Indexed OCR Text

Pages 461-480

ضعيف عند أهل الحديث ؛ ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره ، وقال
أحمد : لا أكتب حديث الإفريقي .
٣٠ - بَابُ رَفْع الصَّوْتِ بالأذَان
أي : هذا باب في بيان رفع الصوت بالأذان ، وفي بعض النسخ :
((باب رفع الصَوْت)) فقط، وفي بعضها: (( باب ما جاء في رفع الصوت
بالأذان )) . الصوتُ زعم قوم أنه اصطكاك أجْسام صلبة ، وقيل : هو
القَلْع ، وقيل : هو القرع ، وقيل : تموج الهواء . وكل ذلك باطل ؛ لأن
كل ذلك مُبْصرٌ لا مَسْموع ؛ والحق أنه واضح عند العقل ، غني عن
التعريف، ومنهم من زعم أن سبَبه / القريب تموّج الهواء ، وسببَه البعيد: [١٧٦/١ -أ]
ءِ
إمْساسٌ عنيف وهو القَرْعُ ، أو تفريق عنيف وهو القَلْعُ ، والصوت الفرعيّ
أشدّ انبساطًا من القَلْعِيّ .
فإن قلت : ما الفرق بين الصَّوْت والنطق واللفظ ؟ قلت : اللفظ هو
النطق المعتمدُ على مقاطع الفم ، فالنطق اللغوي أخصّ من الصوت ؛ لأن
الصَّوْت يكون من حيّ وغير حيّ ، والنطق لا يكون إلا من حيّ ؛ واللفظ
أخصّ من النطق ، لأنه لا يكون إلا من الإنسان . وإنما ذكرنا هذه الأشياء
وإن كان هذا الموضع ليس محلّها تكثيرا لفائدة المحدّث ، وترغيبا له أن لا
يقتصر على معرفة المتون من غير معانيها .
٤٩٧ - ص - نا حَفْص بن عُمر النَّمَريُّ : نا شعبة ، عن موسى بن
أبي عثمان ، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال :
((المؤذِّنُ يُغفرُ له مَدَى صَوْتُه، ويَشْهِدُ له كلُّ رطب ويابس ، وشاهدُ الصلاة
يُكتبُ له خمسٌ وعشرون صَلاةٌ، ويُكْفُرُ عنه ما بَيْنَهَمَا)) (١).
ش - مُوسى بن أبي عثمان : التَّبَّان مولى المغيرة بن شعبة . روى عن :
(١) النسائي: كتاب الأذان، باب: رفع الصوت بالأذان (١٢/٢)، ابن ماجه:
كتاب الأذان ، باب : فضل الأذان وثواب المؤذنين (٧٢٤) .
- ٤٦١ -

أبيه ، وأبي يحيى ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير . روى عنه :
أبو الزناد ، وشعبة ، ومالك بن مغول ، والثوري ، وقال : وكان مؤذنًا ،
وكان نعم الشيخ ، وكان سمع إبراهيم بن مهاجر . روى له : أبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (١) .
وأبو يحيى هذا لم يُنْسَبْ فُيُعرف حاله، وفي ((الكمال )) ذكره في
أبواب الكُنى وقال : أبو يحيى . روى عن : أبي هريرة . روى عنه :
موسى بن أبي عثمان . روى له : أبو داود ، والنسائي (٢) .
قوله: ((المؤذن)) مبتدأ، وخبره: ((يُغفر له )) وبُني على المجهول لعِلم
الفاعل .
قوله: ((مَدِى صَوْته)) كلام إضافيّ، ومَدَى الشيء: غايته؛ والمعنى:
أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وُسعَه في رفع الصَّوْت ، فيبلغ الغاية من
المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت ، والظاهر : أنه من باب التمثيل
والتشبيه، بمعنى أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين
أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبٌ تملأ تلك المسافة ، لغفرها الله له .
قوله : (( ويَشهدُ له)) أي: للمؤذن يوم القيامة (( كل رُطُب ويابس )) في
الدنيا ، وهذا يتناول الإنس والجن وسائر الحيوانات ، وسائر الأشياء
المخلوقة من الرطب واليابس .
فإن قيل : أيّ شيء يحتاجُ إلى هذه الشهادة وكفى بالله شهيدًا ؟ قلت :
المرادُ منها : اشتهارُهُ يومَ القيامة فيما بينهم بالفَضْل وعُلوّ الدرجة ، ثم إن
الله تعالى كما يُهِينُ قومًا بشهادة الشاهدين عليهم تحقيقا لفضوحهم على
رءوس الأَشْهاد ، وتَسْويداً لوجوههم ، فكذلك يكرم قوما بشهادة
الشاهدين ، تكميلا لسرورهم ، ، وتطييبًا لقلوبهم ، وبكثرة الشهود تزداد
قرة عيونهم ، فأخبر أن المؤذنين كلما كانت أصواتهم أجهر كانت شهودهم
أکثر .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٨١/٢٩) .
(٢) المصدر السابق (٣٤/ ٧٧٠١) .
- ٤٦٢ -

فإن قيل : أليس قد جمع بين الحقيقة والمجاز في قوله ((ويَشْهِدُ له)) لأن
الشهادة حقيقة في حق الإنس والجن ، مجاز في حق غيرهما من الأشياء
الرطبة واليابسة ؟ قلت : قد عرفتَ أن مَعْنى الشهادة كونه مشتهرا بينهم
بالفضل حتى إن كل من شهده عرفه أنه إنما حصل له هذا من أذانه في
الدنيا ، فإذنْ لاشهادة لا حقيقة ولا مجازا .
قوله: ((وشاهدُ الصلاة)) مبتدأ وخبرُهُ: ((يكتبُ له )) والمعنى : حاضِرُ
الصلاة مع الجماعة يكتبُ له أجرُ خمسٍ وَعِشْرين صلاةً .
فإن قيل : ما الحكمة في تعيين الخمس والعشرين ؟ قلت : الذي ظهر
لي في هذا المقام من الأنوار الإلهيّة، والأَسْرار الربانية ، والعنايات
المحمديّة : أن كل حسَنة بعشر أمثالها بالنّص ، وأنه لو صلى في بَيْتْه كان
يَحصل له ثواب عشر صلوات ، وكذا لو صلى في سوقه كان يحصل له
ثواب عشر صلوات ، كل صلاة بعشرٍ ، ثم إنه لو صلى بالجماعة يحصل
له ما كان يحصل له / من الصلاة في بَيْته وفي سوقه ، ويُضاعف له مثله، [١٧٦/١ -ب]
فيصير ثواب عشرين صلاةً . وأما زيادة الخمسة ؛ فلكونه أَدّى فرضًا من
الفروض الخمسة ، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد
الفروض الخمسة ، زيادة على العشرين ، إنْعاما وفضْلا منه عليه ، فيصير
الجملة خمسةً وعشرين . وجواب آخر: أن مراتب الأعداد : آحاد
وعشرات ومئات وألوف ؛ والمائة من الأوساط ، وخير الأمور : أوساطها،
والخمسة والعشرون ربع المائة ، وللربع حكم الكل .
قوله : (( ويكفر عنه ما بَيْنهما)) أي : ما بَيْن الصلاتين؛ بَيْن الصلاة التي
صلاّها وبين الصلاة التي تليها ؛ والمعنى : تكفر ذنوبه التي ما بينهما غير
الكبائر . والحديث : أخرجه النسائي ، وابن ماجه .
٤٩٨ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن
أبي هريرة أن رسول الله وَّم قال: ((إذا نُوديَ بالصلاة أَدْبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ
حتى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ ، فإذا قُضِيَ النداءُ أقبل ، حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة أَدْبَرَ ،
- ٤٦٣ -

حتى إذا قُضِيَ التثويبُ أَقبَلِ، حتى يَخطُرَ بين المَرْءِ ونَفْسه ويقول: اذكر كذا،
اذكرْ كذا، لَمَّا لم يكن يَذْكُرُ، حتى يَظلَّ(١) الرجلُ إِنْ يَدَّرَي كم صَلَّى))(٢).
ش - عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ومالك : ابن أنس ، وأبو الزناد :
عَبْد الله ، وعبد الرحمن الأعرج .
قوله : ((إذا نودي بالصلاة )) أي: إذا أُذّن بها .
قوله: ((أدبر الشيطان وله ضراط)) الإدبار: نقيض الإقبال؛ يقال: دَبَر
وأدبر إذا وَلّى ؛ والواو في ((وله ضراط )) للحال . وفي رواية البخاري
ومسلم بدون الواو ؛ والجملة الاسمية تقع حالا بلا واو - أيضًا - كما في
قوله: كلمته فوُهُ إلى فيَّ. وفي رواية مسلم: ((وله حُصَاصٌ )).
فإن قيل : ما حقيقة هذا الكلام ؟ قلت : هذا تمثيل لحال الشيطان عند
هروبه من سماع الأذان بحال مَنْ حزقه - أمر عظيم ، واعتراه خطب
جسيم ، حتى لم يزل يحصل له الضَّراط من شدة ما هو فيها ؛ لأن الواقع
في شدة عظيمة من خوف وغيره تسترخي مفاصله ، ولا يقدر على أن يملك
نفسه فينفتح منه مخرج البول والغائط ؛ ولما كان الشيطان - عليه اللعنة -
تعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة ، فيَهْرب حتى لا
يسمع الأذان ، شبه حاله بحال ذلك الرجل ، وأثبت له على وجه الادعاء
الضراط الذي يَنْشأ من كمال الخوف الشديد ؛ وفي الحقيقة : ما ثم
ضراط، ويجوز أن يكون له ريح لأنه روح ، ولكن لم نعرف كيفيته (٣) .
فإن قيل : ما الحكمة أن الشيطان يهرب من الأذان ولا يَهْرب من قراءة
(١) في سنن أبي داود: ((يضل)) وهي رواية كما سيذكر المصنف.
(٢) البخاري: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (٦، ٨)، مسلم: كتاب
الصلاة ، باب : استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام
والركوع، وفي الرفع من الركوع ، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود
(٣٨٩/١٩)، النسائي: كتاب الأذان، باب: فضل التأذين (٢١/٢).
(٣) بل الظاهر أنه ضراط على وجه الحقيقة ، كما قال القاضي عياض وغيره ،
وانظر الفتح (٨٤/٢).
- ٤٦٤ -

القرآن وهي أفضل من الأذان ؟ قلت : إنما يفرُّ من الأذان وله ضراط لئلا
يسمع فيحتاج أن يَشْهد بما سمع إذا استُشهد يوم القيامة ؛ لأنه جاء في
الحديث: (( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد
له يوم القيامة (١) )) والشيطان - أيضًا - شيء ، أو هو داخل في الجنّ لأنه
من الجنّ والحديث المذكور - أيضًا - (( ويَشْهد له كل رطب ويابس)).
فإن قيل : الشيطان ليس بأهل للشهادة ؛ لأنه كافر ، والمراد من
الحديث: يَشْهد له المؤمنون من الجن والإنس . قلت : هذا ليس بشيء ؛
لأن قوله: (( ويَشْهد له كل رطب ويابس)) يَتناوَله ، والأحسن : أن يقال:
إنه يُدبر لعِظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد ، وإظهار
شعائر الإسلام وإعلانه . وقيل : ليأسه من وسوسة الإنْسان عند الإعلان
بالتوحيد . قال أبو الفرج : فإن قيل : كيف يهرب الشيطان من الأذان ،
ويدنو من الصلاة ، وفيها القرآن ومُناجاة الحق ؟ فالجواب : بُعده عنْد
الأذان لغيظه من ظهور الدين ، وغلبة الحق ، وعلى الأذان هَيْئة يشتدُّ
انزعاجه لها ، ولا يكاد يقع فيه رياء ولا غفلة عند النطق به ؛ لأن النفس
لا تحضره ، وأما الصلاة : فإن النفس تحضر ، فيفتح لها الشيطان أبواب
الوساوس .
قوله: ((فإذا قضي النداء / أقبل)) يعني: إذا فُرغ من الأذان أقبل [١/ ١٧٧ -أ]
الشيطان ، لزوال ما يلحقه من الشدّة والداهية .
قوله: ((حتى إذا ثُوب بالصلاة)) أي: حتى إذا أُقيم لها؛ (((٢)
والتثويب هاهنا : الإقامة ، والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في
صلاة الفجر: (( الصلاة خير من النوم )) حسب ؛ ومعنى التثويب :
الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه ؛ وأصله : أن يلوح الرجل لصاحبه بثَوْبُه
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : رفع الصوت بالنداء (٦٠٩) من حديث
أبي سعيد الخدري .
(٢) انظر: معالم السنن (١٣٤/١).
٣٠ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٤٦٥ -

فيُديرُه عند الأمر يَرْهقه من خوف أو عدوٍّ ، ثم كثر استعماله في كل إعلام
يُجهرُ به صوت ؛ وإنما سمّيت الإقامة تثويبًا ؛ لأنه إعلام بإقامة الصلاة ،
والأذان إعلام بوقت الصلاة)) .
وقيل : سميت الإقامة تثويبًا لأنه عود للنداء من ثاب إلى كذا إذا عاد
إليْه .
قوله: (( حتى يخطر بين المرء ونَفْسه)) - بضم الطاء وكسرها - قال
عياض : ضبطناه عن المتقنين بالكسْر ، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم ،
قال : والكسر هو الوجْه ؛ ومعناه : يُوسوس ؛ من قولهم : خطر العجل
بذنبه إذا حركه يَضرب به فخذَيْه . وأما الضم : فمن السلوك والمرور ،
أي: يدنو منه ، فيمرّ بينه وبين قلبه ، فيُشْغله عما هو فيه ، وقال الباجي :
فيحول بين المرء وما يُريده من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه . وقال
الهجري في ((نوادره )): يخطِرِ بالكسْر في كل شيء ، وبالضم ضعيف .
قوله : (( حتى يظل الرجل إن يدري كم صَلّى )) أي : حتى يصير الرجل
ما يَدْري كم صلّى من الركعات. و((يظل)) بظاء قائمة مفتوحة ،
و((الرجل)) مرفوع لأن فعله (١) بمعنى يصير كما في قوله تعالى: ﴿ظَلّ
وَجْهُهُ﴾ (٢) وقيل: معناه: يبقى ويدوم. وحكى الداوديّ ((يضِل))
بالضاد المعجمة المكسورة بمعنى : ينسى ويذهب وهمُهُ ويَسْهو ، قال تعالى:
﴿ أن تَضلَّ إِحْدَهُمَا﴾ (٣) . قال ابن قرقول : وحكى الداودي أنه روي
(يضل)) و((يضَل)) من الضلال وهو الحَيْرة، قال: والكسْر في المستقبل
أشهر. قال الحافظ القشيري: ولو روى هذا الرجل ((حتى يُضِل الرجلَ))
لكان وَجْها صحيحًا ، يُريد حتى يُضل الشيطان الرجلَ عَنْ درايته كم
صلّى، قال : ولا أعلم أحدًا رواه ؛ لكنه لو رُوي لكان وَجْها صحيحًا في
المعنى غير خارج عَنْ مراده - عليه السلام - ، وقوله (( إن )) بالكسر ،
(١) في الأصل: ((فاعله)).
(٣) سورة البقرة: (٢٨٢).
(٢) سورة النحل : (٥٨).
- ٤٦٦ -

((إن)) نافيةٌ بمعنى ((ما )) قال القاضي عياض: وروي بفتحها قال: وهي
رواية ابن عبد البرّ ، وادعى أنها رواية أكثرهم ، وكذا ضبطه الأصيلي في
كتاب البخاري ، والصحيح : الكسْرُ .
قلت: الفتح إنما يتوجّه على رواية ((يضل)) بالضاد فيكون ((أَنْ)) مع
الفعل بَعْدها بتأويل المصدر ، أي : يجهل درايته ، ويَنْسى عدد ركعاته .
فإن قيل : ما معنى أنه أثبت له الضراط في إدباره الأول ولم يثبت في
إدباره الثاني ؟ قلت: لأن الشدّة الأولى تلحقه على سبيل الغفلة ، وتكون
هي أعظم ، أو يكون اكتفى بذكره في الأوّل عن ذكره في الثاني .
فإن قيل : ما مقدار بُعد إدباره ؟ قلت : قد بَيّنه في رواية مسلم أن
الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء ، قال
الراوي : هي من المدينة ستة وثلاثون ميلاً ؛ وهي بفتح الراء والحاء المهملة
وبالمدّ .
٣١ - بَابُ: مَا يجبُ عَلى المؤذن من تعاهُد الوقت
أي : هذا باب في بيان ما يجب على المؤذن من تعاهد وقت الصلاة ،
وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء فيما يجب)) وفي بعضها: (( من تعهد
الوقت )) فالتعاهد والتعهد بمعنّى واحد ؛ وهو الحفاظُ والرعاية .
٤٩٩ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا محمد بن فضيل : نا الأعمش ، عن
رجل ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - عليه السلام -:
((الإِمامُ ضَامِنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ، اللهم أَرشدِ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذنينَ))(١).
ش - محمد بن فضيل : ابن غزوان الكوفي ، وأبو صالح : ذكوان
السمان .
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن
(٢٠٧) .
- ٤٦٧ -

قوله: (( الإمام ضامن)) أصل الضمان : الرعاية والحفظ ؛ لأنه يحفظ
على القوم صلاتهم ، وقيل : لأنه يتحمل القراءة عنهم ، ويتحمل القيامَ
إذا أدركه راكعًا ، وقيل : صلاة المقتدين به في عهدته ، وصحتها مقرونة
[١٧٧/١ - ب] بصحة صلاته ؛ فهو كالمتكفل / لهم صحة صلاتهم ، وقيل : ضمان
الدعاء يعمّهم به ولا يختص بذلك دونهم . وقال بعض أصحابنا : مَعْناه :
يتضمن صلاته صلاة القوم ، وعن هذا قالوا : اقتداء المفترض بالمتنفل لا
يجوز ؛ لأن تضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز وفيما دونه لا يجوز ، وهو
المَعْنِيُّ من الفرق ؛ فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة ، والنفل
يشتمل على أصل الصلاة ، وإذا كان الإمام مفترضا فصلاته تشتمل صلاة
المتقدي وزيادةً فيصحّ الاقتداء ، وإذا كان متنفلا فصلاته لا تشتمل على ما
تشتملُ عليه صلاة المقتدين ؛ فلا يصح اقتداؤه به ؛ لأنه بناء القويّ على
الضعيف ؛ فيكون منفردا في حق الوَصْف . وهذا الحديث أصلٌ لِثلاثة من
الفروع تُستفاد منه ؛ الأول : فساد اقتداء المفترض بالمتنفل ، والثاني : عدم
وجوب القراءة على المقتدين ، والثالث : فساد صلاة المقتدين إذا ظهر
الإمام محدثا أو جنبًا . وفي الكل خلاف الشافعي ؛ والحديث حجة عليه.
قوله: (( والمؤذن مؤتمن )) يعني : أمينٌ على صلاتهم وصيامهم ؛ لأنهم
يعتمدون عليه في دخول الأوقات وخروجها - وأيضا - هو يطلع على حُرَم
المسلمين لارتقائه على المواضع المرتفعة . وعن هذا قالوا : يُكرهُ أذانُ
الجاهلِ مواقيتَ الصلاةِ ، وأذانُ الفاسقِ .
قوله: ((اللهم أرشد الأئمة)) مِن الإرشاد ؛ وهي الهداية إلى طريق
الصواب ، والرَّشْد خلاف الغي ، والأئمة أصله: أَأُمَمةٌ جمع إمام ؛
فقلبت الهمزة الثانية ألفًا فصَار آمة بالمدّ ، ثم قلبت ياء بعد إدغام الميم في
الميم لالتقاء الساكنيْن ، ويجوز : أَئِمّة بالهمزتين ، وقُرئ بها . وإنما قال
في حق الأئمة: ((أَرْشد)) وفي حق المؤذنين: ((اغفر)) لأن الإمامَ
ضامِنٌ، فيحتاج إلى الإرشاد في طريق ضمانه ، لَيَخْرج عن عُهْدته
بالسلامة ، والمؤذن أمين فيحتاجُ إلى الغُفْران ؛ لأنه قد يقع منه تقْصيرٌ .
- ٤٦٨ -

والحديث : أخرجه الترمذي ، وقال : وفي الباب عن عائشة ، وسهل
ابن سعد ، وعقبة بن عامر ؛ قال أبو عيسى : حديث أبي هريرة رواه
سفيان الثوري ، وحفص بن غياث ، وغير واحد ، عن الأعمش ، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - . وروى أسباط
ابن محمد ، وأبو بدر ، عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبي - عليه السلام - . وروى نافع بن سليمان ، عن محمد بن
أبي صالح ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي - عليه السلام - هذا
الحديث ، قال : وسمعت أبا زرعة يقول : حديث أبي هريرة أصح من
حديث أبي صالح عن عائشة ، قال : وسمعت محمدا يقول : حديث
أبي صالح عن عائشة أصحّ ، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت
حديث أبي هريرة ولا حديث عائشة .
٥٠٠ - ص - نا الحسن بن علي: نا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبِّئْتُ
عن أبي صالح - ولا أُرَى (١) إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله - عليه السلام مثله (٢).
ش - الحسن بن علي : الخلال ، وعبد الله بن نُمير : الكوفي .
قوله: ((نُبِّئْتُ)) على صيغة المجهول؛ أي : أُخْبِرتُ .
قوله: (( ولا أُرى)) بضم الهمزة وفتح الراء .
قوله : (( منه)) أي : من أبي صالح السمان .
٣٢ - باب : الأَذان فَوق المنارة
أي: هذا باب في بيان الأذان فوق المنارة، وفي بعض النسخ : (( باب
ما جاء في الأذان )) والمنارة : علم الطريق ، والمنارة : التي يؤذن عليها .
٥٠١ - ص - نا أحمد بن محمد بن أيوب : نا إبراهيم بن سَعْد ، عن
محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جَعْفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ،
(١) في سنن أبي داود: ((ولا أراني)).
(٢) انظر الحديث السابق .
- ٤٦٩ -

عن امرأة من بني النجارِ قالت : كان بَيْتِي من أطول بَيْت حولَ المسجد ،
فكان(١) بلالٌ يُؤَذِنُ عليه الفجرَ ، فيأتَي بِسَحَرَ ، فيجلسُ على البَيْتِ يَنْظِرُ إِلَى
الفَجر ، فإذا رآهُ تمطَّى ، ثم قال : اللهم إني أَحْمَدُكَ وأَستعينُكَ على قريش أن
يُقِيمُوا دينَكَ ، قالت : ثم يُؤذنُ ، قالت : والله ما علمتُهُ كان تَرَكَهَا ليلةً واحدةً
هذَه (٢) الكلمات (٣) ..
ش - أحمد بن محمد بن أيوب : الوراق ، أبو جعفر البغدادي ، كان
يورق للفضل بن يحيى بن خالد بن برمك . روى عن : إبراهيم بن سعد
[١٧٨/١- ١] / وأبي بكر بن عياش. روى عنه: أبو داود ، وعبد الله بن أحمد بن
حنبل ، وحنبل بن إسحاق ، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهم . سئل عنه
يحيى بن معين فقال : كذاب ، وقال يعقوب بن شيبة : لا نعرفه أخذ
بالطلب ؛ وإنما كان وراقًا. وذكره ابن الجوزي في ((الضعفاء )) وقال :
وكان أحمد وعلي يحسنان القول فيه . مات ببغداد ليلة الثلاثاء لأربع ليال
بقين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين ومائتين (٤) .
وإبراهيم بن سَعْد : ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
المدني . ومحمد بن إسحاق : ابن يسار .
ومحمد بن جَعْفر بن الزبير : ابن العوام القرشي الأزدي المدني .
سمع: عروة بن الزبير ، وابن عمّه : عبّاد بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله
ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب . روى عنه : عبد الرحمن بن القاسم
ابن محمد بن أبي بكر ، وعبد الرحمن بن الحارث ، والوليد بن كثير ،
ومحمد بن إسحاق وغيرهم . وكان عالما فقيها . روى له الجماعة (٥) .
وعروة بن الزبير : ابن العوام .
(١) في سنن أبي داود: ((وكان)). (٢) في سنن أبي داود: ((تعني هذه)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١/ ٩٣).
(٥) المصدر السابق (٥١١٥/٢٤) .
- ٤٧٠ -

قوله : (( من أطول بَيْت)) أي : أرفعه بناء.
قوله: ((فيأتي بسَحر)) السحَر : قُبيل الصبح؛ وهو هَاهنا مُنُصرفٌ لأنه
نكرة ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ آلَ لُوط نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرَ﴾ (١) فإذا
قلت: سحرنا هذا إذا أردت به سحر ليلتك لّم تصرفه ؛ لأنه معدول عن
الألف واللام وهو معرفة ، وقد غلب عليه التعْريف بغير إضافة ولا ألف
ولام كما غلب ابن الزبير على واحد من بنيه ، وتقول : سير على
فرسخك سحَرَ يا فتى ، فلا ترفعه لأنه ظرف غير متمكّن ، وإن أردت به
نكرةً أو سميتَ به رجلا أو صغرته انصرف ؛ لأنه ليس على وزن المعدول
كآخر يقول : سير على فرسخك سُحيرًا ؛ وإنما لم ترفعه لأن التَّصْغير لم
يُدخله في الظروف المتمكنة كما أدخله في الأَسْماء المنصرفة .
قوله: (( أن يقيموا دينك)) أي : لأن يقيموا دينك .
قوله: (( تركها)) أي: الكلمات المذكورة ، وفسّرها بقوله بعد ذلك :
(هذه الكلمات)). والمقصود من تبويب هذا الباب : استحباب الأذان فوق
الأماكن العالية ؛ لأن الأذان إعلام الغائبين ، فكلما كان المكان أرفع كان
الإعلام أبلغ، وفي ((المصنف)) : نا أبو خالد ، عن هشام ، عن أبيه
قال: أمر النبي - عليه السلام - بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعْبة .
حدثنا أبو بكر قال : نا عبد الأعلى ، عن الجريري ، عن عبد الله بن
شقيق قال: من السَّنَّة : الأذان في المنارة ، والإقامة في المسجد ، وكان
عَبْد الله يَفْعله .
٣٣ - بَابُ: الْمُؤذّن يَسْتديرُ في أذانِه
أي : هذا باب في بيان المؤذن يَسْتدير - أي : يدور يمينًا وشمالا - في
أذانه ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في المؤذن)).
(١) سورة القمر: (٣٤).
- ٤٧١ -

٥٠٢ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا قیْس - یعني : ابن الربيع ح ونا
محمد بن سلیمان الأنباري : نا و کیع ، عن سفیان - جمیعاً - ، عن عون بن
أبي جُحيفة، عن أبيه ، قال: أتيتُ النبيَّ - عليه السلام - بمكةَ وهو في قُبَّةً
حمراءَ من أدَم ، فخرجَ بلالٌ فَأَذْنَ ، فكنتُ أَنْتَبَّعُ فَمَهُ هاهنا وهاهنا . قال : ثم
خرجَ النبيّ - عليه السلام - وعليه حُلَّةٌ حمراء برُودٌ بمانيّةٌ قطريٌّ . وقال
موسى : قال : رأيتُ بلالاً خرجَ إلى الأَبطحِ فَأَذنَ، فلما بلغَ حَيَّ على الصلاة
حَيَّ على الفلاحِ لَوَى عُنُقَهُ يمينًا وشِمالاً ولم يَسْتدرْ، ثم دَخَلَ فأخرجَ العَنَزَّةَ.
وساق حديثه (١) .
ش - قيس : ابن الربيع أبو محمد الأسدي الكوفي من ولد الحارث بن
قيْس الذي أَسْلم وعنده تسع نسوة . سمع : عون بن أبي جُحيفة ،
والأعمش ، وهشام بن عروة وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وابن
المبارك، وشعبة وغيرهم . وقال عفان : كان قيس بن الربيع ثقة ؛ يوثقه
الثوري وشعبة . وعن ابن معين : ليس بشيء . روى له : أبو داود ،
والترمذي ، وابن ماجه (٢) .
وعون بن أبي جُحيفة - وهب بن عبد الله السّوائي الكوفي . روى
عن: أبيه ، والمنذر بن جرير . روى عنه : عمر بن أبي زائدة ، ومسعر بن
كدام ، والثوري ، وشعبة وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو حاتم : ثقة .
روى له الجماعة (٣) .
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب: هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت
في الأذان (٦٣٤)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : سترة المصلى (٥٠٣)،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند
الأذان (١٩٧)، النسائي : كتاب الأذان ، باب : كيف يصنع المؤذن في أذانه
(١٢/٢)، ابن ماجه: كتاب الأذان والسُّنَّة، باب: السُّنَّة في الأذان
(٧١١).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٩٠٣/٢٤).
(٣) المصدر السابق (٤٥٤٩/٢٢).
- ٤٧٢ -

وأبوه : وهب بن عبد الله السُّوائي - ويُقال : وهْب بن وهب - ،
يقال له: وهب الخير، من (١) / بني حُرْثان بن سُواءة بن عامر بن [١٧٨/١ -ب]
صَعْصعة أبو جُحَيْفة كان من صغار أصحاب النبي - عليه السلام - ، قيل:
مات رسول الله ولم يَبْلُغ الحلم ، نزل الكوفةَ وابْتنى بها دارًا. رُوِيَ له
عن رسول الله خمسة وأربعون حديثًا ؛ اتفقا على حديثين ، وانفرد
البخاري بحديثين وانفرد مسلم بثلاثة . روى عنه : ابنه : عون ،
وإسماعيل بن أبي خالد ، والحكم بن عتيبة ، وأبو إسحاق السبيعي ،
وعلي بن الأقمر . روى له الجماعة (٢).
قوله : (( جميعا)) حالٌ من قيْس وسفيان - يعني : مجتمعين .
قوله : (( وهو في قبة حمراء )) الواو فيه للحال ، القُبّة - بضم القاف
وتشديد الباء - من الخيام ، بَيْت صغير مستدير ؛ وهو من بيوت العرب ،
وفي (( الصحاح)): القبة - بالضم - من البناء ؛ والجمع : قَبَبٌ وقِبَابٌ.
قوله : ((من أدَم )) - بفتح الهمزة والدال - وهو جمْع أديمٍ ؛ مثل : أَفِيقٍ
وأَفَقِ ؛ وقد يُجمعَ على آدمة ، مثل رغيف وأَرْغفة ؛ والأديم : الجلد .
قوله: ((هاهنا وهاهنا)) يعني: يميناً وشمالاً .
قوله: (( وعليه حلة حمراء)) جملة اسميّة وقعت حالا ؛ والحُلة : ثوبان
غيرُ لفتين رداء وإزار ، وقيل : أن يكون ثوبين من جنْس واحد ؛ سُمّيا
بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ على الآخر ، وقيل : أصل تسميتهما
بهذا: إذا كان الثوبان جديدَيْن كما حُلَّ طيّهما فقيل لهما حلة لهذا ، ثم
استمر عليْها الاسمُ. وقال ابن الأثير : الحُلّة واحدة الحلل ؛ وهي بُرود
اليمن ، ولا تُسمّى حُلةً إلا أن يكون ثوبين من جنس واحد .
قوله: (( بُرُودٌ)) مرفوع لأنه صفة للحُلَّة ، من الصفات الكاشفة.
(١) مكررة في الأصل .
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٦/٤)، أسد الغابة
(٤٦٠/٥) و(٤٨/٦) الإصابة (٦٤٢/٣).
- ٤٧٣ -

وقوله : (( يَمانيّة)) صفة للبُرود ؛ أي : منسوبة إلى اليمان .
قوله: ((قطريّ)) - بكسر القاف وسكون الراء (١) - نسْبة إلى قطر بلدٌ
بَيْنِ عُمان وسَيف البَحْر، ويقال: إن البلد ((قَطَر)) - بفتح القاف وفتح
الطاء- فلما نُسب الحُللُ إليها خفّفوها وقالوا : قِطْريّ - بكسر القاف
وسكون الطاء - والأصلُ : قَطَري - بفتح القاف والطاء - ، ويُقال :
القطري : ضرب من البرود فيها حمرة ، وقيل : ثياب حمرٌ لها أعلام فيها
بعض الخشونة ، وقيل : حُلَلٌ جيادٌ تحمل من قبل البحرين .
فإن قيل : ما موقعه من الإِعْراب ؟ قلت : رفعٌ ؛ لأنه صفة للحلة ؛
وإنما لم يقل : قطرية لأن التطابق بين الصفة والموصوف شرط ؛ كما راعى
التطابق في قوله ((حمراء)) وفي قوله ((يمانيّة)) لأن القطري بكثرة
الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحُلل ؛ ألا ترى إلى قول
البعض: كيف فسّر القطري وقال : هو ضرب من البرود فيها حمرة - أي:
نوع من البرود فلما صار كالاسْم جاز فيه ترك علامة التأنيث ، كما في
حائض وخادم ونحوهما ، لما خرجت من الصفتيّة صارت كالاسم ،
فاستوى فيها التذكير والتأنيث ؛ فالتذكير أولى لأنه الأصْل . وهاهنا ثلاث
صفات للحلّة؛ الأولى: صفة الذات؛ وهي قوله (( حمراء))، والثانية :
صفة الجنس؛ وهي قوله ((بُرودٌ)) بَيّن به أن جنْسَ هذه الحلة الحمراء من
البرود اليمانية، والثالثة: صفة النَّوْع؛ وهي قوله ((قطري)) لأن البُرود
اليمانية أنواع؛ نوع منها : قطريّ، بيّنه بقوله ((قِطْريّ )).
قوله : (( وقال موسى : قال )) أي : قال موسى بن إسماعيل في روايته :
قال أبو جُحيفة: رأيت بلالاً خرج إلى الأَبْطح - يعني : أبطح مكة -
وهو مَسيل واديها ، ويُجمَع على البطاح والأباطح .
قوله : ((لَوَى عنقه)) أي: أَمالَ عنقه يمينًا وشمالاً ؛ من لوى الرجلُ
رأسَه ، وأَلْوى برأسه أمال وأعْرض ؛ من باب ضرب يضرب .
قوله : (( ولم يَسْتَدِرْ)) يعني: لم يَدُرْ؛ يُقال: دارَ يَدُور واستدار يستدير
(١) كذا، والجادة: ((بكسر الطاء)).
١
- ٤٧٤ -

بمعنى ، إذا طاف حول الشيء ، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ؛
والمقصود من هذا : أنه حول وَجْهه في الأذان يمينًا وشمالاً مع ثبات
القدمين .
(((١) وفي رواية ابن ماجه: قال ((أتيتُ النبي - عليه السلام - بالأبطح
وهو في قبة حمراء ، فخرج بلال فأذن ، فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه
في أذنيه)) أخرجه عن / حجاج بن أرطأة، عن عون بن أبي جحيفة، [١٧٩/١ -أ]
عن أبيه ، فذكره . وبهذا اللفظ رواه الحاكم في ((المستدرك )) وقال : لم
يَذكرا فيه إدخال الإصبعين في الأذنين والاستدارة في الأذان ؛ وهو صحيح
على شرطهما جميعا . ورواه الترمذي : ثنا محمود بن غيلان : نا
عبد الرزاق : أنا سفيان الثوري ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال:
((رأيتُ بلالا يؤذن ويَدُور ، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا ، وإصبعاه في أذنيه)) ،
وقال : حديث حسن صحيح . واعترض البيهقي (٢) فقال: الاستدارة في
الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جحيفة ، ونحن نتوهم
أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة ، عن عون ؛ والحجاج غير محتج
به، وعبد الرزاق وهم فيه ؛ ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد ،
عن سفيان به ؛ وليس فيه الاستدارة ، وقد رويناه من حديث قيس بن
الربيع، عن عون وفيه: ((ولم يَسْتدرْ)). وقال الشيخ في ((الإمام)):
أما كونه ليْس مخرجا في ((الصحيح)) فغير لازم ، وقد صحّحه الترمذي
وهو من أئمة الشأن ، وأما أن عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل ، كما
أخرجه أبو عوانة في « صحيحه » عن مؤمل ، عن سفيان به نحوه ؛
وتابعه - أيضا - عبد الرحمن بن مهدي ؛ أخرجه أبو نعيم في (( مستخرجه
على كتاب البخاريّ)) . وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج ؛
أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله ، عن إدريس الأودي ، عن عون بن
أبي جحيفة ، عن أبيه قال : بينا رسول الله - عليه السلام - وحضرت
(١) انظر: نصب الراية (٢٧٦/١: ٢٧٨).
(٢) السنن الكبرى (٣٩٥/١).
- ٤٧٥ -

الصلاة فقام بلال فأذّن ، وجعل إصبعَيْه في أذنيه ، وجعل يَسْتَدِيرُ )).
وأخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب (( الأذان )) عن حماد وهشيم
-جميعا - ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه أن بلالا أذن لرسول الله
بالبطحاء فوضع إصبعَيْه في أُذْنَيْه وجعل يَسْتدير يميناً وشمالاً)) (١) ..
قلت: وفي ((سنن الدارقطني (٢) من حديث كامل أبي العلاء ، عن
أبي صالح ، عن أبي هريرة : أُمر أبو محذورة أن يَسْتدير في أذانه .
قوله: (( فأخرج العنزةَ)) العنزة مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا ، وفيها
سنان مثل سنان الرمح ، والعُكازة قريب منها .
قوله: (( وساق حديثه )) وتمامه في رواية البخاري ومسلم : قال : ((فصلى
بنا إلى العنزة الظهر أو العصر ، تمر المرأة والكلبُ والحمارُ لا يمنع ، ثم لم
يزل يصلي ركعتَيْن حتى أتى المدينة)). وفي رواية أخرى: ((وكان يمر من
ورائها الحمار والمرأة ، ثم قام الناس فجعلوا يأخذون فيمْسحون بها
وجوههم ، فأخذتُ يده فوضعتها على وجهي ، فإذا هي أبرد من الثلج ،
وأطيب ريحا من المِسْك )) . وفي رواية : ثم قَدَّم بين يديهِ عنزةً بينه وبين
مارة الطريق ، ورأيت الشيب بِعَنْفقته أسفل من شفته السَّفْلى)) . وهذه
الطرق كلها مخرجة في (( الصحيحين)) وأخرجها أحمد في ((مُسْنده)).
ويستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : استحباب الالتفات إلى اليمين
والشمال في الحيْعلتين .
الثانية : جواز لباس الأحمر .
الثالثة : نصْب العنزة أو نحوها بَيْن يدَيْه إذا صلى في الصحراء .
٣٤ - بَابٌ: في الدّعاء بَيْنَ الأذان والإقامة
أي : هذا باب في بيان الدعاء بين الأذان والإقامة ، وفي بعض النسخ :
((باب ما جاء في الدعاء)).
(٢) (٢٣٩/١).
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
- ٤٧٦ -

٥٠٣ - ص - نا محمد بن كثير : أنا سفيان ، عن زَيْد العَميّ ، عن
أبي إياس، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله الَّله: ((لا يُردّ الدّعاءُ بَيْنَ
ءِ
الأَذَانِ والإِقَامةِ)) (١) .
ش - محمد بن كثير : العَبْدي البصري ، وسفيان الثوري .
وزيد العمي : هو زيد بن الحواري البصري ، أبو الحواري العمي
قاضي هَراة في ولاية قتيبة بن مسلم ، وهو مولى زياد ابن أبيه . روى
عن: أنس بن مالك ، والحسن البصري ، ويزيد بن أبان ، ومعاوية بن قرة
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، والأعمش ، وهشام بن حسان وغيرهم .
قال أحمد بن حنبل : هو صالح ، وعن ابن معين : زيد العمي لا شيء،
وفي موضع آخر : صالح ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، يكتب
حديثه ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : ليس بقوي ، / واهي الحديث [١٧٩/١ - ب]
ضعيف ، وقال النسائي : ضعيف . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
وابن ماجه (٢) . والعَمّي - بفتح العين المهملة وتشديد الميم - نسبة إلى
بني العمّ أو إلى العَمّ وهي الجماعة .
وأبُو إياس : مُعاوية بن قرّة بن إياس بن هلال بن رئاب بن عُبيد بن
دُريد بن سُواءة أبو إياس البصري المزني . سمع : أباه ، وأنس بن مالك،
وعبد الله بن معقل وغيرهم . قال : لقيت ثلاثين من أصحاب النبي -
عليه السلام - ، منهم خمسة وعشرون من مُزينة . روى عنه : ثابت
البناني ، وأبو إسحاق الهمداني ، وسِماك بن حَرْب ، وأبو عَوانة ،
وقتادة، والأعمش وغيرهم . قال أبو حاتم وأحمد بن عبد الله : ثقة .
مات سنة ثلاث عشرة ومائة . روى له الجماعة (٣).
-
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب : ما جاء في أن الدعاء لايرد بين الأذان والإقامة
(٢١٢) و(٣٥٩٤، ٣٥٩٥)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٨، ٦٩).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢١٠٢/١٠).
(٣) المصدر السابق (٦٠٦٥/٢٨).
- ٤٧٧ -

قوله: ((الدعاء)) مُعرف بالألف واللام بتناول جنس الدعاء ، أو
الاسْتغراق فيتناولُ الدعاء بأمور الدنيا والآخرة . والحديث : أخرجه
الترمذي ، والنسائي في اليوم والليلة ، وقال الترمذي : حديث حسن .
وأخرجه النسائي من حديث بريد بن أبي مريم ، عن أنس ، وهو أجود من
حديث معاوية بن قُرة . وقد رُوِيَ عن قتادة ، عن أنس موقوفًا .
٣٥ - بَابٌ: مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المؤذنَ
أي : هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا سمع المؤذن يؤذن .
٥٠٤ - ص - نا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، عن مالك، عن ابن شهاب ،
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله و ليزر قال:
((إذا سمعتمُ النداء فقولُوا مثلَ ما يقولُ المؤذنُ)) (١).
ش - النداء : الأذان ؛ والفرق بينهما : أن لفظ الأذان أو التأذين أخص
من لفظ النداء لغة وشرعا . وهذا الحديث : خرّجه الأئمة الستة . ثم
الذي يستفادُ من عموم هذا الحديث أن يقولَ من يَسْمع الأذان مثل ما يقول
المؤذن حتى يفرغ من أذانه كله ؛ وهو مذهب الشافعيّ . وعند أصحابنا :
يقول مثل ما يقول المؤذن في التكبير والشهادتين ، ويقول في الحيعلتين : لا
حول ولا قوة إلا بالله ؛ لحديث عمر لما يجئ الآن ، وقالوا : إن حديث
أبي سعيد مخصوصٌ بحديث عمر - رضي الله عنه - .
واختلفوا أن هذا الأمرعلى الوجوب أو على النَّدْب ؟ فقال الشيخ محيي
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: ما يقول إذا سمع المنادي (٦١١)، مسلم :
كتاب الصلاة ، باب : استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي
على النبي وَ﴿﴿ ثم يسأل له الوسيلة (١ - ٣٨٣) ، الترمذي: كتاب الصلاة ،
باب: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن (٢٠٨)، النسائي : كتاب الأذان ، باب:
القول مثل ما يقول المؤذن (٢٣/٢) ، ابن ماجه : كتاب الأذان ، باب : ما
يقال إذا أذن المؤذن (٧٢٠) .
- ٤٧٨ -

الدين (١) : يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من
متطهرٍ ومُحدث وجُنُب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة ؛ فمن
أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما ، ومنها : أن
يكون في صلاة ، فمن كان في صلاة فريضةٍ أو نافلة وسمع المؤذن لم
يوافقه في الصلاة ، فإذا سلم أتى بمثله ، فلو فعله في الصلاة فهل يكره ؟
فيه قولان للشافعي ؛ أظهرهما : يكره ؛ لكن لا تبطل صلاته ، فلو قال:
حيّ على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالماً
بتحريمه ؛ لأنه كلام آدمي . ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح
ونحوهما قطع ما هو فيه ، وأتى بمتابعة المؤذن ، ويُتابعه في الإقامة
كالأذان؛ إلا أنه يقول في لفظ الإقامة : أقامها الله وأدامها ، وإذا ثوب
المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم قال سامعه : صدقت
وبررت . هذا تفصيل مذهبنا . وقال أصحابنا : الإجابة واجبة على
السامعين ؛ لأن الأمر يدل على الوجوب ؛ والإجابة أن يقول مثل ما قاله
المؤذن إلا قوله : حي على الصلاة حي على الفلاح ، فإنه يقول مكان
قوله: حي على الصلاة : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ومكان
قوله : حيّ على الفلاح : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ؛ لأن
إعادة ذلك يشبه المحاكاة والاستهزاء ؛ وكذا إذا قال المؤذن : الصلاة خير
من النوم لا يقول السامع مثله ؛ ولكن يقول : صدقت وبررت ، وينبغي
أن لا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة ، ولا يقرأ القرآن ، ولا يُسلم،
ولا يرد السلام ، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة ، ولو كان
في قراءة القرآن ينبغي أن يقطع القراءة ويسمع الأذان ويجيب )) .
وفي / ((فوائد الرَّسْتَغْفَنِي)): لو سمع وهو في المسجد يَمضي في [١/ ١٨٠ -أ]
قراءته ، وإن كان في بَيْته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده . وعن
الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مُجيبًا ، ولو
(١) شرح صحيح مسلم (٨٨/٤).
- ٤٧٩ -

كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آئمًا ، ولا تجب الإجابة على من لا
تجب عليه الصلاة ، ولا يُجيب - أيضا - وهو في الصلاة سواء كانت
فرضا أو نفلاً .
(((١) وقال القاضي عياض : اختلف أصحابنا : هل يحكي المصلي لفظ
المؤذن في صلاة الفريضة أو النافلة ؟ أم لا يحكيه فيهما ؟ أم يحكيه في
النافلة دون الفريضة ؟ على ثلاثة أقوال ، ثم اختلفوا : هل يقوله عند
سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟)) .
وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة ، فقال : يجب عليه إجابة أذان
مسجده ؛ بالفعل .
٥٠٥ - ص - نا محمد بن سلمة : نا ابن وهب ، عن ابن لَهيعة (٢)
وحَيْوة وسعيد بن أبي أيوب ، عن كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن
جُبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع النبي - عليه السلام -
يَقولُ: ((إذا سمعتُمُ المؤذنَ فَقُولُوا مثلَ ما يَقولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنه مَنْ
صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى اللهُ عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا (٣) لي الوَسيلةَ ؛ فإنها
مَنْزِلٌ في الجنَّةِ ، لا تَنبغِي إلا لَعَبْد من عباد الله عز وجل ، وأرجو أن أكونَ أنا
هو ، فَمِنْ سألَّ (٤) لِيَ الوسيلةَ حلَّتْ عليهِ الشَّفاعةُ)) (٥) .
ش - محمد بن سلمة : الباهلي الحراني، وعبد الله بن وهب، وعبد الله
ابن لهيعة ، وحيوة : ابن شريح .
وسعيد بن أبي أيوب - مقلاص - الخزاعي المصري أبو يحيى . روى
(١) المصدر السابق .
(٢) في سنن أبي داود: ((أبي لهيعة)) خطأ.
(٣) في سنن أبي داود: ((سلوا الله عز وجل)).
(٤) في سنن أبي داود: ((سأل الله)).
(٥) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم
يصلي على النبي وَل ثم يسأل الله له الوسيلة (١١ - ٣٨٤)، الترمذي : كتاب
المناقب ، باب (١) (٣٦١٤)، النسائي: كتاب الأذان، باب : الصلاة على
النبي وَّر بعد الأذان (٢٥/٢).
- ٤٨٠ -