Indexed OCR Text

Pages 41-60

كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها ، وكثرة جماعتها ، وشرف
البقعة ، ونحو ذلك . وقد قيل : إن الدرجة غير الجزء ؛ وهذا ليس
بصحيح ؛ لأن في ((الصحيحين)): ((سبعاً وعشرين درجةً)) و((خمساً
وعشرين درجة)) ، فاختلف القدرُ مع اتحاد لفظ الدرجة . والجواب عن
تنصيص هذا العدد قد ذكرتُه في الكتاب مستوفّی .
قوله: ((وذلك بأن أحدكم )) تعليل للحكم السابق بأنه لا يَحْصل إلا
بأمُور هي علة لحصول تلك الفضيلة وهي : الوضوء ، والإحسان فيه ،
والمشي إلى المسجد لأجل الصلاة، كما بيّنه بقوله: ((إذا توضأ فأحسن
الوضوء)) أي: أسبغه، وأتى بشرائطه وآدابه ، وأتى المسجد ، أي :
مسْجد الجماعة ، لا يُريد إلا الصلاة ؛ لأن الأعمال بالنيات ، حتى إذا أتى
المسجد لا لأجل الصلاة ؛ بل لأجل حاجة لا تحصل له تلك الفضيلة ؛
لأن الحكم يترتب على وجود العلة ، فمتى انتفت العلة انتفى المعلول .
قوله : ((لا يُنْهزُه)) أي: لا يَبْعثه ولا يُشْخصه إلا ذلك؛ ومنه : انتهاز
الفرصة ؛ وهو الانبعاث لها والمبادرة . وينهزه - بفتح الياء - من نهز
الرجل نهض ، وضبطه بعضهم بضم الياء ، وقيل : إنها لغة .
قوله: ((إلا الصلاة)) مرفوع لأنه فاعل لقوله: ((لا ينهزه)).
قوله: ((خطوةً)) - بفتح الخاء - لأن المراد بها : فعل الماشي .
قوله: (( بها )) أي : بمقابلة تلك الخطوة .
قوله: (( حتى يدخل المسجد)) أي : إلى أن يدخل المسجد .
قوله : (( ما كانت الصلاة هي تحبسُه)) أي: تَمْنعه عن الخروج ؛ وفي
بعض الرواية: (( هي)) ليست بموجودة ؛ وهذا يسمى ضمير الفصل
والعماد ؛ لأنه يفصل بين كون ما بعده خبراً وصفةً ؛ وسمي عماداً لكونه
عمدة بيان الغرض ؛ فالأول للبصريين ، والثاني الكوفيين . وكلمة (( ما ))
بمعنى المدة ، والتقدير : كان في حكم الصلاة مدة حبس الصلاة إياه .
قوله: (( يصلون )) أي : يَسْتغفرون لكم .
- ٤١ -

قوله: ((يقولون)) بدل عن قوله: ((يصلون))، وتفسير لمعنى قوله :
((يصلون))، ولذلك ترك العاطف .
قوله: ((ما لم يُؤذ فيه)) أي : ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحداً
بقوله أو فعله من الإيذاء .
وقوله: ((أو يحدث)) عطف عليه ؛ فلذلك جزم ، من الإحداث بمعنى
[١٩٢/١-١] الحدث ؛ لا من / التحديث، وقد مرّ مثله مرةً. والحديث : أخرجه
البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجه بنحوه .
٥٤٢ - ص - نا محمد بن عيسى : نا أبو معاوية ، عن هلال بن ميمون ،
عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله وَله: ((الصلاةُ
في الجماعة (١) تعدلُ خمساً وعشرينَ صلاةً ؛ فإذا صَلَاهَا في فَلاة ، فأتَمّ
رُكُوعَهَا، وَسُجُودَها، بلغَتْ خمسينَ صلاةٌ)) (٢) .
ش - محمد بن عيسى : الطباع ، وأبو معاوية : الضرير ، وهلال بن
ميمون : الجُهني الرملي .
قوله : ((تَعْدِلُ)) بمعنى تعادل أي : تُماثل ؛ من العِدْل - بكسر العين -
وهو ما عادل الشيء من جنْسه ؛ وبالفتح : ما عادل من غير جنسه .
قوله: ((في فلاة)) الفلاة: المفازة ، والجمع : فَلاً .
قوله: (( فأتم)) إتمام الركوع والسجود ؛ وهو الطمأنينة فيهما والإتيان
بتَسْبيحاتهما .
قوله: « بلغت خمسين صلاةً » أي : بلغت صلاته تلك خمسین صلاة،
والمعنى : يحصلُ له أجر خمسين صلاة ؛ وذلك ضعف ما يحصل له في
الصلاة في الجماعة . وأخرجه ابن ماجه مختصراً .
(١) في سنن أبي داود: ((جماعة)).
(٢) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب: فضل الصلاة في جماعة (٧٨٨)
مختصراً .
- ٤٢ -

ص - قال أبو داود: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: ((صَلاةُ
الرجلِ في الفَلَاةِ تُضَاعَفُ على صلاته في الجَمَاعة )) وسَاقَ الحديثَ .
ش - عبد الواحد بن زياد : أبو بشر البصري العبدي . وأخرج أبو بكر
ابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - عليه
السلام -: (( صلاة الرجل في جماعة تزيدُ على صلاته وحده خمساً
وعشرين درجةً ، وإن صلاها بأرض فلاة فأتم وضوءها وركوعها
وسجودها، بلغت صلاته خمسين درجةً )).
٥٤٣ - ص - نا(١) يحيى بن معين : نا أبو عبيدة الحداد : نا إسماعيل
أبو سليمان الكحال ، عن عبد الله بن أَوْسٍ ، عن بُريدة ، عن النبي - عليه
السلام - قال: ((بَشِّرِ المَشَّائِينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ
القيامة))(٢).
ش - أبو عُبيدة : عبد الواحد بن واصل السّدُوسي مولاهم البصري
أبو عبيدة الحداد . سمع : شعبة ، وسعيد بن أبي عروبة ، وإسرائيل بن
يونس وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وزهير بن
حرب ، وغيرهم . قال أبو داود : ثقة . توفي سنة تسعين ومائة . روى
له : البخاري ، وأبو داود ، والنسائي (٣).
وإسماعيلُ بن سليمان الكحّال : أبو سليمان البصري الضبيّ ، ويُقال :
الْيَشْكري . سمع : ثابتاً البناني ، وعبد الله بن أَوْس الخزاعي . روى
عنه: أبو عبيدة الحداد ، والنضر بن شميل ، ويحيى بن كثير ، وغيرهم .
وقال أبو حاتم : صالح الحديث . روى له : أبو داود ، والترمذي (٤).
(١) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت (( باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في
الظلام )) .
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة
(٢٢٣) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٩٣/١٨).
(٤) المصدر السابق (٤٥١/٣).
- ٤٣ -

وعبد الله بن أوس : الخزاعي . روى عن : بُريدة ، روى عنه :
إسماعيل بن سليمان . روى له : أبو داود ، والترمذي (١) .
وبُريدة : ابن الحُصَيْب .
قوله: ((بَشر المشائين)) البشارة: الإخبار بما يُظهر سرور المخبَر به ،
ومن ثم قالت الفقهاء : إذا قال الرجل لعَبِيده : أيكم بشّرني بقدوم فلان
فهو حر ، فبَشّروه فرادى عتق أولهم ؛ لأنه هو الذي أظهر سُروره بخبره
دون الباقين، ولو قال مكان ((بشرني)): ((أخبرني)) عتقوا جميعاً؛
لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه ((البشرة)) لظاهر الجلد ، وتباشير الصباح:
ما ظهر من أوائل ضوئه . والمشائين : جمع مَشّاء ؛ مبالغة ماشي ؛ وصيغة
التفعيل إما لتكثير الفعل نحو طَوّفتُ ، أو لتكثير الفاعل نحو : مَوّت
الحيوان إذا كثر فيها الموتُ ، ومَوّت المال أي : مات أعداد كثيرة من المال ؛
والمال : هو الحيوان ، أو لتكثير المفعول ؛ وهو إنما يكون إذا كان الفاعل
واحداً ومفعولاته كثيرةً ولفظ الفعل واحداً ، كقولك : قطّعت الثياب ،
أي: قطعت ثياباً كثيرةً ، وغلقت الأبواب ، أي : أغلقت أبواباً كثيرةً .
والمراد هاهنا من هذه الصيغة : تكثير الفعل ؛ وهو الذي يُكثر مَشْيَه إلى
المساجد في الظلم ؛ والظّلَم - بضم الظاء وفتح اللام - جمع ظُلْمة .
وفيه حث وتحضيض - في كثرة السَّعْي إلى المساجد في ظلمات الليالي ،
وبشارة أن جزاءه يوم القيامة : نور تامّ حين يموج الناس في الظلمات .
والحديث : أخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب . وقال
الدارقطني : تفرّد به إسماعيل بن سليمان ، عن عبد الله بن أوس .
[١/ ١٩٢ -ب]
/ ٤٦ - بَبُ: الهَدْئ في الَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ
أي : هذا باب في بيان الهدي في المشي إلى الصلاة ، وفي بعض
النسخ: ((باب ما جاء في الهدي» (٢)، وفي بعضها: «باب الهُدُوء)».
(١) المصدر السابق (١٤/ ٣١٧٠).
(٢) كما في سنن أبي داود .
- ٤٤ -

الْهُدُوء والهدأ : كلاهما بالهمز في آخره : السكون والوقار ، من هدأً يهدأ
هَدْأةً وهدوءاً وهَدْياً .
٥٤٤ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري أن عبد الملك بن عمرو
حدثھم ، عن داود بن قَیْس قال : حدثني سعد بن إسحاق قال : حدثني
أبو ثمامةَ الحَنَّاطُ ، أن كعبَ بنَ عُجرةً أدْركَهُ وهو يُريدُ المسجدَ ، أَدْركَ
أحدُهما صاحبه ، قال : فوجَدني وأنا مُشبِّكٌ بيديّ فنهاني عن ذلك وقال : إن
رسولَ الله قال: ((إِذَا تَوضَّأَ أحدُكُم ، فأحْسنَ وُضوءَهَ، ثم خَرَجَ عامِداً إلى
المسجد، فَلا يُشبِّكَنَّ يدَيّه؛ فإنه في صَلاة)) (١) .
ش - عبد الملك بن عَمرو : أبو عامر العقدي .
وداود بن قيس : الفراء أبو اليمن الدباغ المدني القرشي مولاهم. سمع:
السائب بن يزيد ، ونافعاً مولى ابن عمر ، وزيد بن أسلم ، وغيرهم .
روى عنه : ابنه : سليمان ، والثوري ، ويحيى القطان ، وأبو عامر
العقدي ، وغيرهم . قال الشافعي : هو ثقة حافظ ، وقال ابن معين
وأبو حاتم : ثقة . مات بالمدينة . روى له : الجماعة إلا البخاري (٢) .
وسَعْد بن إسحاق : ابن كعب بن عجرة الأنصاريّ السالمي . روى
عن: أبيه ، وعمته : زينب بنت كعب . روى عنه : الزهري ، ومالك ،
والثوري ، ويحيى القطان ، وغيرهم . قال ابن معين والدارقطني : هو
ثقة . وقال أبو حاتم : صالح . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه (٣) .
وأبو ثمامة : القمّاح الحناط ، روى عن : كعب بن عجرة ، روى عنه:
سعيد بن أبي سعيد المقبري ، حديثه في أهل الحجاز . قال عباس :
(١) الترمذي : كتاب المواقيت ، باب: ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في
الصلاة (٣٨٦)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما يكره في الصلاة
(٩٦٧) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨/ ١٧٨١).
(٣) المصدر السابق (٢٢٠١/١٠) .
- ٤٥ -

قلت ليحيى : ما القمَّاح ؟ قال : يَبيعُ القمح ، وقال الدارقطني :
أبو ثمامة الحناط ويقال : القمَّاح ، لا يُعرف ، يُترك . روى له: أبو داود،
والترمذي (١) .
وكعب بن عُجرة : ابن أميّة بن عديّ بن عُبيد بن الحارث بن عمرو بن
عوف بن غنم أبو محمد ، أو أبو عبد الله ، أو أبو إسحاق ، شهد بيعة
الرضوان . رُوِيَ له عن رسول الله - عليه السلام - سبعة وأربعون حديثاً؛
اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بأحرف . روى عنه : بنوه : إسحاق ،
وعبد الملك ، ومحمد ، والربيع - بنو كعب - ، وابن عُمر ، وابن
عباس، وابن عَمرو ، وجابر بن عبد الله ، وطارق بن شهاب ، والشعبي،
وابن أبي ليلى ، وغيرهم . مات بالمدينة سنة اثنتين وخمسين ، وله خمس
وسبعون سنةً . روىَ له الجماعة (٢).
قوله : ( وهو یرید » الواو فيه للحال.
قوله: ((مشبك بيديّ)) من تشبيك اليد ؛ وهو إدخال الأصابع بعضها في
بعض والاشتباك بها ؛ وقد يفعله بعض الناس عبثاً ، وبعضهم ليُفُرقع
أصابعه عندما يجد من التمدد فيها ، وربما قعدَ الإِنْسَان فشبّكَ بين أصابعه ،
واحتبی بيديه ، يريدُ به الاستراحة ، وربما استجلب به النوم فيكون ذلك
سبباً لانتقاض طهره ، فقيل لمنْ تطهر وخرج متوجهاً إلى الصلاة : لا
تشبك بين أصابعك ؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها ،
لا يلائم شيءٌ منها الصلاة ، ولا يشاكل حال المُصلي .
قوله: ((فإنه في صلاة)) أي : في حكم صلاة ؛ لأن ما قرب إلى الشيء
يأخذ حكمه .
والحديث : أخرجه الترمذي من حديث سعيد المقبري ، عن رجل غير
(١) المصدر السابق (٧٢٧٢/٣٣).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٩١/٣)، وأسد الغابة
(٤ / ٤٨١)، والإصابة (٢٩٧/٣).
-٤٦ -

مسمى ، عن كعب بن عجرة . وأخرجه ابن ماجه من حديث المقبري ،
عن كعب بن عجرة ؛ ولم يذكر الرجل .
٥٤٥ - ص - نا محمد بن معاذ بن عبّاد العَنْبري : نا أبو عوانة ، عن يعلى
ابن عطاء ، عن معبد بن هرمز ، عن سعيد بن المسيّب قال : حَضَرَ رجلاً من
الأنصار الموتُ فقال : إني مُحدِّثُكُم حديثاً ما أُحَدِّئُكُمُوه إلا احتسَاباً:
سمعتُ رسولَ الله يقولُ: ((إذا تَوضأ أحدُكُم ، فأحسنَ الوُضوءَ، ثم خَرجَ
إلى الصلاة ، لم يَّرفعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إلا كَتَبَ الله له حَسَنَةً ، ولم يَضَعْ قَدمَه
الْيُسْرى إلا حَطَّ اللهُ عنه سَيِّئَةً، فليُقَرِّبْ (١) أو ليُبعِّدْ، فإن أتى المسجدَ ،
فصلَّى في جماعة غُفِرَ له ، فإن أتى المسجدَ وقد صلَّوا بعضاً وبَقِيَ بعضٌ
صَلَّى ما أَدركَ، فَأَتَمّ (٢) ما بَقِيَ كان كذلك، / فإن أتى المسجدَ وقد صلّوا [١٩٣/١-]
13
فأَتمَّ الصلاةَ كان كذلك)) (٣).
ش - أبو عوانة : الوضاح ، ويَعْلى بن عطاء : القرشي الطائفي .
ومَعبد بن هرمز : روى عن : ابن المسيّب ، روى له : أبو داود .
قوله: ((حضر رجلاً)) انتصاب ((رجلاً)) على المفعولية و((الموتُ))
مرفوع لأنه فاعل حضر .
قوله : (( إلا احتساباً)) أي : طلباً لوجه الله وثوابه .
قوله: ((فليُقرب أو ليبعد )) كلاهما من باب التفعيل ؛ يعني: فليُقرب
قدمه اليمنى من قدمه اليُسْرى إن أراد كثرة الحسنات ، وكثرة حطِّ السيئات؛
لأن ذلك بحسب عدد الخُطَى، أو ليُبعّد بَيْنهما إن لم يُردْ ذلك . وهذا
الأمرُ للإباحة، وكلمة ((أوْ )) وإن كانت للتخيير ؛ ولكن ليس هو مراداً
في هذا الموضع ؛ بل المراد : تقريب الخُطى ليس إلا ؛ لأن هذا حث
وتحريض على تحصيل مثل هذه الفضيلة ؛ وذلك لا يحصل بالتخيير .
وقوله: ((أو لُبُعّد )) وإن كان أمراً في الظاهر ؛ ولكن المعنى على النَّهْي،
(١) في سنن أبي داود: ((فليقرب أحدكم)).
(٢) في سنن أبي داود: ((وأتم)).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٤٧ -

ومثل هذا من باب المبالغة ؛ كما يقول الرجل لابنه وهو يتمرّدُ عليه : لا
تسمع كلامي ؛ وليس مراده أن لا يسمع كلامه ؛ وإنما هو نهي شفقة حتى
يرتدع مما هو فيه ويمتثل كلامه .
قوله: ((صلى ما أدْرك)) أي : ما أدرك من الصلاة مع الجماعة ركعةً أو
ركعتين أو ثلاثاً ، ثم أتم ما بقي عليه ، وهذا حكم المَسْبوق .
قوله: (( كان كذلك)) يعني : كان الأمر كما كان عند انتهائه إلى تمام
الصلاة مع الجماعة ؛ لأنه يشاركهم في صلاتهم ، فدخل في حكمهم من
الغفران .
قوله: ((فإن أتى المسجد وقد صلّوا)) أي: والحال أن الجماعة قد صلّوا
الصلاة ولم يدركهم معهم في جزء من الصلاة ، فأتم هو الصلاة ، كان
الأمر كما كان في الصورتين - يعني : غفر له - أيضاً - ؛ لأن الأعمال
بالنيات ، وقد كانت نيّته أن يصلي معهم ، فغفر له بذلك ؛ لئلا يخيب في
سَعْيه ذلك. ومناسبة هذا الحديث بالباب في قوله: ((فليقرّب)) لأن
تقريب الخطى هو المشي بالهُدوّ .
٤٧ - بَابٌ: فيمَنْ خَرج يُرِيدُ الصّلاة فسبق بها
أي : هذا باب في بيان من خرج من بيته وهو يريد الصلاة مع الجماعة
فسُبق بها ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء فيمنْ خرج )) .
٥٤٦ - ص - نا القعنبيّ - نا عبد العزيز - يعني : ابن محمد - ، عن
محمد - يعني : ابن طَحلاء - ، عن محصن بن عليّ ، عن عوف بن
الحارث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من تَوضأَ فأحسَنَ
وُضُوءَهُ، ثم رَاحَ فوجَدَ الناسَ قد صَلَّا، أَعطَاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مثلَ أَجْرٍ من
صلاهَا وحَضَرَهَا، لا يَنْقصُ ذلك من أُجُورِهِم شيئاً)) (١).
(١) النسائي: كتاب الإمامة، باب: حد إدراك الجماعة (١١١/٢).
-٤٨ -

ش - عبد الله بن مسلمة : القعنبي ، وعبد العزيز : ابن محمد
الدراوردي .
ومحمد : ابن طحلاء المديني ، وكنية طحلاء : أبو صالح . روى عن:
محصن بن عليّ ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأبي سلمة عبد الله بن
عبد الرحمن ، والأعرج . روى عنه : الدراوردي ، ومحمد بن جعفر ،
وموسى بن عبيدة ، وابنه : يَعْقوب . قال أبو حاتم : ليس به بأس .
روی له : أبو داود ، والنسائي (١) .
ومُحْصِن بن علي : الفهري المديني . روى عن : عوف بن الحارث .
روى عنه : عمرو بن أبي عمرو ، ومحمد بن طحلاء . روى له :
أبو داود ، والنسائي (٢).
وعوف بن الحارث : ابن الطفيل بن سخبرةَ بن جُرُثُومة ، من أهل
اليمن . روى عن : ابن الزّبير ، وأبي هريرة ، وعائشة ، وأم سلمة .
روى عنه : عامر بن عبد الله بن الزبير ، والزهري ، وبُكير بن عبد الله بن
الأشج ، ومحمد بن عبد الرحمن . روى له : البخاري ، وأبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (٣) .
قوله: (( قد صلوا )) جملة وقعت حالاً من الناس .
قوله: ((مثل أجر)) انتصاب ((مثل)) على أنه صفة لأجر مقدّر ؛ تقديره:
أعطاه الله أجراً مثل أجر من صلاها .
قوله: (( لا ينقص ذلك)) أي : أجره الذي أعطاه الله ، لا ينقص من
أجور الجماعة الذين قد صلوا شيئاً . وفيه : حث - أيضاً - على الاجتهاد
في الصلاة بالجماعة . وأخرجه النسائي - أيضاً .
(١) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٣٠٨/٢٥).
(٢) المصدر السابق (٥٨٠٨/٢٧).
(٣) المصدر السابق (٤٥٤٦/٢٢) .
٤ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٤٩ -

٤٨ - بَابٌ: في خروج النساء إلى المسجد
أي : هذا باب في بيان خروج النساء إلى المساجد لأجل الصلاة فيها ،
وفي بعض النسخ : (( باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد)) (١).
[١٩٣/١ -ب] ٥٤٧ - ص - نا موسى بن إسماعيل /: نا حماد ، عن محمد بن عمرو ،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلي قال: ((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله
مَسَاجِدَ اللهِ؛ ولكن لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاتٌ)) (٢).
٠
ش - حماد : ابن سلمة ، ومحمد بن عمرو : ابن علقمة بن وقاص
المدني ، وأبو سلمة : عبد الله بن عبد الرحمن .
قوله: (( لا تمنعوا إماء الله )) الإماء - بكسر الهمزة وبالمدّ - جمع أمةٍ ،
وأصل أمة : أموة - بالتحريك - قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما
قبلها، ثم حذفت فصار (( أمة)). و((مساجد الله)) منصوب لأن ((منع))
يتعدى إلى مفعولين ؛ تقول : منعتُهُ مالَه .
قوله: ((وهن تفلات)) جملة اسميّة وقعت حالاً ؛ والتفلات : جمع
تَفِلة - بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء - من التَّقْل ، وهو سوء
الرائحة ؛ يقال : امرأة تفلةٌ إذا لم تَطيّب، ونساء تفلاتٌ ، وفي الحديث:
مَن الحاج؟ قال: ((الشعِث التَّفِلُ))؛ التَّفِلُ : الذي قد ترك استعمال
الطيب ، يقال : رجل تفِلٌ وامرأةٌ تفلةٌ ومتفالٌّ .
فإن قيل: لم قال: ((لا تمنعوا إماء الله)) ولم يقل: ((لا تمنعوا
نساءكم)) ؟ قلت: لأنه لما قال مساجد الله راعى المناسبة فقال: إماء الله ؛
وهو أوقع في النفس من لفظ النساء .
ثم حكم هذا الباب مختلف فيه بين العلماء ؛ فعند أبي حنيفة : تخرج
العجائز لغير الظهر والعصر ؛ لأن وقتهما وقت انتشار الفُساق ، وربما تكاد
ترغب فتقع في الفتنة بخلاف المغرب ؛ لأنه وقت الطعام ، والعشاء
(١) كما في سنن أبي داود .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٥٠ -

والصبح لأنه وقت نومهم . وقال أبو يوسف ومحمد : يخرجن في جميع
الأوقات ، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد . والحديث المذكور عام في
حق الشواب والعجائز ؛ ولكن الفقهاء خصّصوه في حق العجائز ؛ لأن
الشواب لا يؤمن عليهن من الفتنة ، ولهذا منع أبو حنيفة العجائز - أيضاً-
عن الخروج إلى الظهرين لذلك المعنى . على أنه قد روي عن عائشة
-رضي الله عنها - قالت: (( لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهنّ
المسجد)) الحديث (١) لما يجئ الآن ، والفتوى في هذا الزمان على عدم
الخروج في حق الكل مطلقاً ؛ لشيوع الفساد ، وعموم المصيبة ، وشرطوا
- أيضاً - أموراً كثيرةً وهي : أن لا تكون متطيبةً ، ولا متزينةً ، ولا ذات
خلاخل يُسْمع صوتها ، ولا ثياب فاخرة ، ولا مختلطة بالرجال ، وأن لا
يكون في الطريق مَنْ يُفْتتن بها ، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به
مفسدة ونحوها .
٥٤٨ - ص - نا سليمان بن حَرْب : نا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن
ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ: ((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ)) (٢).
٠
ش - حماد : ابن سلمة ، وأيوب : السختياني ، ونافع : مولى ابن
عمر . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم .
٥٤٩ - ص - [ نا] عثمان بن أبي شيبة: نا يزيد بن هارون: أنا العوام بن
حَوْشب : حدثني حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله :
(لا تَمْتَعُوا نِسَاءَكُمُ المسجدَ، وبُيُوتُهنَّ خيرٌ لَهنَّ)) (٣).
ش - يزيد بن هارون : أبو خالد الواسطي .
(١) يأتي بعد ثلاثة أحاديث .
(٢) البخاري: كتاب الجمعة، باب: حدَّثْنا عبد الله بن محمد (٩٠٠) ، مسلم:
كتاب الصلاة ، باب : خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ،
وأنها لا تخرج مطيبة (٤٤٢/١٣٦).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٥١ -

والعوام بن حوشب : ابن يزيد بن رويم ، أخو يوسف وخراش ومالك
وبريدة وثمامة ، وطلاب الشيباني الربَعي ، أبو عيسى الواسطي ، أسلم
جده يزيد على يد عليّ بن أبي طالب ، فوهب له جاريةً ، فولدت له
حوشباً ، وكان على شرطة عليّ - رضي الله عنه - . روى عن : حبيب
ابن أبي ثابت ، وإبراهيم التيمي ، وسلمة بن كهيل ، وغيرهم . روى
عنه: شعبة ، وهُشيم ، ويزيد بن هارون ، وغيرهم . روى له :
الجماعة(١) .
وحبيب بن أبي ثابت : هو حبيب بن قيس بن دينار الكوفي .
قوله : (( وبيوتهن خير لهنّ)) أي : من الحضور في المساجد ؛ وهذا يدل
على أن النهي في الحديث محمول على كراهة التَّْزيه .
٥٥٠ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير وأبو معاوية ، عن الأعمش،
عن مجاهد قال : قال عبد الله بن عمر: قال النبي - عليه السلام -: ((اقْذَنُوا
للنساء إلى المساجد بالليلِ)) فقال ابنٌّ له: والله لا نأذَنُ لهنَّ فيتخذنه دَغَلاً،
والله لا نأذنُ لَهنَّ. قَال: فِسَبَّهُ وغَضبَ وقال (٢): قال رسولُ اللهِلَةِ: («ائْذَنُوا
لهنَّ)» وتقولُ: لا نَأذنُ لَهن » (٣) ؟ !!
ش - جرير : ابن عبد الحميد ، وأبو معاوية : الضرير ، وسليمان :
الأعمش ، ومجاهد : ابن جبر .
[١٩٤/١- ١]
/ قوله: ((ائذنوا)) أمر من أذن يأذن، وأصله : أءذْنوا - بهمزتين -
قلبت الهمزة الثانية یاء فصار ((ائذنوا)).
قوله: (( بالليل)) أي: في الليل ، والمراد منه : حضورهن في المغرب
والعشاء والصبح - كما هو مذهب أبي حنيفة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٥٤١/٢٢).
(٢) في سنن أبي داود: (( قال: أقول)).
(٣) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : خروج النساء إلى المساجد ، مسلم : كتاب
الصلاة ، باب : خروج النساء إلى المساجد (٤٤٢/١٣٨) ، الترمذي : كتاب
الصلاة، باب : ما جاء في خروج النساء إلى المساجد (٥٧٠).
- ٥٢ -

قوله : ((فقال ابنٌ له)) أي: لعبد الله؛ واسمُهُ: بلال بن عبد الله بن
" عمر، جاء مثبتاً في (( صحيح مسلم )) وغيره ، وقيل : هو ابنه واقد بن
عبد الله، ذكره مسلم في ((صحيحه )) - أيضاً .
أما بلال : فإنه روى عن : أبيه . وروى عنه : ابن هُبيرة ، وكعب بن
علقمة ، وعبد الملك بن فارغ . قال أبو زرعة : مدني ثقة . روى له :
مسلم (١) .
وأما واقد : فإنه روى عن : أبيه ، وروى عنه : ابنه : محمد بن
واقد(٢) .
قوله: ((فيتخذنه دغلاً)) أي: يتخذن الحضور إلى المساجد دغَلا أي :
خداعاً وسبباً للفساد ؛ وأصل الدغل : الشجر الملتف الذي يكمنُ فيه أهل
الفساد ؛ وهو بفتح الدال المهملة وفتح الغين المعجمة .
قوله: ((فسَبّه وغضب عليه)) وفي رواية: ((فزَبره)) أي: نهره ، وفي
رواية: (( فضرب في صدره))؛ وفيه تعزير المعترض على السُّنَّة،
والمعارض لها برأيه ، وفيه : تعزير الوالد لولده وإن كان كبيراً .
والحديث: أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، والترمذي .
٥٥١ - ص (٣) - نا القعنبي ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة
بنت عبد الرحمن أنها أخبرته عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - قالت :
لو أَدْرك رسولُ الله ما أَحْدثَ النساءُ بَعْدَهُ (٤) لَنَعَهُنَّ المسجدَ كما مُنْعَه نساءُ
بني إسْرائيلَ . قال يحيى: فقلتُ لعَمْرةَ: أُمُنُعَهُ نساءُ بني إسرائيلَ ؟ قالَتْ:
(٥)
نعم (٥) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٨٤/٤). (٢) المصدر السابق (٦٦٦٧/٣٠).
(٣) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: (( باب في التشديد في ذلك)).
(٤) كلمة (( بعده)) غير موجودة في سنن أبي داود .
(٥) البخاري : كتاب الأذان ، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم (٨٦٩)،
مسلم : كتاب الصلاة ، باب : خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه
فتنة (٤٤٥/١٤٤).
- ٥٣ -

ش - مالك : ابن أنس ، ويحيى بن سعيد : الأنصاري .
قوله: (( ما أحْدث النساء)) يعني: من الزينة والطيب، وحُسْن الثياب
ونحوها .
قلت : لو شاهدت عائشة - رضي الله عنها - ما أحدث نساء هذا
الزمان من أنواع البدع والمنكرات ، لكانت أشدّ إنكاراً ، ولا سيّما نساء
مصْر ؛ فإنهن أَحْدثن من البدع ما لا يُوصفُ ؛ منها الشاشاتُ على
رءوسهن كأسنمة البُخْت ، ومنها : القمصان بأكمام واسعة مفرطة ، وربما
طرق سمعي من أهل مصر أن واحدة منهن ، كانت تفصل قميصاً من
قريب مائة ذراع من الحرير الملوّن ، ومنها : مشيُهنّ في الأسواق في ثياب
فاخرة ، وأنواع طيب فاتحة ، مكشوفات الوجوه ، مائلات متبخترات ،
ومنها : ركوبهن على الحمير الفُرَّهِ، وجريُهنّ بين الرجال وأكمامهن سابلة
من الجانبين ، ومنها : ركوبهنّ على مراكب في نيل مصر وخلجانها
مختلطات بالرجال ، وبعضهن يغنين بأصوات عالية مُطرِبة ، ومنها :
غلبتهن على الرجال ، وقهرهنّ إياهم ، وحكمهنّ عليهم ، ومنها : نساء
يَبَعْن المنكرات بالأجْهار ، ويُخالطن بالرجال فيها ، ومنها : صنْف قوادات
يُفْسدن الرجال والنساء ، ومنها : صنفٌ بَغايَا قاعدات مترصدات للفساد ،
ومنها : صنفٌ سوارقُ من الدور والحمامات، ومنها : صنفٌ سَواحرُ
يَسْحِرْنَ ويَنْفِئْنَ في العُقَدِ ، ومنها : بيّاعاتٌ في الأسواق يتعایطن بالرجال،
ومنها : صنْف نوائحُ يَنُحْن على الموْتِى بالأُجْرة ، ومنها : صنفٌ دقاقات
ولطامات ، يدققن صدورهن ، ويَلطمن خُدودهن وراء الموتى بالأُجرة ،
ومنها : صنْفٌ مغنّات يغنين بأنواع الملاهي بالأجرة للرجال والنساء ،
ومنها: صنْفَ خطابات ، يَخطُّبْن للرجال نساءً لها أزواج ، توقع بينهن
وبين أزواجهن فتنةً حتى يُطلَّقن منهم ، وغير ذلك من الأصناف الكثيرة
الخارجة عن قواعد الشريعة. فانظر إلى ما قالت عائشة من قولها: ((لو
أدرك رسولُ الله ما أَحْدث النساء ))، وليس بين هذا القول وبين وفاة النبي
- عليه السلام - إلا مدّة يَسيرةٌ لطيفة ؛ على أنهن ما أحدثن عُشَر معشار
- ٥٤ -

ما أحدثت نساء هذا الزمان ، ولو كانت هذه النساء في ذلك الزمان ◌ُنعِن
الحياةَ فضلاً عن أن يمنعن المسجد ونحوه .
قوله: (( بعده)) أي : بعد الرسول ؛ وهو ليس بثابت في الرواية
الصحيحة / .
[١٩٤/١ -ب]
قوله : ((كما مُنْعَه نساء بني إسرائيل)) أي: كما مُنِعَ الحضورَ إلى
المساجد نساءُ بني إسرائيل - وهو بضم الميم وكسر النون - ، و((نساء))
مرفوعٌ لإسناد الفعل إليه .
قوله: ((أُمُنعه؟)) الألف فيه للاستفهام ، والكلام فيه كالكلام في
الأول. والحديث : أخرجه البخاريّ ، ومُسلم .
٥٥٢ - ص - نا ابن المثنى أن عَمْرو بن عاصم حدّثهم قال : نا همام، عن
قتادة ، عن مورّق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي - عليه
السلام- قال: ((صَلاةُ المرأةِ فِي بَيْتِهَا أَفضلُ من صلاتِهَا في حُجْرِتِهَا ،
وصَلَاتُهَا في مُخْدَعِهَا أَفضلُ من صلاتِهَا فِي بَيْتْهَا )) (١).
ش - محمد : ابن المثنى .
وعمرو بن عاصم : ابن عبيد الله بن الوازع ، أبو عثمان الكلابي
القَيْسي البصري . سمع : جدّه ، وهمام بن يحيى ، وحماد بن سلمة ،
وغيرهم . روى عنه : ابن بشار ، ويعقوب بن سفيان ، والبخاري ،
وروى عن رجل عنه . قال ابن معين : صالح . وقال ابن سعد : ثقة .
مات سنة ثلاث عشرة ومائتين . روى له الجماعة (٢).
وهمام : ابن يحيى العَوْذي .
ومُورق : ابن مُشَمْرِج ، ويقال : ابن عبد الله العجلي ، أبو المعتمر
الكوفي . روى عن : أبي ذر ، وابن عباس ، وسمع : ابن عمر ، وابن
جَعْفر ، وأنس بن مالك ، وأبا الأحوص ، وغيرهم . روى [ عنه ]
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٢/ ٤٣٩٠).
- ٥٥ -

مجاهد ، وقتادة ، وعاصم الأحول ، وغيرهم . قال ابن سَعْد : كان
ثقةً. توفي في ولاية عمر بن هبيرة على العراق. روى له الجماعة (١).
وأبو الأَحْوص : عوف بن مالك البجلي .
قوله: ((في مُخدعها )) المخدع : الخرابة ؛ وفيه ثلاث لغات : ضم الميم
وفتحها وكسرها . وقال ابن الأثير (٢): ((المُخدع: هو البيت الصغير
الذي يكون داخل البيت الكبير)).
وإنما كانت صلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ومن صلاتها
في حجرتها ؛ لأنها أستر لها ، وأمنع لها من نظر الناس ، ومَبْني حالهن
على الستر ما أمكن .
٥٥٣ - ص - نا أبو معمر : نا عبد الوارث : نا أیوب ، عن نافع ، عن ابن
عمرَ قال: قال رسولُ الله: ((لو تَرَكْنَا هذا البابَ النِّساء؟ )) قال نافعٌ: فلم
يدخلْ منه ابنُ عُمرَ حتى مَات (٣) .
ش - قد تقدّم هذا الحديث بعينه في (( باب اعتزال النساء في المساجد
عن الرجال)) . وأبو معمر : عبد الله بن عَمرو ، وعبد الوارث : ابن
سعيد ، وأيوب : السختياني .
ص - قال أبو داود : رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب ، عن نافع :
قال عمر (٤)، وهذا أصح .
ش - أي : روى هذا الحديث : إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن
عليّة، عن أيوب السختياني ، عن نافع قال : قال عُمر بن الخطاب :
مَوضع (( ابن عُمر)).
قوله: ((وهذا أصحّ)) أي: ما رواه إسماعيل من حَديث عُمر ، أصح
(١) المصدر السابق (٦٢٣٢/٢٩). (٢) النهاية (١٤/٢).
(٤) في سنن أبي داود: ((قال: قال عمر)).
(٣) تقدم برقم (٤٤٤) .
- ٥٦ -

من الذي يروى عن (١) ابنه : عبد الله بن عمر ؛ وقد ذكرناه في ((باب
اعتزال النساء )) .
٤٩ - بَابُ: السعي إلى الصّلاة
أي : هذا باب في بيان السَعي إلى الصلاة ؛ وفي بعض (٢) النسخ:
(باب ما جاء في السعي إلى الصلاة)).
٥٥٤ - ص - نا أحمد بن صالح : نا عنبسةُ : أخبرني یونس ، عن ابن
شهاب : أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة
قال: سمعتُ رسول اللهِ وَل﴿ يقولُ (٣): ((إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تَأْتُوهَا
تَسْعَونَ، وأَتُوها تمشُونَ، وعليْكُمُ السَّكينةُ، فما أدَرَكْتُمَ فصلُّوا، وما فَاتَكُم
فأَتمُّوا)) (٤) .
ش - عنبسة : ابن خالد الأيلي ، ويونس : ابن يزيد الأيلي .
قوله: (( تسعون)) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي [ في ] ((فلا
تأتوها))، وكذلك ((تمشون)) حال عن الضمير الذي في ((وأتوها)) أي :
لا تأتوا الصلاة حال كونكم ساعين، وأتوها حال كونكم ماشين ؛ يُقالُ:
سعَيَتُ في كذا وإلى كذا إذا ذهبت إليه وعملت فيه ؛ ومنه قوله تعالى :
﴿وَأَن ◌َّيْسَ لِلإِنسَان إلا مَا سَعَى﴾ (٥)، وفي ((الصحاح)): سعى الرجل
يَسْعَى سعياً أَيَ : عَّدًا، والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السَّعْي : أن
(١) في الأصل: ((من)). (٢) مكررة في الأصل. (٣) في الأصل: ((يقول له)).
(٤) البخاري : كتاب الأذان ، باب: لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة
(٦٣٦)، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : استحباب إتيان
الصلاة بوقار وسكينة (٦٠٢/١٥١)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما
جاء في المشي إلى المسجد (٣٢٧) ، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : السعي
إلى الصلاة (١١٤/٢)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : المشي
إلى الصلاة (٧٧٥) .
(٥) سورة النجم : (٣٩) .
- ٥٧ -

الذاهب إلى صلاة عامل في تحصيلها ، ومتوصل إليها ، فينبغي أن يكون
متأدباً بآدابها ، ويكون على أكمل الأحوال .
قوله: (( وعليكم السكينةُ)) أي : التأني والوقارُ .
قوله: (( فما أدركتم فصلوا)) أي : فالذي أدركتم من الصلاة مع القوم
فصلوا ، والذي فاتكم فأتموا . وفي قوله: ((وما فاتكم)) دليل على
[١٩٥/١-] جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه / لا كراهة فيه عند جمهور العلماء ،
وكرهه ابن سيرين وقال : إنما لم ندركها .
وقوله: (( وما فاتكم فأتموا)) هكذا ذكره مسلم في أكثر رواياته ، وفي
رواية: ((فاقض ما سبقك))، وفي رواية لأبي داود: ((واقضوا ما سبقكم))
لما نذكره الآن .
واختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين ، هل هما بمعنى واحد أو
بمعنيين ؟ وترتّب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإمام ، هل هو
أول صلاته أو آخرها ؟ على أربعة أقوال ؛ أحدها : أنه أول صلاته ، وأنه
يكون ثَانياً عليه من الأفعال والأقوال ، وهو قول الشافعي ، وإسحاق ،
والأوزاعي ، وهو مروي عن عليّ ، وابن المسيّب ، والحسن ، وعطاء ،
ومكحول ، ورواية عن مالك، وأحمد، واستدلوا بقوله: ((وما فاتكم
فأتموا)) لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدّم سائرُه. وروى
البيهقي من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق،
عن الحارث ، عن عليّ : ما أدركت فهو أول صلاتك . وعن ابن عمر
بسند جيّد مثله .
الثاني : أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها ، وآخرها
بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها ؛ وهو قول مالك ؛ قاله ابن بطّال عنه : ما
أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأمّ القرآن
وسورة . وقال سحنون : هذا الذي لم نعرف خلافه ؛ دليله : ما رواه
- ٥٨ -

البيهقي من حديث قتادة أن عليّ بن أبي طالب قال : ما أدركت مع الإمام
فهو أول صلاتك ، واقض ما سبقك به من القرآن .
الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته؛ إلا أنه يقرأ فيها ((بالحمد))
وسورة مع الإمام، وإذا قام للقضاء قضى (( بالحمد )) وحدها لأنه آخر
صلاته ؛ وهو قول المزني ، وإسحاق ، وأهل الظاهر .
الرابع : أنه آخر صلاته ، وأنه يكون قاضياً في الأفعال والأَقْوال ؛ وهو
قول أبي حنيفة ، وأحمد في رواية سفيان ، ومجاهد ، وابن سيرين .
وقال ابن الجوزيّ ز الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة : أنه آخر صلاته .
قال ابن بطال : روي ذلك عن ابن مَسْعود ، وابن عمر ، وإبراهيم
النخعي ، والشعبي ، وأبي قلابة ، ورواه ابن القاسم عن مالك ، وهو
قول أشهب وابن الماجشون ، واختاره ابن حبيب ؛ واستدلوا على ذلك
بقوله عليه السلام: ((وما فاتكم فاقضوا )) ، ورواه ابن أبي شيبة بسند
صحيح عن أبي ذر ، وابن حزم بسندٍ مثله عن أبي هريرة ، والبيهقي بسند
لا بأس به - على رأي جماعة - عن معاذ بن جبل . والجوابُ عمّا استدل
به الشافعيّ ومن معه وهو قوله: ((فأتموا)) : أن صلاة المأموم مرتبطة
بصلاة الإمام ، فحمل قوله: ((فأتموا )) على أن مَن قضى ما فاته فقد أتم؛
لأن الصلاة تنقص بما فات ، فقضاؤه إتمامٌ لِما نقص .
وقال الشيخ محيي الدين : وحجة الجمهور (١) : أن أكثر الروايات:
((وما فاتكم فأتموا))، وأجابوا عن رواية ((واقض ما سبقك)): أن المراد
بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء ؛ وقد كثر استعمال
القضاء بمعنى الفعل ؛ فمنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْحَ سَمَوَاتٍ﴾ (٢)،
وقوله تعالىٍ: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مِّنَاسكَكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا
قُضَيَت الصَّلاةُ﴾ (٤)، ويُقال: قضيتُ حق فلان ، ومعنى الجميع :
الفعَل .
(١) شرح صحيح مسلم (١٠٠/٥).
(٢) سورة فصلت: (١٢) .
(٤) سورة الجمعة : (١٠).
(٣) سورة البقرة: (٢٠٠).
- ٥٩ -

قلنا: أما الجواب عن قوله: ((فأتموا )) فقد ذكرناه آنفاً ، وأما قوله :
المرادُ بالقضاء الفعلُ فمشترك الدلالة ؛ لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء
جميعاً، ومعنى : ﴿قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَت﴾ : قدّرهن ، ومعنى :
﴿قَضَيْتُم مِّنَاسِكَكُمْ﴾: فرغتم عنها، وكذاً معنى: ﴿فَإِذَا قُضِيَت ﴾
ومعنى قضيتُ حق فلان : أنهيتُ إليه حقه ، ولو سلمنا أن القضاء بمعنى
الأداء فيكون مجازاً ؛ والحقيقة أَوْلى من المجاز ولا سيما على أصلهم :
المجاز ضروريّ لا يُصار إليه إلا عند الضرورة والتعدد .
ص - قال أبو داود : وكذا قال الزبيدي ، وابن أبي ذئب ، وإبراهيم بن
سَعْد، ومعمرٌ، وشُعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري: (( وما فاتكم فأتموا)).
ش - أي : مثل الرواية المذكورة : قال محمد بن الوليد بن عامر
الزَّبيدي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب - هشام - المدني ،
[١٩٥/١ -ب] وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري / القرشي المدني، ومعمر بن
راشد، وشعيب بن أبي حمزة - دينار - الحمصي .
قوله: (( وكذا)) وفي نسخة الأصل : وكذلك .
ص - وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: (( فاقضوا)).
ش - أي : قال سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري وحده :
((فاقضوا)) مكان ((فأتموا)). وعند أبي نعيم الأصبهاني: ((وما فاتكم
فاقضوا))، وكذا ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان ، عن يحيى . وفي
((المحلى)) من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة أنه قال :
(إذا كان أحدكم مقبلاً إلى الصلاة فليمش على رِسْله ؛ فإنه في صلاة ، فما
أدرك فليصل ، وما فاته فليقضه بعد )) قال عطاء : وإني لأصْنعه . وعند
مسلم: ((صَلّ بما (١) أدركت واقض ما سبقك ؛ فإن أحدكم إذا كان
تعمد (١) إلى الصلاة فهو في صلاة )) . وعند أحمد من حديث ابن عيينة،
عن الزهري، عن سعيد ، عنه: (( وما فاتكم فاقضوا )).
فإن قيل : حكى البيهقي عن مسلم أنه قال : لا أعلم هذه اللفظة رواها
(١) كذا، وعند مسلم (٦٠٢): ((صلِّ ما .... يعمد)).
- ٦٠ -