Indexed OCR Text

Pages 201-220

ما جاء في الصلاة على الخُمرة))، والخُمرة - بضم الخاء المعجمة وسكون
الميم - كالحصير الصغير ، يُعمل من سعف النخل ، ويُنسج بالسُيُور
والخيوط ، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف ، فإذا كبرت عن
ذلك فهي حَصِيرٌ ؛ وسميت بذلك لسَّتْرها الوجه والكفين من حر الأرض
وبَرْدها ، وقيل : لأنها تخمرُ وجه الأرض أي : تستره ، وقيل : لأن
خيوطها مستورة بسَعَفها، وفي حديث ابن عباس: (( جاءت فأرة فأخذت
تجرّ الفتيلة فجاءت بها ، فألقتها بين يدي رسول الله على الخُمْرة التي كان
قاعداً عليها ، فأحرقت منها مثل موضع درهم))، وهذا ظاهر في إطلاق
الخُمرة على الكبيرة من نوعها .
٦٣٧ - ص - نا عمرو بن عون : نا خالدٌ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن
شداد قال : حدثتني ميمونةُ ابنت الحارث قالت : كان رسول الله - عليه
السلام - يُصلّي وأنا حذاءه وأنا حائضٌ، ورُبما أصابني ثوبُهُ إذا سَجَد وكان
يُصلِّي على الخُمْرة (١).
ش - عمرو بن عون : الواسطي ، وخالد : ابن عبد الله الواسطي
الطحان ، والشيباني : أبو إسحاق ، وعبد الله بن شداد : ابن الهاد
المدني، الكوفي ، ومَيْمونة بنت الحارث أم المؤمنين .
قوله: ((وأنا حذاءه )) جملة اسميّة وقعت حالاً ، أي: والحال أنا بإزائه،
والحذاء والحُذْوة وَالحِذَةُ كلها بمعنىً .
قوله: (( وأنا حائض )) أيضاً جملة وقعت حالاً . واستفيد من الحديث
فوائد ؛ الأولى : جواز مخالطة الحائض .
والثانية : إذا أصاب ثوبُ المصلي المرأة ولو كانت حائضاً لا يضرّ ذلك
صلاته .
(١) البخاري : كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الخمرة (٣٨١)، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الجماعة في النافلة (٥١٣) ، ابن
ماجه: كتاب الصلاة ، باب: الصلاة على الخمرة (١٠٢٨) .
- ٢٠١ -

والثالثة : جواز الصلاة على الخُمرة من غير كراهةٍ .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، وابن أبي شيبة ؛ ولفظه عن
ابن عباس : كان رسول الله يصلي على خُمرة ، وأخرجه ابن ماجه ولفظه:
على بساط ، وعند أحمد عن أم سليم أن النبي - عليه السلام - كان
يصلي في بيتها على الخُمرة . وذكر ابن أبي شيبة ، عن أم كلثوم وعائشة
مثله ، وفعله جابر بن عبد الله ، وأبو ذر ، وزيد بن ثابت ، وابن عُمر ،
وقال ابن المسيّب : الصلاة على الخمرة سُنَّة .
٨٦ - بَابُ: الصلاة على الحصير
أي : هذا باب في بيان الصلاة على الحَصِير ، وفي بعض النسخ : ((باب
ما جاء في الصلاة على الحَصِير)). قال ابن سيده في ((المحكم)) و((المحيط
[٢٢٢/١-ب] الأعظم)): / إن الحصير سفيفة تُصنع من بَرْدي وأَسَلٍ ثم يُفْترش؛ سمّي
بذلك لأنه يَلي وجه الأرض ، ووجه الأرض يسمّى حصيراً . وفي
(الجمهرة): الحَصيرُ عربي سمّي حصيراً لانضمام بعضه إلى بَعضٍ . وقال
الجوهري : الحَصِير : البارِية .
٦٣٨ - ص - نا عبيد الله بن معاذ : نا أبي : نا شعبة، عن أنس بن سیرین،
عن أنس بن مالك قال : قال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، إني رجل
ضخم - وكان ضخماً - لا أستطيع أن أُصلي معك وصنع له طعاماً ودَعاه
إلی بیْته ، فصَلِّ حتى أَرَاك کیف تصلي فأقتدي بك ، فنَضحُوا له طرفَ
حَصير (١) لهم، فقام فَصلّى ركعتين . قال فلانُ بنُ الجارُود لأنس : أَكانَ
يُصلي الضحى؟ قال: لم أرَه صلّى إلا يومئذ (٢).
ش - ((ضخمٌ)) أي : سمين ؛ والضخم : الغليظ من كل شيء .
(١) في سنن أبي داود: (( حصير كان لهم)) ..
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : هل يصلي الإمام بمن حضر ؟ وهل يخطب
يوم الجمعة في المطر ؟ (٦٧٠) .
- ٢٠٢ -

قوله : ((فصَلِّ)) خطابُ الرجل للنبي - عليه السلام .
قوله: (( فنضحوا له)) أي : لأجل الرسول ؛ والنضح بمعنى الرَّشّ إن
كانت النجاسة متوهمةً في طرف الحصير ، وبمعنى الغسل إن كانت متحققة
أو يكون النضح لأجل تَلْيينه لأجل الصلاة عليه .
قوله: ((قال فلان بن الجارود))، وفي رواية البخاريّ: ((فقال رجلٌ من
آل الجارود )» .
قوله : (( أكان يُصلي؟)) الهمزة فيه للاستفهام . والحديث : أخرجه
البخاري ، وابن أبي شيبة ؛ ولفظه : نا ابن عليّة ، عن ابن عون ، عن
أنس بن سيرين ، عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود ، عن أنس قال :
صنع بعض عمومتي طعاماً للنبي - عليه السلام - فقال : أُحِبّ أن تأكل
في بيتي وتصلي فيه ، قال : فأتاه وفي البيْت فَحلٌ من تلك الفحول ،
فأمَر بجانب منه فكُنِسَ ورُشّ ، فصَلّى وصَلَيْنا معه. انتهى . الفَحْل
-بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة - : حَصِيرٌ يتخذ من فُحَّل النَّخْل ؛ وهو
ما كان من ذكوره فحلاً لإناثه ؛ والجمع : الفحاحيل .
ويُستفاد من الحديث فوائدُ ؛ الأولى : جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل
لَيَسْتُفيد من علمهم .
الثانية : استحباب إجابة الدعوة .
الثالثة : جواز الصلاة على الحَصير من غير كراهة ، وفي معناه : كل
شيء يُعملُ من نبات الأرض ؛ وهذا إجماع ؛ إلا ما يروى عن عمر بن
عبد العزيز ، فإنه يعمل (١) على التواضع كما في قوله عليه السلام لمعاذ :
(( عفر وجهك بالتراب )» .
فإن قيل : ما تقول في حديث يزيد بن المقدام من عند ابن أبي شيبة ،
عن المقدام ، عن أبيه : شَريح أنه سأل عائشة : أكان النبيّ -عليه السلام-
(١) كذا .
- ٢٠٣ -

يُصلِي على الحَصِير؟ فإني سمعتُ في كتاب الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا (١)
جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ (٢) ، فقالت: لا ، لم يكن يُصلي عليه ؟
قلت: هذا ليس بصحيح ؟ لضعف يزيد ، ويَردّه الرواية الصحيحة . وقال
أبو بكر (٣) : نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر،
عن أبي سعيد أن النبي - عليه السلام - صلى على حصيرٍ .
نا وكيع : نا عمر بن ذر ، عن يزيد الفقير قال : رأيتُ جابر بن
عبد الله يُصلي على حَصيرٍ من بَرْديٌّ .
نا وكيع ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول قال : رأيتُه يُصلي على
الحصير ويَسجُد عليه .
نا الفضلُ بن دكين ، عن صفوان ، عن عطاء بن أبي مروان ، عن
أبيه، عن أبي ذر أنه كان يُصلّي على الخُمْرة .
نا حفصٌ ، عن حجاج ، عن ثابت بن عُبيد الله قال : رأيتُ زيد بن
ثابت يُصلي على حصير يَسجُد عليه .
نا وكيعُ ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت قال : أخبرني مَنْ رأَى زيدَ
ابن ثابت يُصلي على حصيرٍ .
نا وكيعٌ ، عن سفيان ، عن توبة العَنْبري ، عن نافع ، عن ابن عمر
أنه كان يُصلي على حَصيرٍ .
الرابعة : استحباب صلاة الضحى .
الخامسة : جواز التطوع بالجماعة .
السادسة : جواز ترك الجماعة لأجل السِّمن المُفْرِط ، وزعم ابن حبان
في كتابه (( الصحيح)) أنه تتبع الأعذار المانعة من إتيان الجماعة من السنن
فوجدها عشراً : المرض المانع من الإتيان إليها ، وحضور الطعام عند
(١) في الأصل: ((إنا جعلنا)).
(٢) سورة الإسراء: (٨).
(٣) انظر هذه الآثار وما بعدها في مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٨/١ - ٣٩٩).
- ٢٠٤ -

المغرب ، والنسيان العارض في بعض الأحوال ، والسِّمن المُفْرِط ، ووجود
المرء حاجته في نفسه ، وخوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى
المسجد ، والبرد الشديد ، والمطر المؤذي ، ووجود الظلمة التي يخاف المرء
على نفسه المشي فيها ، وأكل الثوم والبصل والكراث .
[١/ ٢٢٣-٢]
/ ٦٣٩ - ص - نا مسلم بن إبراهيم: نا المثنى بن سعيد: نا قتادة ، عن
أنس بن مالك أن النبي - عليه السلام - كان يَزورُ أُمَّ سُلَيم فتُدركهُ الصلاةُ
أحياناً، فيُصلِّي على بساط لنا وهو حَصِيرٌ نَّضحُهُ بالماء (١) .
ش - المثنى بن سعيد : القَسّام ، أبو سعيد الضبعي الذارع البصري ،
كان نازلاً في بني ضبيعة ولم يكن منهم ، رأى أنس بن مالك . وسمع :
قتادة ، ونصر (٢) بن عمران ، ولاحق بن حميد ، وغيرهم . روى عنه :
يزيد بن زُريع ، ويحيى بن سعيد ، وأبو الوليد الطيالسي ، وغيرهم .
قال أحمد وابن معين : هو ثقة . روى له : الجماعة (٣).
قوله : ((كان يزور أمّ سليم )) وهي : أم أنس بن مالك .
قوله: ((أحياناً)) نَصْب على الظرف؛ وهي جمعُ (( حين)).
قوله: ((وهو حصيرٌ)) جملة اسميّة وقعت تفسيراً لقولها: ((على بساط
لنا )» ، والمراد من هذه الصلاة : النوافل التي تصلى قبل الفرائض ؛ لأنه
-عليه السلام - ما كان يصلي الفرض إلا مع الجماعة ، أو المراد منها :
صلاة الضَّحَى . ويستفاد من الحديث : جواز زيارة الأصحاب ، وجواز
الصلاة على الحَصير من غير كراهة .
٦٤٠ - ص - نا عُبيد الله بن عمر بن ميسرة، وعثمان بن أبي شيبة بمعنى
الإسناد والحديث قالا : نا أبو أحمد الزبيري ، عن يونس بن الحارث ، عن
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((نضر)) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٧٧٢) .
- ٢٠٥ -

أبي عَوْن ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شعبة قال : كان رسول الله يُصلي على
الحصير وَالفروة المَدْبوغة (١).
ش - أبو أحمد : اسمه : محمد بن عبد الله بن الزَّبير بن عُمر الكوفي
الزَّبيري ، ويونس بن الحارث : الطائفي .
وأَبُو عَوْنِ : هو محمد بن عُبيد الله بن سعيد أبو عون الثقفي الأعور
الكوفي . سمع : جابر بن سمرة ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن
ابن أبي ليلى وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، وشعبة ، والثوري . قال
ابن سعد : توفي في خلافة خالد بن عبد الله . روى له : الجماعة إلا ابن
ماجه (٢) .
وأبوه : عُبَيْد الله بن سَعِيد الثقفي . روى عن : المغيرة بن شعبة .
روى عنه : ابنه : أبو عون . قال أبو حاتم : هو مجهول . روى له :
أبو داود(٣).
قوله: (( والفروة المدبوغة )) أي : الجلد المدبوغ . وبهذا استدل أصحابنا
أن السجدة على الجلد لا تكره . وقال مالك : تكره ، وكذا الخلاف في
المِسْح ؛ وهو قول الأسْود . وقال أبو بكر : نا جرير ، عن مغيرة ، عن
إبراهيم ، عن الأسود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس
والفراء والمسوح .
ولنا ما رواه أبو بكر قال : نا أبو أسامة ، عن مجالد ، عن عامر قال:
صليت مع ابن عباس في بيته على مسح يَسْجد عليه .
نا أبو أسامة ، عن عيسى بن سنان قال : رأيت عمر بن عبد العزيز
يصلي على مِسْح .
نا هشيم ، عن مجالد ، عن عامر ، عن جابر أنه صلى على مِسْح .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٤٣٣/٢٦) .
(١) تفرد به أبو داود .
(٣) المصدر السابق (١٩/ ٣٦٤٠).
- ٢٠٦ -

نا عائذ بن حبيب ، عن أبيه ، عن رجل من بكر بن وائل قال : رأيت
عليا يُصلي على مُصلى من مُسوح يركعُ عليه ويَسْجدُ .
نا هشيم قال : أنا الأعمش ، عن سعيد بن جبير قال : صلى بنا ابن
عباس على طنفسةٍ .
وعن ابن عمار قال : رأيت عُمر يصلي على عَبْقري . وعن بكر بن
عبد الله المزني يقول : إن قيْس بن عباد القيسي صلى على لَبِد دابته . وعن
إسماعيل بن أبي خالد : رأيت مُرة الهمداني يُصلي على لبدٍ .
٨٧ - بَابُ: الرَّجل يَسْجُد على ثَوْبِه
أي : هذا باب في بيان الرجل الذي يسجد على ثوبه ، وفي بعض
النسخ: ((باب ما جاء )».
٦٤١ - ص - نا أحمدُ بن حنبل: نا بِشْر - يعني : ابن المفضل - : نا
غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن مالك قال : كنا نُصلي مع
رسول الله - عليه السلام - في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن
وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد علیه (١) .
ش - غالب القطان : هو غالب بن خَطَّاف وهو ابن أبي غيلان القطان
البَصْري الراسبي ، وهو مولى عبد الله بن عامر بن كريز . قال أحمد :
خطاف بفتح الخاء . وقال ابن معين : بضمها . روى عن : الحسن
البصري ، وبكر بن عبد الله المزني ، والأعمش ، وغيرهم . روى عنه :
-
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: السجود على الثوب (٣٨٥)، مسلم : كتاب
المساجد ، باب : استحباب تقديم الظهر في أول الوقت (١٩١/ ٦٢٠)،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما ذكر في الرخصة من السجود على الثوب
(٥٨٤)، النسائي: كتاب التطبيق، باب: السجود على الثياب (٢١٥/٢)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : السجود على الثياب في الحر والبرد
(١٠٣٣).
- ٢٠٧ -

شعبة ، وعبد الله بن شوذب ، وبشر بن المفضل ، وغيرهم . قال أحمد:
ثقة ثقة . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صدوق صالح . روى
له الجماعة (١) .
والحديث : أخرجه الأئمة الستة ؛ وعند النسائي : كنا إذا صلينا خلف
رسول الله - عليه السلام - بالظهائر سجدْنا على ثيابنا اتقاء الحرّ . وعند
[٢٢٣/١ -ب] ابن أبي شيبة : كنّا نصلي مع النبي - عليه السلام - / في شدّة الحرّ والبَرْد
فَيَسْجُد على ثوبه .
قال : وحدَّثنا شريك ، عن حُسَين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن
النبي - عليه السلام - صلى في ثوب واحدٍ يتقي بفضوله حرّ الأرض
وبردها .
ومن حديث إبراهيم قال : صلّى في ثوب واحد يتقي بفضوله حرّ
الأرض وبَرْدها . ومن حديث إبراهيم قال : صلى عمر ذات يومٍ بالناس
الجمعةَ في يوم شديد الحرّ ، فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه،
ثم قال : يا أيها الناسُ، إذا وجد أحدكم الحرّ فليَسْجد على طرف ثوبه .
ورواه زيدُ بن وهب ، عن عمر بنحوه ، وأمر به إبراهيم -أيضاً-، وعطاء،
وفعله مجاهد . وقال الحسن : لا بأس به ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
وأحمد وإسحاق والشعبي وطاوس والأوزاعي . وقال الشافعي: لا يجوز،
والأحاديث حجة عليه . وقال الخطابيّ : تأويل حديث أنس عنده : أن
يَبْسط ثوباً هو غيرُ لابسه .
قلت : الأحاديث المذكورة يردّ (٢) هذا التأويل وتَخدُش فيه .
٨٨ - بَابُ: تفْريع أبواب الصَّفَوف
أي : هذا باب في بيان تفريع أبواب الصفوف ؛ وإنما قال : تفريع
(١) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٦٧٨/٢٣).
(٢) كذا .
- ٢٠٨ -

أبواب الصفوف ؛ لأن أحكام الصفوف كثيرة ، ذكرها أولاً بالعموم ، ثم
شرع في ذكرها مُبيناً كلَّ نوع من أنواعها في باب مُستقلٍ بذاته .
٨٩ - تَسْويةُ الصُّقُوف (١)
أي : هذا الذي نذكره من الأحاديث هي تسوية الصفوف ، أي : بيان
تسوية الصفوف ، فيكون ارتفاع التسوية على أنها خبر مبتدإٍ محذوف ،
ويجوز أن يكون (( تسوية الصفوف )) مبتدأ وخبره محذوفاً ؛ والتقدير :
تسوية الصفوف هذه ، أي : أحكام تسوية الصفوف هذه ، ويجوز
انتصاب التسوية على تقدير : هاكَ تسْويةَ الصفوف .
٦٤٢ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي : نا زهير قال : سألتُ سليمان
الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة ، فحدثنا عن
المسیب بن رافع ، عن تميم بن طرفة ، عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله
﴿ف * : (( ألا تصُفّون كما تصفَّ الملائكة عند ربهم ؟ » قلنا : وكيف تصف
الملائكةُ عند ربهم ؟ قال: « يُتمون الصفوف المقدّمة ، ويتراصّون في
الصَّفَّ) (٢).
ش - زهير : ابن معاوية ، والمسيّب بن رافع: الأسدي ، والد العلاء.
وتميم بن طرفة : الطائي الكوفي . سمع : جابر بن سمرة ، وعدي بن
حاتم الطائي ، والضحاك بن قيس الفهري . روى عنه: سماك بن حرب،
(١) في سنن أبي داود: (( باب تسوية الصفوف)).
(٢) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة
باليد ورفعها عند السلام وإتمام الصفوف والتراص فيها والأمر بالاجتماع
(٤٣٠/١١٩)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب : حث الإمام على رص
الصفوف والمقاربة بينها (٩٢/٢) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب :
إقامة الصفوف (٩٩٢) .
١٤ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٢٠٩ -

والمسيب بن رافع . مات سنة أربع وسبعين. روى له : مسلم، وأبو داود،
والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله: ((ألا تصفون)) كلمة ((أَلا)) للتحضيض ؛ وهو حثّهم على أن
يصفوا كصفّ الملائكة .
قوله: ((عند ربهم)) اعلم [أن ] كلمة ((عند)) للحضُور الحسّ؛ نحو
فَلَمَّا رَاهُ مُسْتَقِرا عندَهُ﴾ (٢)، والمعنوي نحو: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ
مِّنَ الْكِتَابِ﴾ (٢)، وللقُرْب نحو: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَّ الْمُصْطَفَّيْنَ
الأَخْيَارِ﴾ (٣) ((وعند ربهم)) من هذا القبيل ، ويجوز فتح عينها وضمها،
والكسر أكثر ، ولا تقع إلا ظرفاً أو مجرورة بمِنْ ، وقول العامة : ذهبت
إلى عنده لحنٌ .
قوله: (( ويتراصّون)) أي: يتلاصقون حتى لا يكون بينهم فُرج ، من
رصّ البناء يرصّه رَصا ، إذا ألصق بعضه ببَعْضٍ ، فافهم .
ويُستفاد من الحديث : استحباب إتمام الصف الأول ، واستحباب
التَّراصّ في الصفوف . والحديث أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه.
٦٤٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة،
عن أبي القاسم الجدَلي قال : سمعتُ النعمان بن بشير يقولُ : أقبلَ رسولُ الله
على الناس بوَجْهه فقال: ((أقيموا صفوفكم)) - ثلاثاً - ((والله لتقيمنّ
صفوفكم أو ليخالفن اللهُ بين قلوبكم )) . قال : فرأيت الرجل يُلْزُقُ منكبه
منکب صاحبه، ور کبته بر کبة صاحبه، و کعبه بکعبه (٤) .
ش - أبو القاسم هذا : اسمه : الحسين بن الحارث أبو القاسم الجدلي
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٠٤/٤).
(٢) سورة النمل : (٤٠) .
(٤) تفرد به أبو داود .
(٣) سورة ص : (٤٧) .
- ٢١٠ -

- جَديلة قيس - الكوفي . سمع : ابن عُمر ، والنعمان بن بشير ،
والحارث بن حاطب ، وغيرهم . روى عنه : عطاء بن السائب ، وشعبة،
وابن أبي زائدة . روى له : أبو داود (١).
قوله: ((لتُقيمُن)) بضم الميم؛ لأن أصله: ((تُقيمون )) دخل عليه نون
التأكيد الثقيلة ، وحذفت الواو لالتقاء / الساكنين .
[١ / ٢٢٤-١]
قوله : ((أو ليخالفن اللهُ )) بفتح اللام الأولى ؛ لأنها لام التأکید ، وکسر
اللام الثانية وفتح الفاء ؛ ولفظ ((الله)) مرفوع بالفاعليّة.
اعلم أن ((أَوْ)) في الأصل موضوع لأحد الشيئين أو الأشياء ، وقد
تخرج إلى معنى (( بل)) وإلى معنى (( الواو)) ، وهي حرف عطف ، ذكر
المتأخرون لها معاني كثيرةً ، وهاهنا لأحد الأَمْرين ؛ لأن الواقع أحد
الأمرين إما إقامة الصفوف أو المخالفة ، والمعنى : أو ليخالفن الله إن لم
تُقيموا ؛ لأنه قابلَ بين الإقامة وبينه ، فيكون الواقع أحد الأمرين . ومعنى
المخالفة بَيْن القلوب : أن يَتَغيرَ بعضُهم على بَعْضٍ ، فإن تقدّم الإنسان على
الشخص أو على الجماعة وتخليفه إياهم من غير أن يكون مقاماً للإمامة ،
قد يُوغر صدورهم؛ وذلك موجب لاختلاف قلوبهم .
قوله: (( يُلزق منكبه)) - بضم الياء - من ألزق أي: يُلصق ، يقال :
لزقَ به لزوقاً أي : لصق به ، وألزقه به غيره .
قوله : « و کعبه بکعبه » أي : یلزق كعبه بکعب صاحبه . وفيه ما يدل
على أن الكعب هو العَظم الناتِئ في مَفْصل الساق والقدم ، وهو الذي
يمكن إلزاقه ، خلافاً لمنْ قال : إنه مَعْقد الشراك من ظهر القدم . وأنكر
الأصمعي قول من قال : إنه في ظهر القدم ؛ قاله الشيخ زكي الدين في
((مختصره )).
قلت : نعم ، إن الكعب هو العظم الناتئ في مفصل الساق والقدم ؛
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣٠٢/٦)، و(٣٤/ ص١٩٣).
- ٢١١ -

وهو الصحيح عنْدنا - أيضاً - فكأنّه يُشنّعُ بقوله: (( خلافاً لمنْ قال : إنه
مَعْقد الشراك من ظهر القدم )» على أصحابنا ؛ فإن هشاماً روى عن محمد
ابن الحسن أن الكَعْب هو المفصل الذي على وسط القدم عند مَعْقد
الشراك؛ ولكن تفسير محمد هذا ليس في باب الوضوء ؛ وإنما هو في باب
الحج ، والخصمُ - أيضاً - يُفسّر الكعب في باب الحج بهذا التفسير .
وبهذا الحديث قالت العلماء : إن إقامة الصف من حسن الصلاة ، وينبغي
للإمام أن يتعهد تسوية الصفوف ؛ فقد كان لعمر ، وعثمان رجال وكَّلاهُم
بتسوية الصفوف .
فإن قيل: قوله - عليه السلام -: ((أقيموا صفوفكم)) أمرٌ قارنه
التكرار ، وذكر معه الوعيد على تركه ، فينبغي أن تكون إقامة الصفوف
واجباً . قلت : فليكن واجباً ؛ ولكنه ليس من واجبات الصلاة بحيث إنه
إذا تركها أَفسَد صلاته أو نقّصها ؛ ولكنه إذا تركها يأثم .
٦٤٤ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا حماد ، عن سماك بن حرب قال:
سمعت النعمان بن بشير يَقولُ : كان النبي - عليه السلام - يُسوّينا في
الصفوف كما يُقُوَّمُ القِدَّحُ، حتى إذا ظنّ أنَا قَدْ أخذنا ذلك عنه وصَفَفْنا(١)،
أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجلٌ منتبذٌ بصدْره فقال: (( لَتُسوَّنَ صفوفَكم أو
ليخالفنّ اللهُ بین وجوهكم)) (٢) .
ش - القدح - بكسر القاف وسكون الدال - : خشب السهم حين
تنحت وتُبْرَى قبل أن يُنصلَ ويُراش ، وجمعها : قداح - بكسر القاف .
والمعنى : يُبالغ في تسويتها حتى تصير كما تقوّم السهامُ .
قوله: ((وصففنا)) وفي نسخة: ((وَصفَّنَا))، وفي رواية: ((وفقهنا)) -
(١) في سنن أبي داود: ((وفقهنا))، وسيذكر المصنف أنها رواية .
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب: إقامة الصف من تمام الصلاة (٧٢٣) ، مسلم:
كتاب الصلاة ، باب : تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها
(١٢٤/ ٤٣٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: إقامة الصفوف (٩٩٣).
- ٢١٢ -

بكسر القاف - أي : فهمنا ؛ من الفقه وهو الفهم ، واشتقاقه من الشَّقِّ
والفتحِ ، يقال : فقِه يَفْقه فِقَهاً - بفتح القاف - وفقْهاً - بسكونها - وفقُه
- بضم القاف - صَار فقيهاً ، وذكر ابن دريد فيه الكسر كالأوّل ، وقد
جعله العُرف خاصا بعلم الشريعة ، وتخصيصاً بعلم الفروع منها .
قوله : ((إذا رجل منتبذٌ بصَدْرِه)) يعني : منفرد من الصف بعيد عنه ،
وثلاثيّه نبذتُ الشيءَ أنبذهُ نبذاً فهوَ مَنْبُوذ، إذا رمَيْتُه وأَبْعدتَه. وفي الحديث:
مرّ بقبر مُنتبذ عن القبور ؛ أي : منفرد بعيد عنها .
قوله: (( لتسون )) بفتح اللام وضم التاء وتشديد الواو وضمها .
قوله: ((أو ليخالفن الله)) الكلام فيه كالكلام في ((ليخالفن)) في
الحديث الأول ؛ ومعنى المخالفة بين الوجوه : يحتمل أن تكون كقوله :
((أن يحول الله صورته صورة حمار)) يخالف بصفتهم إلى غيرها من
المسوخ ، أو ليخالف بوجه من لم يُقِم صفّه ، ويُغيّر صورته عن وجه من
أقامه ، أو ليخالف باختلاف صورها بالمسخ والتغيير، / أو يكون المعنى: [٢٢٤/١-ب]
يوقعٍ بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال : تغيّر وجهُ فلان
عليّ ، أي : ظهر لي من وجهه كراهية لي ، وتغيّر قلبُه عليَّ ؛ لأن
مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم ؛ واختلاف الظواهر هو
سبب لاختلاف البواطن .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم من حديث سالم بن أبي الجعد،
عن النعمان بن بشير ؛ فلفظ البخاريّ : قال النبي - عليه السلام - :
(تسوّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)). ولفظ مسلم: ((كان
يُسوي صفوفنا حتى كأنما يسوّي بها القداح ، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه
خرج يوماً فقام حتى كاد أن يكبر ، فرأى رجلاً بادياً صدره فقال: (( عباد
الله، لتسون صفوفكم )) . وعند ابن ماجه : كان يسوّي الصفّ حتى
يجعله مثل الرمح أو القدح ، قال : فرأى صدرَ رجلٍ ناتئاً فقال الحديث .
وعند الترمذي ، عن النعمان بن بشير قال: (( كان رسول الله يسوّي
صفوفنا، فخرج يوماً فرأى رجلاً خارجاً صدرُه عن القوم ، فقال
- ٢١٣ -

الحدیث، وقال : حديث النعمان حديث حسن صحيح . وقد روي عن
النبي - عليه السلام - أنه قال: (( من تمام الصلاة: إقامة الصفّ)).
وروي عن عمر أنه كان يُوَكِّلُ رجالاً بإقامة الصفوف ، فلا يكبر حتى يخبر
أن الصفوف قد استوت . وروي عن عليّ وعثمان أنهما كانا يتعاهدان ذلك
ويقولان : استؤُوا ، وكان عليّ يقول : تقدّمْ يا فلان وتأخرْ يا فلان.
٦٤٥ - ص - نا هنّادُ بن السَّريّ، وأبو عاصم بن جوّاس الحنفي ، عن
أبي الأحوص ، عن منصور، عن طلحة الإيامي (١) ، عن عبد الرحمن بن
عَوْسجة ، عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله يتخللُ الصفَّ من ناحية
إلى ناحيةٍ يَمْسحُ صِدُورَنَا ومَنَاكبنا ، ويَقُولُ: (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)،
وكان يقولُ: ((إن الله وملائكته يُصلّون على الصفُوف الأُوَلَ)) (٢).
ش - أَبُو عاصم : أحمد بن جواس الحنفي الكوفي . سمع :
أبا الأَحْوص ، وابن المبارك ، ومحمد بن الفضل ، وغيرهم . روى عنه :
أبو زرعة ، ومسلمٌ ، وأبو داود ، وغيرهم . مات سنة ثمان وثلاثين
ومائتين (٣) .
وأبو الأحوص : سلام بن سليم ، ومنصور : ابن المعتمر ، وطلحة :
ابن مصرف الإِيامي (٤) الهَمْداني الكوفي ، وعبد الرحمن بن عوسجة
التميمي الهَمْداني الكوفي .
قوله : ((يتخللُ الصفّ)) أي : يدخل في أثنائه ؛ وأصل التخلل من
إدخال الشيء ني خلال الشيء أي : وَسْطه .
قوله: (( يَمْسح)) بدل من قوله: (( يتخلّل ، أو عطف بحذف حرف
العطف ؛ وحرف العطف قد يُحذف .
(١) في سنن أبي داود: ((اليامي)).
(٢) النسائي: كتاب الإمامة، باب: كيف يقوّم الإمام الصفوف (٨٩/٢).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢١/١). (٤) كذا .
- ٢١٤ -

قوله: (( فتختلفَ)) بالنصب جواب النهي ؛ وأصله : فإنْ تختلفَ ؛
والمعنى : إن يكن منكم اختلافٌ في الصفوف فاختلافُ القلوب من الله ؛
وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبَي﴾ (١)،
والمعنى : إن يكن منكم طغيان فإحْلال غضب من الله .
قوله: ((يصلّون)) قد ذكرنا غير مرة أن الصلاة من الله: الرحمة ، ومن
الملائكة : الاستغفار ، ومن المؤمنين : الدعاء . والحديث أخرجه النسائي.
وعند أحمد: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف
الأول )) .
٦٤٦ - ص - نا ابن معاذ : نا خالد - يعني : ابن الحارث - : نا حاتم
- يعني : ابن أبي صغيرة - ، عن سماك قال : سمعتُ النعمان بن بشير قال :
كان رسولُ الله يُسَوِّي صفوفنا إذا قمنا للصلاة إذا استويّنا كبّر (٢).
ش - ابن معاذ : عُبيد الله .
وحاتم بن أبي صغيرة : أبو يونس القشيري مولى بني قشير من أهل
البصرة ، واسم أبيه : مسلم ، يَرْوي عن : عمرو بن دينار ، وسماك بن
حَرْب . روى عنه : شعبة ، ويحيى القطان ، وأبو صغيرة الذي نسب إليه
حاتم : أبو أمّه .
قلت: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ولم أجده في ((الكمال)) فكأنه
سقط من الشيخ أو من الناسخ (٣) .
قوله: ((إذا استوينا)) بدل من قوله: ((إذا قمنا))، وبه أخذ مالك، أن
الإمام يشرع بعد الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف .
٦٤٧ - ص - نا عيسى بن إبراهيم الغافقي : نا ابن وهب ح، ونا قتيبةُ : نا
الليثُ - وحديثُ ابن وهب أتم - ، عن معاوية بن صالح ، عن
(١) سورة طه: (٨١).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٩٩٦/٥).
- ٢١٥ -

أبي الزاهريّة ، عن كثير بن مرة ، عن عبد الله بن عمر . قال قتيبةُ : عن
أبي الزاهريّة ، عن أبي شجرة ؛ لم (١) يذكر ابن عمر أن رسول الله - عليه
[٢٢٥/١-١] السلام - قال: ((أقيموا الصفوفَ / وحاذُوا بَيْن المناكب، وسُدُّوا الخَللَ
ولينُوا بِأَيْدي إخوانكم)) - لم يَقُلْ عيسى: ((بأَيْدِي إخوانكم)) - (( ولا تَذَرُوا
فُرْجَات للشيطان، ومَنْ وَصَلَ صفا وصَله الله ، ومَّنْ قطعَ صفا قطعه
اللهُ)(٢)،َ (٣) .
ش - عيسى بن إبراهيم : ابن عيسى بن مَثْرُودِ الغافقي مولاهم المَثْرودي
الأَحْدُبي نسبة إلى أَحْدب - بالحاء المهملة - بطنٌ من غافق ، أبو موسى
البصري . روى عن : ابن عيينة ، وابن وهب ، وحجاج بن سليمان ،
وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، والنسائي ، ومحمد بن إسحاق ،
وغيرهم . توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة إحدى
وستين ومائتين ، وكان مولده سنة سبعين ومائة ، وكان ثقة ثبتاً (٤).
وابن وهب : هو عبد الله بن وهب ، والليث : ابن سَعْد ، ومُعاوية
[ابن] صالح : أبو عمرو الحمصي ، قاضي أندلس.
وأبو الزاهرية : حُدَير بن كُريب - بالحاء المهملة - المخرمي ، ويقال :
الحميري الحمصي . روى عن : حذيفة ، وأبي الدرداء ، وابن عَمرو ،
ورافع بن عُمير ، وغيرهم . روى عنه : معاوية بن صالح ، وسعيد بن
سنان ، والأحوص بن حكيم ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال
أبو حاتم : لا بأس به . وقال الدارقطني : لا بأس به إذا روى عن ثقة .
(١) في سنن أبي داود: ((ولم)).
(٢) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: (( قال أبو داود : أبو شجرة كثير بن مرة .
قال أبو داود: ومعنى ((لينوا بأيدي إخوانكم)): إذا جاء رجل إلى الصف
فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف».
(٣) النسائي: كتاب الإمامة، باب: من وصل صفا (٩٣/٢).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٦١٦/٢٢).
-٢١٦ -

توفي سنة تسع وعشرين ومائة . روى له : مسلم ، وأبو داود ،
والنسائي، وابن ماجه (١) .
وكثير بن مُرّة : الحضرمي الرهاوي ، أبو شجرة ، ويُقال : أبو القاسم
الحمصي . سمع : معاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ،
وعقبة بن عامر الجُهني ، وغيرهم . روى عنه : خالد بن معدان ،
وأبو الزاهريّة ، وداود بن جميل ، وغيرهم . قال الليث ، عن يزيد بن
أبي حبيب : أدرك سبعين بَدْريا . قال محمد بن سَعْد : كان ثقة . وقال
عبد الرحمن بن يوسف : هو صدوق . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه (٢) .
قوله: ((حاذوا)) أي : ساوُوا.
قوله: ((وسدوا الخلل )) أي: الثلمة والفُرْجة.
قوله: « ولینُوا بأيدي إخوانكم )) قال أبو داود : معناه : إذا جاء رجل
إلى الصف فذهب يدخلُ فيه ، فينبغي أن يليّن له كل رجل منكبَيْه حتى
يدخل في الصفِّ .
قوله: ((لم يقل عيسى)) أي: لم يقل عيسى بن إبراهيم المذكور في
روايته: ((بأيدي إخوانكم)) بل اقتصر على قوله: «ولِينُوا)).
قوله: ((ولا تذَروا )) أي : لا تتركوا ، من وذِرَه يذره مثل وسعه يسعه ؛
ولكن أُميت الماضي ولا يُقال : وذره ولا واذر ؛ ولكن يقال : تركه
وتارك. والفُرْجات - بتسكين الراء - جمع (( فُرْجة))؛ ومعنى فرجات
الشيطان : أنه إذا وجَد بَيْن الصفوف مَوْضعاً خالياً يدخل فيه ويُوَسْوس .
والحديث روي مُرسلاً - أيضاً - ؛ أشار إلى ذلك بقوله : ((عن أبي شجرة
لم يذكر ابن عُمر » وهو كثير بن مرة .
٦٤٨ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا أبان ، عن قتادة ، عن أنس بن
(١) المصدر السابق (١١٤٤/٥).
(٢) المصدر السابق (٢٤ / ٤٩٦٣).
- ٢١٧ -

مالك، عن رسول الله - عليه السلام - قال: (( رُصِّوا صفوفكم ، وقاربوا
بيْنِها، وحَاذُوا بالأَعْناق، فوالذي نفسي بيده، إني لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخلُ من
خلل الصفّ كأنها الحَذَفُ)) (١).
ش - أبان : ابن يزيد العطار .
قوله: ((رُصَّوا)) أي: ضُمُوا بَعْضها إِلى بَعْضٍ وقاربوا بينها ، ومنه رَصّ
البناء، قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصَ﴾ (٢).
قوله: ((فوالذي)) الفاء فيه للعطف وفيه معنى السببيّة ، والواو للقسم ؛
والتقدير : فوالله الذي ؛ لأن الواو لا تدخل إلا على اسم مُظهر .
قوله: ((كأنها الحذفُ)) - بفتح الحاء المهملة ، وفتح الذال المعجمة ،
بعدها فاء - جمع حذفة ؛ وهي غنم صغارٌ سُودٌ أكثر ما تكون باليمن ،
وقيل : هي صغار جُرّدٌ ليس لها آذان ولا أذناب ، يجاء بها من جُرَش
اليمن ، وقيل: هي غنم صغار حجازيّة . وعند الحاكم: ((رصّوا
الصفوف لا يتخللكم مثلُ أولاد الحَذَفِ )) قيل: يا رسول الله، وما أولاد
الحذَف؟ قال: ((غنم سُودٌ صغارٌ تكون باليمن )) وصحّحه .
٦٤٩ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي ، وسليمانٍ بن حرب قالا: نا شعبة،
عن قتادة ، عن أنس قال: قال رسول الله: (( سَوّوا صفوفكم ؛ فإن تسوية
الصفِّ من تمام الصلاة)) (٣).
ش - أخرجه البخاريّ، ومسلم ، وابن ماجه ؛ وفي رواية: (( من
حُسن الصلاة)) ، وعند السراج من حديث شعبة : قال قتادة : قال أنس :
[٢٢٥/١ -ب) إن من حسن الصلاة: / إقامة الصف ، وفي لفظ: من تمام الصّلاة .
ثم إن تَسْوية الصفوف من سُنَّة الصلاة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي،
(١) النسائى: كتاب الإمامة ، باب: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها
(٢/ ٩٢) .
(٢) سورة الصف : (٤) .
(٣) البخاري : كتاب الأذان ، باب: إقامة الصف في تمام الصلاة (٧٢٣) ، مسلم:
كتاب الصلاة ، باب : تسوية الصفوف وإقامتها (٤٣٣) ، ابن ماجه : كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب : إقامة الصفوف (٩٩٣) .
- ٢١٨ -

وزعم ابن حزم أنه فرض ؛ لأن إقامة الصلاة فرض ، وما كان من الفرض
فهو فرض ؛ قال عليه السلام: (( فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)).
قلنا: قوله: ((فإنه من حُسْن الصلاة)) يدل على أنها ليْست بفرضٍ؛
لأن ذلك أمر زائد على نفس الصلاة، ومعنى قوله: (( من تمام الصلاة»:
من تمام كمال الصلاة ؛ وهو - أيضاً - أمر زائد ، فافهم .
٦٥٠ - ص - نا قتيبة بن سعيد : نا حاتم بن إسماعيل ، عن مصعب بن
ثابت بن عبد الله بن الزبير ، عن محمد بن مسلم بن السائب صاحب
المقصورة قال : صلیتُ إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال : هل تَدْري لم
صُنْع هذا العُودُ؟ فقلت: لا والله ، قال: كان رسولُ الله يَضَع علیه یده (١)
فِيَقُولُ: ((استَوُوا وأعْدلوا (٢) صفَوفكم)) (٣).
ش - حاتم بن إسماعيل : الكوفي المدني ، نزل المدينة .
ومُصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير : ابن العوام القرشي الأسدي
المديني . سمع : أبا حازم ، وعمّه : عامر بن عبد الله بن الزبير ، وهشام
ابن عروة . روى عنه : ابن المبارك ، وعيسى بن يونس ، وابنه : عبد الله
ابن مصعب ، وغيرهم . قال أبو زرعة : ليس بقوي . وقال ابن معين :
ضعيف . وقال أبو حاتم : صدوق كثير الغلط ، ليس بالقوي . مات
بالمدينة سنة سبع وخمسين ومائة ، وهو ابن ثلاث وسبعين . روى له :
أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
ومحمد بن مسلم بن السائب : ابن خبّاب (٥) صاحب المقصورة .
سمع : أنس بن مالك . وروى عن : أبي عبد الرحمن مولى أم فهْكُم (٦)
(١) في سنن أبي داود: ((يده عليه)). (٢) في سنن أبي داود: ((وعدلوا)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٩٨٠).
(٥) في الأصل: (( جناب )) خطأ .
(٦) في الأصل: (( فكهم)).
- ٢١٩ -

روى عنه : مصعب بن ثابت ، والعلاء بن عبد الرحمن . روى له :
أبو داود (١) .
قوله: (( وأعدلوا)) - بفتح الهمزة - من أَعْدل يُعدِل بمعنى عَدَّلُوا.
٦٥١ - ص - نا مسدد : نا حُمید بن الأسود : نا مصعب بن ثابت ، عن
محمد بن مسلم ، عن أنس بن مالك بهذا الحدیث قال : إن رسول الله كان
إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: (( اعتدلوا ، سَوّوا صفوفكم ))
ثم أخذه بيساره وقال (٢): ((اعتدلوا، سوّوا صفوفكم)) (٣).
ش - حُمَيد بن الأسود : الكرابيسي أبو الأسود البصري . روى عن :
عبد الله بن عون ، وحجاج الصواف ، وأسامة بن زيد ، وغيرهم . روى
عنه : ابن المبارك ، ومسدّد ، ونصر بن علي ، وغيرهم . قال أبو حاتم :
ثقة . روى له : البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٤).
قوله: (( بهذا الحديث)) إشارة إلى الحديث المذكور .
قوله: ((أخذه)) أي : أخذ العُود ؛ وهو العود المذكور في الرواية الأولى
من الحديث .
قوله: ((سوّوا)) بيان لقوله: ((اعتدلوا)).
٦٥٢ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري : نا عبد الوهاب - يعني :
ابن عطاء - ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس أن رسول الله - عليه السلام -
قال: (( أتموا الصفّ المقدّم ثم الذي يليه ، فما كان من (٥) نقص فليكن في
الصف المؤخر )) (٦).
ش - عبد الوهاب : ابن عطاء أبو نصر الخفاف البصري ، وسعيد :
ابن أبي عروبة .
(١) المصدر السابق (٥٦٠٣/٢٦).
(٢) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٣) انظر التخريج المتقدم. (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٥٢٣/٧).
(٥) في الأصل: ((في))، وما أثبتناه من الشرح وسنن أبي داود .
(٦) النسائي : كتاب الإمامة، باب: الصف المؤخر (٩٣/٢).
- ٢٢٠ -