العَصر ، وهو مذهب
الجمهور من الصحابة ومَن بعدهم من العلماء من السلف والخلف .
ص - قال أبو داود : سمعتُ یحیی بن معين يقولُ : هو شعیب - يعني :
وهم شعبةُ في اسمِهِ .
ش - قال يحيى بن معين : وهم شعبة بن الحجاج في تسمية شعيب ،
فذكره بالكنية ، وليس كذلك ؛ بل هو شعيب . روى عن : طاوس ،
وروى عنه : شعبة . روی له : أبو داود .
-
(١) المصدر السابق (٦١٨٩/٢٨).
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٨٠-