Indexed OCR Text

Pages 81-100

قوله: ((قبل غيوب الشفق))، وفي بعض النسخ: (( قبل غروب الشفق))
وهذا الحديث فيه تصريح على أن الجمع بين الصلاتين هو الجمعُ فعلاً لا
وقتاً ، ومُؤكدٌ لتأويل الطحاويّ وغيره من أصحابنا .
ص - قال أبو داودَ : رواه ابنُ جابرٍ ، عن نافع نحو هذا بإسناده .
ش - أي : روى هذا الحديث عبد الله بن جابر أبو حمزة البصري ،
عن نافع مولى ابن عمر نحو هذا الحديث بإسناده .
١١٨٤ - ص - نا إبراهيم بن موسى ، أنا عيسى ، عن ابن جابر بهذا
المعنى(١).
ش - عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي .
قوله: (( بهذا المعنى )) إشارة إلى معنى الحديث المذكور .
ص - ورواه عبدُ الله بنُ العَلاءِ بنِ زَبْر ، عن نافعٍ قال : حتى إذا كان عندَ
ذَهَابِ الشفقِ نَزَّلَ فَجَمَعَ بينهما .
ش - أي : روى هذا الحديث عَبدُ الله بن العلاء بن زَبْر ، عن نافع
الحديث . والرواية الصحيحة ما رواه فُضيلٍ بن غزوان وابن جابر ، عن
نافع ، ولئن سلمنا فالمعنى عند قرب ذَهاب الشفق أو بعد ذهاب الشفق
الأحمر ، كما قررناه مرةً مُستوفى .
١١٨٥ - ص - نا سلیمان بن حرب ومسدّد قالا: نا حمادٌح، ونا عمرو
ابن عون ، أنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن
ابن عباس قال: صَلَّى بنا رسولُ الله بالمدينة ثَمَانياً وسَبّعاً : الظهر والعصرَ ،
والمغربَ والعشاءَ (٢).
ش - الظهر والعصر بيان لقوله: ((ثمانياً))، والمغرب والعشاء بيان
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) البخاري : كتاب تقصير الصلاة ، باب : الجمع في السفر بين المغرب والعشاء
(١١٠٧)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر
(٧٠٥/٤٩)، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : الوقت الذي يجمع فيه المقيم
(٢٨٦/١) .
٦ + شرح سنن أبي داوود ٥
- ٨١-

لقوله: ((وسَبْعاً))؛ لأنهما سبع ركعات ، وهذا أيضاً محمول على
الجمع فعلاً لا وقتاً، يؤيده ما جاء في رواية مسلم: (( قلتُ يا أبا الشعثاء،
أظنه أخر الظهرَ وعجَّل العَصْرَ، وأخر المغرب وعجل العشاء ؟ قال (١):
وأنا أظن ذلك)) . وفي البخاري بمعناه . وأدرج هذا الكلام في الحديث
في كتاب النسائي. قلت: فاعل قوله: (( قلت)) هو عمرو بن دينار .
وأبو الشعثاء كنية جابر بن زيد ، فافهم .
الحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
٤ ٠
ص - ولم يقل سليمان ومُسدد: (( بنا)).
[ ش ] - أي : لم يَقُلْ سليمانُ بن حرب ومسدد بن مُسرهد - كلاهما
من شيوخ أبي داود - في روايتهما: ((صلى بنا))، بل قالا: ((صلّى
رسولُ الله)) بلا لفظ (( بنا)).
ص - قال أبو داود: ورواه صالح مولى التَوأَمَة، عن ابن عباس قال: ((في
غَيْرِ مطر » .
ش - أي : روى هذا الحديث صالح عن ابن عباس ، وقال في روايته :
في آخر الحديث: (( في غير مطرٍ)).
وصالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف الجُمحي وهو صالح
ابن أبي صالح المدني ، وقال أبو زرعة : هو صالح بن صالح بن نبهان ،
وكنية نبهان أبو صالح مولى التوأمة ، ويكنى هو بأبي محمد مولى ابنة أميّة
ابن خلف ، والتَوأمَة كانت معها أخت لها فسميت هذه التَوأمَة ، وسُميّت
الأخرى باسم آخر . سمع : أبا هريرة ، وزيد بن خالد ، وابن عباس .
روى عنه : ابن أبي ذئب ، والثوري ، وعمارة بن غزية ، وابن جريج ،
وغيرهم . قال ابن معين : صالح مولى التوأمة ثقة حجة . قيل : إن
مالك بن أنس ترك السماع منه ؟ قال : إنما أدركه مالك بعد ما كبر
وخرف، والثوري إنما أدركه بعد ما خرف ، فسمع منه أحاديث منكرات ،
(١) في الأصل: ((قاله))، وما أثبتناه من صحيح مسلم .
-٨٢-

ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف ، ومن سمع منه قبل أن
يختلط فهو ثبت . وقال أبو زرعة: مدني ضعيف. / وقال أبو حاتم: [١١٣/٢ -ب]
ليس بقوي . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
١١٨٦ - ص - نا أحمد بن صالح ، نا يحيى بن محمد الجازي (٢) ، نا
عبد العزيز بن محمد ، عن مالك ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنّ رسولَ الله
وَلِ غَابَتْ له الشمسُ بمَكَّةَ، فجَمَعَ بينهما بَسَرِفَ (٣) .
ش - يحيى بن محمد بن عبد الله بن مهران الجازي بالجيم والزاي (٢)
- وهو مَرفأ السفن - الحجازي . روى عن : عبد العزيز بن محمد
الدراوردي ، وعبد العزيز الليثي ، وعبد الله بن خالد . روى عنه : أحمد
ابن صالح المصري ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وهارون الحمَّال . قال
البخاري : يتكلم فيه . وقال أحمد بن عبد الله : هو ثقة . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي .
وأبو الزبير المكي ، وجابر بن عبد الله .
قوله: ((فجمع بينهما )) أي : بين المغرب والعشاء .
قوله: ((بسَرفَ)) بفتح السين ، وكسر الراء المهملتين ، وبعدها فاء ،
وهي لا تنصرف للعلمية والتأنيث . والحديث أخرجه النسائي .
١١٨٧ - ص - نا محمد بن هشام جارٌ أحمد بن حنبل ، نا جعفر بن
عون، عن هشام بن سعد قال : بينهما عَشْرةُ أَميال ، يعني : بين مكةَ
وسَرف(٥) .
ش - محمد بن هشام بن عيسى القصير أبو عبد الله المَرُّوذي ، سكن
بغداد في جوار أحمد بن حنبل ، وحدَّث عن هُشيم بن بَشِير ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨٤٢/١٣).
(٢) كذا ((بالزاي))، وفي مصادر ترجمته ((بالراء)) وهو الجادة .
(٣) النسائي: كتاب المواقيت ، باب: الوقت الذي يجمع فيه المسافر (٢٨٧/١).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩١٣/٣١). (٥) انظر الحديث السابق.
- ٨٣-

وأبي معاوية الضرير ، وسفيان بن عيينة ، وغيرهم . سمع منه : أحمد بن
حنبل، ويحيى بن معين . وروى عنه : أبو داود ، والنسائي ، والبخاري.
قال الخطيب : وكان ثقة . مات ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومائتين (١) .
وذكر غيره أن سرف على ستة أَمْيال من مكة ، وقيل : سبعة ، وقيل :
تسعة ، وقيل : اثنا عشر .
١١٨٨ - ص - نا عبد الملك بن شعيب ، نا ابن وهب ، عن الليث قال :
ربيعة - يعني : كتب إليه - حدَّثَني عبدُ الله بن دينار قال : غَابَت الشمسُ وأَنا
عندَ عبد الله بن عُمرَ فَسِرْنا ، فلما رَأَيْنَاهُ قد أَمْسَى قلنا : الصلاة . فسارَ حتى
غَابَ الشفقُ وتَصَوََّتِ النُّجُومُ، ثم إنه نَزَلَ فَصَلَّى الصَّلاَتَينِ جَميعاً ، ثم قال:
رَأَيتُ رسولَ اللهِوَّهِ إِذا جَدَّ به السَّيْرُ صَلَّى صَلاتِي هذِهَ، يقولُ: يَجْمَعُ
بَيْنهما بَعدَ لَيْل (٢) .
ش - ربيعة : ابن أبي عبد الرحمن المدني .
قوله: (( وتصوّبت النجوم)) أي: تنكست ، وصوّب يده أي : خفضها،
وصاب المطر إذا نزل .
قوله : ((إذا جدَّ به السَّيْرُ)) يقالُ: جَدَّ به الأمرُ وأجدّ وجدّ فيه وأجدّ إذا
اجتهد واهتم به ، وأسْرع فيه من جدَّ يجِدُّ ويجُدُّ بالضم والكسرْ .
والجواب عنه قد ذكرناه .
ومعنى قوله: (( بعد ليل )) بعد دخول ليل ، ومن غروب الشمس يُطلقُ
دخول الليل .
ص ۔ (٣) قال أبو داود : ورواه عاصم بن محمد، عن أخيه، عن سالم.
ش - أي : روى هذا الحديث عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب ، عن أخيه عمر ، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٦٥/٢٦). (٢) تفرد به أبو داود .
(٣) تقدم هذا النص والذي بعده عقب الحديث رقم (١١٨٠).
-٨٤-

ص - ورواه ابن أبي نجيح ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب ، أن
الجَمْعَ بينهما كان مِن ابنِ (١) عمرَ بعدَ غُيُوبِ الشفقِ .
ش - قد تقدَّم هذا بعينه عن قريب فليراجع فيه .
١١٨٩ - ص - نا قتيبة وابن موهب - المعنى - قالا: نا المفضل ، عن
عُقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: كان رسولُ الله وَّةٍ إذا
ارْتَحَلَ قبلَ أَن تَزِيغَ الشمسُ أَخَّرَ الصلاةَ (٢) إلى وَقْتِ العصرِ، ثم نَزَّلَ
فَجَمَعَ بينهما ، فَإِن زَاغَتِ الشمسُ قبلَ أَن يَرْتَحِلَ صَلَّى الَظَهْرَ ، ثم
ركب (٣)، (٤).
ش - ابن مَوْهب : يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن مَوْهب
الهمداني الرملي ، والمفضل بن فضالة ، وعُقيل - بضم العين - ابن خالد
الأموي .
قوله: (( أن تزيغ )) أي : أن تميل .
قوله: ((أخر الصلاة)) وفي نسخة: ((أخر الظهرَ)).
قوله: (( فجمع بينهما)) أي: فعلاً لا وقتاً يؤيده قوله: (( فإن زاغت
الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ، ثم ركب)) حيث لم يُصَلِّ العَصْر ،
بل أخرّها إلى وقتها .
١١٩٠ - ص - نا سليمان بن داود المهري ، نا ابن وهب ، أخبرني جابر
(١) في سنن أبي داود: ((من ابن عمر كان بعد ... )).
(٢) في سنن أبي داود: ((الظهر))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
(٣) جاء في سنن أبي داود زيادة: (( قال أبو داود : كان مفضل قاضي مصر ،
وكان مجاب الدعوة ، وهو ابن فضالة )) .
(٤) البخاري : كتاب تقصير الصلاة ، باب : يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل
قبل أن تزيغ الشمس (١١١١، ١١١٢)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين
وقصرها باب : جواز الجمع بين الصلاتين في السفر (٧٠٤/٤٦) ، النسائي:
كتاب الصلاة ، باب : الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
(١/ ٢٨٧) .
-٨٥-

ابن إسماعيل ، عن عُقيل بهذا الحديث بإسناده قال: ويُؤَخِّرُ المغْرِبَ حتى
يَجْمِعَ بينها وبينَ العِشَاءِ حين يغيبُ الشفقُ(١).
ش - جابر بن إسماعيل الحَضْرمي المصري ، روى عن : عُقيل بن
[١١٤/٢-١] خالد / . روى عنه: عبد الله بن وهب . روى له : مسلم ، وأبو داود،
والنسائي ، وابن ماجه (٢) .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وليس في حديث
البخاري قوله: (( ويؤخر المغرب )) إلى آخره .
١١٩١ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، نا اللیث ، عن یزید بن أبي حبيب ، عن
أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن معاذ بن جبل ، أن النبيّ - عليه السلام - كان
فِي غَزْوَةٍ تَبُوك إذا ارْتَحَلَ قبلَ أَن تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظهرَ حتى يَجْمَعَهَا إلى
العصرِ، فَيُصَّلِّيهِمَا جَمِيعاً، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ زَيْغِ الشمسِ صَلَّى الظهرَ
والعَصرَ جميعاً ، ثم سَارَ، وكان إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ المغرب أَخَّرَ المغربَ حتى
يُصَلِّيها مع العِشَاءِ، وإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المغربِ عَجْلَ العِشَاءَ فَصَلَاهَا مع
المغرب (٣) .
ش - قد تقدّم ما يُشابه هذا من طريق القعنبي ، عن معاذ . وأخرجه
الترمذي .
ص - قال أبو داود: لم يرو هذا الحديثَ إلا قتيبةُ وحده .
ش - أشار به إلى أن قتيبة بن سعيد تفرّد به ، ولهذا قال الترمذي :
حديث حسن غريب ، تفرَّد به قتيبةُ ، لا نعرف أحداً رواه عن الليث
غيرُهُ. وذكر أن المعروفَ عند أهل العلم حديثُ معاذ من حديث أبي الزبير
- يعني : الحدیث [ الذي ] ذکر في أول الباب - وقال أبو سعيد بن يونس
(١) انظر تخريج الحديث المتقدم.
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٨٦٥/٤).
(٣) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : الجمع بين الصلاتين (٥٥٣) .
-٨٦-

الحافظ : لم يُحدِّث به إلا قتيبةُ ، ويقال : إنه غلط ، وأن موضعَ يزيد بن
أبي حبيب أبو الزبير ، وذكر الحاكم أن الحديث موضوع . وقتيبة بن سعيد
ثقة مأمونٌ ، وحُكي عن البخاريّ أنه قال : قلت لقتيبة بن سعيد : مع من
كتبت عن الليث بن سَعْد حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ؟
فقال : كتبتُه مع خالد المدائني . قال البخاري : وكان خالد المدائني يُدخل
الأحاديث على الشيوخ . انتهى . وخالد المدائني هذا هو أبو الهيثم خالد
ابن القاسم المدائني ، متروك الحديث . وقال ابن عدي الجرجاني : له عن
الليث بن سَعْد غیر حديث منكر ، واللیث بريء من رواية خالد عنه تلك
الأحاديث .
٢٦٢ - بَابُ: قصر القراءة في السَّفْرِ فِي الصَّلاةِ (١)
أي : هذا باب في بيان قصر القراءة في الصلاة في السفر ، وفي بعض
النسخ: ((باب في قدر القراءة في الصلاة في السفر)).
١١٩٢ - ص - نا حفص بن عمر ، نا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن
البراء قال: خَرِجْنَا مع رسولِ اللهِ لهِفِي سَفَرِ، فَصَلَّ بنا العِشَاءَ الآخرَةَ،
فَقَرأَ في ◌ِإِحْدَى الركعتين بـ ﴿َالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ (٢) .
ش - أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه ،
وفي ((علل ابن أبي حاتم)) عن ابن عمر بسند ضعيف: ((صلى النبي
-عليه السلام- صلاة الغداة بالناسِ في السفر، فَقراً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
(١) في سنن أبي داود: ((باب قصر قراءة الصلاة في السفر)).
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب: الجهر في العشاء (٧٦٧) ، مسلم : كتاب
الصلاة ، باب : القراءة في العشاء (١٧٥ / ٤٦٤) ، الترمذي : كتاب الصلاة ،
باب : ما جاء في القراءة في صلاة العشاء (٣١٠) ، النسائي: کتاب الافتتاح،
باب : القراءة فيها بالتين والزيتون ، كتاب الافتتاح ، باب : القراءة في الركعة
الأولى من صلاة العشاء الآخرة (١٠٠٠) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ،
باب : القراءة في صلاة العشاء (٨٣٤).
-٨٧-

الْكَافِرُونَ﴾، و﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن
وربعه )).
وروى أبو داود في (( فضائل القرآن)) في حديث عقبة بن عامر: ((صلى
بهما صلاة الصّبح)) أي : بالمعوذتين لما سيجئ إن شاء الله تعالى ، وكان
ذلك في السفر .
وروى ابن حبان في (( صحيحه )) عن عقبة بن عامر ، أن النبي - عليه
السلام - (( أمَّهم بالُعوذتين في صلاة الصبح)) ، وكذلك رواه الحاكم في
((مستدركه )) وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
ورواه أحمدُ في ((مسنده))، والطبراني في (( معجمه ))، وابن أبي شيبة
في ((مُصنفه)). ولفظه عن عقبة بن عامر الحمصي قال: (( كنت مع النبي
-عليه السلام - في سفر ، فلما طلع الفجر أذن وأقام ، ثم أقامني عن
يمينه، ثم قرأ بالمعوذتين ، فلما انصرف قال : كيف رأيت ؟ قال : قلت :
قد رأيت يا رسول الله ، قال: فاقرأ بهما كلما (١) نمت، وكلما قمت)).
وأخرج أيضاً عن المعرُور بن سُويد قال : خرجنا مع عمر حجاجاً
وصلى بنا الفجر ، فقرأ بـ ﴿ألم تر﴾، و﴿ لإيلاف﴾. وعن إبراهيم
قال: كان أصحابُ رسول الله يقرءون في السفر بالسّور القصار .
٢٦٣ - بَابُ: التَّطَوُّعِ فِي السَّفَر
أي : هذا باب في بيان التطوع في السَّفْر .
١١٩٣ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، نا اللیثُ، عن صفوان بن سُلیم ، عن
أبي بُسْرةَ الغفاري ، عن البراء بن عازب الأنصاري قال : صَحِبْتُ رسولَ الله
[٢/ ١١٤ - بـ) ضَ لُ ثَمانيةَ عَشَرَ سَفَراً /، فما رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعتينِ إِذا زَاغَتِ الشمسُ قَبْلَّ
الظهر (٢) .
(١) في الأصل: ((كما))، وانظر المسند (١٤٤/٤).
(٢) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في التطوع في السفر (٥٥٠).
-٨٨-

ش - أبو بُسْرَة - بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ، وفتح
الراء ، وتاء تأنيث - روى عن : البراء بن عازب . روى عنه : صفوان
ابن سُليم . روى له : أبو داود ، والترمذي وقال : سألت محمداً عنه فلم
يَعْرفه، ولم يعرف اسمَه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١).
قوله: ((إذا زاغت الشمسُ)) أي : إذا مالت الشمس قبل الظهر، يعني:
قبل فرض صلاة الظهر .
واختلف العلماء في التنفل في السفر ، فمذهب ابن عمر منعه بالنهار
جملة ، وجوازه بالليل على الراحلة والأرض. وعامّة السلف وأئمة الفتوى
على جوازه بالليل والنهار ، على الراحلة والأرض . وقال الترمذي:
ورُوي عن ابن عمر ، أن النبي - عليه السلام - كان لا يتطوع في السفر
قبل الصلاة ولا بعْدها . ورُوي عنه ، عن النبي - عليه السلام- أنه كان
يتطوع في السفر . ثم اختلف أهل العلم بعد النبي - عليه السلام-، فرأى
بعض أصحاب النبي - عليه السلام - أن يتطوع الرجل في السفر ، وبه
يقول أحمد وإسحاق ، ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا
بعدها . ومعنى مَنْ لم يتطوع في السفر قبول الرخصة ، ومن تطوّع فله
في ذلك فضل كبيرٌ ، وهو قول أكثر أهل العلم ، يختارون التطوع في
السفر. انتهى .
والحديث أخرجه الترمذي ، وقال : غريب .
١١٩٤ - ص - نا القعنبي ، نا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب ، عن أبيه قال: صَحِبْتُ ابنَ عُمر في طَريق ، قال : فَصَلَّى بنا
رَكْعتين، ثم أَقبلَ ، فَرأَى أُنَاساً (٢) قياماً فقال: ما يصَنْعُ هؤلاء ؟ قلت :
يُسبِّحُونَ . قال: لو كُنتُ مُسَبِّحاً أَتْمَمْتُ صَلاتِ! يا ابنَ أَخِي ! إِنَي صَحبتُ
رسولَ اللهِ في السفَرِ فلم يَزِدْ على ركعتينِ حتى قَبَضَهُ اللهُ، وَصَحَبتُ أَبَا بكر
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٢٢٣/٣٣).
(٢) في سنن أبي داود: ((ناساً)).
-٨٩-

فلم يَزِدْ علَی ر کعتينِ حتى قَبَضَهُ اللهُ ، وصَحبتُ عُمَرَ فلم يَزِدْ علی ركعتينِ
حتى قَبَضَهُ اللهُ، وصَحَبْتُ عُثْمَانَ فلم يَزِدْ على ركعتين حتى قَبَضَهُ اللهُ، وقدَ
قالَ اللهُ: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، (٢) . .
ش - عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه- أبو زياد القرشي العدوي المدني ، عم عبيد الله بن عمر العمري .
سمع : أباه ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد ، وعطاء بن
أبي مروان . روى عنه : سليمان بن بلال ، ويحيى القطان ، ووكيع ،
والقعنبي . قال أحمد ويحيى : هو ثقة . مات سنة تسع وخمسين ومائة ،
وهو ابن ثمانين سنة . روى له : البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه (٣) .
وأبوه : حفص بن عاصم قد ذكره مرةً .
قوله : ((يُسبّحون)) أى: يتنفلون، والمُسبِّحُ: المتنفل بالصلاة ،
والسبحة: صلاة النفل .
قوله: ((لو كنت مُسبحاً أتممت صلاتي)) معناه : لو اخترت التنفل لكان
إتمام فريضتي أحبّ إليّ ، ولكني لا أرى واحداً منهما ، بل السُّنَّة القصر،
وترك التنفل ، ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض : كسُنَّة الظهر والعصر
وغيرهما من المكتوبات ، وأما النوافل المطلقة فقد كان ابن عمر يفعلها في
السفر . وروى هو عن النبي - عليه السلام - أنه كان يفعلها ، كما ثبت
في مواضع في (( الصحيحين )) عنه ، وقد اتفق العلماء على استحباب
النوافل المطلقة في السفر ، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة ، فتركها
(١) سورة الأحزاب : (٢١).
(٢) البخاري : كتاب تقصير الصلاة، باب: من لم يتطوع في السفر (١١٠١)،
مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : صلاة المسافرين وقصرها
(٦٨٩/٨)، النسائي: كتاب التقصير ، باب : ترك التطوع في السفر
(١٤٥٧)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: التطوع في السفر
(١٠٧١) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٦٢١/٢٢).
- ٩٠-

ابن عمر وآخرون ، واستحبها الجمهور ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي
وغيرهما ، وحجة الجمهور : الأحاديث العامّة المطلقة في نَدْب الرواتب ،
وحديث صلاته - عليه السلام - الضحى يوم الفتح بمكة ، وركعتي الصبح
حين ناموا حتى طلعت الشمس ، والتباس على النوافل المطلقة ، ولعلّ
النبي - عليه السلام - كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر ،
فإن النافلة في البيت أفضل ، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على
جواز تركها ، وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان
إتمام الفريضة أَوْلى ، فجوابه : أن الفريضة محتمة ، فلو شرعت تامة
لتحتم إتمامها ، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف ، فالرفق به أن تكون
مشروعة ويتخيّر ، إن شاء فعلها وحصَّل ثوابها ، وإن شاء تركها ولا شيء
عليه .
[٢ /١١٥-أ]
قوله: « وصحبت عثمان فلم یزد على ركعتين )) / وفي الحديث الآخر :
(( ومع عثمان صدراً من خلافته))، وفي رواية: (( ثمان سنين أو ست
سنين )) وهذا هو المشهور ، أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته ،
وتأوّل العلماء هذه الرواية على أن المراد أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى
قبضه الله في غير مِنَى ، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من
خلافته ، محمولة على الإتمام بمِنَى ، وقد فسر عمران بن حصين في روايته
أن إتمام عثمان إنما كان في مِنَى .
واعلم أن القصر مشروع بعرفات ، ومزدلفة ، ومِنَى للحاج من غير أهل
مكة ، وما قرب منها ، ولا يجوز لأهل مكة ومَن كان دون مسافة القصر ،
هذا مذهب : أبي حنيفة ، والشافعي ، والأكثرين ، وقال مالك : يقصر
أهل مكة ، ومِنَى ، ومزدلفة ، وعرفات ، فعلة القصر عنده في تلك
المواضع النسك ، وعند الجمهور علته السفر . والحديث أخرجه :
البخاري، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ، ومطولاً .
- ٩١-

٢٦٤ - باب : التطوع على الراحلة والوتر
أي : هذا باب في بيان التطوع على الراحلة .
قوله: (( والوتر)) عطف على التطوع، أي : الوتر على الراحلة ،
والراحلة : المركب من الدواب .
١١٩٥ - نا أحمد بن صالح ، نا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن
شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: ((كان رسولُ الله ◌ِلّهِ يُسَبِّحُ على الرَّاحِلَةِ
أَيَّ وَجْهُ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عَلَيَها، غيرَ أنه لا يُصَلِّي عليها المَكْتُوبَةَ)) (١).
ش - عبد الله بن وهب ، ويونس بن يزيد ، وسالم بن عبد الله بن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - .
قوله: ((يسبح)) أي : يتنفل، والسبحة: النافلة من الصلوات ، أما
التطوع على الراحلة فليس فيه خلاف ، وأما الوتر فقال أبو حنيفة
وأصحابه: لا يجوز الوتر على الراحلة . وقال النخعي : كانوا يصلون
الفريضة والوتر بالأرض . وقال الثوري : صل الفرض والوتر بالأرض ،
وإن أوترت على راحلتك فلا بأس ، وممن رخص في الوتر على الراحلة :
عطاء ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وروي ذلك عن : عليّ ، وابن
عباس ، وابن عمر ، وكان مالك يقول : لا يصلى على الراحلة إلا في
سفر يقصر فيه الصلاة . وقال الأوزاعي ، والشافعي : قصير السفر
وطويله في ذلك سواء يصلي على راحلته . وقال الأوزاعي : يصلي الماشي
على رحله كذلك ، يومئ إيماء ، قال : وسواء كان مسافراً أو غير مسافر
يصلي على دابته ، وعلى رحله إذا خرج عن بلده لبعض حاجته . وقال
صاحب (( المحيط)) : الصلاة على الراحلة أنواع ثلاثة: فريضة، وواجب،
(١) البخاري : كتاب تقصير الصلاة ، باب : صلاة التطوع على الدواب وحيثما
توجهت به (١٠٩٤، ١٠٩٥)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : جواز صلاة
النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت (٣٩/٧٠٠) ، النسائي : كتاب قيام
الليل وتطوع النهار ، باب: الوتر على الراحلة (١٦٨٤).
- ٩٢-

وتطوع ، أما الفرض لا يجوز على الدابة إلا من ضرورة ، وهو تعذر
النزول لخوف زيادة مرض ، أو خوف العدو ، والسبع ، فيجوز أن يصلى
على الراحلة خارج المصر بإيماء ، ويجعل السجود أخفض من الركوع ،
وكذلك الصلاة الواجبة ، كصلاة الجنازة ، والتطوع الذي وجب قضاؤه
بالإفساد ، وكالوتر عند أبي حنيفة ، وكذلك الصلاة المنذورة ، وسجدة
التلاوة متى وجبت على الأرض ، لا تجوز على الدابة ؛ لأنها وجبت
كاملة ، فلا يتأدى بما هو ناقص ، وأما التطوع فيجوز على الدابة خارج
المصر مسافراً كان أو مقيماً ، يومئ حيثما توجهت الدابة ، ولا يمنعه نجاسة
السرج والركابين ، ونجاسة الدابة مطلقاً ، وأما المصر فلا يجوز فيه عند
أبي حنيفة ، وعند محمد يجوز ويكره ، وعند أبي يوسف يجوز ولا يكره،
وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي ، وهو محكي عن
أنس بن مالك .
قوله: ((ويوتر عليها)) أي: على الراحلة. قال الشيخ محيي الدين(١):
((فيه دليل لمذهبنا ، ومذهب مالك ، وأحمد ، والجمهور أنه يجوز الوتر
على الراحلة في السفر حيث توجه ، وأنه سُنَّة ليس بواجب )) ، والجواب
لأبي حنيفة : إن الوتر لما ثبت وجوبه عنده بأحاديث سنذكرها في بابه
التحق بالفرض، فلا يجوز على الدابة كالفرض، وقوله: (( إنه سُنَّة
ليس بواجب )) غير مسلم ؛ لأن الوتر كان فرضاً عليه - عليه السلام -
ومع هذا صلاه على الراحلة ، فلا يلزم من وتره عليها أن يكون سُنَّةً ؛
لأنه يجوز أن يصح فعله هذا له دون غيره ، وليس كذلك النفل ؛ لأنه
مبني على السهولة ، والتوسع ، ولهذا يجوز قاعداً مع القدرة على القيام.
( والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
١١٩٦ - ص - نا مسدد، نا ربعيّ بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو
ابن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة، / حدثني أنس بن مالك: [١١٥/٢ -ب]
(١) شرح صحيح مسلم (٢١١/٥) .
- ٩٣-

((أَنَّ رسولَ اللهِهِ كان إذا سَافَرَ فَأَرَادَ أَن يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بناقَتِهِ القبلةَ فَكَبِّرَ ،
ثم صَلَّى حيثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ)) (١) .
ش - ربعي بن عبد الله بن الجارود بن أبي سبرة الهذلي البصري .
سمع : عمرو بن أبي الحجاج . [ روى ] عن : جده الجارود . روى
عنه: يزيد بن هارون ، ومسدد ، ونصر بن قديد ، والصلت بن مسعود .
قال يحيى : صالح . وقال أبو حاتم : صالح الحديث . روى له :
أبو داود (٢).
وعمرو بن أبي الحجاج ، وقيل : ابن الحجاج . روى عن : الجارود
ابن أبي سبرة . روى عنه : ربعي المذكور . روى له : أبو داود (٣) .
وجارود بن أبي سبرة ، ويقال : ابن سبرة ، الهذلي أبو نوفل البصري،
واسم أبي سبرة : سالم بن سلمة . روى عن : طلحة بن عبيد الله ،
وأنس بن مالك . روى عنه : قتادة ، وعمرو بن أبي الحجاج ، وربعي بن
عبد الله . قال أبو حاتم : صالح الحديث . روى له : أبو داود (٤) .
قوله : « حیث وجهه ) أي : حيث وجه النبي ركابه ، وركابه مرفوع
على الفاعلية ، وبه استدل أبو حنيفة أنها لا تجوز في المصر ؛ لأن الشرع
ورد به خارج المصر ، وأطلق أبو يوسف الجواز اعتباراً بخارج المصر .
١١٩٧ - نا القعنبي ، عن مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن
أبي الحُباب سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: ((رَأَيْتُ رسولَ الله
- عليه السلام - [ يُصَلِّ](٥) على حمار، وهو مُتَوَجَّهُ إِلى خَيْيَرَ )) (٦).
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩/ ١٨٥١).
(٣) المصدر السابق (٤٣٤٤/٢١).
(٤) المصدر السابق (٨٨٢/٤).
(٥) ساقط من الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٦) مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : جواز صلاة النافلة على الدابة حيث
توجهت (٧٠٠) ، النسائي : كتاب المساجد ، باب : الصلاة على الحمار
(٦٠/٢).
-٩٤-

ش - سعيد بن يسار أبو الحباب المدني ، أخو أبي مِزْرَد ، واسم
أبي مزرد : عبد الرحمن بن يسار الهلالي ، مولى ميمونة زوج النبي
-عليه السلام - وقيل : مولى شقران ، وقيل : مولى الحسن بن عليّ .
سمع : عبد الله بن عمر ، وأبا هريرة ، وابن عباس ، وعائشة ، وزيد بن
خالد الجهني . روى عنه : سعيد المقبري ، ويحيى الأنصاري ، وابن
عجلان ، وعمرو بن يحيى المازني ، وغيرهم . قال أبو زرعة : مديني
ثقة. وقال ابن معين : ثقة . توفي سنة ست عشرة ومائة ، وهو ابن
ثمانین . روی له الجماعة (١) .
والحديث أخرجه : مسلم ، والنسائي ، وقال النسائي : عمرو بن يحيى
لا يتابع على قوله: ((يصلي على حمار))، وإنما هو على راحلته ،
ويقال: قد غَلَّطَ الدارقطنيّ عمرو بن يحيى في ذلك، والمعروف: ((على
راحلته))، و(( على البعير)).
وقال الشيخ محيي الدين (٢): ((والصواب: أن الصلاة على الحمار من
فعل أنس - كما ذكره مسلم - عن أنس بن سيرين ، قال: (( استقبلنا أنس
ابن مالك حين قدم من الشام ، فلقيناه بعين التمر ، فرأيته يصلي على
حمار ، ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القِبلة - فقلت : رأيتك
تصلي لغير القِبلة ، فقال : لولا أني رأيت رسول الله - عليه السلام -
فعله لم أفعله )) ، ويقال في تغليط رواية عمرو بن يحيى نظر ؛ لأنه ثقة ،
نقل شيئاً محتملاً ، فلعله كان الحمار مرة ، والبعير مرة ، أو مرات ، لكن
يقال : إنه شاذ ، فإنه مخالف لرواية الجمهور في البعير ، والراحلة ،
والشاذ مردود ، وهو المخالف للجماعة)).
قلت : وقد أخرج الدارقطني في (( غرائب مالك)): عن مالك ، عن
:
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٣٨٥/١١).
(٢) شرح صحيح مسلم (٢١١/٥ - ٢١٢).
-٩٥-

الزهري، عن أنس، قال: (( رأيت النبي - عليه السلام - وهو متوجه
إلى خيبر على حمار يصلي، يومئ إيماء )).
قوله : (( متوجه إلى خيبر )) وفي رواية مسلم : (( موجه )) بدون التاء ،
بمعنى متوجه أيضاً ، وهي بلد بني عنزة في جهة الشمال والشرق عن
المدينة، على نحو ست مراحل ، وخيبر بلغة اليهود : الحصن ، وقيل :
أول من سكن فيها رجل من بني إسرائيل ، اسمه : خيبر ، فسميت به ،
ولها نخيل كثير ، وكان في صدر الإسلام داراً لبني قريظة ، والنضير .
١١٩٨ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا وكيع ، عن سفيان ، عن
أبي الزبير ، عن جابر، قال: « بَعَثَنِي رسولُ الله في حَاجَةٍ ، قال: فَجِثْتُ وهو
يُصَلِّي على رَاحِلَتِهِ نَحوَ المشرِقِ، السُّجُودُ أَخْفَضُ مِن الرُّكُوعِ)) (١) .
ش - الألف واللام في السجود ، والركوع بدل من المضاف إليه ،
والتقدير : سجوده أخفض من ركوعه ، وأخرجه مسلم ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه بنحوه أتم منه . وفي حديث الترمذي: ((وجده
السجود أخفض من الركوع )) وقال : حسن صحيح . وأخرجه ابن حبان
في ( صحيحه)) في النوع الأول من القسم الرابع ، عن أبي الزبير ، عن
جابر قال: (( رأيت النبي - عليه السلام - يصلي النوافل على راحلته في
[١١٦/٢-٢] كل وجه، يومئ إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين)). / وأخرج
البخاري ، عن جابر، قال: ((كان النبي - عليه السلام - يصلي على
راحلته حيث توجهت به ، فإذا أراد الفريضة نزل ، فاستقبل القِبلة )) .
(١) مسلم : كتاب المساجد ، باب : تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من
إباحة (٣٦/ ٥٤٠)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الصلاة
على الدابة حيثما توجهت به (٣٥١) ، النسائى : كتاب السهو ، باب : رد
السلام بالإشارة في الصلاة (٦/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب :
المصلي يسلّمُ عليه كيف يرد ؟ (١٠١٨) .
-٩٦-

٢٦٥ - باب : الفريضة على الراحلة من غير عذر
أي : هذا باب في بيان صلاة الفريضة على الراحلة من غير عذر .
١١٩٩ - ص - نا محمود بن خالد، نا محمد بن شعيب ، عن النعمان
ابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح، أنه سأل عائشةَ: ((هَلْ رُخصَّ للنساء أَن
يُصلِّينَ عَلَى الدَّوَابِّ؟ قالتْ: لَم يُرَخَّصْ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ فِي شِدَّةٍ ، وَلا
رَخَاء))(١).
ش - محمود بن خالد أبو يزيد الدمشقي ، ومحمد بن شعيب بن
شابور الدمشقي .
والنعمان بن المنذر : أبو الوزير الغساني ، وقال أبو بكر الخطيب :
اللخمي . روى عن : عطاء بن أبي رباح ، وطاوس ، ومجاهد ، وسالم
ابن عبد الله بن عمر ، والزهري ، ومكحول . روى عنه : الهيثم بن
حميد ، ويحيى بن حرملة ، ويحيى بن حمزة ، ومحمد بن شعيب . قال
أبو زرعة : دمشقي ثقة . روى له : أبو داود (٢).
قوله: ((في ذلك)) أي: في فعل الصلاة على الدواب. وقال
الدار قطني : تفرد به النعمان بن المنذر ، عن سليمان بن موسى ، عن
عطاء .
ص - قال محمدٌ: هذا في المكتوبةِ .
ش - أي : قال محمد بن شعيب المذكور : قول عائشة هذا في
الفرائض ، وأما النوافل فتجوز لهن أيضاً أن يصلين على الدابة ، في شدة
ورخاء .
٢٦٦ - باب : متى يتم المسافر ؟
أي : هذا باب في بيان وقت إتمام المسافر صلاته .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٤٤٩/٢٩).
(١) تفرد به أبو داود .
٧ * شرح سنن أبي داوود ٥
-٩٧-

١٢٠٠ - ص - نا موسى بن إسماعيل ، نا حماد ح ، ونا إبراهيم بن
موسى، أنا ابن علية - وهذا لفظه - أنا عليّ بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن
عمران بن حصين قال: ((غَزْوتُ معَ رسول الله ، وشَهدتُ معه الفَتْحَ ، فأقامَ
بمكةَ ثمان عَشْرَةَ لَيْلَةً ، لا يُصَلِّي إلا رَكْعتينِ، يقولُ: يَا أَهْلَ البَلَد ، صَلُّوا
أربعاً، فإنَّا سَفْرٌ(١))) (٢).
ش - حماد بن سلمة ، وإبراهيم بن موسى أبو إسحاق الفراء ،
وإسماعيل ابن علية، وعلي بن زيد البصري أبو الحسن الأعمى، وأبو نضرة
المنذر بن مالك العبدي .
وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المسافر لا يزال على حكم السفر حتى
ينوي الإقامة في بلد ، أو قرية خمسة عشر يوماً ، أو أكثر ، وإن نوى أقل
من ذلك قصر .
فإن قيل: استدلالكم بهذا لا يتم. قلنا: استدلالنا بهذا (((٣) أن
المسافر إذا دخل بلداً ، أو قرية لا يزال على حكم السفر ما لم ينو الإقامة،
وأما تعيين المدة بخمسة عشر يوماً ، فلما روى الطحاوي ، عن ابن
عباس، وابن عمر، قالا: (( إذا قدمت بلدة وأنت مسافر ، وفي نفسك أن
تقيم خمسة عشر ليلة ، فأكمل الصلاة بها ، وإن كنت لا تدري متى تظعن
فاقصرها )).
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) : ثنا وكيع ، ثنا عمر بن ذر ، عن
مجاهد (( أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم
الصلاة)). وأخرجه محمد بن الحسن في كتابه ((الآثار )) (٤) : أخبرنا
أبو حنيفة ، ثنا موسى بن مسلم ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر ،
(١) في سنن أبي داود: ((فإنا قوم سفر)).
(٢) الترمذي بنحوه : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في التقصير في السفر (٥٤٥).
(٣) انظر: نصب الراية (١٨٣/٢ - ١٨٤).
(٤) باب: الصلاة في السفر (ص/ ٣٤).
-٩٨-

قال: (( إذا كنت مسافراً فوطنت نفسك على إقامة خمس عشرة يوماً فأتم
الصلاة ، وإن كنت لا تدري فاقصر)) ، وقدرها الشافعي بأربعة أيام ، فإن
نواها صار مقيماً ، ويرده حديث أنس، قال: (( خرجنا مع النبي - عليه
السلام- من المدينة إلى مكة ، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى
المدينة ، قيل : كم أقمتم بمكة ؟ قال: أقمنا بها عشراً)) أخرجه الأئمة
الستة (١) ، ولا يقال: يحتمل بأنهم عزموا على السفر في اليوم الثاني ،
أو الثالث ، واستمر بهم ذلك إلى عشر ؛ لأن الحديث إنما هو في حجة
الوداع ، فتعين أنهم نووا الإقامة أكثر من أربعة أيام ، لأجل قضاء النسك،
نعم ، كان يستقيم هذا أن لو كان الحديث في قصة الفتح ، والحاصل أنهما
حديثان ، أحدهما : حديث ابن عباس: (( أن رسول الله أقام بمكة تسع
عشرة يقصر الصلاة)) رواه البخاري (٢)، وكان في ((الفتح)) صرح بذلك
في بعض طرقه: ((أقام بمكة عام الفتح)) (٣)، والآخر حديث أنس
المذكور ، وكان في حجة الوداع. قال المنذري في (( حواشيه )): حديث
أنس مخبر عن مدة مقامه - عليه السلام - بمكة - شرفها الله - في حجة
الوداع ، فإنه دخل مكة صبح رابعة من ذي الحجة / وهو يوم الأحد ، [١١٦/٢ -ب]
وبات بالمحصب ليلة الأربعاء ، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة من التنعيم،
ثم طاف النبي - عليه السلام - طواف الوداع سحراً قبل صلاة الصبح من
يوم الأربعاء ، وخرج صبيحته وهو الرابع عشر . فأما حديث ابن عباس
وغيره ، فهو إخبار عن مدة مقامه - عليه السلام - بمكة زمن الفتح .
انتهى (٤) .
وقال الخطابي في تفسير حديث عمران (٥): ((هذا العدد جعله
(١) يأتي بعد ثلاثة أحاديث .
(٢) كتاب تقصير الصلاة، باب: ما جاء في التقصير (١٠٨٠).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٠/٣).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٥) معالم السنن (٢٣١/١ - ٢٣٢).
- ٩٩-

الشافعي حداً في القصر ، لمن كان في حرب يخاف على نفسه العدو ،
وكذلك كان حال رسول الله أيام مقامه بمكة ، فأما في حال الأمن فإن الحد
عنده في ذلك أربعة أيام ، فإذا أزمع مقام أربع أتم الصلاة ، وذهب في
ذلك إلى مقام رسول الله بمكة في حجه ، وذلك أنه دخلها يوم الأحد ،
وخرج يوم الخميس ، كل ذلك يقصر الصلاة ، وكان مقامه أربعة أيام ،
وقد روي عن عثمان بن عفان ، أنه قال: (( من أزمع مقام أربع فليتم )»
وهو قول مالك بن أنس ، وأبي ثور . وقال الأوزاعي : إذا أقام اثنتي
عشرة ليلة أتم الصلاة ، وروي ذلك عن ابن عمر . وقال الحسن بن
صالح بن حي : إذا عزم مقام عشر أتم الصلاة ، وأما أحمد بن حنبل فإنه
لا يجد ذلك بالأيام والليالي ، ولكن بعدد الصلوات ، قال : إذا أجمع
المسافر لإحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر ، فإذا عزم على أن يقيم أكثر
من ذلك أتم ، وهذا قريب من قول مالك ، والشافعي ، إلا أنه رأى
تحديده بالصلوات أحوط وأحصر ، فخرج من ذلك زيادة صلاة واحدة على
مدة أربعة أيام ولياليها . وقال ربيعة قولاً شاذاً : إن من أقام يوماً وليلة أتم
الصلاة)) .
قلت: قوله: ((وكذلك كان حال الرسول أيام مقامه بمكة » غير
صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ
آمنينَ﴾ (١) ، وكيف يكون خائفاً ؟ وأما تحديده بأربعة أيام فيرده حديث
أنس كما ذكرناه مستوفى .
والحديث أخرجه : الترمذي ، وقال : حديث حسن . ورواه الطبراني
في ((معجمه))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وإسحاق بن راهويه ،
وأبو داود الطيالسي (٢)، والبزار في ((مسانيدهم)) (٣)، ولفظ الطيالسي
قال: (( ما سافرت مع رسول الله سفراً قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع ،
(١) سورة الفتح: (٢٧).
(٢) (ص/ ١١٥).
(٣) وأخرجه كذلك أحمد (٤٣٠/٤، ٤٣١، ٤٣٢، ٤٤٠)، والبيهقي في سننه
(١٣٥/٣، ١٥٣).
- ١٠٠-