Indexed OCR Text
Pages 301-320
قلت : قال الإمام : ما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية على رواية ، لا من باب التضعيف . ومنها : ما أخرجه الطحاوي (١) عن أبي بكر النهشلي ، نا عاصم بن كليب ، عن أبيه : أن عليا - رضي الله عنه - كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يعود يرفع)) . انتهى . وهو أثر صحيح . ومنها : ما أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب ، عن عطية العوفي : ((أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ، ثم لا يعودان))، ثم قال البيهقي : قال الحاكم : وعطية سيء الحال ، وسوار أسوأ حالاً منه . وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال : سوار بن مصعب منكر الحديث . وعن ابن معين : أنه غير محتج به . قلت : قال يحيى بن سعيد : عطية صالح ، كذا في الكمال . ومنها: ما أخرجه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢) عن إبراهيم النخعي قال : ((كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح)) . قال الطحاوي : فإن قالوا : إن إبراهيم عن عبد الله غير متصل ، قيل لهم : كان إبراهيم لا يرسل عن عبد الله إلا ما صح عنده ، وتواترت به الرواية عنه ، كما أخبرنا ، وأسند عن الأعمش أنه قال لإبراهيم : إذا حدثتني عن إبراهيم فأسند . قال : إذا قلت لك : قال عبد الله ، فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه ، وإذا قلت لك : حدثني فلان ، عن عبد الله ، فهو الذي حدثني وحده عنه . ومنها : ما رواه ابن أبي شيبة : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن عبد الله بن الأسود ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : ألا أريكم صلاة النبي - عليه السلام - فلم يرفع يديه إلا مرة . ومنها : ما رواه أيضاً : حدَّثنا وكيع ، عن أبي بكر بن عبد الله بن (١) (١/ ١٣٢) . (٢) (٣١٣/١) . - ٣٠١ - قطاف النهشلي ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه : أن عليا كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود . ومنها : ما رواه أيضاً : نا ابن مبارك ، عن أشعث ، عن الشعبي : أنه كان يرفع يديه في أول التكبيرة ، ثم لا يرفعهما . ومنها : ما رواه أيضاً : نا وكيع وأبو أسامة ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق قال : كان أصحاب عبد الله ، وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح (١) الصلاة . قال وكيع : ثم لا يعودون . ومنها : ما رواه أيضاً : نا أبو بكر بن عياش ، عن حصين ومغيرة ، عن إبراهيم قال : لا ترفع يديك في شيء من الصلاة إلا في الافتتاحية الأولى . ومنها : ما رواه أيضاً : نا أبو بكر ، عن الحجاج ، عن طلحة ، عن خيثمة وإبراهيم قال : كانا لا يرفعان أيديهما إلا في بدوء الصلاة . ومنها : ما رواه أيضاً : نا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل قال : كان قيس يرفع يديه أول ما يدخل في الصلاة ، ثم لا يرفعهما . [٢٤١/١ -ب] ومنها : ما رواه أيضاً: نا معاوية بن هشام / عن سفيان ، عن مسلم الجهني قال : كان ابن أبي ليلى يرفع يديه أول شيء إذا كُبَّر . ومنها : ما رواه : نا وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن الأسود وعلقمة : أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا افتتحا ، ثم لا يعودان . ومنها : ما رواه : نا ابن آدم ، عن حسن بن عياش ، عن عبد الملك ابن أبجر ، عن الزبير بن عدي ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة . قال عبد الملك : ورأيت الشعبي ، وإبراهيم ، وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة . (١) في الأصل: ((الافتتاح))، وما أثبتناه من مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٦/١). - ٣٠٢ - وقال الطحاوي : ومذهبنا أيضاً قوي من جهة النظر ، فإنهم أجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع ، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما ، واختلفوا في تكبيرة الركوع ، وتكبيرة الرفع منه ، فخالفهما قوم بالتكبيرة الأولى ، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين ، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة ، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك ، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما بتكبيرة السجدتين )) (١) . وقال أشرف الدين بن نجيب الكاساني في (( البدائع)) : وروي عن ابن عباس أنه قال : إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة . قلت : فعلى هذا مذهب أبي حنيفة مذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ؛ أما من الصحابة : فأبو بكر الصِّدِّيق ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة عامر ابن عبد الله بن الجراح ، فهؤلاء العشرة ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر ابن سمرة ، والبراء بن عازب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري ، ومن التابعين ومَن بعدهم : مذهب إبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى ، وعلقمة ، والأسود ، والشعبي ، وأبي إسحاق ، وخيثمة، وقيس ، والثوري ، ومالك ، وابن القاسم ، والمغيرة ، ووكيع، وعاصم بن كليب ، وجماعة آخرين . والجواب عن أحاديث الرفع أنها منسوخة بدليل ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ((رفع رسول الله فرفعنا، وترك فتركنا)) على أن ترك الرفع عند تعارض الأخبار أولى ؛ لأنه لو ثبت الرفع لأنزلوا درجته على السّنّة ؛ (١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية عدا بعض آثار أوردها الشارح من مصنف ابن أبي شيبة . - ٣٠٣ - ولأن ترك الرفع مع ثبوته لا يوجب الفساد - أعني : فساد الصلاة - والتحصيل مع عدم الثبوت يوجب فساد الصلاة لأنه اشتغال بعمل اليدين جميعاً ، وهو تفسير العمل الكثير . السابع : هل يرفع بين السجدتين ؟ فقال ابن المنذر ، وأبو علي الطبري من الشافعية : يرفع ، وهو قول جماعة من أهل الحديث ، وعند الجمهور: لا يرفع لقوله: ((ولا يرفع بين السجدتين )). ٧٠٣ - ص - نا محمد بن المصفى الحمصي ، نا بقية ، نا الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عمر قال : كان رسولُ الله - عليه السلام- إذا قامَ إلى الصلاةِ رَفَعَ بَدَیَهِ حتی یكُونا (١) حَذْوَ مَنگِیهِ، ثم كبّر وهما كذلك ، فيركَعُ ، ثم إذا أرادَ أَن يَرَفِعَ صُلْبَهَ رِفَعَهُما حتى يَكونا (١) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثم قال: (( سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه )) ، ولا يَرفعُ يديه في السجود، ويرفَعُهُمَاَ في كلِّ تكبيرَةٍ يكبِّرُهَا قبلَ الركوعِ حتى تنقضي صلاُه (٢). ش - محمد بن المصفى بن بهلول الحمصي أبو عبد الله القرشي الشامي روى عن : عليّ بن عباس ، ومحمد بن حرب ، وبقية بن الوليد بن مسلم ، وغيرهم . روى عنه : أبو حاتم الرازي ، وابنه عبد الرحمن ، وأبو داود ، والنسائي وقال : صدوق ، وابن ماجه ، وغيرهم . مات سنة أربعين ومائتين بمكة (٣). والزبيدي : هو محمد بن الوليد . قوله: ((حذو )) بفتح الحاء ، وسكون الذال ، بمعنى حذاء . قوله : « وهما كذلك ) يعني : يداه كذلك حذو منكبيه . قوله: ((صُلُبه)) بضم الصاد ، أي : ظهره ، وجمعه أصلاب . قوله: (( ولا يرفع يديه في السجود)) وبهذا أخذ الجمهور ، وقد ذهبت (١) في سنن أبي داود: ((تكون)). (٢) انظر التخريج المتقدم. (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٦١٣/٢٦). - ٣٠٤ - طائفة إلى الرفع في السجود أيضاً ؛ لما روى أبو بكر بن أبي شيبة ، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن حميد ، عن أنس : أن النبي -عليه السلام - كان يرفع يديه في الركوع والسجود . واعترض الطحاوي في ((شرح الآثار)) حديث ابن عمر فقال : وقد روي / عن ابن عمر خلاف هذا ، ثم أسند عن أبي بكر بن عياش ، عن [٢٤٢/١-٢] حصين ، عن مجاهد قال : صليت خلف ابن عمر ، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة . قال : فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي - عليه السلام - يفعله . قال : فإن قيل فقد روى طاوس ، عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد . قلنا : كان هذا قبل ظهور الناسخ . وقال الحاكم : كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين ، ثم اختلط حتى ساء حفظه ، فروى ما خولف فيه ، فكيف تجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف ؟ أو نقول : إنه تركه مرة للجواز ، إذ لا نقول بوجوبه ، ففعله يدل على أنه سُنَّة ، وتركه يدل على أنه غير واجب . قلت : لا نسلم أن ذلك الحديث ضعيف ؛ لأن إسناده صحيح ، فيجوز به النسخ . ولقائل أن يقول لهم - ولا سيما للشافعية - : أنتم تثبتون سنية الرفع في الحالتين بحديث ابن عمر ، وتنكرون النسخ ؛ فلم لا تعملون بالزيادة التي فيه ، وهي الرفع عند القيام من الركعتين ؟ وهي زيادة مقبولة ، فإذا ألزمتمونا بالقول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه ؛ ألزمناكم بالقول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين . ٧٠٤ - ص - نا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ، نا عبد الوارث بن سعید ، نا محمد بن جُحادة قال : حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر قال : كنتُ غُلاماً لا أَعْقِلُ صَلاةَ أبي ، فحدَّثْني وائلُ بنُ علقمةَ، عن أبي : وائل بن حُجر قال : صليتُ مع رسول الله - عليه السلام - فكانَ إذا كَبَّرَ رَفَعَ يَدِيهِ . قال : ثم الْتَحَفَ، ثم أَخَذَ شَمَالَهَ بيمينه ، وأَدخلَ يديه في ثوبه . قال : فإذا أرادَ أن يركعَ أخرجَ يديهِ ثم رَفَعَهُمَا، وَإِذا أَرَادَ أن يرفَعَ رأسه من الركوعِ رَفِعَ یدیه ٢٠ , شرح سنن أبي داوود ٣ - ٣٠٥ - ثم سَجَدَ ، ووضعَ وجهَهُ بين كَفَّهِ ، وإذا رفعَ رأسَه من السجودِ أيضاً رفعَ یدیه حتى فرغ من صلاته. قال محمد: فذكرتُ ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: هي صلاةُ رسولَ اللهِ وَلِ﴿ فعلَهُ مَن فعلَهُ، وتركَهُ مَن تركَه (١) . ش - محمد بن جحادة الكوفي الأودي ، ويقال : الأيامي . روى عن: أنس بن مالك . وسمع : الحسن البصري ، وطلحة بن مصرف ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وعبد الوارث بن سعيد ، وغيرهم . وعن أحمد : هو من الثقات . وقال أبو حاتم : صدوق ثقة . روى له الجماعة (٢) . وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي کوفي . روى عن أبيه وأمه ولم يصح له عنهما شيء ، وروى عن أخيه علقمة . روى عنه : ابنه سعيد ، وأبو إسحاق السبيعي ، ومحمد بن جحادة ، وغيرهم . قال يحيى بن معين : هو ثبت ، ولم يسمع من أبيه شيئاً ، وفي رواية : ثقة . وقيل : إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر . روى له الجماعة إلا البخاري (٣) . ووائل بن علقمة روى عن وائل بن حجر . روى عنه : عبد الجبار بن وائل . روى له : أبو داود (٤) . ووائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان أبو هند أو أبو هنيدة . روى عنه: ابناه : علقمة وعبد الجبار، وعبد الرحمن اليحصبي، وغيرهم . رُوي له عن رسول الله أحد وسبعون حديثاً ، روى له مسلم ستة أحاديث . روى له الجماعة إلا البخاري (٥) . (١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره فوق سرته ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه (٤٠١/٥٤) . (٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥١١٤/٢٤). (٣) المصدر السابق (١٦/ ٣٦٩٧). (٤) المصدر السابق (٣٠/ ص٤٢٢). (٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٤٢/٣)، وأسد الغابة (٤٣٥/٥)، والإصابة (٦٢٨/٣). - ٣٠٦ - قوله: ((عن أبي: وائل بن حُجْر)) فقوله: ((وائل)) عطف بيان لقوله : ((أبي))، وليس هذا بكنية ، فافهم . قوله: (( ثم التحف )) من قولهم : التحف بالثوب ، تغطى به . قوله: (( قال محمد )) أي : محمد بن جحادة . قوله: (( للحسن )) وهو الحسن البصري . والحديث أخرجه مسلم من حديث عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ، ومولى لهم ، عن أبيه وائل بن حجر بنحوه ، وليس فيه ذكر الرفع مع الرفع من السجود . وقال الطحاوي في ( شرح الآثار )) : وحدیث وائل هذا مُعارض بحديث ابن مسعود : أنه - عليه السلام - كان يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح ، ثم لا يعود . وابن مسعود أقدم صحبة وأفهم بأفعال النبي - عليه السلام - من وائل . ثم أسند عن أنس قال : كان رسول الله يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه . وابن مسعود كان من أولئك الذين يقربون من النبي - عليه السلام - فهو أولى مما جاء به من هو أبعد منه . ص - قال أبو داود: روى الحديث (١) همام ، عن ابن جُحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود . [٢٤٢/١ -ب] / ش - أي : همام بن يحيى بن دينار العوذي . قوله: ((لم يذكر الرفع )) أي: رفع اليدين مع رفع الرأس من السجود، وهو رواية مسلم كما نبهنا عليه . ٧٠٥ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا عبد الرحيم بن سليمان ، عن الحسن بن عبيد الله النخعي ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه : أنه أَبصرَ النبي - عليه السلام - حین قام إلى الصلاة رفع یدیهِ ، حتی کانتا بحیال مَنْكبيهِ، وحاذَى إِبْهامَّهِ (٢) أُذُنَّهِ، ثم كَبََّ(٣) . (١) في سنن أبي داود: ((روى هذا الحديث)). (٢) في سنن أبي داود: ((بإبهاميه)). (٣) تفرد به أبو داود . - ٣٠٧ - ش - عبد الرحيم بن سليمان أبو عليّ الأشل الكناني ، ويقال : الطائي الرازي ، سكن الكوفة . روى عن : عبيد الله بن عمر العمري ، ويحيى ابن سعيد الأنصاري ، والأعمش ، وغيرهم . روى عنه : أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو الهمام الوليد بن شجاع ، وأبو سعيد الأشل ، وغيرهم. وقال ابن معين : ثقة . روى له الجماعة (١) . والحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي . روى عن : الشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وإبراهيم بن سويد ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وحفص بن غياث ، وغيرهم . قال ابن معين وأبو حاتم : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢) . قوله : « بحیال منكبيه )) أي: بإزاء منكبيه . قوله: ((وحاذى)) أي: ساوى من المحاذاة . وقد قلنا : إن عبد الجبار لم يصح له شيء من أبيه ، وكذا قال في (( مختصر السنن )) وقال : وأهل بيته مجهولون . ٧٠٦ - ص - نا مسدد ، نا یزید بن زريع ، نا المسعودي ، نا عبد الجبار بن وائل قال : حدَّثْني أهلُ بيتي ، عن أبي ، أنه حدثهم ، أنه رأى رسولَ اللهِ يَرفعُ يديهِ معَ التكبيرَةِ (٣). ش - يعني : مقارناً بالتكبيرة ، وبه قال أحمد ، ومالك في المشهور ، وهو رواية عن أصحابنا ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . ٧٠٧ - ص - نا مسدد ، نا بشر بن المفضلٍ ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر قال: قلتُ: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله - عليه السلام - كيفَ بصلِّي ؟ قال : فقامَ رسولُ الله فاستقْبَلَ القِبْلَةَ ، فَكَبِّرَ فَرفعَ يديهِ حتى حَاذَتَا أُذُنِيهِ، ثم أَخذَ شمَالُهُ بيمينه، فَلَما أَرادَ أن يَرَكَعَ رفَعَهُمَا مثلَ ذلك، ثم وَضعَ يديهَ على رُكُبتَهَ ، فلماَ رَفَّعَ رأسَه من الركوعِ رفَعَهُمَا مثلَ (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٠٧/١٨). (٢) المصدر السابق (١٢٤٢/٦). (٣) تفرد به أبو داود . - ٣٠٨ - ذلك ، فلما سَجِدَ وضعَ رأسَه بذلكَ المنزل من يديه ، ثم جلسَ فافترشَ رِجلَهُ الْيُسْرَى ، ووضعَ يدَه الْيُسْرَى على فَخذه الُسْرَى ، وحَدَّ مرْفَقه الأيمن عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى، وقبضَ ثنتينٍ ، وحَلَّقَ حَلقةٌ - ورأيتُه يقولُ هكذا، وحَلَّقَ بشرٌ الإبهامَ والوُسْطَى - وأشار بالسَّبَّابة (١). ش - عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي . سمع : أباه ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وأبا الجويرية ، وأبا بردة بن أبي موسى . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وبشر بن المفضل ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢) . وأبوه كليب بن شهاب الكوفي الجَرمي . سمع : أباه ، وعمر بن الخطاب ، وعليَّ بن أبي طالب ، ووائل بن حجر . روى عنه : ابنه عاصم ، وإبراهيم بن مهاجر . قال ابن سعد : كان ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه (٣). قوله : « بذلك المنزل من يديه )» يريد به أنه وضع رأسه بين يديه ، بحيث أنهما حاذتا أذنيه . قوله: ((وحَدَّ مرفقه)) أي : جعل مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى حدا عليها ؛ لأن فيه يكون توجيه أصابع يديه إلى القِبْلة . قوله: (( وقبض ثنتين )) وهو أن يعقد الخنصر والبنصر. قوله: ((وحلق حلقة)) وهو أن يحلق الوسطى مع الإبهام، و((حَلَّقَ)) بالتشديد، و((حَلْقةً)) بفتح الحاء وسكون اللام مثل حلقة الدرع، وحَلْقة الباب ، وحَلْقة القرط ، وأما حَلْقة القوم فيجوز فيها الفتح والسكون . (١) يأتي برقم (٩٣٣). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٤/١٣). (٣) المصدر السابق (٤٩٩١/٢٤). - ٣٠٩ - وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام (( حلقة)) بالتحريك إلا في قولهم : هؤلاء قوم حَلَقَةٌ ، للذين يحلقون الشعر ، جمع حَالقٍ ؛ وأما انتصاب ((حلقة)) هاهنا فعلى المفعولية . قوله: (( ورأيته يقول هكذا )) من كلام بشر . وقوله: (( وأشار بالسبابة)) من كلام وائل، فيكون قوله: ((ورأيته )» إلى قوله: ((وأشار)) معترضا بينهما ، فافهم . ويستفاد من هذا الحديث فوائد ؛ الأولى : استقبال القبلة . الثانية : تكبيرة الافتتاح . الثالثة : رفع اليدين في أول الصلاة . الرابعة : محاذاة اليدين بالأذنين عند الرفع ، وهو قول أصحابنا . الخامسة : أخذ الشمال باليمين / ، ولم يبين فيه كيفية الأخذ ، ولا محل الوضع . [٢٤٣/١-١] السادسة : رفع اليدين عند الركوع ، وبه أخذ الشافعي ، والجواب عنه ما ذكرناه . السابعة : وضع اليدين على الركبتين في الركوع ، ولم يبين كيفية الوضع . الثامنة : رفع اليدين عند رفع رأسه من الركوع . التاسعة : وضع الرأس في السجدة بين اليدين محاذياً أذنيه بهما ، وبه قال أصحابنا ، وقال صاحب (( الهداية )) : ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه ، لما روي أنه - عليه السلام - فعل كذلك . وقال صاحب ((المحيط)): ويضع يده في السجود حذاء أذنيه . العاشرة : افتراش رجله اليسرى ، وبه أخذ أصحابنا أنه يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها ، ولم يبين فيه حكم اليمنى . - ٣١٠ - الحادية عشر : وضع اليدين على الفخذين في التشهد . الثانية عشر : أن يعقد الخنصر والبنصر ، ويحلق الوسطى مع الإبهام . وهكذا رُوي عن الفقيه أبي جعفر من أصحابنا ، وقال صاحب (( الهداية)): ويبسط أصابعه . وقال في (( المحيط )): وعن محمد أنه يضع يديه على فخذيه ؛ لأن فيه توجه الأصابع إلى القِبلة أكثر ، وعن بعضهم أنه يفرق أصابعه . الثالثة عشر : يشير بالسبابة ، وبه قال أبو يوسف من أصحابنا ، وذكره في ((الإملاء))، وقال: ويروى الإشارة عن النبي - عليه السلام - وبينه مثل ما رُوي عن الفقيه أبي جعفر ، وعن بعض أصحابنا : ويكره الإشارة. وهو غير صحيح؛ لأن أبا يوسف نص عليها في (( الإملاء )) ، وکذلك نص عليها محمد في كتابه ، وقال في (( المحيط)): والإشارة قول أبي حنيفة . ٧٠٨ - ص - نا الحسن بن عليّ ، نا أبو الوليد ، نا زائدة، عن عاصم بن كليب ، بإسناده ومعناه قال فيه: ثم وضَعَ يدَه اليُمْنى على ظهرِ كَفِّ الُسْرَى، والرصْغِ (١) والساعد . قال فيه : ثم جئتُ بعدَ ذلك في زمان فيه بَرْدٌ شَديدٌ، فرأيتُ الناسَ عليهم جُلَّ الثياب ، تَحَرَّكُ أيديهم تحتَ الثياب (٢) . ش - الحسن بن علي الخلال، وأبو الوليد الطيالسي، وزائدة بن قدامة. قوله : (( بإسناده ومعناه)) أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه. قوله: ((قال فيه)) أي: قال وائل في الحديث في هذه الرواية: (( ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى ، والرصغ بضم الراء وسكون الصاد المهملة وبغين معجمة ، وهو مفصل ما بين الكف والساعد ، ويقال: ((رسغ)) أيضاً بالسين المهملة، ويقال لمجمع الساق مع القدم: ((رسغ)) أيضاً ، ويقال : رُسْغ ورسُع، مثل: عُسْر وعُسُرُ . (١) في سنن أبي داود: ((والرسغ)) وهي لغة . (٢) انظر تخريج الحديث المتقدم . - ٣١١ - قوله: (( جل الثياب )) جل الشيء معظمة ، والمعنى أنهم لبسوا معظم الثياب لأجل البرد . والحديث أخرجه النسائي ، وابن ماجه . ويستفاد من الحديث في هذا الطريق فائدتان غير ما ذكرناه : الأولى : بين فيه كيفية وضع اليمين على الشمال ، وقال صاحب ((المحيط)): ويقبض بكفه اليمنى على رسغه اليسرى كما (١) فرغ من التكبير . وقال أبو يوسف : يقبض بيده اليمنى رسغ اليسرى ، ويكون الرسغ وسط الكف . وقال ابن قدامة : يضعهما على كوعه . وقال القفال: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها ، وهو مخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل ، وبين نشرها في صوب الساعد ، وإذا فرغ من التكبير يضعهما . الثانية : ترك الوضع عند البرد الشديد ، وعند مالك الوضع غير مستحب وإنما هو مباح ، فعنده البرد وغيره سواء ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى . ٧٠٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا شرِيك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر قال : رأيتُ النبيَّ - عليه السلام - حين افْتَتَح الصلاةَ رَفِعَ يَدِهِ حِيَالَ أُذُنِهِ . قال: ثم أتيتُهُم فرأيتُهم يرفَعُون أيديهم إلى صُدُورِهم في افتَاحِ الصلاةِ، وعليهم بَرَانِسُ، وأكسيةٌ (٢). ش - شريك بن عبد الله النخعي . قوله: ((برانس)) جمع بُرنس - بضم الباء الموحدة ، وبعد الراء الساكنة [٢٤٣/١-بانون مضمومة، وسين مهملة - وهو كل ثوب له رأس / ملتزق به ، دُرَّاعةٌ (٣) كانت أو جبة أو غير ذلك ، كان يلبسه العُباد وأهل الخير ، وهو (١) كذا . (٢) النسائي : كتاب التطبيق ، باب : موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول (٢٣٥/٢) . (٣)) ثوب من صوف . - ٣١٢ - عربي ، اشتق من البِرْس - بكسر الباء وسكون الراء - وهو القطن ، والنون زائدة ، وقيل: إنه غير عربي. وقال الجوهري: ((البرنس» : قلنسوة طويلة وكان النُّسّاك في صدر الإسلام يلبسونها . قوله : (( وأكْسيةٌ)) جمع كساء . والحديث أخرجه النسائي . وبهذا الحديث قال أصحابنا : إن أحاديث المناكب محمولة على العُذْرِ ، وقد مر الكلام فيه مستوفى . ١١٢ - بَابُ : افتتاح الصلاة أي : هذا باب في بيان افتتاح الصلاة ، وليس في بعض النسخ ((باب)). ٧١٠ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري ، نا وكيع ، عن شريك ، عنٍ عاصم بن كليب ، عن علقمة بن وائل ، عن وائل بن حُجر قال : أتيتُ النبيَّ - عليه السلام - في الشتاء ، فرأيتُ أصحابَه يرفَعُونَ أيديَهُم في ثيابِهِم في الصلاة (١). ش - دل الحديث على أن رفع اليدين من غير أن يخرجهما من كمّيّه غير مكروه إذا كان للبرد ، وأما لغير البرد فجعله بعض أصحابنا من ترك السُّنَّة، وجعله البعض من ترك الأدب . ٧١١ - ص - نا أحمد بن حنبل ، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلدح ، ونا مسدد ، نا يحيى - وهذا حديث أحمد - أنا عبد الحميد - يعني : ابن جعفر - قال : أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبيِّ - عليه السلام - منهم أبو قتادةَ . قال أبو حميد: أنا أعلَمُكُم بصَلاة رسول الله - عليه السلام - قالوا : فَلمَ ؟! فوالله ما كنتَ بأكثَرنَا له تَبعَةً ، ولا أَقدِّمِنَاَلَه صُحبةً. قال : بلى . قالوا : فاعْرضْ . قال : كان رسولُ الله إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يرفعُ بديْهِ حتى يُحَاذِي بهما مَنْكِيهِ، ثم كَبَّرَ (٢) (١) تفرد به أبو داود . (٢) في سنن أبي داود: ((يكبر)). - ٣١٣ - حتى يَقَرَّ كلُّ عَظمٍ في مَوضِعِهِ معتدلاً ، ثم يقرأُ ، ثم يُكبرُ ويرفعُ (١) يديه حتى يُحَاذِي بهما مَنْكِيهِ ، ثم يَركعُ ويَضِعُ راحتَّهِ على رُكِبْتَهِ ، ثم يَعتدِلُ فلا يَصُبُّ رأسَه ولا يُقْنِعُ، ثم يرفعُ رأسَه، فيقول: (( سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه)) ، ثم يَرفعُ يديه حتى تُحاذِي (٢) مَنكبيهِ معتدلاً، ثم يقولُ: ((الله أكبر )»، ثم بَهْوِي إلى الأرضِ فَيُجَافِي يديه عن جنبِّهِ، ثم يَرفعُ رأسَهَ، ويَثْنِي رِجِلَهُ الْيُسْرَى فِيَقْعُدُ عليها، ويَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجِلَيْهِ إذا سَجَدَ ، ثم يَسْجُدُ (٣)، ثم يقولُ: (الله أكبر )) ويرفعُ (٤)، ويَِّي رِجْلَهَ الْيُسْرَى فيقعدُ عليها حتى يَرْجِعَ كلُّ عظمٍ إلى مَوضعِه، ثم يَصنعُ في الأُخْرَى مثلَ ذلك ، ثم إِذا قامَ من الركعتينِ كَبَِّ ورَفعَ يديه حتى يُحَاذِي بهما مَنكبيه، كما كُبَّرِ عندَ افتاحِ الصلاةِ ، ثم يَصنعُ ذلكَ في بقيةِ صَلاته، حتى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسليمُ أَخَّرَ رجلَهُ الْيُسْرَى وقَعَدَ مُتَوَرِّكاً على شِقِّهِ الأيسرِ. قالوا: صَدَقْتَ ، هكذا كان يُصلِّي (٥) ش - الضحاك : ابن مخلد أبو عاصم النبيل ، ويحيى القطان . وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري أبو الفضل . سمع : أباه ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ، وسعيداً (٦) المقبري ، وغيرهم . روى عنه : يحيى القطان ، وعيسى بن يونس ، وأبو نعيم ، وجماعة آخرون . قال أحمد : ليس به بأس . وقال يحيى بن سعيد : كان سفيان يضعفه من أجل القدر . وقال ابن معين وابن سعد : ثقة . مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة . روى له الجماعة إلا البخاري (٧) . (١) في سنن أبي داود: ((فيرفع)). (٢) في سنن أبي داود: ((يحاذي بهما)). (٣) في سنن أبي داود: ((ويسجد)). (٤) في سنن أبي داود: ((ويرفع رأسه)). (٦) في الأصل: ((سعيد)). (٥) يأتي برقم (٩٣٤) . (٧) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧٠٩/١٦). - ٣١٤ - ومحمد بن عمرو بن عطاء بن عباس (١) بن علقمة بن عبد الله القرشي المدني أبو عبد الله . سمع : أبا قتادة السلمي ، وأبا حميد الساعدي ، وابن عباس . روى عنه : وهب بن كيسان (٢) ، وموسى بن عقبة ، وعبد الحميد بن جعفر ، وغيرهم . وقال ابن سعد : وكان ثقة ، له أحاديث . توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك . روى له الجماعة (٣). وأبو حميد عبد الرحمن ، وقيل : المنذر بن عمرو الساعدي . قوله: (( في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - )) محلها النصب على الحال ، وكلمة (( في )) للمصاحبة نحو : ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمُهِ فِي زينته﴾ (٤)، والتقدير: سمعت أبا حميد حال كونه مصاحباً لعشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - والمعنى : كان جالساً بين عشرة أنفس من الصحابة ، منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي . قوله: ((تبعةً)) نصب على التمييز، وكذلك قوله: ((صحبةً)) / [٢٤٤/١-١] والتبعة- بفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر الباء - اسم للاتباع ، وكذلك التبعة - بضم التاء وسكون الباء - والتباعة بالفتح . قوله: (( حتى يقر)) من القرار ، من باب ضرب يضرب، والمعنى : حتى يستقر كل عظم في موضعه ويثبت . قوله: ((معتدلاً)) حال من الضمير الذي في (( يرفع يديه )) . قوله: (( ثم يكبر فيرفع يديه )) يعني : بعد الفراغ من القراءة يكبر فيرفع يديه ، أشار بالفاء إلى أنه يرفع يديه عقيب التكبير . (١) كذا في الأصل، وفي تهذيب الكمال: ((عياش))، وعلق محققه قائلاً : (جوَّد ابن المهندس تقييده، ووقع في كثير من المصادر ((عباس))، وهو كما قيدناه في باقي النسخ ، وهو الصواب إن شاء الله )) . (٢) في الأصل: ((غسان )) خطأ. (٤) سورة القصص : (٧٩) . (٣) المصدر السابق (٥٥١٢/٢٦) . - ٣١٥ - قوله : ((فلا يَصُبَّ رأسه)) يعني: فلا يميلها إلى أسفل ، وفي بعض الرواية: ((فلا ينصب)) من الانصباب ، ورواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان (١) ، عن عيسى، عن عباس، عن أبي حميد فقال فيه: (( فلا يُصَبِي)) يقال: صَبّ الرجل رأسه تصبيةً إذا خفضه جدا . قوله: (( ولا يُقنع )) من الإقناع ، يعني: لا يرفع رأسه حتى تكون أعلى من ظهره . قال الله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (٢) أي: رافعي رءوسهم . وقال ابن عرفة : يقال : أقنع رأسه ، إذا نصبه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، وجعل طرفه موازياً لما بين يديه . قوله : « ثم یھوي )) أي : ينزل . قوله: (( فيجافي )) أي : يباعد . قوله: ((ويثني رجله اليسرى)) من ثنيت الشيء ثنيا ، إذا عطفته . قوله: ((ويفتخُ أصابع رجليه)) بالخاء المعجمة ، أي : ينصبها ويغمز موضع المفاصل منها ، ويثنيها إلى باطن الرجل ، فيوجهها نحو القبلة . وقال الأصمعي : أصل الفتح اللين ، ومنه قيل للعُقَابِ (٣) فتخاً ، لأنها إذا انحطت كسَرَتْ جناحَها . قال أبو العباس : فتخ أصابعه، أي : ثناها. قوله: (( متوركاً)) حال من الضمير الذي في قعد ، والتورك أن يجلس على أليتيه وينصب رجله اليمنى ، ويخرج اليسرى من تحتها . واستفيد من هذا الحديث أحكام كثيرة ؛ الأول : رفع اليدين إلى المنكبين، وقد قلنا : إنه كان للعذر . الثاني: أن التكبير بعد رفع اليدين؛ لأنه قال: (( ثم كبر ))، وكلمة (ثم )) تقتضي التراخي ، وقد ذكرنا الخلاف فيه . (١) في الأصل: ((سليم)) خطأ. (٢) سورة إبراهيم: (٤٣). (٣) طائر من كواسير الطير، قوي المخالب، مسروَلٌ ، له منقار قصير أعقف ، حاد البصر . - ٣١٦ - الثالث : رفع اليدين أيضاً للركوع ، وقد قلنا : إنه منسوخ . الرابع : سُنَّة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه إلى فوق ولا ينكسه ، ومن هذا قال صاحب (( الهداية)): ويبسط ظهره ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان إذا ركع بسط ظهره ، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه . الخامس: سُنَّة الإمام أن يقول: ((سمع الله لمن حمده))، ويكتفي به، وهو قول أبي حنيفة . السادس : رفع اليدين للهَوِيِّ ، وهو أيضاً منسوخ . السابع : السُّنَّة أن يجافي بطنه عن فَخِذيه ، ويديه عن جنبيه . الثامن : هيئة الجلوس في القعدة الأولى من ذوات الأربع ، أن يجلس على رجله اليسرى ، ولم يبين فيه كيف يفعل باليمنى ، فعند أبي حنيفة ينصبها نصباً ، وهذه هيئة الجلوس في القعدتين عند أصحابنا ، وهو قول الثوري لما في ((صحيح مسلم)) (١) عن عائشة: (( كان رسول الله یفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى )) ، وفي رواية أبي داود (٢) أيضاً كما يجيء الآن : (( فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ، ونصب اليمنى)) . وقال مالك: يجلس فيهما متوركاً . وقال الشافعي : إن كانت الصلاة ركعتين يجلس متوركاً ، وإن كانت أربعاً افترش في الأولى ، وتورك في الثانية . وقال أحمد : إن كانت ركعتين افترش ، وإن كانت أربعاً فكقول الشافعي . التاسع : التكبير ورفع اليدين إلى المنكبين عند النهوض من التشهد ، وهو منسوخ عندنا أيضاً . وقال أبو حامد : انعقد الإجماع على أنه لا رفع في هذا الموضع ، فاستدللنا بالإجماع على نسخ الحديث . وقال في ((شرح المهذب)» : هذا كلام مردود غير مقبول ، ولم ينعقد الإجماع على ذلك ؛ (١) كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة ... (٤٩٨/ ٢٤٠). (٢) يأتي في الحديث الآتي . - ٣١٧ - بل قد ثبت الرفع في القيام من الركعتين عن خلائق من السلف والخلف منهم : عليّ ، وابن عمر ، وأبو حميد مع أصحابه العشرة ، وهو قول البخاري . وقال الخطابي : وبه قال جماعة من أصحاب الحديث . ولم [٢٤٤/١-ب] يذكره الشافعي ، والقول به لازم على أصله / في قبول الزيادات . وقال البيهقي : مذهب الشافعي متابعة السُّنَّة إذا ثبتت . وقال صاحب ((التهذيب)): لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، ومذهبه اتباع السُّنّة ، وقد ثبت ذلك . وقال الشيخ محيي الدين : يتعين القول باستحباب رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، وأنه مذهب الشافعي لثبوت هذه الأحاديث . قلت : قد صرح صاحب ((التهذيب)) أن الشافعي لم يذكر هذا ، وادعى أبو حامد الإجماع على تركه ونسخ الحديث ، وهؤلاء كيف يجعلون هذا مذهباً للشافعي بصورة الإلزام ؟ فربما ثبت عند الشافعي انتساخ الحديث ، فلذلك لم يذكر رفع اليدين ؛ لأن الغفلة منه في مثل هذا بعيدة، وقولهم مذهب الشافعي اتباع السّنّة ليس على الإطلاق ، فإنه لا يتبع السنن المنسوخة ، فافهم . العاشر : توجيه أصابع رجليه إلى القِبلة في السجود . الحادي عشر : التورك في القعدة الأخيرة ، وقد ذكرنا الخلاف فيه ، وعندنا هذا محمول على العذر ، إما لكبر أو لعلة أخرى ، فافهم . والحديث : أخرجه البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ومطولاً . (((١) واعترضه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢) فقال: هذا الحديث لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد ، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول ، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبا قتادة وسنه لا يحتمل ذلك ؛ فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر (١) انظر: نصب الراية (١/ ٤١٠ - ٤١٢). (٢) (١٥٣/١، ١٥٤). - ٣١٨ - طويل ؛ لأنه قتل مع عليّ - رضي الله عنه - ، وصلى عليه عليّ ، وقد رواه عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو ، فجعل بينهما رجلاً ، ثم أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم ، ثنا عطاف بن خالد ، حدَّثني محمد بن عمرو بن عطاء ، حدَّثني رجل : أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله وَي# جلسوا ... فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء . قال : فإن ذكروا ضعف عطاف قيل لهم : وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر أکثر من تضعیفکم لعطاف ، مع أنکم لا تطرحون حديث عطاف كله ؛ إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه ، هكذا ذكره ابن معين في كتابه . وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا ، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعاً لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد ، وهو عندكم أضعف ، ثم أخرج عن عيسى بن عبد الله (١) بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدَّثني مالك ، عن عباس بن سهل الساعدي، وكان في مجلس فيه أبوه سهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد، وأبو هريرة ، وأبو أسيد ، فتذاكروا الصلاة ، فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ... الحديث. وليس فيه: (( فقالوا : صدقت)) قال: وقوله فيه: (( فقالوا جميعاً صدقت)) ليس أحد يقولها إلا أبو عاصم . انتهى . وأجاب البيهقي في كتاب ((المعرفة )) فقال : أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود ؛ لأن يحيى بن معين وثّقه في جميع الروايات عنه ، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في «صحيحه »، وأما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك ؛ فقد حكم البخاري في (( تاريخه)) بأنه سمع أبا حميد ، وأبا قتادة ، وابن عباس . وقوله : إن أبا قتادة قتل مع عليّ رواية شاذة رواها الشعبي ، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين ، ونقله عن الترمذي والواقدي والليث ، وابن منده ، ثم قال : وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق ابن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد ومن سماه من الصحابة، (١) في الأصل: ((عبد الرحمن )) خطأ. - ٣١٩ - وأكده برواية فليح بن سليمان ، عن عباس بن سهل ، عنهم ، فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السُّنَّة)» (١). والجواب عما قاله البيهقي: أما قوله: (( أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود )» مردود ؛ لأن مثل يحيى بن سعيد طعن في حديثه ، وهو [٢٤٥/١-١] إمام الناس / في هذا الباب، وذكره ابن الجوزي في كتاب ((الضعفاء والمتروكين)) فقال : كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه ، وكان الثوري يحمل عليه ويضعفه. وفي (( الكمال)) : وقال يحيى بن سعيد : كان سفيان يضعفه من أجل القدر . على أن الطحاوي نسب تضعيفه إليهم . وأما قوله: (( وأما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك ؛ فقد حكم البخاري في (( تاريخه)) بأنه سمع أبا حميد (٢)، وأبا قتادة، وابن عباس))، فمجرد تشنيع وتعصب ؛ لأن الطحاوي ما قال هذا من عنده ، بل إنما حكم بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع من أبي حميد ، ولم ير أبا قتادة ، لعدم احتمال سِنِّه ذلك ؛ لأنه قتل مع عليّ ، وصلى عليه عليّ، وهو قول مثل الشعبي الإمام في هذا الفن ، وكذا قال الهيثم بن عدي ، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي (( الكمال )) : وقيل : توفي سنة ثمان وثلاثين ، فكيف يقول البيهقي : هذه رواية شاذة ؟ فيجعل رواية البخاري في (( تاريخه)) صحيحة ، ويجعل كلام مثل هؤلاء الأجلة شاذا ؟ على أن ابن الحزم قال : ولعله وهم فيه ، يعني : عبد الحميد ، وأيضاً قد اضطرب سند هذا الحديث ومتنه ، فرواه العطاف بن خالد فأدخل بين (١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . وقد قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية (٤٢٤/١): ((قلت : قد تقدم في حديث رفع اليدين تضعيف الطحاوي لحديث أبي حميد ، وكلام البيهقي معه ، وانتصار الشيخ تقي الدين للطحاوي مستوفى، ولله الحمد)). اهـ . قلت : ولم أر هذا الانتصار في النسخة المطبوعة ، فلعل ما سيذكره الشارح في جوابه على البيهقي ، هو انتصار تقي الدين ، وكأنه كان موجوداً في نسخته من نصب الراية ، والله أعلم . (٢) في الأصل: (( أبا قتادة)) خطأ. - ٣٢٠ -