Indexed OCR Text

Pages 21-40

ش - عبد الله بن محمد النَّفيلي ، وأبو المليح : اسمه : الحسن بن
عَمرو ، ويقال: عُمر، الفِزاري مولاهم الرقي ، وقيل : كنيته : أبو عبد الله،
وغلب عليه أبو المليح . سمع : ميمون بن مهران ، والزهري ، والوليد
ابن زَرْوان ، وغيرهم . روى عنه : ابن المبارك ، وأبو توبة (١) الربيع بن
نافع ، وبقية بن الوليد ، وغيرهم . توفي سنة إحدى وثمانين ومائة ،
وهو ابن خمس وتسعين . قال أحمد : ثقة ضابط لحديثه صدوق . روى
له : أبو داود ، والترمذي (٢).
ويزيد بن يزيد : ابن جابر الشامي الدمشقي ، أصله من البصرة .
سمع: الزهريّ ، ومکحولاً ، ويزيد بن الأصم ، وغيرهم . روى عنه :
الأوزاعي ، والثوري ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة .
مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة . روى له : الجماعة إلا البخاري (٣).
ويزيد بن الأصم : أبو عوف الكوفي .
قوله: (( فِتْيتي )) الفِتْية : جمعُ فَتَىَ .
قوله: ((فَيَجْمعوا)) عطف على قوله: ((آمُرَ)) فلذلك نُصِب .
قوله : ((الجمعةَ عَنى)) أي: قَصَد؛ و(( الجمعة)) منصوب به، و(( أو
غيرها )) عطف عليه .
قوله: ((صُمَّتَا أُذناي)) من قبيل أكلوني البراغيث ؛ حيث جمع الفعل
المسند إلى الفاعل الظاهر ، وكذلك هاهنا ثنى الفعل المسند إلى الفعل
الظاهر ؛ والأصل : صمّت أذناي بمعنى : طَرشت ؛ وهو إنشاء في صورة
الإخبار ، والمعنى : لتصمّ أذناي إذا صمّ الله أُذناي ، إنْ لم أكن سمعتُ
أبا هريرة .
= ... (٦٥١/٢٥٢)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن يسمع
النداء فلا يجيب (٢١٧) .
(١) في الأصل: (( ثوبة)) خطأ.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢٥٥/٦).
(٣) المصدر السابق (٧٠٦٣/٣٢).
- ٢١ -

قوله: (( يأثره )) أي : يَرْويه ويحكيه عن رسول الله من أثر يأثر ، من
باب نصر ينصر من الأثر وهو الخبر ، وخبر مأثور ، أي : منقول ينقله
خلف عن سلف . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي مختصراً .
[١٨٨/١-٢]
٥٣٢ - ص - نا هارون بن عبّاد الأزدي: نا وكيع / ، عن المسْعودي ، عن
عليّ بن الأقمر، عن أبي الأَخْوص ، عن عبد الله بن مَسْعود قال : حَافظُوا
على هؤلاءِ الصلواتِ الخمسِ حيثُ يُنادَى بِهِنَّ؛ فإنهن من سُنَنِ الهُدَّى ،
وإنَّ الله عَزَّ وجَلَّ شَرَعَ لنبيِّهِ - عليه السلام - سُنَنَ الهُدَى، ولقد رأيتُنَا وما
يتخلَّفُ عنها إلا مُنافقٌ بَيِّنُ النفاق ، ولقد رأيتُنَا وإن الرجلَ يُهادَى بين
الرجلين حتى يُقَامَ في الصفِّ، وما منكم من أحد إلا وله مسجدٌ فِي بَيْتِهِ ،
ولو صلَّتُم في بُيُوتِكُم وتركتُم مساجدكم ، تركتُمْ سُنَّةَ نبِّكُم ، ولو تركتُم
سُنَّةَ نبيَّكُمْ لكفرتُمَ (١) .
ش - هارون بن عباد الأزدي . روى عن : وكيع ، ومروان بن معاوية.
روی عنه : أبو داود (٢) .
وعليّ بن الأقمر : ابن عمرو بن الحارث بن معاوية الهمداني الوداعي
الكوفي ، أخو كلثوم بن الأقمر . سمع : أبا جحيفة السوائي ، وعكرمة
مولى ابن عباس ، وأبا الأحَوْص ، وغيرهم . روى عنه : منصور بن
المعتمر ، ومِسْعر ، والثوري ، والأعمش ، وغيرهم . قال ابن معين :
ثقة حجة . قال أبو حاتم : صدوق ، ثقة . روى له الجماعة (٣).
وأبو الأَحْوص : عوف بن مالك الجُشمي .
قوله: ((على هؤلاء)) أصلُهُ: أُولاء - بالمدّ والقصر - وهو للجمع سواء
(١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : صلاة الجماعة من سنن الهدى
(٦٥٤/٢٥٧)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب : المحافظة على الصلوات حيث
ينادى بهن (١٠٨/٢)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : المشي
إلى الصلاة (٧٧٧) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥١٩/٣٠).
(٣) المصدر السابق (٤٠٢٦/٢٠).
- ٢٢ -

كان مذكراً أو مؤنثاً ، ويستوي فيه أولوا العقل وغيرهم ، ومفرده في
المذكر: ذا ، وفي المؤنث : ذي ، ثم دخلت الهاء عليه للتنبيه .
قوله : (( من سنن الهدى )) - بضم السين وفتح النون - جمع سُنَّة ؛
وهي الطريقة والمنهج ، والهُدَى : مَصْدَر على فُعَل كالسُّرَى ؛ وهو خلاف
الضلال .
قوله: (( ولقد رأيتُنا)) - بضم التاء - أي : رأيت أنفسنا .
قوله: ((عنها)) أي : عن الصلوات .
قوله : ((بَيِّنُ النفاق)) أي: ظاهرُ النفاق ، وهو اسم إسلاميّ لم تعرفه
العربُ بالمعنى المخصوص به ؛ وهو الذي يَسْتر كُفْره ويُظهر إيمانه ، وإن
كان أصله في اللغة معروفاً ؛ يقال : نافق يُنافق منافقة ونفاقاً ؛ وهو مأخوذ
من النافقاء أحدٍ جحرة اليَرْبُوع ، إذا طُلب من واحد هرب إلى الآخر
وخرج منه ، وقيل : هو من النَّفق ؛ وهو السربُ الّذي يُسْتتر فيه ؛ لسَتره
كُفْره . ويمكن أن يحمل النفاق في الحديث على معناه الأصليّ في حقّ من
كان يتخلّف عن الصلوات في زمن الرسول ، لأجل بغضهم وعداوتهم ،
وهم الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ؛ وهذا هو المنافق
الحقيقي . وأما في هذا الزمان : فلا يمكن حمله على معناه الأصلي في
حق من يتخلف عن الجماعة ؛ لأنه لا يُبْطِن الكفر ؛ بل إنما تخلفه يكون
عن كسَلٍ وتهاون ، فيطلق عليه اسم النفاق باعتبار أنه فَعل فِعْلَ من كان
يُنافق ، أو باعتبار أنه أظهر خلاف ما في باطنه ؛ لأن في باطنه كان يَعْتُقد
أن الجماعة من سنن الهدى ؛ ولكنه خالف في الظاهر بتخلفه عنهم كما
جاء في الحديث: (( أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها )) أراد بالنفاق هاهنا
الرياء ؛ لأن كليهما إظهار ما في الباطن .
قوله: ((وإن الرجل يُهادَى بين الرجلين )) أي : يَمْشي بينهما، معتمداً
عليهما من ضعفه وتمايله ، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه ، وكذا
المرأة إذا تمايلت في مشيتها من غير أن يُماشيها أحدٌ قيل : تُهادى . ويهادى
- ٢٣ -

هاهنا على صيغة المجهول . وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة ، وتحمل
المشقة في حضورها ، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها ،
استحب له حضورها .
قوله: (( ولو تركتم سُنَّة نبيكم لكفرتم)» بمعنى : أنه يؤول بكم إلى
الكفر، بأن تتركوا شيئاً شيئاً منها حتى تخرجوا من الملّة .
قلت : يجوز أن يكون المراد بالكفر : كفران النعمة ، يعني : لو تركتم
سُنَّة نبيكم كسلاً وتهاوناً لكفرتم نعمة الإسلام ، وأما إذا تركها جاحداً
معانداً فهو كفرٌ بلا خلاف ، واحتج به من يقول : إن الصلاة مع الجماعة
فرض على الأعيان ، وهو محمول على أنهم منافقون ، أو هو خرج
مخرج الوعيد الشديد لأجل الزجر والتهديد . والحديث : أخرجه مسلم ،
والنسائي ، وابن ماجه .
[١٨٨/١ سب] ٥٣٣ - ص - نا قتيبةُ: نا جرير، عن أبي جَنَاب، عن مغراء العبْدِيّ / عن
عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله والتر :
((مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي فلم يَمْنعُهُ من اتباعِهِ عُذُرٌ )) قالوا: وما العُدُرُ ؟ قال :
(خَوفٌ أَوَ مَرَضَّ، لم تُقبلْ منه الصلاةُ اَلَتَي صَلَّى (١))) (٢).
ش - قتيبة : ابن سعيد ، وجريرٌ : ابن عبد الحميد .
وأبو جناب : يَحْيى بن أبي حية - بالياء آخر الحروف - الكلبي
الكوفي، واسم أبي حية : حَي . روى عن : أبيه ، ومعاوية بن قرة ،
وعكرمة ، وجماعة آخرين . روى عنه : الثوري ، ووكيع ، وشريك
القاضي ، وغيرهم . قال الحاكم : ليس بالقوي . وقال أبو نعيم : لم
يكن به بأس إلا أنه كان يدلس . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال
-
(١) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: ((قال أبو داود : روى عن
مغراء أبو إسحاق )).
(٢) ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : التغليظ في التخلف عن الجماعة
(٧٩٣) .
- ٢٤ -

ابن خراش : كان صدوقاً مُدلساً في حديثه نكر [ ة] . مات سنة خمسين
ومائة بالكناسة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
ومَغْراء - بالغين المعجمة - أبو المخارق العبدي النساج ، من بني عائذ
الكوفي . روى عن : عبد الله بن عمر ، وعدي بن ثابت . روى عنه :
أبو إسحاق الهمداني ، والأعمش ، والحسن النخعي ، وغيرهم . روى
له : أبو داود (٢).
وعدي بن ثابت : الأنصاري الكوفي .
قوله: ((من سمع المُنادي )) أي : المؤذن . وهذا الحديث حكمه الزجر
والتهدید .
وقوله: ((لم تقبل)) من قبيل قوله - عليه السلام -: (( لا صلاة لجار
المسجد إلا في المسجد))، والمراد منه: نفي الفضيلة والكمال. والحديث:
أخرجه ابن ماجه بنحوه ؛ وإسناده أمثل ، وفيه نظر .
٥٣٤ - ص - نا سلیمان بن حرب : نا حماد بن زيد ، عن عاصم بن
بهْدلة ، عن أبي رزين ، عن ابن أم مكتوم ، أنه سأَلَ النبيّ - عليه السلام -
فقال : يا رسولَ الله ، إني رجلٌ ضريرُ البصرِ ، شَاسِعُ الدارِ ، ولي قائدٌ لا
يلاومني (٣) فهلْ لي رخصةٌ أن أُصلِّي في بيتي؟ قال: (( هل تسْمَعُ النداءَ؟))
قال: نعم، قال: ((لا أجدُ لك رُخصةً)) (٤).
٠
ش - أبو رزين : مَسعود بن مالك .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨١٧/٣١).
(٢) المصدر السابق (٢٨/ ٦١٢٠).
(٣) في سنن أبي داود: ((لا يلائمني)).
(٤) ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : التغليظ في التخلف عن الجماعة
(٧٩٢) . مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : يجب إتيان المسجد
لمن سمع النداء (٢٥٥/ ٦٥٣)، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : المحافظة على
الصلوات حيث ينادى (١٠٩/٢) من حديث أبي هريرة .
- ٢٥ -

قوله : ((ضرير البَصر )) أي : ذاهبُ البصر .
قوله : (( شاسع الدار)) أي: بعيدها؛ الشاسعُ، والشَّيْسُوع: البعيدُ .
قوله: ((لا يلاومني)) قال الخطابي (١): ((هكذا يروى في الحديث؛
والصواب : لا يلائمني ، أي : لا يُوافقني ولا يُساعدُني . فأما الملاومة :
فإنها مفاعلة من اللوْم ، وليس هذا مَوْضعه . وظاهر الحديث يدلّ على أن
الأعمى يجب عليه حضور الجماعة إذا سمع النداء ، سواء وافقه قائده أو
لا . ويدل - أيضاً - أن حضور الجماعة واجب ، إذ لو كان ندباً لكان
أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضَّعْف . وكان عطاء بن
أبي رباح يقول : ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا
سمع النداء في أن يدع الصلاة . وقال الأوزاعي : لا طاعة للوالد في ترك
الجمعة والجماعات ، سمع النداء أو لم يسمَعْ )).
والجواب عن هذا الحديث : أنه مؤول بمعنى : لا رخصة لك إن طلبت
فضل الجماعة ، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال ، واحتجوا
بقوله عليه السلام: (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسَبع وعشرين
درجةً )) (٢) ؛ وليس معناه : إيجاب الحضور على الأعمى ؛ فقد رخص
-عليه السلام - لعِتبان بن مالك . والحديث أخرجه ابن ماجه . وأخرج
مسلم ، والنسائي من حديث أبي هريرة قال: (( أتى النبيّ - عليه السلام-
رجل أعمى )) ، فذكر نحوه .
٥٣٥ -ص - نا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء : نا أبي : نا سفيان ، عن
عبد الرحمن بن عابس ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابنٍ أم مكتومٍ
قال : يا رسولَ الله ، إن المدينةَ كَثيرةُ الهواءِّ والسباعِ ، فقال النبيَّ - عليه
السلام - : ((أنسمعُ: حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلاحِ؟ فحيَّ هَلا))(٣).
(١) معالم السنن (١٣٨/١).
(٢) يأتي بعد أربعة أحاديث .
(٣) النسائي : كتاب الإمامة ، باب : المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن
(١٠٩/٢، ١١٠).
- ٢٦ -

ش - هارون بن زيد : ابن يزيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، سكن الرملة.
روى عن : أبيه ، ويحيى بن عيسى الرملي . روى عنه : أبو داود ،
والنسائي ، وأبو حاتم ، وقال : صدوق (١) .
وأبوه : زيد بن أبي الزرقاء الموصلي . روى عن : هشام بن سعد ،
وجعفر بن بُرْقان . روى عنه : محمد بن عبد الله العُمري . قال ابن
معین: ليس به بأس / . روى له : أبو داود ، والنسائي (٢).
[١٨٩/١-أ]
وعبد الرحمن بن عابس : ابن ربيعة الكوفي النخعي . سمع : أباه ،
وابن عباس . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وقيس بن الربيع . قال ابن
معين وأبو حاتم وأبو زرعة : هو كوفي ثقة . روى له : الجماعة إلا
الترمذيّ (٣).
قوله : (( كثيرة الهوام )) الهوام : جمع هامّة ؛ وهي الحيّة وكل ذي سم
يقتل ، وقيل : دابّ الأرض التي تهمّ بالناس .
قوله: ((أتسمع ؟)) الألف فيه للاستفهام .
قوله : ((فحيَّ هَلا)) كلمة حثٍّ واستعجال و(( هلاّ)) بالتنوين تجعل نكرةً،
وأما (( حي هلا)) بلا تنوين ، فإنما يجوز في الوقف ، وأما في الإدراج
فلغة رديّة ، يُقال : حيّ هَلَ - بفتح اللام - مثل خمسة عشر .
قلت : فيه ست لغات : حي هلاً بالتنوين ، الثاني : فتح اللام بلا
تنوين ، الثالث : تسكين الهاء وفتح اللام بلا تنوين ، الرابع : فتح الهاء
وسكون اللام ، الخامس : حي هلنْ بفتح اللام وسكون النون ، السادس:
حي هلِنْ بكسر اللام . قال الزجاج : الوجه الخامس : بالنون هو الأول
بعينه لأن التنوين والنون سواء .
قلت : سواء في اللفظ دون الكتابة . وقد قيل : إن حديث ابن
أم مكتوم هذا يحتمل أن يكون في الجمعة لا في الجماعة ، وقيل : كان في
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥١١/٣٠).
(٢) المصدر السابق (٢١٠٩/١٠).
(٣) المصدر السابق (١٧/ ٣٨٦٠).
- ٢٧ -

أول الإسلام ، وحين الترغيب في الجماعة ، وسدّ الباب على المنافقين في
ترك حضورها . وَأَعلّ ابنُ القطان حديثَ ابن أم مكتوم فقال : لأن
الراوي عنه : أبو رزين ، وابن أبي ليلى ؛ فأما أبو رزين : فإنا لا نعلم
سنَّهُ ؛ ولكن أكبر ما عنده من الصحابة : علي ، وابن أم مكتوم قتل
بالقادسية زمن عمر . وابن أبي ليلى مولده ست بقين من خلافة عمر .
قلت : یمکنُ مناقشته؛ لأن ابن حبان ذكر أنه كان أكبر سنا من أبي وائل؛
وأبو وائل قد علم إدراكه لسيدنا رسول الله ؛ فعلى هذا لا تنكر روايته عن
ابن أم مكتوم. وقوله: (( أعلى ما له الرواية عن عليّ)) مردود بروايته
الصحيحة عن ابن مسعود ، وكذا قوله: (( مات بالقادسية)) مردود ؛ ذكر
ابن حبان في كتاب (( الصحابة)) : شهد القادسية ثم رجع إلى المدينة
فمات بها في خلافة عُمر ، وقوله: (( إن سن ابن أبي ليلى لا يقتضي له
السماع من عمر)) مردود بقول أبي حاتم الرازي وسأله ابنُه : هل سمع
عبد الرحمن من بلال ؟ فقال : بلال خرج إلى الشام قديماً في خلافة
عمر، فإن كان رآه صغيراً فهذا أبو حاتم لم ينكر سماعه من بلال المتوفى
سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة ، بل جوزه ، فكيف ينكر من عمر رضي
الله عنه ؟!
ص - قال أبو داود: وكذا رواه القاسم الجَرْميّ، عن سفيان (١).
ش - أي : كذا روى هذا الحديث القاسم بن يزيد الجرمي الموصلي عن
سفيان الثوري ، وروى القاسم عن مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ،
والمسعودي ، وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حَرَب الموصلي ، وإبراهيم
ابن موسى الرازي ، وإسحاق بن إبراهيم الهروي ، وغيرهم . قال
أبو حاتم : صالح . روى له : النسائي (٢).
(١) جاء في سنن أبي داود قوله: ((ليس في حديثه: حَيَّ هلا)).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٨٣٥/٢٣).
- ٢٨ -

والحديث : رواه النسائي . وقال : وقد اختلف على ابن أبي ليلى في
هذا الحديث ، فرواه بعضهم عنه مُرْسلاً .
قلت: ورواه الحاكم في ((المستدرك)) وصحّحه .
٤٤ - بَابٌ: في فضل صلاة الجماعة
أي : هذا باب في بيان فضيلة الصلاة بالجماعة ، وفي بعض النسخ :
(باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة))، وفي بعضها: ((صلاة الجميع))
موضع (( الجماعة)).
٥٣٦ - ص - نا حفص بن عمر : نا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله
ابن أبي بَصِير ، عن أبي بن كعب قال : صلى بنا رسول الله - عليه السلام -
يوماً الصبحَ فقال: ((أَشَاهدٌ فُلانٌ؟)) قالوا: لا. قال: ((أَشاهدٌ فلانٌ؟))
قالوا: لا، قال: ((إن هاتين الصلاتَيْنِ أَنْقُلُ الصلوات على المنافقينَ ، ولو
تعلمونَ ما فيهما لأَتَيْتُمُوهُما ولو حَبّواً عَلى الرُّكَب، وإن الصفَّ الأوَّلَ على
مثلٍ صفِّ الملائكة، ولو علمتم ما فضيلَتُهُ / لابْتَدَرْتُمُوه، وإن صلاةَ الرجل [١٨٩/١ -ب]
مع الرجل أُزْگی من صلاته وحْدَهُ، وصلاته مع الرجلین أُزْکَی من صلاته
مع الرجلِ، وما كَثُرَ فهو أَحَبُّ إِلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ)) (١).
ش - حفص بن عُمر : ابن الحارث البَصْري، وأبو إسحاق : السّبيعي.
وعبد الله بن أبي بَصِير . روى عن : أبيّ بن كعب ، وعن : أبيه .
روى عنه : أبو إسحاق ؛ ولا نعلم روى عنه غيره . روى له : أبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (٢) .
(١) النسائي: كتاب الإمامة، باب: الجماعة إذا كانوا اثنين (١٠٤/٢)، ابن
ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : صلاة العشاء والفجر في جماعة
(٧٩٦) عن عائشة مختصراً .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣١٨٤/١٤).
- ٢٩ -

قوله : ((أشاهدٌ فلان؟)) أي: أَحاضرٌ مع القوم؟ وارتفاع ((شاهدٌ »
على أنه مبتدأ .
وقوله: ((فلان)) فاعله سدّ مسَد الخبر ، وقد علم أن الصفة الواقعة بعد
حرف الاستفهام أوْ حَرْف النفي يكون مبتدأ ؛ ولكن لا تتعين الصفة في
هذه الصورة للابتداء ؛ وإنما تتعين إذا أسندت إلى التثنية أو الجمع ، نحو :
أقائم الزيدان ؟ وأقائم الزيدون ؟ وأما في هذه الصورة : يجوز أن يكون
((فلان)) مبتدأ، ويكون ((شاهد )) خبره مقدماً، كما في : أقائم زيدٌ ؟
قوله: ((إن هاتين الصلاتين)) أراد بهما صلاة الصبح والعشاء ؛ وإنما
كانتا أثقل الصلوات؛ لأن كلا منهما مكتنف بوقت النوم والثقالة والكسل .
قوله: ((ولو حَبّواً)) الحَبْو: حَبْو الصغير على يديه ورجليه . وقال ابن
الأثير (١): ((الحَبْو: أن يمشي على يدَيْه وركبتَيْه أو اسْته، وحَبّاً البعير إذا
برك ثم زحف من الإِعْياء ، وحبا الصبيّ إذا زحف على استه)). انتهى.
والمعنى : لو تعلمون ما في صلاة الصبح والعشاء من الفضل والخير ،
ثم لم تستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبْوا ، لحبَوتم إليهما ، ولم تُفَوِّتُوا
جماعتيهما في المسجد ، ففيه الحث البليغ على حضورهما .
فإن قلت : بم انتصب حَبْواً ؟ قلت : انتصب على أنه صفة لمصدر
محذوف أي : ولو كان إتياناً حَبْوا ، ويجوز أن يكون خبر كان المقدر ؛
والتقدير : ولو كان إتيانكُم حَبْواً .
وقوله : « علی الر کب ) متعلق به ؛ وهي جمع ركْبةٍ .
قوله: ((وإن الصف الأول على مثل صَفّ الملائكة)) كلمة ((على)) هاهنا
للاستعلاء المعنوي، نحو: ﴿وفَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾، وقد جاء
عن سيبويه أن ((على )) لا يكون إلا اسماً ، فيكون المعنى على هذا :
الصف الأول من الجماعة أعلى وأفضل من صف الملائكة .
(١) النهاية (٣٣٦/١).
- ٣٠ -

قوله: (( ما فضيلته؟ )) أي : فضيلة الصف الأول .
قوله: ((لابتدرتموه)) جواب ((لوْ)) أي: لسارَعْتم إليه ؛ من الابتدار
وهو الإسراع ؛ وهو فعل متعدي ؛ كما يقال : ابتَدَرُوا السلاح ، أي :
تَسَارعوا إلى أخذه .
قوله : (( أزكى)) يعني: أبْركُ وأَنْمى بمعنى: أكثر ثواباً وفضيلةً.
قوله: ((ومَا كثُر)) ((ما)) هاهنا شرطية ؛ فلذلك دخلت الفاء في جوابه؛
والمعنى : كلما كثر الناسُ فهو أحبّ إلى الله عَزَّ وجَلَّ ؛ لأن الجماعة
رَحْمة . والحديث : أخرجه النسائي مطولاً ، وابن ماجه بنحوه مختصراً .
وقال النووي في ((الخلاصة)): إسناده صحيح ؛ إلا أن ابن [ أبي ) بَصِير
سكتوا عنه ولم يضعفه أبو داود . وروى البيهقي معناه من حديث قَبَاث بن
أشيم الصحابي ، عن النبي - عليه السلام - وهو بضم القاف وفتحها
بَعْدها باء موحدة وآخره ثاء مثلثة .
٥٣٧ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا إسحاق بن يوسف : نا سفيان ، عن
أبي سهل - يعني : عثمان بن حكيم - : نا عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ ، عن
عثمانَ بن عفان قال: قال رسول الله وَله: « مَن صَلَّى العشاءَ في جَمَاعة كان
كَقِيَامٍ نصفٍ لَيلةٍ، ومَنْ صَلَّى العِشاءَ والفَجْرَ فِي جَمَاعةِ كَان كقيامٍ لَيلة)(١).
ش - إسحاق بن يوسف : ابن مرْداس الأزرق ، أبو محمد الواسطي
القرشي المخزومي . سمع : الأعمش ، والثوري ، وشريكا (٢) النخعي،
وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وقتيبة بن سعيد ، ويحيى بن
معين ، وغيرهم . قال ابن معين وأحمد العجلي : هو ثقة . وقال
(١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : فضل صلاة العشاء والصبح
في جماعة (٦٥٦/٢٦٠) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل
العشاء والفجر في جماعة (٢٢١) .
(٢) في الأصل: ((شريك)).
- ٣١ -

أبو حاتم : هو صحيح الحديث ، صدوق ، لا بأس به . توفي سنة ست
وتسعين ومائة . روى له الجماعة (١) .
وأبو سَهْل : عثمان بن حكيم بن عبادة بن عثمان بن حنيف الأنصاري
الأوسي المدني ثم الكوفي ، أخو حكيم . روى عن : عبد الله بن
سَرْجس ، وعامر بن سعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن كعب القرظي ،
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشريك النخعي ، وعيسى بن يونس ،
[١٩٠/١- ١) وغيرهم. قال ابن معين: / ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. روى له
.
الجماعة (٢)
وعبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ ، واسم أبي عَمْرة : عمرو بن محصن .
وقال ابن سَعْد : اسمه : بشير بن عمرو بن محصن بن عتيك بن عمرو بن
مبذول ، وهو عامر بن مالك بن النجار النجاري الأنصاري المدني .
سمع: أباه - وله صحبة - ، وعثمان بن عفان ، وعبادة بن الصامت ،
وأبا هريرة ، وغيرهم . روى عنه : مجاهد ، وعثمان بن حكيم ،
وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم . وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
روى له : الجماعة إلا النسائي (٣).
والحديث: أخرجه مسلم، والترمذي؛ ولفظ مسلم: (( من صلى
العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح في جماعة
فكأنما صلى الليل كله)) ، فحمل بعضهم حديث مسلم على ظاهره ، وأن
جماعة العتمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة ، وجماعة الصبح توازي
في فضيلتها قيام ليلة . واللفظ الذي خرجه به أبو داود يُفُسّره ، ويُبيّن أن
المراد بقوله: ((ومن صلى الصَّبْح في جماعة فكأنما صلى الليل كله ))
يعني: ومن صلى الصبح والعشاء ، وطرق هذا الحديث كلها مُصرحة
بذلك ، وأن كلا منهما يقوم مقام نصف ليلة ، وأن اجتماعهما يقوم مقام
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٥/٢).
(٢) المصدر السابق (٣٨٠٤/١٩).
(٣) المصدر السابق (١٧/ ٣٩٢٠).
- ٣٢ -

ليلة ؛ ومعناه : فكأنما قام نصف ليلة أو ليلة لم يُصل فيها العتمة والصبح
في جماعة ، إذ لو صلى ذلك في جماعة لحصل له فضلها وفضل القيام
زائد عليه ، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَّيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْف شَهْر﴾(١)
يعني : من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر . وفيه اختصاص بعض
الصلوات من الفضل بما لا تختصّ غيْرها .
٤٥ - باب : فَضل المشي إلى الصّلاة
أي : هذا باب في بيان فضل المشي إلى الصلاة ، وفي بعض النسخ :
(باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة)) (٢).
٥٣٨ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن ابن أبي ذئب ، عن عبد الرحمن
ابن مهران ، عن عبد الرحمن بن سَعْد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه
السلام - قال: ((الأَبْعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أَجراً)) (٣).
ش - يحيى : القطان ، وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن المدني.
وعبد الرحمن بن مهران : مولى بني هاشم . روى عن : عبد الرحمن
ابن سَعْد ، عن أبي هريرة . روى عنه : ابن أبي ذئب . روى له :
أبو داود ، وابن ماجه (٤) .
وعبد الرحمن بن سَعْد : مولى آل [ أبي ] سفيان . روى عن : ابن
عُمر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة . روى عنه : عمرو بن حمزة
ابن عبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن مهران ، وابن أبي ذئب ، وكلثوم
ابن عمار . روى له : مسلم ، وأبو داود (٥) .
(١) سورة القدر : (٣) .
(٢) كما في سنن أبي داود .
(٣) ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم
أجراً (٧٨٢) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧/ ٣٩٧١).
(٥) المصدر السابق (٣٨٣٠/١٧).
٣ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٣٣ -

قوله: ((الأبعد)) مبتدأ، و((فالأبعد)) عطف عليه ؛ وخبره : قوله :
((أعظم أجراً)، و((أجرا)) نصبٌ على التمييز. وإنما كان الأبعد من
المسجد أعظم أجراً ؛ لأنه عند توجهه إليه يحتاج إلى خطوات كثيرة ، وقد
رُوِيَ: (( في كل خطوة: رفع درجة، وحط خطيئة)) (١) . والحديث:
أخرجه ابن ماجه .
٥٣٩ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي: نازُهير : نا سليمان التيمي أن
أبا عثمان حدّثه ، عن أُبيِّ بن كعب قال : كان رجلٌ لا أعلم أحداً من الناسِ
من يُصلِّي القبلةَ من أهلِ الَّدينةِ أَبْعدَ مَنزلاً من ذلك الرجلِ (٢) ، وكان لا
تُخطئُهُ صَلاةٌ في المسجد ، فقلت: ولو (٣) اشتريتَ حماراً تركبُهُ في
الرَّمَضاء والظُّلُمة؟ فقالَ: ما أُحبُّ أن منزلي إلى جنب المسجدِ ، فتمَى
الحديثُ إلى رسولَ الله فسألَهُ عن قوله (٤) ، فقال: أردتُ يا رسولَ الله أن
يُكْتَبَ لي إقبالي إلى المسجد ورُجُوعِيَ إِلى أَهْلِي إذا رجعتُ فقال: ((أَعْطَاكَ
اللهُ ذَلِك كُلَّ، أَنْطَاكَ اللهُ ما احتسبتَ كُلَّه أَجْمِعَ ) (٥) .
ش - زهير : ابن معاوية بن حُديج ، وسليمان : ابن طرخان ،
أبو المعتمر التيمي .
وأبو عثمان هذا : هو عبد الرحمن بن مَل - بفتح الميم وكسرها - بن
عمرو بن عدي ، أبو عثمان النَّهْدي الكوفي ، سكن البصرة ، وأسلم
على عهد النبي - عليه السلام - ولم يلقه، وصَدَّق إليه . وسمع : عمر
ابن الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب ، وأبي بن كعب ، وغيرهم . روى
(١) يأتي بعد حديثين.
(٢) في سنن أبي داود: ((أبعدَ منزلاً من المسجد من ذلك الرجل)).
(٣) كذا، وفي سنن أبي داود: ((لو)).
(٤) في سنن أبي داود: ((قوله ذلك)).
(٥) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : فضل كثرة الخطى إلى المساجد
(٦٦٣) ، ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : الأبعد فالأبعد من
المسجد أعظم أجراً (٧٨٣) .
- ٣٤ -

عنه : أيوب السختياني ، وسليمان التيمي ، وحميد الطويل ، وقتادة ،
وغيرهم . وقال أبو زرعة : بصري ثقة . وقال أبو حاتم : كان ثقة وكان
عريف قومه . مات سنة / خمس وتسعين ، وله نحو من مائة وثلاثين [١/ ١٩٠ -ب]
سنةً . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((كان رجلٌ)) (( كان)» تامّةٌ بمعنى : وُجد .
قوله: ((أبعد منزلاً)) ((أبعد)) منصوب على أنه صفة لقوله: (( لا أعلم
أحداً )) و((منزلاً)) منصوبٌ على التمييز.
قوله: ((في الرَّمْضاء)) الرمضاء: الرَّمْل الحارّة؛ من الرَّمْض؛ وهو
شدّة وقع الشمس على الرمْل وغيره ، والأرض رمضاء ، وقد رمض يومُنا
- بالكسْر - يرمَض رمضاً : اشتدّ حرّه ، ورمضَتْ قدمُهُ من الرمضاء أي :
احترقت ، ومنه اشتقاق الرمضان .
قوله: (( ما أُحب أن منزلي إلى جنب المسجد)) المعنى: ما أحب أن يكون
منزلي قريباً من المسجد ؛ بل أُحب أن يكون بعيداً منه ، ليكثر ثوابي بكثرة
خطاي إليه .
فإن قلت: ((إلى)) هاهنا ما معناه ؟ قلت : الظاهرُ : أنه بمعنى :
((عنْد)) أيْ : عند جَنْب المسجد كما في قول الشاعر:
أَشْهى إليَّ من الرحيق السَّلْسلِ
أم لا سبيل إلى الشباب وذكرهُ
ويجوز أن يكون بمعنى انتهاء الغاية المكانية ؛ والمعنى : ما أُحب انتهاء
منزلي إلى المسجد .
قوله: « فنمی الحدیثُ إلى رسول الله )) أي: بلغ الخبر إلى رسول الله ؛
يقال : نَميْتُ الحديث أَنْميه : إذا بلّغته على وجه الإصلاح وطلب الخير ،
فإذا بلَّغته على وجه الإفساد والنميمة ، قلت : تميته - بالتشديد .
قلتُ : نَمَى مخففاً لازم ومتعد كما رأيته لازماً في الحديث ، ومتعدياً في
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٦٨/١٧).
- ٣٥ -

قولك : نميْتُ الحديثَ، ويجوز أن يكون (( نمى )) في الحديث - أيضاً -
متعدياً، ويكون (( أُبي)) فاعله، ويكون ((الحديث)) منصوباً على المفعولية.
قوله: (( فسأله عن ذلك)) أي : سأل رسول الله - عليه السلام - ذلك
الرجل عن مقالته .
قوله: ((أَنْطاك)) أي: أعطاك؛ وهي لغة أهل اليمن في ((أعطى))
وقرئ: ﴿إِنَّا أَنْطَيِّنَاكَ الكَوْثَرَ﴾.
قوله: (( ما احتسبتَ)) من الاحتساب ؛ والاحتساب من الحسَب كالاعتداد
من العدّ ؛ وهو الطلب لوجه الله تعالى وثوابه ؛ وإنما قيل لمن يَنْوي بعمله
وجه الله احتسَبه ؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله ، فجعل في حال مباشرة
الفعل كأنه مُعْتدّ به ، والاحتساب في الأعمال الصالحات ، وعند
المكروهات هو البدارُ إلى طلب الأجْر ، وتحصيله بالتسليم والصّبْر ، أو
باستعمال أنواع البرّ ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها ، طلباً للثواب
المرجوّ منها .
قوله: (( كله أجمع)) كلاهما من ألفاظ التأكيد ؛ وقد عرفت أن التأكيد
على نوعين : لفظي ومعنوي ؛ فاللفظي تكرير اللفظ الأول ؛ كما تقول :
جاءني زيد زيد ؛ والمعنوي بألفاظ محفوظة ، وهي : النفس ، والعين ،
وكلا ، وكل ، وأجمع ، وأكتع ، وأبتع ، وأبضع ؛ ولا يؤكد بكل
وأجمع إلا ذو أجزاء حسا أو حكماً ؛ نحو : جاءني القوم كلهم أجمعون،
واشتريتُ العبد كله أجمع . والحديث : أخرجه مسلم، وابن ماجه بمعناه .
٥٤٠ - ص - نا أبو توبة : نا الهيثم بن حُميد ، عن يحيى بن الحارث ، عن
القاسم أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة أن رسول الله قال : « مَنْ خرجَ من
بَيْته مُتُطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجْرُهُ كأجْرِ الحاجِّ المُحْرِمِ، ومَنْ خرج إلى
تسبيح الضَّحَى لا يُنصبُهُ إلا إياه ، فأجرُهُ كأجرِ المعتمرِ ، وصلاةٌ على إِثْرِ
٠٠
صلاة لا لَغْوَ بينهما كتابٌ في عِلِّينَ)) (١).
(١) تفرد به أبو داود .
- ٣٦ -
.

ش - أبو توبة : الربيع بن نافع الحلبي ، والهيثم بن حميد : الدمشقي.
ويحيى بن الحارث : الذماري ، أبو عمرو الغساني المقرئ ، قارئ أهل
الشام ، إمام جامع دمشق ، أدرك واثلة بن الأسقع وقرأ عليه ، وعلى
عبد الله بن عامر المقرئ . وروى عن : أبي الأزهر المغيرة بن فروة ،
والقاسم أبي عبد الرحمن ، وأبي الأشعث الصنعاني . روى عنه : يحيى
ابن حمزة وإسماعيل بن عياش ، والهيثم بن حميد ، وغيرهم . قال ابن
معين : كان ثقة . وقال أبو حاتم: كان ثقة عالماً بالقراءة في دهره بدمشق.
مات وهو ابن تسعين سنةً سنة خمس وأربعين ومائة . روی له : أبو داود،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي الدمشقي الأموي
مولى خالد بن يزيد بن معاوية . وقال الطبراني : مولى معاوية بن
أبي سفيان. روى عن: عليّ بن أبي طالب، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة،
وسلمان الفارسي، وابن مسعود. / وسمع: أبا أمامة الباهلي. روى [١٩١/١-أ]
عنه : العلاء بن الحارث ، وثابت بن عجلان ، ويحيى بن الحارث ،
وغيرهم . وقال الترمذي : هو ثقة . وقال أبو حاتم : حديث الثقات
عنه: مستقيم ؛ وإنما ينكر عنه الضعفاء . توفي سنة ثنتي عشرة ومائة .
روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢) .
وأبو أمامة : الباهلي .
قوله: ((متطهراً)) حال من الضمير الذي في ((خرج)).
وقوله: ((إلى صلاة)) متعلّق بقوله: (( خرج)) .
قوله: ((فأجرُهُ)) خبر لقوله: ((مَنْ)) ودخل الفاء فيه لِيُضَمِّنَ المبتدأ معنى
الشرط .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٠٣/٣١).
(٢) المصدر السابق (٢٣/ ٤٨٠٠).
٢٠
- ٣٧ -

قوله: ((إلى تَسْبيح الضحى)) أي : صلاة الضحى؛ ويطلق التسبيح على
الصلاة النافلة لوجود معنى النفل في كل منهما .
قوله: (( لا يُنْصِبه إلا إياه)) يعني: لا يُزعجه ولا يُتْعِبُه إلا ذلك؛ وأصله
من النَّصَب ؛ وهو مُعاناة المشقة ؛ يُقال : أَنْصبني هذا الأمرُ ، وهو أمر
مُنْصِبٌ، ويُقال : أمر ناصِبٌ أي: ذو نَصَبٍ، وقوله: (( إياه )) وقع
موقع الضمير المرفوع ؛ والمعنى : إلا هُو .
قوله : ((وصلاةٌ على إثر صلاة)) أي : صلاة عقيب صلاة ؛ والأثر -
بفتح الهمزة والثاء ، وبكسر الهمزة وسكون الثاء - كلاهما بمعنىّ .
وارتفاع ((صلاة)) على أنه مبتدأ ، ولا يقال : إنه نكرة ؛ لأنها تخصّصت
بقوله: ((على إثر صلاة)) وخبره: قوله: ((كتابٌ في عليين)).
قوله : ((لا لغو بينهما)) أي: بين الصلاتين؛ واللَّغْوُ : الباطلُ؛ من
لغى الإنسانُ يَلغو ، ولغا يلغا ولغي يلغا إذا تكلّم بالمُطّرح من القول وما لا
يَعْني، ويجوز أن تكون ((لا)) لنفي الجنس، ويكون ((لغوَ )) مبنياً على
الفتح ؛ نحو: لا رجلَ في الدار، ويجوز أن تكون بمعنى ((ليس))،
ويكون ((لغو)) مرفوعاً على أنه اسم ((ليس)) وخبره: قوله: (( بينهما)).
فإن قلت : ما موقع هذه الجملة ؟ قلت : وقعت في المعنى صفة كاشفة
للصلاة ؛ لأن الصلاة التي تكتب في عليين موصوفة بشيئين ؛ الأول : أن
تكون مكتنفة بصلاة أخرى ، والثاني : أن لا يكون بينهما لغو وأباطيل من
الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك .
قوله: ((كتابٌ في عليين)) أي : مكتوب فيها كالحساب بمعنى المحسوب؛
قال الله تعالى: ﴿كَلَا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ (١) لَفِي عِلَّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
عليُّونَ ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ (٢) وعليّون جمَعٌ، واحدُه: عِلي ، مشتق من
الَعُلوّ ؛ وهَو للمبالغة ، ويُقال : جُمِعَتْ كجمع الرجال إذ لا واحد لها
ولا تثنية . وقال الفراء : اسم موضع على صيغته كعشرين وثلاثين . وقال
(١) في الأصل: ((الأبر)).
(٢) سورة المطففين (١٨ - ٢٠) .
- ٣٨ -

ابن مالك: عليّون اسم لأعلى الجنة؛ كأنه في الأصل ((فعيّل)» من
العلو، فجمع جمعَ ما يُعْقلُ، وسُمّي به أعلى الجنة ، وله نظائرُ من (١)
أسماء الأمكنة ، نحو : صريفون ، وصفّون ، ونصيبون ، وسَلحون ،
وقنسرون ، ويَبْرون ، ودارون ، وفلسطون . وقال ابن زيد : هي السماء
السابعة . وقال قتادة : إليها ينتهي أرواح المؤمنين . وقال كعب : هي قائمة
العرش اليمنى . وقال الضحاك : هي سدرة المنتهى . وقيل : لوح من
زبرجدة خضراء ، مُعلّق تحت العرش فيها أعمالهم .
٥٤١ - ص - نا مسدّد: نا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاجِ : ((صَلاةُ الرجلِ في جماعةٍ تَزِيدُ على
صَلاتِهِ فِي بَيْتْه وصلاته في سُوقِه خمساً وعشرينَ دَرجةً ؛ وذلك بأَن أَحَدَكُم
إذا تَوضاً فأَحَسنَ الوُضُوءَ، وأَتَى المسجدَ لا يُريدُ إلا الصلاةَ لا يُنْهِزُه (٢)
- يَعني: إلا الصلاةُ(٣) - لم يَخطُ خَطوةً إلا رُفِعَ لَهُ بها درجةٌ (٤) وحُطَّ بها
عنه خطيئةٌ حتى يدخُلَ المسجدَ ، فإذا دَخَلَ المسجدَ كان في صلاة ما كانتِ
الصلاةُ هي تحبسُهُ ، والملائكةُ يُصلُّون على أحدِكُم ما دامَ في مجلِّسِهِ الذيَ
صَلَّى فيه يَقُولون (٥) : اللهم اغفرْ له، اللهم ارحَمْه ، اللهم تُبْ عليْه ما لم
يُؤْذِفيه، أو يُحْدِثْ فيه)) (٦) .
ش - ((صلاة الرجل)): مبتدأ، وخبره: قوله: ((تزيدُ)).
(١) مكررة في الأصل .
(٢) كتب في الأصل فوق ياء ((ينهزه)) ضمة وفتحة، وكتب فوقهما ((معاً)) إشارة
إلى جواز الأمرين .
(٣) في سنن أبي داود: ((ولا ينهزه إلا الصلاة)).
(٤) في الأصل: ((أو)). وفي سنن أبي داود: ((وحط عنه بها)).
(٥) في سنن أبي داود: ((ويقولون)).
(٦) البخاري: كتاب الصلاة ، باب : الصلاة فى مسجد السوق (٤٧٧) ، مسلم :
كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : فضل صلاة الجماعة (٦٤٩/٢٧٢) ،
الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل الجماعة (٢١٦) ، ابن
ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : فضل الصلاة في جماعة (٧٨٦) .
- ٣٩ -

قوله: ((وصلاته في سوقه)) عطف على قوله: ((صلاته في بيته)) والمراد
من قوله : (( صلاة الرجل في جماعة)) : صلاته في جماعة في مسجدٍ ؛
بقرينة قوله : (( تزيد على صلاته في بَيْته ».
[١٩١/١ -ب] وأما قوله: / ((وصلاته في سوقه)) في الظاهر أعم من أن يكون منفرداً
أو بجماعة ، ولكن لا يمكن أن يجري على عمومه ؛ لأنا قد قلنا : إن
المراد من قوله: (( صلاة الرجل في جماعة )) في مسجد ، فيكون مقابلاً
للصلاة في بَيْته والصلاة في سوقه ، ولا تصح المقابلة إلا إذا كان المراد من
صلاته في سوقه أن يكون منفرداً ، وإلا يلزم أن يكون قسيم الشيء قسماً
منه ؛ وهو باطل ، ويكون هذا خارجاً مخرج الغالب ؛ لأن من لم يحضر
الجماعة في المسجد يصلي منفرداً ، سواء كان في بيته أو سوقه . وقد قيل:
إن قوله: (( وصلاته في سوقه )) على عمومه ؛ ولكن تفضل صلاة الرجل
في جماعة المسجد على صلاته في سوقه ، وإن كان بجماعة باعتبار أن
الأسواق مواضع الشياطين كالحمام ، فتكون الصلاة فيها ناقصةَ الرتبة
كالصلاة في المواضع المكروهة .
قلنا : هذا لا يطرد في البيوت ؛ لأنا قلنا: إن قوله: (( صلاة الرجل
في جماعة)) مقابل للصلاة في بيته والصلاة في سوقه ، فينبغي أن يتساويا
في التقابل . وفيما قاله هذا القائل لا يتساوى التقابل ، فلا يصح الإجراء
على العموم ، على أنهم لم يذكروا السوق في الأماكن المكروهة للصلاة ،
فافهم .
قوله : ((خمساً وعشرين درجةً)) نصبٌ على أنه مفعولٌ لقوله: ((تزيدُ »
نحوُ قولك : زدتُ عليه عشرة ونحوها . وقد جاء في رواية: (( بخمسة
وعشرين جزءاً))، وفي رواية: ((بسبع وعشرين درجةً))، والجمع بين
ذلك من ثلاثة أوجه ؛ الأول : أن ذكر القليل لا ينفي الكثير ، فلا منافاة
بينهما ، والثاني : أن يكون أخبر أولاً بالقليل ، ثم أعلمه بزيادة الفضل
فأخبر بها ، الثالث : أنه يختلف باختلاف أحوال المصلّين والصلاة ؛
فيكون لبعضهم : خمسٌ وعشرون ، ولبعضهم : سبع وعشرون ، بحسب
- ٤٠ -