Indexed OCR Text

Pages 341-360

قوله: وهو غير عجل)) جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في ((أذّن)).
٤٢٩ - ص - نا ابن المثنى : نا محمد بن جعفر : نا شعبة ، عن جامع بن
شداد قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال : سمعت عبد الله بن
مَسْعِود قال: أَقبلْنَا معَ رسول اللهَ - عليه السلام - من (١) الحديبية ، فقال
النبيّ - عليه السلام -: ((مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ )) فقال بلالٌ: أنا، فَنَامُوا حتى طلعت
الشمسُ ، فاستيقَظَ النبيَّ - عليه السلام - فقال: (( افْعَلُوا كما كُنْتم تَفْعلونَ».
قال: ففعَلْنَا، قال: (( فَكذلكَ فافعَلُوا لِمِنْ نَامَ أَو نَسِيَ)) (٢).
ش - محمد : ابن المثنى ، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر ، وجامع
ابن شداد : المحاربي الكوفي ، وعبد الرحمن بن أبي علقمة ، ويقال :
ابن علقمة الثقفي ، قيل : له صُحْبة ، ذكر في الصحابة ، وقال
أبو حاتم : ليْست له صحبة .
قوله: ((من الحُدَيْبية)) وفي بعض النسخ الصحيحة: ((زمن الحديبية))
والحُديبية : قرية قريبةٌ من مكة ؛ سُمّت ببئرِ هناك ؛ وهي مخففة ، وكثير
من المحدثين يشدِّدونها .
قوله: (( مَن يكلؤنا)) أي : من يَحْرسنا ، من كلا يكلا كلاءةً ؛ وقد مر
مرةً .
قوله: ((أنا)) أي : أنَا أَكلؤكم .
قوله: (( كما كنتم تفعلون)) من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة .
قوله: ((فكذلك)) أي: مثل ما فعلتم افعلوا ((لمن نام عن صلاة أو نسيها))
من غيركم؛ بمعنى: مُرُوهُمْ بذلك أو عَلِّمُوهُم . وروى البَيْهقي بنحوه(٣).
١١ - بَابٌ: في بناء المَسْجِد
أي : هذا باب في بيان بناء المسجد. وفي بعض النَّسخ: ((باب ما
(١) في سنن أبي داود: ((زمن))، وهي نسخة كما سيذكر المصنف.
(٢) النسائي في الكبرى : كتاب السير .
(٣) أخرجه البيهقي في كتاب ((الأسماء والصفات)) (ص/ ١٠٩).
- ٣٤١ -

جاء في بناء المَسْجد ))؛ المسْجد في اللغة : موضع السجود ؛ وفي
العُرف: البقعة المشهورة .
٤٣٠ - ص - [ حدثنا ] محمد بن الصباح بن سفيان : أنا سفيان بن عيينة،
عن سفيان الثوري ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله وَلٍّ: ((ما أُمَرْتُ بَتَشْييد المساجد)). قال ابن عباس: لَتُزخرفْتَّها
كمازَخْرَفَت اليهودُ والنصَاري (١) .
ش - أبو فزارة : راشد بن كيسان الكوفي .
ويزيد بن الأصم ؛ واسم الأصم : عَمرو ، ويقال : عبد عمرو - بن
عُدَس بن معاوية بن عبادة ، أبو عوف الكوفي ، سكن الرقة ، وهو ابن
أخت ميمونة زوج النبي - عليه السلام - ، وابن خالة ابن عباس ، وقيل:
إن له رواية عن (٢) النبي - عليه السلام - . روى عن : سعد بن
أبي وقاص . وسمع : ابن عباس ، وأبا هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ،
وعوف بن مالك ، وخالته: ميمونة ، وعائشة ، وأم الدرداء ، روى عنه :
ابنا أخيه : عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله ، وميمون بن مهران ، وجعفر
ابن برقان ، وأبو فزارة ، وغيرهم . قال أبو زرعة ، وأحمد بن عبد الله :
هو ثقة . مات سنة ثلاث ومائة . روى له الجماعة إلا البخاريّ (٣).
قوله: (( بتشييد المساجد)) التشييد من شيّد يُشيد، رفع البناء وتطويله،
ومنه ﴿ بُرُوجِ مَّشَيَّدَةٍ﴾ (٤) وهي التي طوّل بناؤها .
قوله: ((لتر خرفنها)) - بضم الفاء وتشديد النون - أي: لَتُرِينتّها ؛
وأصل الزخرف : الذهب ، يُريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ، ومنه
قولهم : زخرف الرجل كلامَه إذا موّهه وزيّنه بالباطل ؛ والمعنى : أن
اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبدّلوا ، وتركوا العمل
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((من)).
(٣) انظر ترجمته في: أسد الغابة (٤٧٧/٥)، الإصابة (٦٧٢/٣).
(٤) سورة النساء: (٧٨).
- ٣٤٢ -

بما في كتبهم ، يقول : فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا
بالدين ، وتركتم الإخلاص في العمل ، وصار أمركم إلى المراءاة
بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها . وبهذا استدل / أصحابنا على أن [١٥٢/١ -ب]
نقش المسجد وتزيينه مكروه . وقول بعض أصحابنا : ولا بأس بنقش
المسجد معْناه : تركه أولى ، ولا يجوز من مال الوقف ، ويغرم الذي
يُخرجه سواء [ كان ] ناظرا أو غيره .
فإن قيل : ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله ؟ قلت : إما إشغال
المصلي به ، أو إخراج المال في غير وجهه .
٤٣١ - ص - نا محمد بن عبد الله الخزاعي : نا حماد بن سلمة ، عن
أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقتادة ، عن أنس ، أن النبي - عليه
السلام- قال: (( لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَتَبَاهَى الناسُ في الْمَسَاجد)) (١) .
ش - أيوب : السختياني . وأبو قلابة : عبد الله بن زيد الجرمي
البصري .
قوله: (( حتى يتباهى)) أي : حتى يتفاخر الناس ؛ من المباهاة ، وهي
المفاخرة ؛ والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها
ويتمارون ويتباهون ، ولا يشتغلون بالذكر ، وقراءة القرآن والصلاة .
والحديث : أخرجه النسائي وابن ماجه .
٤٣٢ - ص - نارجاء بن المرجَّى : نا أبو همام: نا سعيد بن السائب، عن
محمد بن عبد الله بن عياض ، عن عثمان بن أبي العاص ، أن النبيّ - عليه
السلام - أمَرَهُ أن يَجعلَ مَسْجِدَ الطَّائف حيثُ كان طَوَاغِيهِم (٢) (٣) .
(١) النسائي: كتاب المساجد، باب: المباهاة في المساجد (٣١/٢)، ابن ماجه:
كتاب المساجد والجماعات ، باب : تشييد المساجد (٧٣٩) .
(٢) في سنن أبي داود: ((طواغيتهم)).
(٣) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : أين يجوز بناء المساجد (٧٤٣).
- ٣٤٣ -

ش - رجاء بن المرجى - بضم الميم وسكون الراء (١) - بن رافع ،
أبو محمد أو أبو أحمد الحافظ المروزي . ويقال : السمرقندي ، وهو ابن
أبي رجاء ، سكن بغداد . سمع : شاذان بن عثمان ، والنضر بن شميل،
والفضل بن دكين وغيرهم . روى عنه : أبو حاتم الرازي ، وأبو بكر بن
أبي الدنيا ، وأبو داود ، وابن ماجه . قال أبو حاتم : صدوق ، وقال
الخطيب : كان ثقةً ثبتًا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به . مات
ببغداد غرة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين (٢) .
وأبو همام : محمدبن محبب - بالحاء المهملة - الدلال البصري ،
صاحب الرقيق . سمع : الثوري ، وإبراهيم بن طهمان ، وهشام بن
سَعْد ، وسعيد بن السائب وغيرهم . روى عنه : ابن بَشّار ، وابن المثنى،
والبخاريّ ، وأبو داود ، وابن ماجه . قال أبو حاتم : صالح صدوق
ثقة (٣).
وسعيد بن السائب الطائفي . روى عن : أبيه ، ونوح بن صعصعة .
روى عنه : مَعْن بن عيسى ، ووكيع ، وشعيب بن حَرَب وغيرهم . قال
ابن معين : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
ومحمد بن عبد الله بن عياض . روى عن : عثمان بن أبي العاص .
روى عنه : سعيد بن السائب الطائفي . روى له : أبو داود (٥) .
وعثمان بن أبي العاص : ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد همام بن
أبان، أبو عبد الله ، قدم على النبي - عليه السلام - في وفد ثقيف ،
واستعمله النبي - عليه السلام - على الطائف ، ثم أقره أبو بكر وعمر
-رضي الله عنهما - . رُوِيَ له عن رسول الله - عليه السلام - تسعة
(١) كذا ، والمعروف : بفتح الراء وتشديد الجيم.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨٩٧/٩).
(٣) المصدر السابق (٢٦/ ٥٥٨٠).
(٥) المصدر السابق (٢٥ /٥٣٦٧) .
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٢٢٨٠).
- ٣٤٤ -

أحاديث . روى له : مسلم ثلاثة أحاديث . روى عنه : سعيد بن
المسيّب، ونافع بن جبير ، وأبو العلاء : يزيد بن عبد الله ، والحسن بن
أبي الحسن - وقيل : لم يسمع منه . روى له : الترمذي ، وأبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله: (( طواغيهم)) الطواغي : جمع طاغية ؛ وهي الأَصْنام ، وقيل :
بيوت الأصنام ، وعليه يحملُ هذا الحديث . والطاغوت : الكاهن ،
والشيطان ، وكل رأس في الضلال ، ويكون جمعا وواحدًا ومذكرا
ومؤنثاً. ومن هذا الحديث أخذت الأمة أنهم أي بلد يفتحونها يحوّلون
كنائسهم مساجد ومَدارس . والحديث : أخرجه ابن ماجه .
٤٣٣ - ص - نا محمد بن یحیی بن فارس ، ومجاهد بن موسى - وهو
أتم - قالا : نا يعقوب بن إبراهيم . نا أبي ، عن صالح : نا نافع أن عبد الله بن
عمر أخبره ، أن المسجدَ كان على عهد رسول الله مَبْنيا باللَّبن والجَريد ،
وعُمُدُهُ (٢) - قال مجاهد : - عُمُدُهُ - خَشَبُ (٣) النخل ، فلم يزد فيه
أبو بكر شيئًا ، وزاد فيه عُمَرُ ، وبناه على بُنيانه (٤) في عهد رسول الله باللَّبِنِ
والجريد، وأعاد عُمُدَه - قال مجاهد: عُمُدَهُ خشَبًا - ، وغيَّرَه عثمانُ فزادَ فيه
زيادةً كَثيرةً، وبَنى جدَارَه بالحجارة / المنقُوشَة والقصَّة، وجَعَل عُمُدَهُ. قال [١٥٣/١-١]
مجاهد : عُمُدُهُ (٥) من حجارة منقوشة ، وسقْفُهُ بالسَّاج - قال مجاهد :
وَسَقْفُهُ : السَّاجُ (٦) .
ش - مجاهد بن موسى : أبو علي الخوارزمي ، ويَعْقوب بن إبراهيم :
ابن سَعْد الزهري المدني . وأبوه : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٩١/٣)، أسد الغابة
(٥٧٩/٣)، الإصابة (٢ / ٤٦٠).
(٢) كلمة ((وعمده )) غير موجودة في سنن أبي داود.
(٣) في سنن أبي داود: ((عمده من خشب)).
(٤) في سنن أبي داود: ((بنائه)).
(٥) غير موجود في سنن أبي داود .
(٦) البخاري : كتاب الصلاة، باب : بنيان المسجد (٤٤٦) .
- ٣٤٥ -

عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني ، وقد ذكرناهما . وصالح:
ابن كيسان المدني . ونافع : مولى عبد الله بن عمر .
قوله : (( على عهد رسول الله )) أي : في زمانه وأيامه .
قوله : (( باللبن )) اللبن - بفتح اللام وكسْر الباء - جمع لبنة ؛ وهي التي
يُبتنى بها الجدارُ ، ويقال : اللبنة بكسر اللام وسكون الباء .
قلتُ: اللبنة: الآجر النَّيء ؛ والجريد : الذي يُجْرُدُعنه الخُوص.
قوله: ((وعُمُده)) العُمُد - بضم العين والميم ، ويفتحهما - جمع الكثرة
لعَمُود البيت ؛ وجمع القلة : أعمدة .
قوله: (( قال مجاهد )) أي : قال مجاهد بن موسى المذكور في روايته :
((وعمُدُه خشبُ النخل))؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر .
قوله : ((فلم يزد فيه )) أي : في مسجد النبي - عليه السلام - يعني :
أبو بكر - رضي الله عنه - لم يُغيّر شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد
رسول الله .
قوله: (( وأعاد عمده)) أي : عُمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي
- عليه السلام - .
قوله: ((قال مجاهد: عمدَه خشبًا)) أي : قال مجاهد في روايته : أعادَ
عمده خشبًا، وانتصابُ كل واحد منهما بـ ((أَعادَ)) المقدّر.
قوله: ((وقال مجاهد: عُمدَه)) أي : قال مجاهد في روايته : أعاد
عثمان - رضى الله عنه - عمده من حجارة منقوشة ؛ وهي جملة من
المبتدأ والخبر ، وأَزالَ العُمدَ التي كانت من خشبٍ .
قوله: ((وسَقفَهُ)) جملة من الفعل والفاعل والضمير فيه الذي يرجع إلى
عثمان والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى المسجد ، ومعناه :
جَعل سقفه بالساج ؛ وهو معطوف على قوله: ((وجعَل عمده))،
ويجوز أن يكون معطوفا على قوله ((وبنى جدَاره )) - هكذا هو في رواية
- ٣٤٦ -

محمد بن يحيى بن فارس أي : بَنى عثمان سقف المَسْجد بالسَّاجِ ، السَّاجُ
- بالسين المهملة وبالجيم - ضَرْبٌ من الشجر .
قوله: ((قال مجاهد: وسقفه الساج)) أي : قال مجاهد بن موسى في
روايته : وسقف المسجد : الساج ؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر .
ص - قال أبو داود : والقَصَّةُ : الجصُّ .
ش - القَصّة - بفتح القاف وتشديد الصاد - الجَصُّ ؛ والجصّ فارسيّ
مُعرّب ؛ وفيه لغتان : فتح الجيم وكسْرها - وقيل : القصة شيء يشبه
الجص وليس به ، وقيل : القصة : الجير ، فإذا خلط بالنورة ، فهو
الجيار، وقيل : الجيار : النورة وَحْدها .
٤٣٤ - ص - نا محمد بن حاتم : نا عُبيدُ الله بن موسى ، عن شيبان ، عن
فراس ، عن عَطية ، عن ابن عمر ، أن مَسجد النبيِّ - عليه السلام - كانتْ
سَوَاريه على عهد النبيِّ - عليه السلام - مِن جُذُوعِ النخلِ ، أعلاهُ مُظَلَّلٌ
بجريدِ النخلِ ، ثم إنها نَخِرتْ في خلافة أبي بكرِ فبناها بجُذُوعِ النخلِ ،
وبجريد النخل ، ثم إنها نَخِرَت في خلافة عثمانَ ، فبناها بالآجُرِّ فلم تَزَلْ
ثابتةً حتى الآن (١) .
ش - محمد بن حاتم : ابن بزيع البصري . وعُبيد الله بن موسى : ابن
باذام الكوفي .
وشيبان : ابن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية التميمي المؤدب البصري.
روى عن : الحسن البصري ، وقتادة ، والأعمش ، ومنصور وغيرهم .
روى عنه : عبد الرحمن بن مَهدي ، ومعاذ بن معاذ ، وعبيد الله بن
موسى وغيرهم . قال أبو حاتم : حسن الحديث ، صالح الحدیث، یکتب
حديثه ، وعن ابن معين : ثقة . مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة . روى
له الجماعة (٢) .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٧٨٤/١٢) .
- ٣٤٧ -

وفراس : ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي .
وعَطيّة : ابن سَعْد بن جنادة العَوْفي ، أبو الحسن الكوفي . روى عن:
أبي سعيد الخدري ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وزيد بن
أرقم . روى عنه : فِراس بن يحيى ، والأعمش ، وفُضيل بن مرزوق
وغيرهم . وقال أحمد : ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة : لين . وقال
أبو حاتم : ضعيف ، يكتب حديثه . توفي سنة إحدى عشرة ومائة .
روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
قوله: ((سواريه)) جمع سَارية ؛ وهي الأسطوانة ؛ والجذوع: جمع
جِذْع - بكسر الجيم .
[١٥٣/١ -ب] قوله /: ((نخرت)) من نخِر الشيء - بالكسْر - إذا بَلِي وتفتّت ؛ يُقال:
عظام نَخْرةٌ أي : بَاليةٌ .
قوله: (( بالآجُر )) بضم الجيم وتشديد الراء ؛ وهو فارسي معرّب ،
ويُقال : أَجُور .
قوله: (( حتى الآن)) معناه: إلى الآن ؛ وهو اسم للوقت الذي أنت
فيه؛ وهو ظرف غيرُ متمكن ، وقع معرفة ، ولم يدخل عليه الألف واللام
للتعريف ؛ لأنه ليس له ما يشركه ؛ وربما فتحوا اللام وحذفوا الهمزة .
٤٣٥ - ص - نا مسدّد : نا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس بن
مالك قال : قَدمَ رسولُ اللهِ المدينةَ ، فنزَلَ في عُلُوِّ المدينةِ في حَيِّ يقال لهم بنو
عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربعةً (٢) عَشَرَ لَيلةً، ثم أرسلَ إلى بني النجارِ
فَجَاءُوا مُتقلِّدِيَّنَ سُيُوفَهم ، فقال أنسٌ : فكأَنِّي أَنظُرُ إلى رسولِ اللهِ على
راحلَته وأبو بكر ردْفَهُ، ومَلأُ بني النجارِ حَوْلَهُ حتى أَلَقَى بفناء أبي أيوبَ،
٠٠
وكان رسولُ الله يُصَلِّيِ حيثُ أدركتْهُ الصلاةُ ، ويُصلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ ،
وإنه أُمَرَ ببناءِ المسجدِ ، فَأَرْسلَ إلى بني النجارِ وقال (٣): (( يا بني النجارِ !
(١) المصدر السابق (٣٩٥٦/٢٠).
(٣) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٢) في سنن أبي داود: ((أربع)).
- ٣٤٨ -

ثَامِنُوني بحائطكُم هذا)) فقالوا: والله لانَطلُبُ ثمنَه إلا إلى الله تعالى. قال
أنسٌ: وكان فيه ما أقُولُ لكم ، كانت فيه قُبُورُ الْمُشْركين ، وكانت فيه خَرِبٌ،
وكان فيه نَخْلٌ، فأمرَ رسولُ الله بقُبُور المشركين فنُبِشَتَ، وبالخَرب فسُوِّيَّتْ،
وبالنخْلِ فَقُطِع ، فصفُّوا النخلَّ قِبْلةً للمسجد، وَجَعَلُوا عَضادَتَيْهِ حجارةً ،
وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصخرَ وهم يَرْتَجِزُون والنبيّ - عليه السلام - معهم وهو
يقولُ :
اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة فانصرِ الأَنْصارَ والمهاجرَه (١)
ش - عبد الوارث : ابن سعيد العنبري البصري ، وأبو التياح : يزيد بن
حُمَيَد الضَّبَعي .
قوله: (( قدم رسول الله المدينة)) قال الحاكم : تواترت الأخبار بورود
النبي - عليه السلام - قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول . وقال
محمد بن موسى الخوارزمي : وكان ذلك اليوم : الخميس ، الرابع من
تیرماه ، ومن شهور الروم : العاشر من أيلول سنة سبع مائة وثلاثة
وثلاثين لذي القرنين . قال الخوارزمي : من حين مولده إلى أن أُسْري به :
أحد وخمسون سنة ، وسبعة أشهر ، وثمانية وعشرون يومًا ، ومنه إلى
اليوم الذي هاجر : سنة وشهران ويوم ؛ فذلك ثلاثة وخمسون سنة ،
وكان ذلك يوم الخميس. وفي ((طبقات ابن سَعْد)): أن رسول الله وَل
خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول ، فقالَ :
يوم الثلاثاء بقُديد، وقدِم على ابن عمرو بن عَوْف للَيْلتين (٢) خلتا من
ربيع الأول ، ويُقال : لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ، فنزل
(١) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ
مكانها مساجد (٤٢٨) ، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب :
ابتناء باب مسجد النبي (٥٢٤/٩) ، النسائي : كتاب المساجد ، باب : نبش
القبور واتخاذ أرضها مسجداً (٧٠١) ، ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ،
باب : أين يجوز بناء المسجد (٧٤٢) .
(٢) في الأصل: ((لليتين)).
- ٣٤٩ -

على كلثوم بن الهدَم - وهو الثبت عندنا - ، ولكنه كان يتحدث مع
أصحابه في منزل سَعْد بن خيْئمة ؛ وكان يسمّى مَنْزِل الغُراب ؛ فلذلك
قيل: نزل على سَعْد بن خيثمة . وذكر البرقي أن النبي - عليه السلام -
قدم المدينة ليلاً. وفي (( شرف المصطفى )) للنيسابوري : رُوي عن أبي بكر
أنه قال : أتينا المدينة ليلا ، النبي - عليه السلام - وأنا معه . وعن جابر :
لما قدم النبي - عليه السلام - المدينة نحر جزورًاً .
قوله: (( فنزل في عُلو المدينة)) بضم العين وكسْرها لغتان مشهورتان ،
وقيل : لا يقال إلا بالكسْر ؛ وعلو المدينة هي العالية ، وكل ما كانت من
جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها [ من جهة نجد ] (١) فهي العالية ،
وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة ..
قوله : ((في حيِّ)) الحيّ - بتشديد الياء - القبيلة ؛ وجمعها : أحياء .
قوله: ((فأقام فيهم)) أي: في بني عمرو بن عوف ((أربعة عشر ليلةً)).
وعن الزهري : أقام فيهم بضع عشرة ليلةً ، وعن عويمر بن ساعدة : لبث
فيهم ثمان عشرة ليلة ثم خرج .
قوله: (( ثم أرسل إلى بني النجار )) وبنو النجار هم تيم اللات بن ثعلبة
ابن عمر بن الخزرج ، والنجار : قبيل كبير من الأنصار ، منه بطون
وعَمائر (٢) وأفخاذ وفصائلُ، واسمه : تيم اللات المذكور سمّي بذلك
لأنه اختتن بقدوم (٣) ، وقيل : بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه . ذكره
الكلبي ، وأبو عبيدة .
قوله: ((متقلدين)) / نصب على الحال من الضمير الذي في ((فجاءوا)).
[١٥٤/١-١]
قوله: (( وأبو بكر ردفه )) جملة اسمية وقعت حالاً ؛ والردف - بكسر
الراء ، وسكون الدالَ - المُرتدف ؛ وهو الذي يركبُ خلف الراكب ،
وأردفته أنا إذا أركبته معك ، وذلك الوضع الذي يَرْكُبُهُ : ردافٌ ، وكل
شيء تبعَ شيئًا فهو رِدْفُه .
(١) زيادة من معجم البلدان (٤/ ٧١).
(٣) كتب فوقها (( خف)) أي: بالدال المخففة.
(٢) شعبة من القبيلة .
- ٣٥٠ -

قوله: (( وملأُ بني النجار حوله)) جملة اسميّة وقعت حالا - أيضا - ؛
المَلأُ : أشراف القوم ورؤساؤهم ؛ سموا بذلك لأنهم مَلأ بالرأي والغنى ؛
والملأ : الجماعة ، والجمع : أَمْلاء . قال ابن سيده : وليس الملأ من باب
رَهْط وإن كانا اسمَيْن ؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه ، والملأ : رجل
مالئ جليلٌ يملأ العَيْن بجَهَرته ، فهو كالعَزَب والزوج ، وحكى مَلأته على
الأمر أملؤه ومالاته ، وكذلك الملأ إنما هم الشارَة ، والتجمع : الإمارة ،
ففارق باب رهط لذلك فالملأ على هذا صفة غالبة وما كان هذا الأمرُ عن
ملاٍ منا أي : عن تشاورٍ واجتماع ؛ وفي الجامع : الملأ : الجماعة الكثيرة،
وقيل : هم الأشراف - كما ذكرنا .
قوله: (( حتى ألقى بفناء أبي أيوب)) يقال: ألقيت الشيء إذا طرحتَه ،
ومفعول ((ألقى)) هاهنا محذوف تقديره : ألقى راحلته في فناء أبي أيوب.
والفناء - بكسر الفاء - سَعَة أمام الدار ، والجمع : أفنية، وفي ((المجمل)):
فناء الدار : ما امتد من جوانبها .
وأبو أيوب : اسمُهُ : خالد بن زيد الأنصاري ، وقد ذكرناه مرةً . وذكر
محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب ((المبتدأ وقصص الأنبياء - عليهم
السلام - )) أن تُبّعا - وهو ابن حَسّان - لما قدم مكة - شرفها الله تعالى -
قبل مولد النبي - عليه السلام - بألف عامٍ ، وخرج منها إلى يثرب ،
وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء ، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا
يخرجوا منها ، فسألهم تُبَّعٌ عن سرّ ذلك، فقالوا : إنا نجد في كتبنا أن
نبيا اسمه محمدٌ هذه دار مُهاجره ، فنحن نُقيم لعلّ أن نلقاه ، فأراد تُبَّعٌ
الإقامة معهم ، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا ، واشترى له جاريةً
وزوجها منه ، وأعطاهم مالا جزيلا ، وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله :
رسول من الله بارئ النسم
شهدت على أحمد أنه
في أبيات وختمه بالذهب ، ودفعه إلى كبيرهم ، وسأله أن يدفع إلى
محمد - عليه السلام - إن أدركه ، وإلا من أدركه من ولده ، وبنى للنبي
- عليه السلام - دارًا يَنْزلها إذا قدم المدينة ، فتداول الدارَ الملاكُ إلى أن
- ٣٥١ -

صارت لأبي أيوب ؛ وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفع إليه الكتابُ .
قال : وأهل المدينة الذين نصروه - عليه السلام - من ولد أولئك العلماء
الأربعمائة ؛ ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوسَ والخزرجَ ، ولما خرج النبي
- عليه السلام - أرسلوا إليه كتاب (( تُبَّعِ )) مع رجل يسمى أبا ليلى ، فلما
رآه النبي - عليه السلام - قال: ((أنت أبو ليلى ، ومعك كتاب تُبَّعِ
الأول)) فبقي أبو ليلى متفكراً ، ولم يَعرف النبيَّ - عليه السلام -، فقال :
مَنْ أنت ؟ فإنى لم أر في وجهك أثر السحر - وتوهم أنه ساحر - فقال :
((أنا محمد، هات الكتاب)) فلما قرأه قال: ((مرحبا بتبَّعِ الأخ الصالح)»
- ثلاث مرات . وفي (( سير )) ابن إسحاق: اسمه : تبان أسعد أبو کرب؛
وهو الذي كسى البيت الحرام. وفي (( مُغايص الجوهر في أنساب حمير)):
كان يدين بالزبور. وفي ((معجم الطبراني)) : قال - عليه السلام - :
((لا تَسْبُّوا تُبَّعًا)). وزعم السهيلي أن دار أبي أيوب هذه تصيّرت بعده إلى
أفلح مولى أبي أيوب ، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة ، فأصلحه
المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء من المدينة .
قلت : لعل الحكمة في بروك ناقة النبي - عليه السلام - بفناء أبي أيوب
ما ذكر من المعنى .
قوله: ((ويصلي في مرابض الغنم)) المرابض : جمع مَربْضٍ ؛ وهي
مأوى الغنم ؛ وقد ذكرناه في كتاب الطهارة .
قوله: (( وإنه أمَر )) بكسر الهمزة ؛ لأنه كلام مستقل بذاته .
قوله : (( ببناء المسجد)) المسجد - بكسر الجيم وفتحها - الموضع الذي
[١٥٤/١ -ب] يُسجد فيه، وفي ((الصحاح)): المسجد - بفتح الجيم - / موضع
السجود، وبكسرها : البيت الذي يُصلَّى فيه . ومن العرب مَنْ يفتح في
كلا الوَجْهين . وعن الفراء : سمعنا المسجد والمسجَد ، والفتح جائز ،
وإن لم تسمعه. وفي (( المعاني)) للزجاج : كل موضع يتعبد فيه :
٥
مسجد .
- ٣٥٢ -

قوله : ((ثامنوني بحائطكم)) أي : قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني
فيه؛ يُقال : ثامنتُ الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه ، وساومتَه على
بَيْعه وشرائه . والحائط : البُسْتان ؛ يؤيده : ما ذكر فيه من قوله : وكان فيه
نخل .
قوله: (( إلا إلى الله)) أي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وفي ((صحيح
الإسماعيلي)) هكذا: ((إلا من الله)).
قلت : يجوز أن تكون ((إلى)) هاهنا على معناها لانتهاء الغاية ؛ ويكون
التقدير : نُنهي طلب الثمن إلى الله تعالى ، كما في قولهم : أحمد إليك
الله ؛ والمعنى : أُنهِي حمدَه إليك؛ والمعنى : لا نَطلبُ منك الثمن ؛ بل
نتبرعُ به ، ونطلب الثمن - أي : الأجر - من الله تعالى ؛ وهذا هو
المشهور في ((الصحيحين)) - أيضا - وذكر محمد بن سَعْد في ((الطبقات))
عن الواقدي أن النبي - عليه السلام - اشتراه منهم بعشرة دنانير؛ دفعها
عنه : أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - .
قوله: ((وكانت فيه خَرِبٌ)) قال أبو الفرج: الرواية المعروفة: ((خَرِبٌ))
- بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - جمع خَرِبَةٍ ؛ كما يقال : كلمة وكلم.
وقال أبو سليمان : وحدثناه الخيّام بكسر الخاء وفتح الراء ؛ وهو جمع
الخراب ؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم ؛ وهما لغتان
صحيحتان رُويتا. وقال الخطابيّ: لعل صوابه: ((خُرَب)) - بضم الخاء-
جمع خُرْبة ؛ وهي الخروق في الأرض ؛ إلا أنهم يقولونها في كل ثُقْبة
مستديرة في أرض أو جدار ، قال: ولعل الرواية ((جِرَفٌ )) جمع الجِرَفة ؛
وهي جمع الجُرُف؛ كما يقال: خُرْج وخُرَجة، وَتُرْس وتِرَسَةٌ . وأَبْين
من ذلك - إن ساعدته الروايةُ - أن يكون: (( حُدُبًا)) جمع ((حَدَبَةٍ))؛
وهو الذي يَليقُ بقوله فسُوِّيَتْ؛ وإنما يُسوَّى المكان المحدودب أو موضع من
الأرض فيه خروق وهدُومٌ ؛ فأما الخِرَبُ فإنها تُعَمَّر ولا تُسوّى . قال
عياض : هذا التكلف لا حاجة إليه ؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح
المعنى ؛ كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخِرب فرفعت رسومها،
٢٣ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٣٥٣ -

وسُوِّيت مواضعها ، لتصير جميع الأرض مَبْسوطةً مُستويةً للمصلين ،
وكذلك فعل بالقبور. وفي ((مصنف)) ابن أبي شيبة بسند صحيح: ((فأمر
بالحرث فحُرث)) ؛ وهو الذي زعم ابن الأثير أنه رُوِيَ بالحاء المهملة والثاء
المثلثة ، يريدُ الموضع المحروث للزراعة .
قوله: (( فأمَر رسول الله بقبور المشركين فنُبَشَتْ)) إنما أمر بنبشها لأنهم لا
حرمة لهم .
فإن قيل : كيف يجوز إخراجهم من قبورهم ، والقبر مختصّ بمن دفن
فيه ، قد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه ؟ قلت : تلك القبور لم تكن
أملاكا لمن دفن فيها ؛ بل لعلها غصب ، ولذلك باعها مُلاكها ، وعلى
تقدير التسليم أنها حُبست فهو ليس بلازم ، إنما اللازم : تحبيس المسلمين،
لا الكفار . وجواب آخرُ : أنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز .
فإن قيل : هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها
مساجد ؟ قلت : أجاز ذلك قوم ؛ محتجين بهذا الحديث ، وبما رواه
أبو داود (١) أن النبي- عليه السلام - قال: ((هذا قبر أبي رِغال ؛ وهو
أبو ثقيف ، وكان من ثمود ، وكان بالحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته
النقمة فدفن بهذا المكان ، وآية ذلك : أنه دفن ومعه غُصْنٌ من ذهب»
فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغُصن )) . قالوا : فإذا جاز نبشُها لطلب
المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى ، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها
أحياء ؛ بل هو مأجورٌ في مثل ذلك . وإلى جواز نبش قبورهم للمال
ذهب الكوفيون ، والشافعي ، وأشهبُ بهذا الحديث . وقال الأوزاعي :
لا يفعل؛ لأن رسول الله لما مرّ بالحجْر قال: ((لا تدخلوا بيوت الذين
ظلموا إلا أن تكونوا باكين )) فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم ، فكيف
[١٠٠١٥٥/١] قبورهم؟. وقال الطحاوي : قد أباح دخولها / على وجه البكاء .
فإن قيل : هل يجوز أن تُبْنى المساجد على قبور المسلمين ؟ قلت :
(١) كتاب الخراج، باب: نبش القبور العاديَّة يكون فيها المال (٣٠٨٨).
- ٣٥٤ -

قال ابن القاسم : لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفَتْ ، فبنى قوم عليها
مسجداً لم أَر بذلك بأسًا ؛ وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين
لدفن موتاهم ، لا يجوز لأحد أن يملكها ، فإذا درست واسْتُغْنِيَ عن
الدفن (١) فيها جاز صرفها إلى المسجد ؛ لأن المسجد - أيضا - وقف من
أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد ؛ فمعناهما على هذا واحدٌ . وذكر
أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ، ولم يبق حوله جماعة ، والمقبرة إذا
عفت ودثرت يَعودُ ملكًا لأربابها ، فإذا عادت ملكا يجوز أن يُبنى موضع
المسجد دار ، وموضع المقبرة مسجد ، وغير ذلك ؛ فإن لم يكن لها أرباب
يكون لبيت المال .
فإن قيل : هل يدخل من يبني المسجد على مقبرة المسلمين بعد أن عفت
ودثرت في معنى لعنة اليهود ، لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ؟ قلت : لا ؛
الافتراق المعنى ؛ وذلك أنه - عليه السلام - أخبر أن اليهود كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بالعبادة ، وقد نسخ الله جميع ذلك
بالإسلام والتوحيد ، ثم في هذا الحديث دليل على أن القبور إذا لم يبق
فيها بقية من الميّت أو من ترابه جازت الصلاة فيها ، وأنها إذا درست يجوز
بيعها ؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده .
قوله: (( وبالنخل فقطع)) أي : أمر بالنخل فقطع ؛ وفيه دليل على
[جواز] قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة؛ وأما اليابسة فقطعها جائز مطلقا.
قوله : ((فصفوا النخل قبلةً للمَسْجد )) من صففتُ الشيء صفا ، وفي
((شرح البخاري)): وجعل قبلته إلى القدس وجعل له ثلاثة أبواب ؛ باباً
في مؤخره ، وباباً يقال له : باب الرحْمة - وهو الباب الذي يُدْعى : باب
عاتكة - ، والثالث : الذي يدخل منه النبي - عليه السلام - وهو الباب
الذي يلي آل عثمان - وجعل طول الجدار قامة ، وبُسطه وعمده: الجذوع،
وسقفه جريدًا، فقيل له : ألا تسقفه؟ فقال: (( عريش كعريش مُوسى ؛
(١) في الأصل: ((الدين)).
- ٣٥٥ -

خُشَيْبَاتٌ وثمامٌ ، الأمرُ أعجل من ذلك)) وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى
مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ؛ فهو مربع - ويقال :
كان أقل من المائة - ، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض
بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن. وفي ((المغازي)) لابن بكير ، عن ابن
إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن - ويقال : بل من حجارة - منضودة
بعضها على بعضٍ .
قوله: (( وجعلوا عضادتيه حجارة)) العضادة - بكسر العين - هي جانب
الباب. وقال صاحب ((العين)): أعضاد كل شيء : ما يشدّه من حواليه
من البناء وغيره ؛ مثل عضاد الحوض ؛ وهي صفائح من حجارة تُنْصَبْن
على شفيره ، وعضادتا الباب : ما كان عليهما يُطبق البابُ إذا أُصْفِق .
وفي (( التهذيب)) للأزهري : عضادتا الباب : الخشبتان المنصوبتان عن يمين
الداخل منه وشماله ، فوقهما العارضة .
قوله: (( وهم يرتجزون)) جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في
((ينقلون)) يقال: ارتجزوا وتراجزوا إذا تعاطوا بَيْنهم الرَّجزَ. واختلف
العروضيون في الرجز : هل هو شعر أم لا ؟ مع اتفاقهم أن الشعر لا
يكون شعرا إلا بالقَصْد ، فإن جرى كلام موزون بغير قصد لا يكون شعرا؛
وعليه يحمل ما جاء عن النبي - عليه السلام - من ذلك ؛ لأن الشعر
حرام عليه بنص القرآن . قال القرطبي : الصحيح في الرجز : أنه من
الشعر ؛ وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي - عليه السلام-
إياه فقال : لو كان شعرا لما عُلِّمه ، قال : وهذا ليس بشيء ؛ لأن من
أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق
اسم شاعرٍ ، ولا يقال فيه : إنه يعلم الشعر ، ولا يُنسب إليه ، ولو كان
ذلك كذلك للزم أن يقال للناس كلهم شعراء . وقال السفاقسي : لا
يطلق (١) على الرجز شعرا؛ إنما هو كلام مسجّع ؛ بدليل أنه يقال
(١) في الأصل: ((ينطلق)).
- ٣٥٦ -

لصانعه : راجز، ولا يقال: شاعر، ويُقال: أنشد / رجزا، ولا يقال: [١٥٥/١ -ب]
أنشد شعراً .
ثم اعلم أن في الحديث : جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال
والأسفار ونحوها ، لتَنْشيط النفوس ، وتَسْهيل الأعمال والمضي عليها .
قوله: ((والنبي معهم)) حال، وكذلك قوله: ((وهو يقول )) حال
أُخْرى .
قوله: ((اللهم إن الخير خير الآخرة)) وفي رواية: ((لا خير إلا خير
الآخرة)) ومعنى ((اللهم)): يا ألله ؛ وقد ذكرنا طرفا منه ، وقال
البصريون: ((اللهم)): دعاء الله بجميع أسمائه؛ إذ الميم يُشعر بالجمع ؛
كما في ((عليهم))، وقال الكوفيون: أصله: ((الله أمّنا)) بخيرِ أي :
اقصدنا ؛ فخفف فصار ((اللهم)) . وهو ضعيف ؛ إذ لو كان كذلك لجاز
(( يا اللهم)) فلما لم يجز دلّ على أن أصله: ((يا ألله)) فحذف (( يا))
وعوض عنها الميم ؛ ولا يجوز اجتماع العِوض والمعوض . وهو يُستعمل
على ثلاثة أنحاء ؛ أحدها : للنداء المحض ؛ وهو ظاهرٌ ، والثاني :
للإيذان بندرة المستثنى ؛ كقولهم في أثناء الكلام : اللهم إلا أن يكون كذا
وكذا ، والثالث : يستعمل فيه ليدل على تيقّن المجيب من الجواب المقترن
هو به ؛ كقولك لمن قال : أزيد قائم : اللهم نعم ، أو : اللهم لا ؛ كأنه
يُناديه : تعالى ؛ مستشهداً على ما قال في الجواب .
قوله : ((فانصر الأَنْصار والمهاجره )) الأنصار : جمع نَصيرِ ؛ كأشراف
جمع شريفٍ ؛ والنَّصِير الباهرُ : من نصَرَه الله على عَدُوّه ينصرُهُ نصرًا ،
والاسم : النَّصْرة ؛ وسُمَّوا بذلك لأنهم أعانوه - عليه السلام - على
أعدائه وشدّوا منه . والمهاجره : الجماعة المهاجرة ؛ وهم الذين هاجروا من
مكة إلى المدينة النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - محبّةً فيه ،
وطلباً للآخرة . والهجرة في الأصل : الاسم من الهَجْر - ضدّ الوَصْل-،
وقد هجَره هجرًا ، وهجرانًا ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى
- ٣٥٧ -

أرضٍ، وترك الأولى للثانية يُقال منه : هاجر مُهاجرةً . والحديث : أخرجه
البخاريّ ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه .
٤٣٦ - ص - ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا حماد ، عن أبي التياح ، عن
أنس بن مالك قال : كان مَوضعُ المسجدِ حَائطًا لبني النجّار، فيه حَرْثٌ
ونَخْلٌ وقبورُ المشركينَ، فقال رسولُ الله: ((ثَامِنُوني به)) فقالوا: لا نَبْغي (١)،
فقُطِعِ النخلُ ، وسُوِّي الحرْثُ، ونُبشَ قبورُ المشركينَ . وساقَ الحديثَ ،
وقال: ((فاغفر)) مكان «فانصُرُ)) (٢).
ش - موسى بن إسماعيل : المنقري البصري ، وحمّاد : ابن سلمة .
قوله : (( موضع المسجد )) الألف واللام فيه للعهد أي: مسجد النبي
- عليه السلام - .
قوله : (( لا نبغي)) أي: لا نطلب الثمن؛ من بغى يَبْغي بغْيةً وبُغًا من
باب ضرب يضرب ، وبغى عليه : إذا تعدى وظلم ، وبغت المرأة بغاء
-بالكسر والمدّ - إذا فجرت ؛ فهي بَغي ، والجمع : بَغايًا ، قال تعالى :
﴿ وَمَا كَانتْ أُمَّك بغيا﴾ (٣) وهذا مثل قولهم: ملْحفة جديدٌ.
قوله: ((وقال: فاغفر)) أي : قال : فاغفر الأنصار مكان : فانصر
الأنصار .
ص - قال موسى : نا عبد الوارث بنحوه . وكان عبد الوارث يقول :
خَرِبٌ، فزعم عبد الوارث (٤) أنه أفادَ حمادًا هذا الحديثَ .
ش - أي : قال موسى بن إسماعيل - شيخ أبي داود - حدثنا
عبد الوارث بن سعيد البصري ، بنحو المذكور من الرواية .
قوله: (( وكان عبد الوارث يقول: خَرب)) - بفتح الخاء ، وكسر
الراء-؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى .
(١) في سنن أبي داود: ((لا نبغي به ثمنا)). (٢) انظر التخريج المتقدم.
(٤) فى الأصل: ((الحارث)) خطأ.
(٣) سورة مريم: (٢٨) .
- ٣٥٨ -

١٢ - بَابٌ: في المساجد تُبْنى في الدّور
أي : هذا باب في حكم المساجد التي تُبنى في الدور . وفي بعض
النسخ: ((باب اتخاذ المساجد في الدور)) (١) وفي بعضها: ((باب ما
جاء في المساجد تُبنى في الدور)).
٤٣٧ - ص - نا محمد بن العلاء : نا حُسين بن علي ، عن زائدة ، عن
هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشةَ قالتْ: أَمرَ رَسولُ الله ببناء المساجدِ في
الدُّور ، وأَنْ تُنَظَّفَ ونُطَيِّبَ (٢).
ش - محمد بن العلاء : أبو كريب الكوفي ، وحُسَين بن علي : ابن
الوليد الجُعفي ، وزائدة : ابن قدامة الثقفي الكوفي .
قوله : ((في الدُّور)) قال سفيان بن عيينة: الدورُ : القبائلُ. وذكر
الخطابيّ أنها البيوت، وحكى- أيضا - أنه يراد بها المحالّ التي فيها الدورُ.
قلتُ : الظاهر أن المراد بها ما قاله الخطابي ؛ لورُود النهي عن اتخاذ
البيوت مثل المقابر ؛ وفيه حجة لأصحابنا (((٣) أن المكان لا يكون مسجدا
حتى يُسَبّله (٤) صاحبه ، وحتى يُصلي الناس فيه جماعةً ، ولو كان الأمر
يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكانت مواضع تلك المساجد / في [١٥٦/١ -أ]
بيوتهم خارجةً عن أملاكهم ، فدلّ أنه لا يصح أن تكون مسجدًا بنفس
التسمية)).
ولذلك قال صاحب ((الهداية)) : إن اتخذ وسط داره مَسْجدا ، وأذن
للناس بالدخول فيه ، له أن يبيعه ويُورث عنه ؛ لأن المسجد : ما لا يكون
لأحد فيه حق المنع ، وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنْع ، فلم
يَصر مَسْجِدا .
(١) كما في سنن أبي داود .
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما ذكر في تطييب المساجد (٥٩٤) ، ابن
ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : تطهير المساجد وتطييبها (٧٥٨).
(٣) انظر معالم السنن (١٢٣/١).
(٤) أي : يجعله في سبيل الله .
- ٣٥٩ -

قوله : ((وأن تُنظف)) أي : أمَر - أيضا - بأن تُنظف أي : بتنظيفها
وتطييبها عن الأقذار ؛ لأن لها حرمة لأجل إقامة الصلاة فيها ، ولتشبهها
بالمساجد المطلقة . وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وأخرجه الترمذي
مُرْسلا وقال : هذا أصح من الحديث الأول .
٤٣٨ - ص - نا محمد بن داود بن سفيان : نا يحيى - يعني : ابن حسّان:
نا سليمان بن موسى: نا جعفر بن سَعْد بن سَمُرة قال : حدثني خُبَيْب بن
سليمان، عن أبيه سليمان بن سَمُرة ، عن أبيه سَمُرة أنه كتب إلى بَنيه (١):
أمَّا بعدُ ، فإنَّ رسولَ الله - عليه السلام - كان يأمُرُنا بالمساجد أن نَصْنَعَها في
دِيَارِنا، ونُصلِحَ صَفْعَتَهَا ونُطَهِّرَها (٢) .
ش - محمد بن داود : الإسكندراني .
ويحيى : ابن حسّان بن حيان التّنِّيسي ، أبو زكرياء البَصْري ، سكن
تنيس . روى عن : الليث بن سَعْد ، ومعاوية بن سلام ، وحماد بن
سلمة وغيرهم . روى عنه : الشافعي ، وأحمد بن صالح المصري ،
ومحمد بن مسكين وغيرهم . قال أبو سعيد بن يونس : كان ثقةً حسن
الحديث ، وتوفي بمصر في رجب سنة ثمان ومائتين . روى له :
البخاريّ، ومسلم، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي (٣).
وسُليمان بن موسى : أبو داود الزهري ، خراساني الأصل ، سكن
الكوفة ثم تحول إلى دمشق . روى عن : موسى بن عبيدة ، ومسعر بن
كدام ، وجعفر بن سَعْد بن سمرة وغيرهم . روى عنه : الوليد بن مسلم،
ومَرْوان الطاطري ، ويحيى بن حسّان (٤).
وجَعْفر بن سَعْد بن سَمُرة الفزاري أبو محمد . روى عنه : سليمان بن
موسى ، ومحمد بن إبراهيم ، وعبدالجبار بن العباس الشِّبَامي، وصالح
ابن أبي عتيقة الكاهلي . روى له : أبو داود (٥) .
(١) في سنن أبي داود: ((ابنه)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٠٩/٣١).
(٤) المصدر السابق (١٢/ ٢٥٧٢).
(٥) المصدر السابق (٥/ ٩٤٢).
- ٣٦٠ -