Indexed OCR Text
Pages 61-80
٢٥٨ - بَابُ: مَتَى يَقْصُرُ المُسَافِرُ أي : هذا باب في بيان قصر المسافر متى يكون ؟ ١١٧٢ - ص - نا ابن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، نا شعبة ، عن یحیی بن يزيد الهُنائي قال : سألت أنس بن مالك عن قَصْرِ الصلاة ؟ فقال أنسٌّ: كان رسولُ الله إذا خَرِجَ مَسِيرَ ثلاثةِ أَمْيال أَو ثَلاثةِ فَرَاسخ - شك (١) شعبةٌ شكّ (١) - يُصَلِّي رَكَعتينَ (٢). ش - محمد بن بشّار . ويحيى بن يزيد أبو نصر الهُنائي ، ويقال : أبو زيد البصري . روى عن: أنس بن مالك . روى عنه : شعبة ، وإسماعيل ابن علية ، وعتبة بن حُميد . قال أبو حاتم : شيخ . روى له : مسلم ، وأبو داود (٣). والهُنائي - بضم الهاء - : نسْبة إلى هُناءة بن مالك بطن من الأَزْد ، وهم الجهاضم ، وهم بالبصرة . قوله : ((ثلاثة أميال)) الأميال جمعُ ميلٍ ، وهو ثلث الفرسخ ، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة ، وهي ذراع ونصف بذراع العامة ، وهو أربع وعشرون إصبعاً. وقال الشيخ محيي الدين: (( والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعاً معترضة معتدلة ، والإصبع ست شعيرات معرضات معتدلات )) . وقال الخطابي (٤): ((إن ثبت هذا الحديث / كانت الثلاثة الفراسخ [١٠٩/٢ -ب] حداً فيما يقصر إليه الصلاة إلا أني لا أعرف أحداً من الفقهاء يقولُ به ، وأما مذاهب الفقهاء فإن الأوزاعي قال : عامة الفقهاء يقولون : مسيرة يوم (١) كذا بالتكرار، وفي سنن أبي داود: ((شعبةُ شك))، وعند مسلم: ((شعبة الشاك » . (٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : صلاة المسافرين (١٢/ ٦٩١). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٤٧/٣٢). (٤) معالم السنن (٢٢٦/١). - ٦١- تام ، وبهذا نأخذ . وقال مالك : يقصر من مكة إلى عُسْفان وإلى الطائف وإلى جُدّة ، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق ، وإلى نحو ذلك أشار الشافعي حين قال : ليلتين قاصدتين ، ويُروى عن الحسن والزهري قريبٌ من ذلك قالا : يقصر في مسيرة يومين ، واعتمد الشافعي في ذلك قول ابن عباس حين سئل ، فقيل له : يقصر إلى عرفة ؟ قال : لا ، ولكن إلى عسفان وإلى جدة ، وإلى الطائف ، ورُوي عن ابن عمر مثل ذلك ، وهو أربعة بُرُد ، وهذا عن ابن عمر أصح الروايتين . وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : لا يقصر إلا في مسافة ثلاثة أيام )). قلت : قال داود وأهل الظاهر : يجوز في السفر الطويل والقصير حتى لو كان ثلاثة أميال قصَر . وقال الشيخ محيي الدين في تفسير هذا الحديث(١): ((هذا ليس [ على ] سبيل الاشتراط ، وإنما وقع بحسب الحاجة ؛ لأن الظاهر في أسفاره - عليه السلام - أنه ما كان يسافر سفراً طويلاً ، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمها ، وإنما كان يُسافر بعيداً من وقت المقصورة فتدركه على ثلاثة أميال أو أكثر ونحو ذلك ، فيصليها حينئذ ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز القصر من حين يخرج من البلد ، فإنه حينئذ يسمّی مُسافراً)). انتهى. وقال النمري : يحيى بن يزيد شيخ من أهل البصرة ، وليس مثله ممن يحتمل أن يحمل مثل هذا المعنى الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يُوثقُ به في ضبط مثل هذا الأصل ، وقد يحتمل أن يكون أراد ما تقدم ذكره من ابتداء قصر الصلاة إذا خرج ومشى ثلاثة أميال . قلت : يَحيى بن يزيد قد نصّ البخاريّ وغيره أنه سمع من أنس بن مالك ، ولم يذكروا فيه طعناً . والحديث قد أخرجه مسلم في (( صحيحه )) من روايته ، وهو والحديث الذي بعده محمولان على أنه أرادَ ابتداء القصر (١) شرح صحيح مسلم (٢٠٠/٥ - ٢٠١). -٦٢- في السفر الطويل ، وحديث أنس الثاني جاء مفسراً أنه كان في حجته صلی الله عليه وسلم . ١١٧٣ - ص - نا زهير بن حرب ، نا ابن عيينة ، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن مَيْسرةٍ ، سمع أنس بن مالك يقولُ : صليتُ مع رسولِ اللهِ -عليه السلام - الظّهرَ بالمدينةِ أَربعاً والعَصرَ بذي الحُلَيْفَة ركعتين (١). ش - سفيان بن عيينة . وإبراهيم بن ميسرة الطائفي سكن مكة وحديثه في أهلها . سمع : أنس ابن مالك ، وطاوس بن كيسان ، ووهب بن عبد الله ، وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ، وابن جريج ، والثوري، وابن عيينة ، وغيرهم. وقال ابن معين : ثقة . مات قريباً من سنة ست وثلاثين ومائة (٢). قوله: (( بذي الحليفة)) ذو الحليفة ميقات أهل المدينة بينهما ستة أميال ، ويقال : سبعة ، وهذا مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره ، ولا حجة لهم في ذلك ؛ لأن المراد به حين سافر - عليه السلام - إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعاً ، ثم سافر فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة ، فصلاها ركعتين ، وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره ، فلا دلالة فيه قطعاً ، وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يُفارق بنيان بلده أو خيام قومه ، إن كان من أهل الخيام ، هذا مذهب العلماء كافةً إلا رواية ضعيفة عن مالك ، أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال ، وحُكي عن عطاء وجماعة من أصحاب ابن مسعود أنه إذا أراد السَّفْر قصر قبل خروجه ، وعن مجاهد أنه لا يقصر في يوم خروجه حتى (١) البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب : يقصر إذا خرج من موضعه (١٠٨٩)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : صلاة المسافرين وقصرها (١١/ ٦٩٠)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التقصير في السفر (٥٤٦) ، النسائي : كتاب الصلاة ، باب : عدد صلاة الظهر في السفر (٢٣٥/١) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٥٥/٢). -٦٣- يدخل الليل . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي . ٢٥٩ - بَابُ: الأذان في السّفر أي: هذا باب في بيان الأذان في السفر، وفي بعض النسخ: ((المسافر يؤذن)) . [٢ / ١١٠ - أ]. / ١١٧٤ - ص - نا هارون بن معروف ، نا ابن وهب ، عن عمرو بنِ الحارث ، أن أبا عُشَّانَة المعَافري حدثه ، عن عقبة بن عامر قال : سمعتُ رسولَ الله - عليه السلام - يَّقُولُ : (( يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنِ رَاعِي غَنَمِ فِي رَأْسِ شَظِيَّة للجَبَل (١) ، يُؤَذِّنُ بالصلاة ويُصَلِّي، فَيَقولُ اللهُ: انَظُرُوا إلى عبدي هذاَ! يُؤَذِّنُ وَيُقيمُ للصلاةِ (٢) ، يَخافُ مني، قد غَفَرْتُ لعبدي ، وأدخلَتُه الجنةَ)) (٣). ش - عبد الله بن وهب . وأبو عُشَّانَة - بضم العين المهملة ، وفتح الشين المعجمة ، وبعد الألف نون - اسمه : حَيَّ - بالحاء المهملة - ابن يُؤمن - بضم الياء آخر الحروف- ابن حُجَيل بن حديج - بضم الحاء المهملة - ابن أسعد المصري المعافري. سمع : عبد الله بن عمرو بن عمرو بن العاص ، وعُقْبة بن عامر الجهني ، ورويفع بن ثابت الأنصاري ، وأبا اليقظان . روى عنه : الحارث بن يزيد الحضرمي ، وأبو قبيل ، وعَمْرو بن الحارث ، وابن لهيعة، وغيرهم . قال ابن حنبل : ثقة ، وكذا قال ابن معين ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث . توفي سنة ثمان وعشرين ومائة . روى : له أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) (١) في سنن أبي داود: ((بجبل)). (٢) في سنن أبي داود: ((ويقيم الصلاة)). (٣) النسائي: كتاب الأذان، باب: الأذان لمن يصلي وحده (٢/ ٢٠). (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٥٨٣/٧). - ٦٤- قوله: ((يَعْجِبُ رَبَك)) التعجّبُ إعظامُ أمرٍ لخفاء سببه ، وهو محال على الله تعالى ؛ لأنه لا يخفى عليه أَسْبابُ الأشياء ، ويكون إسناد هذا الفعل إلى الله مجازاً ، والمعنى : يَعظمُ ويكبرُ عند الله فِعلُ هذا الراعي ، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم ؛ لأن التعظيم والتكبير من لوازم التعجّب ؛ لأن من عجب من أمرٍ يُعظّم ذلك الأمر ويُكبِره (١). قوله: ((في رأس شظية)) الشَظِية - بفتح الشين المعجمة ، وكسر الظاء المعجمة ، وفتح الياء آخر الحروف المشدّدة - هي القطعةُ المرتفعة من رأس الجبل ، والشظية الفلْقة من العصا ونحوها وجمعها شَظاياً . وهذا الحديث رجال إسناده ثقات ، وإنما أخرجه في هذا الباب ؛ لأن الرعيان غالباً يَبْعِدُون من الُدُن مسافةَ السفر ، فإذا أذنوا وصلوا يحصل لهم هذا الثواب العظيم ، ويفهم أيضاً أن الأذان سُنَّة في حق المسافرين . ٢٦٠ - بَابُ: المُسَافِرِ يُصَلِي وهو يَشُكَّ فِ الوَقْتِ أي : هذا باب في بيان المسافر الذي يُصلِي الصلاة والحال أنَّه يشكُ في الوقت . ١١٧٥ - ص - نا مسدد ، ثنا أبو معاوية ، عن المسْحاج بن موسى قال : قلتُ لأنس بن مالك: حدِّثْنَا ما سَمعتَ من رسول اللهَِّ! قال: كُنَّا إذا كُنَّا معِ النبيُّ - عليه السلام - في السَّفَر فقلنا: زَالَتَ الشمسُ، أو لم تَزُلْ، صَلَّي الظُّهرَ فَارْتَحَلَ (٢)، (٣). ش - أبو معاوية محمد بن خازم الضرير . (١) بل أجمع السلف على ثبوت العجب لله ، عجباً يليق به سبحانه ، من غير تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ، ولا تشبيه ، ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وانظر مجموع الفتاوى (١٣٨/٣ وما بعدها) . (٢) في سنن أبي داود: (( ثم ارتحل)). (٣) تفرد به أبو داود . ٥ ٥ شرح سنن أبي داوود ٥ -٦٥- والمسْحاج - بكسر الميم وسكون السين المهملة ، وفتح الحاء المهملة ، وفي آخره جيم - ابن موسى الضّ الكوفي ، أخو سماك بن موسى . سمع : أنس بن مالك . روى عنه : أبو معاوية ، ومغيرة ، ومروان بن معاوية ، وجرير بن عبد الحميد . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو زرعة : لا بأس به (١) . ومعنى الحديث : أنه - عليه السلام - كان يُصلي الظهر في السفر في أول الوقت جداً من غير تأخير ، حتى كانوا يَشكون في زوال الشمس ، وإنّما كان يُبادر عليه السلام لأجل المَسِير .. ١١٧٦ - ص - نا مسدّد ، نا يحيى ، عن شعبة ، حدثني حمزة العائذي -رجل من بني ضبّة - قال : سمعتُ أنس بن مالك يَقولُ : كان رسولُ الله وَ﴿ إذا نَزَلَ مَنْزِلاً لم يَرْتَحِلْ حتى يُصَلِّي الظهرَ، فقالَ له رجلٌ: فإن (٢) كانَ بنصْف النهارِ؟ قال: وإِنَّ كان بنصف النهار (٣). ش - يحيى القطان وحمزة بن عمرو العائذي - بالذال المعجمة - أبو عمر الضبِّ ، وعائذ الله من ضبَّة. روى عن: أنس بن مالك، وعمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام ، وعلقمة بن وائل . روى عنه : ابنه عمرو ، وعوف الأعرابي ، وشعبة بن الحجاج . قال أبو حاتم : هو شيخ . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٤). قوله: ((وإن كان بنصف النهار )) المراد به : أول الوقت ، وأول الوقت يطلق عليه نصف النهار ، وليس المعنى : أنه كان يصلي قبل الزوال . والحديث أخرجه النسائي . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٨٩٨/٢٧). (٢) في سنن أبي داود: ((وإن)). (٣) النسائي: كتاب المواقيت، باب: تعجيل الظهر في السفر (٢٤٨/١). (٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٥١١/٧). -٦٦- ٢٦١ - باب : الجمعُ بَيْن الصَّلَاتَين أي : هذا باب في بيان حكم الجمع بَيْن الصلاتين . / ١١٧٧ - ص - نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن [٢/ ١١٠ -ب] أبي الطُّفيل عامر بن واثلة ، أن معاذ بن جبل أخبرهم ، أنهم خَرَجُوا مع رسولِ الله وَهُ فِي غَزْوَة تَبُوكُ، فكانَ رسولُ الله - عليه السلام - يَجْمَعُ بين الظهرِ والعَصْرِ والمغرب والعشاء ، فَأَخَّرَ الصَلاةَ يَوماً ، ثم خَرَجَ فَصَلَّى الظهر والعصرَ جَميعاً، ثم دَخَلَ ثم خَرَجَ فَصَلَّى المغربَ والعشاءَ جَميعاً(٢). ش - أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس . وأبو الطفيل عامر بن واثلة . ويقال : عمرو بن واثلة ، والصحيح عامر ابن واثلة بن عبد الله بن عمرو (٢) بن جحش ، ويقال : خميس (٣) بن جري (٤) بن سَعْد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الليثي ، ولد عام أُحُد ، وأدرك ثمان سنين من حياة النبي - عليه السلام - ، روي له عن رسول الله تسْعة أحاديث . وروى عن : عليّ بن أبي طالب ، وكان من شيعته ، وروى عن : معاذ بن جبل . روى عنه : سعيد الجريري ، والزهري ، وأبو الزبير المكي ، وغيرهم ، سكن الكوفة ، ثم أقام بمكة حتى مات بها سنة مائة ، وهو آخر من مات من جميع أصحاب النبي (١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : جواز الجمع بين الصلاتين (٧٠٦/٥٢)، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر (٢٨٥/١)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: الجمع بين صلاتين في السفر (١٠٧٠) . (٢) في الاستيعاب وأسد الغابة: ((عمير بن جابر))، وفي تهذيب الكمال والإصابة كما عندنا . (٣) في الاستيعاب: (( عُميس))، وفي أسد الغابة: ((حميس))، وفي الإصابة: ( جهيش )) ، وفي تهذيب الكمال كما عندنا . (٤) في الاستيعاب: ((حدي))، وفي أسد الغابة: ((جدي))، وفي تهذيب الكمال والإصابة كما عندنا . -٦٧- - عليه السلام - . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١) . قوله: ((في غَزْوة تبوك)) وكانت في سنة تسع ، وتبوك - بفتح التاء المثناة من فوق ، وضم الباء الموحدة - : بليدة بين الحجّر والشام ، وبها عين ونخيلٌ ، وقيل : كان أصحابُ الأيكة بها ، وتمسك الشافعي - رضي الله عنه - بهذا الحديث وبما يشابهه في جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر . وقال الخطابي (٢): ((في هذا بيان واضح أن الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وبغير المزدلفة جائز ، وفيه أن الجمع بين الصلاتين لمن كان نازلاً في السفر غير سائر جائز ، وقد اختلف الناس في الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة بعرفة والمزدلفة ، فقال قوم : لا يجمع بين صلاتين ، وتصلى كل واحدة منهما في وقتها ، يُروى ذلك عن إبراهيم النخعي ، وحكاه عن أصحاب عبد الله ، وكان الحسن ومکحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين . وقال أصحاب الرأي : إذا جمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر إلى آخر وقتها ، وعجل العَصْر في أول وقتها ، ولا يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما ، ورووا عن سَعْد بن أبي وقاص ، أنه كان يجمع بينهما كذلك . وقال كثير من أهل العلم : يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما ، إن شاء قدّم العصر ، وإن شاء أخر الظهرَ على ظاهر الأخبار المروية في هذا الباب، هذا قول ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح ، وسالم بن عبد الله ، وطاوس ، ومجاهد ، وبه قال الشافعي وإسحاق بن راهويه . وقال أحمد بن حنبل : إن فعل ذلك لم یکن به باس » . قلت : واستدل أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (١٤/٣)، وأسد الغابة (١٤٥/٣)، والإصابة (١١٣/٤). (٢) معالم السنن (٢٢٧/١ - ٢٢٨). -٦٨- ابن مسعود قال : مَا رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاةً لغير وقتها إلا بجمع ، فإنه جَمعَ بين المغرب والعشاء بجمَعْ ، وصَلَى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها )). وبما رواه مسلم عن أبي قتادة ، أن النبي - عليه السلام - قال: (( ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط في اليقظة ، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى)) . والجواب عن الأحاديث الواردة في الجمع بين الصلاتين في غير عرفة وجَمْع ما قاله الطحاوي في ((شرح الآثار)): أنه صَلَى الأولى في آخر وقتها ، والثانية في أول وقتها ، لا أنه صلاهما في وقت واحدٍ ، وقَوِيَ ذلك بما رواه ابن مسعود وأبو قتادة المذكور الآن ، ثم قال: ويُؤَيّدُ ما قلنا ما أخرجه مسلم (١) عن ابن عباس قال: ((صَلَى رسولُ الله - عليه السلام - الظهر والعَصْر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر))، وفي لفظ قال: (( جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مَطر )) قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته )). قال: ولم يقُلْ أحد منا ولا منهم بجواز الجمع في الحضر ، قال : فدلّ على أن معنى الجمع ما ذكرناه من تأخير الأولى وتعجيل الآخرة . قال : وأما عرفة وجمع فهما مَخصوصتان بهذا الحكم . فإن قيل في حديث ابن عمر: ((إذا جدَّ به السيرُ جمعَ بَيْن / المغرب [١١١/٢-١] والعشاء بعد أن يغيبَ الشَفَقُ))، وهذا صريح في الجَمْع في وقت إحدى الصلاتين . وقال الشيخ محيي الدين : وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم أن المراد بالجمع : تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الثانية إلى أول وقتها ، ومثله في حديث أنس: ((إذا ارتحل قبل أن تزيغَ الشمسُ أخّر الظهرَ إلى وقت العصر ، ثم نزل فجمعَ بينهما)) ، وهو صريح في الجمع في وقت (١) يأتي بعد ثلاثة أحاديث . - ٦٩- الثانية ، والرواية الأخرى أوضح دلالة ، وهي قوله : ((إذا أراد أن يَجمَع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ، ثم يجمع بينهما))، وفي الرواية الأخرى: ((ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يَغيبَ الشفقُ )). قلنا : أمّا الجوابُ عن الأول أن الشفق نوعان : أحمر وأبيض ، كما اختلف العلماء من الصحابة وغيرهم فيه ، ويحتمل أنه جمعَ بينهما بعد غياب الأحمر، فيكون المغربُ في وقتها على قول مَنْ يقول الشفقُ هو الأبيض وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول الشفق هو الأحمرَ ، ويُطلقُ عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق ، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في تفسير الشفق ، وهذا الجواب مما فُتِحَ عليَّ من الفيض الإلهي ، وفيه إبطالٌ لإبطال تأويل الحنفيّة. والجواب عن الثاني: أن معنى قوله: (( أخر الظهر إلى وقت العصر)) أخّره إلى آخر وقته الذي يتصل به وقت العصر ، فيصلي الظهر في آخر وقته ، ثم يصلي العصر متصلاً به في أول وقت العصر ، فيطلق عليه أنه جمع بينهما لكنه فعْلاً لا وقتاً . والجواب عن الثالث : أن أول وقت العصر مختلف فيه - كما عرف - وهو إما بِصَيْرُورَةٍ ظل كل شيء مثله أو مثليه ، فيحتملُ أنه أخر الظهرَ إلى أن صار ظل كل شيء مثله ، ثم صلاها ، وصلى عقيبها العصر ، فيكون قد صلى الظهر في وقتها على قول مَنْ يَرَى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل كل شيء مثليه ، ويكون قد صلى العصر في وقتها على قول من يرى أن أول وقتها بصيرورة ظلّ كل شيء مثله ، ويَصدُقُ على مَنْ فعل هذا أنه جمع بينهما في أول وقت العصر ، والحال أنه قد صلى كل واحدة منهما في وقتها على اختلاف القولين في أول وقت العَصْر ، وبمثل هذا لو فعل المقيم يجوز ، فضلاً عنّ المسافر ، الذي يحتاج إلى التخفيف . والجوابُ عن الرابع مثل الجواب عن الأول ، فافهم . - ٧٠- فإن قيل: قد ذكر البيهقي في (( باب الجمع بين الصلاتين في السفر)) (١) عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه سار حتى غاب الشفق إلى آخره ، ثم قال : ورواه معمر عن أيوب ، وموسى ابن عقبة ، عن نافع، وقال : في الحديث: (( أخّر المغربَ بعد ذَهاب الشفق ، حتى ذهب هوى من الليل ، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء ) الحديث . قلنا : لم يذكر سنده ليُنظر فيه ، وقد أخرجه النسائي بخلاف هذا فقال : أنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر: (( كان - عليه السلام - إذا جَدّ به أمرٌ أو جدّ به السَّيْرُ جمع بين المغرب ولعشاء )». وأخرج الدارقطني في (( سننه)) من حديث الثوري ، عن عبيد الله بن عُمر وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد ، عن نافع ، عن ابن عمر : ((كان - عليه السلام - إذا جدّ به السيرُ جمعَ بين المغرب والعشاء )). . : فإن قيل : قد قال البيهقي : ورواه يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعید الأنصاري ، عن نافع ، فذكر أنه سار قریباً من ربع الليل ، ثم نزل فصلی . قلنا : أسنده في ( الخلافیات » من حدیث یزید بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: ((فَسرْنا أميالاً، ثم نزل فصلى)) قال يحيى: فحدًّثني نافع هذا الحديث مرةً أخرى فقال: ((سرنا حتى إذا كان قريباً من ربع الليل نزل فصلَّى»، فلفظهُ مضطرب كما ترى ، قد رُوي على وجهين ، فاقتصر البيهقي في (( السنن )) على ما يُوافقُ مقصودَه. وحديث معاذ أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ١١٧٨ - ص - نا سليمان بن داود العتكي ، نا حماد ، نا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر اسْتُصْرِخَ على صَفيَّةَ - وهو بِمَكَّةَ - فسَارَ حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وَبَدْتِ النَّجُومُ، / فقال: إن النبيَّ - عليه السلام - كان إذا عَجِلَ به أَمْرٌ في [١١١/٢ -ب] (١) كتاب الصلاة (١٥٩/٣). - ٧١- سَفَرِ جَمَعَ بين هاتين الصلاتين ، فسَارَ حتى غَابَ الشَّفَقُ ، فَنَزَلَ فَجَمَعَ بينهما(١). ش - حماد بن زيد ، وأيوب السختياني . وفي بعض النسخ: (( نا حماد - يعني : ابن زيد - نا أيوب )) ، وفي بعضها: ((عن أيوب))، ولا فرق بين ((حدَّثْنا)) و((عن)) عند الجمهور إلا إذا كان الراوي مُدلساً ، فحينئذ ((عَنْ)) لا يدل على الاتصال، فافهم. قوله: ((استُصْرِخ)) على بناء المجهول، يُقال : استصرخ الإنسان ، وبه إذا أتاه الصارخُ ، وهو المُصوِّت يُعلمِه بأمرٍ حادثٍ يستعين به عليه ، أو ينعي له مِيّاً ، والاستصراخ : الاستغاثة . قوله : ((وبدت)) أي : ظهرت النجومُ ، وقد ذكرنا الجواب عن هذا الحديث . وأخرجه الترمذي من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي من حديث سالم بن عبيد الله بن عمر ، عن أبيه بمعناه أتم منه . وقد أخرج المُسْنَدَ منه بمعناه مسلمٌ والنسائيّ من حديث مالك ، عن نافع . وصفيّة بنت أبي عبيد بن مَسْعود الثقفية ، أخت المختار بن أبي عبيد الكذاب ، امرأة عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رأت عمر بن الخطاب ، وابنه : عبد الله ، وروت عن عائشة . روى عنها : نافع مولى ابن عمر ، وعبد الله بن دينار ، وقال نافع مرةً : عن حفصة أو عن عائشة . قال أحمد بن عبد الله : هي مدنيّة ثقفيّة ثقة . روى لها : مسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وعمّرت أزيد من ستين عاماً (٢). ١١٧٩ - ص - نا يزيد بنُ خالد بن يزيد بن عبد الله الرملي الهمداني ، (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٨٧٥/٣٥). - ٧٢- نا المفضّلُ بن فضالة ، والليثُ بن سَعْد، عن هشام بن سَعْد ، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل ، أن رسولَ الله - عليه السلام - كان في غَزوة تَبُوك إذا زَغَتِ الشمسُ قبلَ أَن يَرْتَحِلَ جَمَعَ بين الظهرِ والعَصْرِ ، وإن تَرَخَّلَ (١) قَبلَ أَنْ تَزِيَغَ الشمسُ أَخَّرَ الظهرَّ حتي يَنْزِلَ للعَصْرِ ، وفي المغربِ مثلُ ذلك : إنْ غَابَ الشَّفَقُ (٢) قبلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بين المغرب والعشاء، وإن ارْتَحَلَ (٣) قَبَلَ أَن تَغِيبَ الشمسُ أَخَّرَ المغربَ حتى يَنْزِلَ لَلَعِشَاءِ، ثَم جَمَعَ بينهما (٤) . ش - معنى ((زاغت)): مَالَت . قوله: ((وإن ترَحَّل)) وفي بعض النسخ: ((وإن ارتحل))، وكلاهما بمعنى ، وقد حُكي عن أبي داود أنه أنكر هذا الحديث ، وحُكي عنه أيضاً أنه قال : ليس في تقديم الوقت حديث قائمٌ . ص - قال أبو داود : رواه هشامُ بنُ عُروةً ، عن حسین بن عبد الله عن كُرَيِبٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، عن النبيَّ - عليه السلام - نحوُّ حديثَ المفَضَّل واللَّيْثُ . ش - أي : روى هذا الحديث هشام بن عروة بن الزبير ، عن حسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبي عبد الله ، عن كريب مولى ابن عباس . وحسين هذا لا يحتج بحديثه . قال ابن المديني : تركتُ حديثه . وقال أبو جعفر العقيلي : وله غير حديث لا يُتابع عليه . وقال أحمد بن حنبل : له أشياء منكرة . وقال ابن معين : ضعيف . وقال أبو حاتم : هو ضعيف يكتب حديثه ، ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : ليس بقوي . وقال النسائي : متروك الحديث . (١) في سنن أبي داود: ((يرتحل)). (٢) في سنن أبي داود: ((إن غابت الشمس)). (٣) في سنن أبي داود: (( يرتحل)). (٤) انظر الحديث (١١٧٧). -٧٣- وقال السعدي : لا يُشتغلُ بحديثه . وقال ابنُ حبان : يَقْلبُ الأسانيدَ ، ويَرْفِعُ المراسيلَ . توفي سنة إحدى وأربعين ومائة . روى له : ابن ماجه . وقال ابن سَعْد : وكان كثير الحديث ، ولم أرهم يحتجون بحديثه . ١١٨٠ - ص - نا قتيبة، نا عبد الله بن نافع ، عن أبي مَوْدود، عن سليمان ابن أبي يحيى ، عن ابن عمر قال: مَا جَمَعَ رسولُ اللهِ بينَ المغربِ والعِشاءِ قَط في سَفَرَ (١) إلا مَرَّةً (٢). ش - عبد الله بن نافع أبو محمد المدني الصائغ ، وأبو مَوْدود هذا اسمه: عبد العزيز بن أبي سليمان المدني ، وسليمان بن أبي يحيى ، يروي عن ابن عمر ، روى عنه ابن عجلان ، كذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)). ص - قال أبو داود: هذا يُروى عن أيوب، عن نافع موقوفٌ(٣) على ابن عُمَرَ ، أنه لم يُرَ ابنُ عُمر جَمعَ بينهما قَطُّ إلا تلكَ اللَّيلةِ ، يعني : ليلةً اسْتُصْرِخَ على صَفيَّةَ . ش - أي : هذا الحديث يُروى عن أيوب السختياني ، عن نافع مولى ابن عمر . قوله : « موقوف » مرفوع بإسناد یُرْوی إليه . قوله: (( ليلة استصرخ)) أراد به الليلة التي جاء إليه الناعي بصفيّة امرأة ابن عمر . ص - ورُوي من حديث مكحول ، عن نافع : أنه رأى / ابنَ عُمرَ فَعَلَ [١١٢/٢-أ] ذلك مَرَّةٌ أو مَرَّتینِ . ش - مكحول بن زير الدمشقي ، وهذا أيضاً مَوْقوفٌ . ص - وروى عاصم بن محمد ، عن أخيه ، عن سالم . ورواه ابن (١) في سنن أبي داود: ((السفر)). (٣) في سنن أبي داود: ((موقوفاً)). (٢) تفرد به أبو داود . -٧٤- أبي نجيحٍ ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب ، أن الجَمعَ بينهما كان من ابنِ عُمَرَ بعد غُيُوبِ الشَّفَقِ (١). ش - عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني أخو أبي بكر وعمر وزيد . روى عن : أبيه ، وإخوته : عُمر وَواقد، ومحمد بن المنكدر . روى عنه : وكيع ، وإسحاق الأزرق ، وأبو الوليد الطيالسي ، وغيرهم . قال ابن معين وأبو حاتم : هو ثقة . روى له الجماعة (٢) . وأخوه هنا هو : عُمر بن محمد بن زيد القرشي ، نزل عسقلان الشام. روى عن : أبيه ، وجده ، وعم أبيه سالم ، وزيد بن أسلم ، ونافع مولى ابن عمر ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : مالك بن أنس ، والثوري، وشعبة ، وابن وهب ، وابن عيينة ، وابن عليّة ، وأخوه عاصم . قال أحمد وابن معين وأبو حاتم : ثقة . توفي بعسقلان مُرابطاً . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٣) . وسالم هو : ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وقد ذكرناه ، وابن أبي نجيح اسمُهُ : عَبْد الله . وإسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب الأسدي ، أسد خزيمة المديني . سمع : عطاء بن يَسَار . روى عنه : ابن أبي نجيح ، وسعيد بن خالد (٤) القارطي . وقال أبو زرعة : مديني ثقة . روى له : أبو داود ، (٥) والنسائي (٥) . والحديث رواه البيهقي في « سننه » وقال : عاصم بن محمد رواه عن أخيه عمر بن محمد ، عن سالم ، عن ابن عمر كرواية الذين رووا عن (١) قول أبي داود هذا قد ذكر في سنن أبي داود عقب حديث رقم (١١٨٨). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٧/١٣). (٣) المصدر السابق (٤٣٠٣/٢١). (٤) في الأصل: ((سعيد بن حاتم)) خطأ. (٥) المصدر السابق (٤٦٠/٣). - ٧٥- نافع ، عن ابن عمر ، أن الجمع بينهما كان بعد غيوب الشفق ، ولذا ذكره في (( الخلافيات)). قلت: إسناده في (( سنن الدارقطني)) بخلاف هذا ، فإنه أخرجه من جهة عاصم بن محمد ، عن أخيه عمر ، عن نافع ، عن سالم ، عن ابن عمر. وجاء هذا الحديث عن سالم ، عن (١) ابن عمر من وجه آخر بخلاف هذا . قال النسائي (٢): أنا عَبْدة بن عبد الرحيم، أنا ابن شميل، ثنا كثير بن قَارَوَنَدَا قال : سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر ، فقلنا : أَكَانَ عبدُ الله يجمعُ بين شيء من الصلوات في السفر ؟ فقال : لا، إلا بجَمعِ ، ثم انتبه (٣) فقال: كانت تحته صفية فأرسلت إليه أني في آخر يوم من الدنيا ، وأول يوم من الآخرة ، فركب وأنا معه ، فأسرع السَّيْر حتى حَانت الظهر ، فقال له المؤذن : الصلاة يا أبا عبد الرحمن ، فسار حتى إذا كان بين الصلاتين نزل ، فقال للمؤذن : أقم ، فإذا سَلَّمْتُ من الظهر فأقم مكانك ، فأقام فصلى الظهر ركعتين ، ثم سَلَّم ، ثم أقامَ مكانه فصلى العصرَ ركعتين ، ثم ركب فأسْرَعِ السَّيْرَ حتى غابت الشمسُ، فقال له المؤذنُ : الصلاةَ يا أبا عبد الرحمن ، فقال : كفعلتك الأولى ، فسارَ حتى إذا اشتبكت النجومُ نزل ، فقال : أقْم فإذا سَلَّمْتُ فأقمْ ، فأقام فَصلى المغربَ ثلاثاً، ثم أقام مكانه وصلَّى العشاء الآخرة )) (٤) . وهذا سندٌ جيّدٌ رجاله ثقاتٌ . ١١٨١ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد (١) وضعت علامة الإلحاق في الأصل، إشارة إلى إلحاق كلمة ((عن)) ولم تكتب في الحاشية . (٢) كتاب المواقيت ، باب : الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء (٢٨٨/١)، وانظر: (٢٨٢/١). (٣) في سنن النسائي: ((أتيته )) كذا . (٤) في سنن النسائي زيادة: ((ثم سلم واحدة تلقاء وجهه ، ثم قال : قال رسول الله ◌َ لطفي: ((إذا حضر أحدكم أمرٌ يخشى فوته، فليصل هذه الصلاة)). -٧٦- ابن جبير ، عن عبد الله بن عباس قال : صَلَّى رسولُ الله الظهرَ والعَصرَ جميعاً، والمغرب والعشاءَ جميعاً في غَيْرِ خَوف ولا سَفَر (١). قال مالكٌ: أُرَى ذلك كان في مطَرٍ . ش - (( جميعاً)) نصب على الحال بمعنى مجتمعتين. قوله: ((أُرى ذلك)) على صيغة المجهول ، أي : أظن فعل رسول الله ذلك في وقت مطرٍ . والحديث أخرجه مسلم ، والنسائي ، وليس فيه كلام مالك ، وقد تكلمت العلماء فيه ، فأوَّلَه بعضهم على أنه جمع بعذر المطر . وقال الخطابي (٢): ((وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للممطور في الحضر ، فأجازه جماعة من السلف ، رُوي ذلك عن ابن عمر ، وفعله عروة بن الزبير ، وابن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وأبو سلمة ، وعامّة فقهاء المدينة ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائماً في وقت افتتاح الصلاتين معاً ، وكذلك قال أبو ثور ، ولم يشترط ذلك غيرُهما ، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين ، وفي حال الظلمة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز . وقال الأوزاعي وأصحاب/ الرأي : يصلي الممطور كل صلاة في وقتها . [١١٢/٢ -ب] قلت : هذا التأويل تردّه الرواية الأخرى ((من غير خوف ولا مطرٍ)). وأوّله البعْض على أنه كان في غيم ، فصلى الظهر ثم انكشف الغيم ، وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها ، وهذا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء . (١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٠٥/٥٤)، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : الجمع بين الصلاتين في الحضر (١/ ٢٩٠). (٢) معالم السنن (٢٢٩/١). - ٧٧- وأوّله البعضُ على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه ، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها ، فصارت صُورة جمعْ . قلت : هذا هو الصواب ، ولا وجه له غير ذلك ، ولا يلتفت إلى قول من قال : إن هذا ضعيف ، أو باطل ؛ لأنه مخالف للظاهر ؛ لأنه لا مخالفة فيه لا ظاهراً ولا باطناً ، يظهر ذلك بالتأمل . وأوله البعض على أنه كان بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار . وقال الشيخ (١) محيي الدين (٢): ((وهو قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا ، واختاره الخطابيّ والمتولي والروياني من أصحابنا ، وهو المختار لتأويله لظاهر الحديث ، ولأن المشقة أشد فيه من المطر)) . قلت : هذا أيضاً ضعيفٌ ؛ لأنه مخالف للظاهر ، وتقييده بعذر المرض ترجيح بلا مرجح ، وتخصيص بلا مخصّصٍ ، وهو باطل . ص - قال أبو داودَ: رواه حمادُ بنُ سَلَمةَ (٣) ، عن أبي الزبير. ورواه قرةٌ ابنُ خالد، عن أبي الزبير قال: في سَفْرَةَ سَافَرَهَا (٤) إلى تَبُوك . ش - أي : روى الحديث المذكور حمادُ بن سلمة ، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس . قوله: ((ورواه قرةُ بن خالد )) حديث قرّة هذا رواه مسلم (٥) في (صحيحه)) عن ابن عباس، (( أن رسول الله جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعَصْر، والمغرب والعشاء))(٦). ١١٨٢ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا أبو معاوية ، نا الأعمش ، عن حبيب ، عن سعيد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: جَمعَ رسولُ الله وَ﴿ الظهرَ والعصَرَ والمغرب والعشاءَ بالمدينة منْ غَيرِ خَوْفٍ ولا مَطَرِ، فقيلً لابنٍ عَبَاسٍ: ما أَرَادَ إلى ذلك؟ قَال: أَرادَ أَنَ لَا يُحْرَجَ أُمْتَه (٦). (١) في الأصل: ((للشيخ)). (٢) شرح صحيح مسلم (٢١٨/٥). (٣) في سنن أبي داود: ((ورواه حماد بن سلمة نحوه)). (٤) في سنن أبي داود: ((سافرناها)). (٥) كتاب صلاة المسافرين ، باب : الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٠٥/ ٥١). (٦) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الجمع بين الصلاتين في = -٧٨- ش - حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وسعيد بن جبير . والحديث أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي . قال الخطابي (١): ((هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، وإسناده جيد، إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب ، وكان ابن المنذر يَقولُ به ، ويَحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث ، وسمعتُ أبا بكر القفال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي . قال ابن المنذر: ولا معنى بحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار ؛ لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه ، وهو قوله: (( أراد أن لا يحرج أمته ))، وحكي عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً أن. يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة، أو شتاء (٢) ما لم يكن يتخذه عادة. وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض ، وذلك لما فيه من إرفاق المريض ، ودفع المشقة عنه ، فحمْلُه على ذلك أَوْلى من صرفه إلى مَن لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن ، المنقطع العذر . وقد اختلف الناس في ذلك ، فرخّص عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين ، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل . وقال أصحاب الرأي : يجمع المريض بين الصلاتين ، إلا أنهم أباحوا ذلك على شرطهم في جمع المسافر بينهما ، ومنع الشافعي من ذلك في الحضر إلا للممطور. قلت : كل تأويل أوّلوه في هذا الحديث يَردّه قولُ ابن عباس: ((أرادَ أن لا يُحْرِجَ أُمّتَه )) ما خلا التأويل الذي أوّلَه الطحاويّ ، على تأخير الأولى إلى آخر وقتها ، وتقديم الأخرى لأول وقتها ، على ما تأوَلَه أبو الشعثاء جابر بن زيد ، وعمرو بن دينار في « صحيح مسلم » . وقال الترمذي في آخر كتابه : ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم (٣) على الحضر (٧٠٥/٤٩)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الجمع بين = الصلاتين في الحضر (١٨٧) ، وهو صحيح ، النسائي : كتاب المواقيت ، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر (١/ ٢٩٠). (١) معالم السنن (٢٢٩/١ - ٢٣٠). (٣) كذا . (٢) في معالم السنن: ((أو شيء )). -٧٩- ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر ، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة . قلت : هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله ، فهو حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسْخه . وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به ، فإن جماعةً ذهبوا إلى العمل بظاهره ، وآخرين أوّلوه كما ذكرناه ، والصواب ما قاله الطحاوي . [١١٣/٢-١] / ١١٨٣ - ص - نا محمد بن عُبيد المحاربي، نا محمدُ بن فُضَيْل ، عن أبيه، عن نافع وعبد الله بن واقد ، أن مُؤَذِّنَ ابن عُمرَ قال : الصَّلاةَ قال : سرُ(١)! حتى إذا كانَ قبلَ غُيُوبِ الشَّفَقَ نَزَلَ فَصِّلَّى المغْربَ، ثم انتظَرَ حتى غَّابَ الشفقُ فصَلَّى (٢) العشاءَ، ثُم قالَ : إِنَّ رسولَ الله كان إذا عَجلَ به أمرٌ صَنَعَ مثلَ الذي صَنَعْتُ، فَسَارَ في ذلك اليوم والليلة مَسَيرَةً ثَلاث (٣). ش - أبوه فُضيل بن غزوان بن جرير الكوفي الضبيّ ، مولاهم أبو الفَضْل . روى عن : عكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عُمر، وأبي إسحاق السبيعي ، وغيرهم . روى عنه : ابنه محمد ، والثوري ، وابن المبارك ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل وابن معين : ثقة . روى له الجماعة (٤) . وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني . روى عن: النبي -عليه السلام- مُرْسلاً. وسمع: جدّه عبد الله ابن عمر ، وعَمّه عبد الله بن عبد الله بن عمر . روى عنه : الزهري ، وسَعْد بن إبراهيم ، وفضيل بن غزوان ، وغيرهم . أخرجَ له مسلم حديثاً واحداً مرسلاً في الأضحيّة ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٥) . (١) في سنن أبي داود: ((سِرْ سِرْ!)). (٢) في سنن أبي داود: ((وصلى)). (٣) تفرد به أبو داود . (٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٧٦٦/٢٣). (٥) المصدر السابق (٣٦٣٦/١٦). - ٨٠-