Indexed OCR Text
Pages 221-240
وكان الأوزاعي يستعمل هذا الحديث على ظاهره وقال : يُجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب ويصلي فيه . وروى مثله عن عروة بن الزبير. وكان النخعي يَمْسح النعل والخف يكون فيه السرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم . وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحاً ولا أثراً : رجوتُ أن يُجزئه . وقال الشافعي : لا تطهر النجاسات إلا بالماء سواء كانت في ثوب أو حذاءٍ . وبه قال مالك وأحمد وزفر ؛ والحديث حجة عليهم . قال المنذريّ : فيه مجهولٌ . قلت : قد تأيد بما رواه أبو داود - أيضاً - في الصلاة في حديث طويل وفيه : ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نَعْليه قذراً أو أذًى فليمسحه وليصل فيهما )) . ورواه ابن حبان في (( صحيحه ))، وعبد بن حميد ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم بنحو أبي داود - وسنتكلم فيه إن شاء الله تعالى . وبإطلاق الأحاديث أخذ أبو يوسف حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح سواء كان النجس رطباً أو يابساً . وقال أبو حنيفة : المراد بالأذى : النجاسة العَيْنية اليابسة ؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشاراً وتلوثاً . فإن قيل : الحديث مطلق فَلِمَ قيده أبو حنيفة بقوله: ((النجاسة العَينيّة)) أي : التي لها جرم ؟ قلت : التي لا جرم لها خرجت بالتعليل وهو قوله: ((فإن التراب طهور)) أي: يُزيل نجاسته ، ونحن نعلم يقيناً أن النعل أو الخف إذا تشرّب البول أو الخمر لا يُزيله المَسْحُ ولا يخرجه من أجزاء الجلد ، فكان إطلاق الحديث مصروفاً إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمْل أو التراب فجف فإنه يطهر - أيضاً - بالمسح ؛ على ما قال شمس الأئمة ، وهو الصحيح ؛ فلا فرق بين أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها ؛ هكذا ذكر الفقيه - ٢٢١ - [١٢٩/١ - ب] أبو جعفر، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل / عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك إلا أنه لم يشترط الجفاف . ٣٧٠ - ص - نا أحمد بن إبراهيم : حدَّثني محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - بمعناه قال: ((إذا وَطِئَّ الأَذَى بخُفَّيْه فطُهُورُهَا التَّرابُ)) (١) . ش - أحمد بن إبراهيم : ابن خالد الموصلي . ومحمد بن كثير : ابن أبي عطاء ، أبو يوسف الصنعاني الثقفي مولاهم، نزل المصيصة ، سمع : معمر بن راشد ، والأوزاعي ، وحماد ابن سلمة ، وابن عيينة ، وغيرهم . روى عنه : الحسن بن الربيع ، وشهاب بن عباد ، والحسن بن الصباح ، وغيرهم . وقال البخاريّ : ضعّفه أحمد ، وسئل عنه ابن معين فقال : كان صدوقاً في روايته ، ثقة . وقال ابن سعد : كان من أهل صنعاء ، ونشأ بالشام ، ونزل المصيصة ، وكان ثقة ، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره ، ومات في آخر سنة ستة عشر ومائتين (٢). وابن عجلان : محمد بن عجلان . ورواه ابن حبّان في ((صحيحه )) في النوع السادس والستين من القسم الثالث ، والحاكم في ((المستدرك )) وقال : حديث صحيح على شرط مُسلم ولم يُخرجاه . وقال النووي في (( الخلاصة )) : رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ولا يلتفت إلى كلام ابن القطان . هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا نظن بها الصحة لِما سبق من الكلام . ٣٧١ - ص - ثنا محمود بن خالد : ثنا محمد - یعني : ابن عائذ : نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي ، عن محمد بن الوليد قال : أخبرني -أيضاً- (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٦/ ٥٥٧٠) . - ٢٢٢ - سعيد بن أبي سعيد ، عن القَعْقاع بن حكيم ، عن عائشة ، عن رسول الله بمعناه (١). ش - محمود بن خالد : أبو علي السُّلَمي الدمشقي. ومحمد بن عائذ : ابن عبد الرحمن بن عبد الله ، أبو أحمد ، أو أبو عبد الله الدمشقي القرشي الكاتب، صاحب كتاب ((المغازي)) و((الفتوح)) و((الصوائف)) وغيرها . سمع : يحيى بن حمزة ، والوليد بن مسلم ، وأبا مسهر ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة الدمشقي والرازي (٢)، ويعقوب بن سفيان، وأبو دا [ ود ] ، وغيرهم . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال دحيم : صدوق . وقال ابن معين : ثقة . توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين ، وولد في سنة خمسين ومائة (٣) . ويحيى بن حمزة : ابن واقد الحضرمي ، أبو عبد الرحمن الدمشقي قاضيها ، من أهل بيت لهيا . سمع : محمد بن الوليد ، والأوزاعي ، وزيد بن واقد ، وغيرهم . روى عنه : محمد بن المبارك الصُّوري ، والوليد بن مسلم ، ومحمد بن عائذ ، وغيرهم . قال أبو حاتم : كان صدوقاً . وقال أحمد : ليس به بأس . وقال المفضل بن غسان : كان ثقة. توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة . روى له الجماعة (٤). ومحمد بن الوليد : الزبيدي الشامي الحمصي . قوله: ((بمعناه)) أي : بمعنى الحديث المذكور . وقال الشيخ زكي الدين: حديث عائشة حديث حسن ؛ غير أنه لم يذكر لفظه . قلت: رواه ابن عديّ في (( الكامل )) (٥) عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي ، عن سعيد المقبري ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبيه ، ١ (١) تفرد به أبو داود . (٢) في الأصل: ((الررازي)). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥١٧/٢٥). (٤) المصدر السابق (٦٨١٦/٣١). (٥) (٢٠٣/٥) ((ترجمة عبد الله بن زياد بن سمعان)). - ٢٢٣ - عن عائشة قالت : سألتُ النبي - عليه السلام (١) -. : الرجلُ يَطأُ بنَعْليه في الأذَى، قال: ((الترابُ لهما طهورٌ)). وقال الدارقطني : مدار الحديث على ابن سَمْعان ؛ وهو ضعيف . قال ابن الجوزي : قال مالك : هو كذاب . وقال أحمد : متروك الحديث . قلت: ذكر صاحب ((الكمال)): قال أبو زرعة : حدَّثني أحمد بن صالح قال : قلت لابن وهب : ما كان مالك يقول في ابن سَمْعان ؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بَعْض . وروى له الترمذي مقروناً بيونس بن يزيد . ١٣٠ - بَاب: الإِعَادَة منَ النجاسة تكون في الثوب أي : هذا باب في بيان إعادة الصلاة من النجاسة تكون في الثوب . ٣٧٢ - ص - ثنا محمد بن يحيى بن فارس قال : ثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : حدَّتنا أم يونس بنت شداد قالت : حدَّثتني حماتي : أم جَحدر العامريّةُ قالت : إنها سَأَلَتْ عائشةَ عن دَم المحيضِ يُصيبُ الثوبَ ، فقالتْ: كنتُ مع رسول الله وعلينا شعارُنًا ، وقد أَلْقَيْنَا فَوقَه كساءً ، فلما أصبحَ رسولُ الله أَخذَ الكساءَ فَلَبِسَهُ، ثمَ خَرجَ فصلَّى الغَدَاةَ ، ثَم جَلسَ فقال رجلٌ : يا [١/ ١٣٠- ١] رسولَ الله،َ هذه لمعَةٌ منِ دَم، فَقبضَ رسولُ الله / على ما يليها ، فبعث بها إِليَّ مَصْرُوَرَةً في يدِ الغُلامَ فقال: ((اغْسِلي هَذَا وأَجفِّيهَا، ثم أَرسلي بها إليّ) فدعوتُ بِقَصْعَتِي فغسَلتُها ، ثم أجْفَفْتُها، فأَحَرْتُهاَ إليه، فجاء رسولُ الله بنصف النهارِ وهو علیه (٢) . ش - محمد بن يحيى : ابن عبد الله بن خالد بن فارس النيسابوري الإمام . وأَبُو مَعْمر : عبد الله بن عمرو المقعد المنقري البصري . وعبد الوارث : ابن سعيد العَنْبري . (١) في الأصل: ((رسول الله))، وبهامش الأصل مصححاً: ((النبي عليه السلام)). (٢) تفرد به أبو داود . - ٢٢٤ - وأم يونس بنت شداد ، روت عن حماتها أم جحدر . روى عنها : عَبد الوارث بن سعيد . روى لها : أبو داود (١) . وأم جحدر العامريّة روت عن : عائشة الصديقة . روت عنها : أم يونس بنت شداد . روى لها : أبو داود (٢). قوله : ((وعلينا شعارنا)) قد مرّ أن الشعار : الثوبُ الذي يلي الجسد ، والكساء: واحد الأكسية؛ وأصله: ((كساوٌ))؛ لأنه من كسوتُ ، إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف ◌ُمِزت ، وتكسيتُ بالكساء : لبستُه . قوله: (( هذه لمعة)) - بضم اللام وسكون الميم - وهي بياض أو سواد أو حُمرة تَبْدو من بَيْن لون سواها ؛ وهي في الأصل قطعة من النّبْت إذا أخذت في اليُبْس . قوله : ((مصرورةٌ)) نصبٌ على الحال ، من صررتُ الصرة شددتُها . قوله : ( وأجفیھا )) أمر من الإجفاف وثلاثيه جفّ یجفّ من باب ضرب يضرب ، ويجَفّ بالفتح لغة فيه حكاها أبو زيد ، وردّها الكسائي. قوله : (( فأحَرَّتُها )) أي: ردَدْتُها إليه ، من أحَار يُحيرُ وثلاثيه حارَ يحورُ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنْ يَحُورَ * بَلَى﴾ (٣) أي : لا يبعث ولا يرجع إلينا في القيامة للحساب . قوله: (( وهو عليه)) جملة وقعت حالاً ؛ أي : والحال أن الكساء عليه ؛ وإنما ذكّر الضمير باعتبار المذكور ، أو باعتبار الثوب . وفيه من الفقه مسائلُ؛ الأولى : وجوب غسل الثوب من الدم ، والثانية : اقتصار الغسل على المَوْضع المُصاب ، والثالثة (٤) : (١) انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (٨٠٢١/٣٥). (٢) المصدر السابق (٧٩٥٦/٣٥). (٣) سورة الانشقاق: (١٤، ١٥). (٤) بياض في الأصل قدر سطر وربع السطر . ١٥ • شرح سنن أبي داوود ٢ - ٢٢٥ - ١٣١ - بَاب : البُزاق يُصِيبُ الثَّوْبَ أي : هذا باب في بيان حكم البزاق الذي يصيب الثوب . ٣٧٣ - ص - ثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد، نا ثابت ، عن أبي نضرة قال : بَزْقَ النبيّ - عليه السلام - في ثوبِهِ وحَكَّ بَعْضَه ببعض (١). ش - حماد : ابن سلمة ، وثابت : البناني . وأبو نضرة : هو المنذر بن مالك بن قطيعة (٢) العَوقي - بفتح الواو ، وبالقاف - منسوب إلى عَوَقَة ؛ بطن من عبد القَّيْسِ العَبْدي البَصْري ، أدْرك طلحة بن عبيد الله . وسمع : عبدَ الله بن عباس ، وأبا هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عامر ، وأبا ذر الغفاري ، وأبا سعيد الخدريّ، وسمرة بن جندب ، وأنس بن مالك ، وغيرهم . روى عنه : حميد الطويل ، وقتادة ، وداود بن أبي هند ، وعاصم الأحول ، وغيرهم. قال ابن معين ، وأبو زرعة : ثقة . مات قبل الحسن بقليل . روى له الجماعة إلا البخاريّ (٣) . وهذا مُرْسلٌ كما ترى. ٣٧٤ - ص - نا موسى : نا حماد ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي -عليه السلام - بمثله (٤) . ش - موسى : ابن إسماعيل ، وحماد : ابن سلمة ، وحُميد : الطويل، وأنس : ابن مالك - رضي الله عنه . قوله: ((بمثله)) أي: بمثل الحديث المذكور . وأخرجه البخاريّ ، والنسائي . واختلفوا في البزاق : هل هو طاهر أم لا ؟ فعن سلمان : إنه ليس بطاهر ؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة : نا ابن علية ، عن هشام ، عن حماد ، عن ربعي بن حراش قال: قال سلمان: (( إذا حك أحدكم جلده (١) تفرد به أبو داود . (٢) كذا، والمعروف: ((قطعة)). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦١٨٣/٢٨). (٤) البخاري : كتاب الوضوء، باب: البزاق والمخاط ونحوه في الثوب (٢٤١)، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : البزاق يصيب الثوب (١/ ١٦٢). - ٢٢٦ - فلا يمسحه (١) ببزاقه ؛ فإن البزاق ليس بطاهر)). وأسند صاحب الإمام عن البيهقي أنه قال: ((إذا أصاب البُصاق الثوب أو الجسد فليغسل بالماء)). ويروى مثل ذلك عن بعض العلماء ؛ ذكره الطحاوي في كتاب ((الاختلاف)) والأصح : ما رواه أبو داود ، والبخاريّ وغيرهما : أنه طاهر . وفي ((المصنف)): حدَّثنا سَعيد بن يحيى الحميري : ثنا أبو العلاء قال: كنا عند قتادة فتذاكروا قول إبراهيم وقول الكوفيين في البزاق يغسل قال : فحك قتادة ساقه ، ثم أخذ من ريقه شيئاً ، ثم أمرّه عليه ليرينا أنه ليس بشيءٍ . والحميري هذا ثقة ؛ أخرج له البخاريّ . وأبو العلاء هو : أيوب بن مسكين القصاب ؛ وثقه أحمد بن حنبل / وابن سَعْد، والنسائي، [١٣٠/١ -ب] وغيرهم . (١) في الأصل: ((تمسحه)). - ٢٢٧ - ٢ - كتابُ الصَّلاَةِ أي : هذا الباب في أحكام الصلاة بأنواعها . ولما فرغ عن الطهارة الصغرى والكبرى بأنواعهما التي هي شرط ، شرع في بيان الصلاة التي هي مشروط ، والشرط يسبق المشروط . واشتقاقها من تحريك الصَّلَوَيْن . وهما : العظمان الناتئان عند العجيزة ، وقيل : من الدعاء ؛ فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيّرةشرعا ، المقررة لغةً ، وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة ، ويقال : أصلها في اللغة : الدعاء ؛ فسمّيت ببعض أجزائها . وقيل : أصلها في اللغة : التعظيم ، وسميت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الربّ . والصلاة : اسمٌ وُضع مَوضع المصدر حتى يقال: صليت صلاةً ، ولا يقال : صليت تصليةً - وإن كان هو القياس . وفي الشرع : الصلاة عبارة عن الأركان المعلومة ، والأفعال المخصوصة. وسببها : الوقت ، وشرائطها وأركانها مذكورة في الفقه ، وحكمها : سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا ، وحصول الثواب فى العقبى ، وحكمتها : تعظيم الله ، يعني : بجميع الأركان والأعضاء ظاهرِها وباطنها تبرئا عن عبدة الأوثان قولا وفعلا وهيئةً . ٣٧٥ - ص - (١) حدثنا عبد الله بنَ مسلمة ، عن مالك ، عن عمّه أبي سهيل بن مالك ، عن أبيه ، أنه سمع طلحة بنَ عُبَيِّد الله يقول: جَاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِوَ﴿ من أهلِ نَجْدٍ، ثَائرَ الرأسِ يُسمَعُ دويُّ صوتِهِ، ولا يُفْقَهُ ما يَقُولُ، حتى دَنَى فإذا هو يَسألُ عن الإسلام؟ فقالَ رسولُ الله: (( خمسُ صَلَواتِ في اليوم واللَّيلةِ)). قال: هل عَلىَّ غيرُهُنَّ؟ قال: (( لا، إلا أن تَطَّوَعَ)) . قالَ: وذكر له رسولُ الله صيامَ رمضانَ (٢) فقال: هل عليَّ غيرُه ؟ (١) في سنن أبي داود قبل هذا الحديث: ((باب فرض الصلاة)). (٢) في سنن أبى داود: (( صيام شهر رمضان)). - ٢٢٩ - قال : ((لا، إلا أن تَطَّوَّعَ)). قالَ: وذكر له رسولُ الله الصدقَةَ قالَ : فهل عَلَيَّ غيرُهَا؟ قال: (( لا، إلا أن تَطَّوَّعَ)). قال: فأدْبر الرَجلُ وهو يَقُولُ: والله لا أَزِيدُ على هذا ولا أَنْقُصُ، فقال رسولُ الله: ((أفْلَحَ إن صَدَقَ )) (١) . ش - مالك: ابن أنس بن مالك، وعمُّهُ : أَبُو سُهَيْل نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، أَخو أنس وأُوَيْس والربيع ، حليف بني تميم . سمع: أنس بن مالك ، وأباه ، وعمر بن عبد العزيز ، والقاسم بن محمد ابن أبي بكر ، وسعيد بن المسيّب ، وعلي بن الحسين . وروى عن : عبد الله بن عُمر ، وسهل بن سَعْد . روى عنه : الزهري ، ومالك بن أنس ، وإسماعيل ومحمد ابنا جَعْفر ، وعبد العزيز الدراورديّ ، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل : هو من الثقات . روى له الجماعة (٢). وأبوه (٣) : مالك بن عامر ، ويقال : ابن أبي عامر ، وهو مالك بن أبي حُمْرة - بالحاء والراء المهملتين - أبو عطية الوداعي (٤) الكوفي الهمداني . سمع : عبد الله بن مَسْعود وعائشة الصديقة . وقال ابن سعد: روى عن : عمر، وعثمان، وطلحة . روى عنه: خيثمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن سيرين ، وعمارة بن عمير ، والأعمش ، وأبو إسحاق السبيعي. قال ابن معين ، وابن سَعْد : هو ثقة ، توفي في ولاية مُصعب ابن الزبير على الكوفة . روى له الجماعة (٥) . قوله: ((جاء رجل)) هو ضمام (٦) بن ثعلبة أخو بني سَعْد بن بكر . قوله: (( من أهل نَجْد )) النجد : الناحية التي بين الحجاز والعراق، ويقال : ما بَيْن العراق وبَيْن وَجْرة وغمرة الطائف نجْدٌ . (١) البخاري : كتاب الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام (٤٦)، مسلم: كتاب الإيمان ، باب : الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (٨/١١)، النسائى: كتاب الصلاة ، باب : كم فرضت في اليوم والليلة (٢٢٦/١) ، وكتاب الصوم (٤ / ١٢٠)، وكتاب الإيمان (١١٨/٨). (٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٦٣٦٨/٢٩). (٣) كذا ترجم المصنف لراو آخر ، وأما صاحبنا وهو أبو مالك فهو مترجم في تهذيب الكمال (٥٧٤٥/٢٧) . (٤) كذا، وفي تهذيب الكمال ((الوادعي)). (٥) المصدر السابق (٧٥١٦/٣٤). (٦) بهامش الأصل كلمة غير مقروءة . - ٢٣٠ - قوله: (( ثائرَ الرأس)» أي: قائم شعره، مُنْتفِشُه. وقال ابن الأثير (١): ((منتشر شعر الرأس قائمه، فحذف المضاف)) . قلت : مادته واويّة من ثار الغبارُ يثورُ ثورا ، والثائر سَاعة ما يخرج من التراب ، ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لرجل ، ويجوز نَصْبُه على الحال . فإن قلت : إذا وقع الحال عن النكرة وجب تقديم الحال على ذي الحال فكيف يكون هذا حالا ؟ قلت : يجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخيره إذا اتصف بشيء كما في المبتدإ ، نحو قوله تعالى: ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْراً مِّنْ عندنَا﴾ (٢) أو أضيف نحو: جاء غلام رجل قائما، أوّ وقع بعد نفي كقوله تعالى: ﴿ مَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾(٣) وهنا - أيضاً - اتّصف النكرة بقوله: (( من أهل نجد )) فافهم . قوله : (( يُسْمعُ دَوي / صوته ولا يُفْقِه ما يقولُ)). روي: ((نسمع)) [١٣١/١-أ] و((نفقه)). بالنون المفتوحة فيهما .. وروي بالياء آخر الحروف المضمومة فيهما على بناء المجهول ؛ والأول أشهر وأكثر. و ((دَويّ)) - بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء - بُعْده في الهواء ، وحكى صاحب ((المطالع)) فيه ضم الدال - أيضًا - ؛ والأول أشهر ، ويشتق منه الفعل يقال : دَوّى النحل تَدْوِيةً إذا سمعت لهديره دويا ، والُدَوِّي : السحابُ ذو الرَّعْد المرتجس ، والفقه : الفهمُ ؛ قال تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٤) أي: حتى يفهموا . قوله : ((فإذا هو يسأل عن الإسلام)) أي : عن أركان الإسلام؛ ولو كان السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير هذا ؛ لأن الجَواب ينبغي أن [يكون ] مطابقا للسؤال ، فلما أجاب النبي - عليه السلام - بقوله: (خمس صلوات)) عرف أن سؤاله عن أركان الإسلام وشرائعه ، فأجاب (١) النهاية (٢٢٩/١). (٢) سورة الدخان : (٤، ٥). (٣) سورة الحجر: (٤) . (٤) سورة طه: (٢٨)، وذكرت في الأصل ((حتى يفقهوا قولي)). - ٢٣١ - مطابقا لسؤاله ؛ لأن الصلوات الخمس وصيام رمضان وإيتاء الصدقة المذكورة هاهنا ليْست عَيْن الإسلام ؛ وإنما هي أركان الإسلام وشرائعُه كما ورد في حديث آخر: (( بني الإسلام على خمس)) الحديث؛ والمبنيّ غير المبني عليه . وقد تكلمت الناس في حقيقة الإسلام والإيمان ؛ فقال الزهري: الإسلام : الكلمة ، والإيمان : العمل ، واحتج بقوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا (١) أَسْلَمْنَا﴾ (٢). وقال البغوي : الإسلام : اسم لما ظهر من الأعمال ، والإيمان : اسم لما بطن من الاعتقاد ؛ لجوابه - عليه السلام - في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام هكذا . وقال أصحابنا : الإيمان هو التصديق بوجود الله تعالى وكمالاته وبملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر ؛ قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَن رَّبِّه﴾ الآية (٣) ، وقال النبى - عليه السلام - حين سُئِلَ عن الإيمَانَ: ((أنَ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى)) والأعمال غير داخلة في ماهيّة الإيمان ؛ خلافا للأشعرية والمعتزلة والخوارج ، والإيمان والإسلام متلازمان، لا عبرة للتصديق بدون الانقياد للأوامر والنواهي ، وكذا على العكس. وأما قول النبي - عليه السلام -: (( أن تشهد بأن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة )) الحديث ، فالمراد به : شرائع الإسلام ؛ لا نفس ماهية الإسلام - كما ذكرنا - ؛ لأن الفاسق مسلم عند أهل السنة . وقال الشافعي : الإيمان : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالأركان . ونقل ذلك عن عليّ - رضى الله عنه - (٤) . وأما الإسلام: فهو بمعنى الاستسلام - أي : الانقياد - لغةً ، وفي الشرع : الخضوع ، (١) في الأصل: ((قوالوا)). (٢) سورة الحجرات : (١٤). (٣) سورة البقرة : (٢٨٥) . (٤) ولا شك أن تعريف الإمام الشافعي للإيمان هو التعريف الذي يرتضيه أهل العلم، ويعتقده أهل السنة والجماعة قاطبة ، وانظر : العقيدة الطحاوية (ص/ ٣٣٢ : ٣٥٧). - ٢٣٢ - وقبول قول الرسول ؛ فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب فهو الإيمان ، وإلا فلا ؛ فالإيمان أخصّ من الإسلام ، وإطلاق أحدهما على الآخر جائز بطريق التجوز . قلنا : الإيمان هو التصديق بالله ، والإسلام : إما أن يكون مأخوذا من التسليم ؛ وهو تسليم العبد نفسه لله ، أو يكون مأخوذا من الاستسلام وهو الانقياد . وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديقه بالقلب واعتقاده أنه تعالى حالته لا شريك له . وجواب آخر : قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إنَّ الدِّين عندَ الله الإسْلاَمُ﴾ (٢) بَيّن أن دين الله هو الإسلام ، وأن كل دين غير الإسلام غير مقبول ؛ والإيمان دين لا محالة ، فلو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً ؛ وليس كذلك . وجواب آخر : لو كانا متغايرين لَتُصور أحدهما بدون الآخر ، ولتُصور مسلم ليس بمؤمن . والجواب عن الآية - أعني : قوله تعالى: ﴿قَالَت الأَعْرَبُ آمَنَّا﴾ - أن المراد بـ (( أَسْلمنا)): استَسْلمنا أي: انقدنا، وسؤال جبريل - عليه السلام - ما كان عن الإسلام ؛ بل عن شرائع الإسلام . قوله : (( خمس صلوات)) مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف أي : هو خمس صلوات ، ويجوز الجرّ ؛ على أن يكون بدلا من الإسلام ، والنصب - أيضاً - على تقدير : خُذ أو هاك أو نحو ذلك . ثم هاهنا محذوف تقديره : إقامة خمس صلوات ؛ لأن غير الصلوات الخمس ليْست عَيْن الإسلام ؛ بل إقامتها هي من شرائع الإسلام . / قوله: ((إلا أن تطوع)) بتشديد الطاء؛ أصله: تتطوع، فأدغمت [١٣١/١ -ب] إحدى التاءين في الطاء ، وهذه قاعدَةٌ : أن التاءين إذا اجتمعتا في باب التفعل تدغم إحداهما في الأخرى طلبا للتخفيف . وقال ابن الصلاح : محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف ، ثم الاستثناء فيه يجوز أن يكون منقطعا بمعنى (لكن)) ؛ والأصح أن يكون متصلا ، ويستدل به على أن من (١) سورة آل عمران: (٨٥). (٢) سورة آل عمران: (١٩). - ٢٣٣ - شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامُه ، واستدلت الشافعية بهذا أن الوتر غير واجب . والجواب عن هذا : أنه كان قبل وجوب الوتر يدل أنه لم يذكر فيه الحج ، وسنتكلم على وجوبيّة الوتر في موضعه إن شاء الله تعالى . قوله: ((وذكر له رسول الله الصدقة)) المراد منها : الزكاة ؛ كما في قوله تعالى : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءَ ﴾ الآية (١). قوله: (( فأدبر الرجل )) أي: وَلَّى. قوله: ((وهو يقول)) جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في ((أدبر)). قوله: (( لا أزيد ولا أنقص)) أي : لا أزيد على ما ذكرت ولا أنقص منه شيئاً . فإن قيل: كيف قال: ((لا أزيد على هذا)) وليس في هذا الحديث جميع الواجبات ، ولا المنهيات الشرعية ، ولا السنن المندوبة ؟ قلنا : قد جاء في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: قال: (( فأخبره رسول الله بشرائع الإسلام ، فأدبر الرجل وهو يقولُ : لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً)) فعلى عموم قوله: ((بشرائع الإسلام)) وقوله: (( مما فرض الله)) يزول الإشكال في الفرائض . وأما النوافل : فقيل : يحتمل أن هذا كان قبل شرعها ، وقيل : يحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرض بتغيير صفته ؛ كأنه يقول : لا أصلي الظهر خمسًا ، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يُخلُّ بشيء من الفرائض . قوله: ((أفلح إنْ صدق)) أي : فاز وظفر بالنجاة إن صدق في قوله . قيل : هذا الفلاح راجع إلى قوله: ((لا أنقص)) خاصةً . قلت : الأظهر أنه عائد إلى المجموع ، بمعنى أنه إذا لم يَزد ولم ينقص كان مفلحا ؛ لأنه أتى بما عليه ، ومَنْ أتى بما عليه فهو مفلح ، ينتج أن هذا مفلح ، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكونُ مفلحا ؛ لأنه يُعرف بالضرورة أن الذي يفلح بالواجب فبالندب أولى وأجدر . (١) سورة التوبة: (٦٠) . - ٢٣٤ - 1 فإن قيل : لم يأت فيه ذكر الحج ، قلت : كان هذا قبل فرضية الحج ؛ كما لم يذكر في بعض الأحاديث الصوم ، ولم يذكر في بعضها الزكاة . ويستفاد من هذا الحديث فوائد ؛ الأولى : أن الصلاة ركن من أركان الإسلام . الثانية : أنها خمس مرات في اليوم والليلة . الثالثة : أن الصوم - أيضاً - ركن من أركان الإسلام؛ وهو في كل سنة شهر واحد . والرابعة : أن إيتاء الزكاة - أيضا - ركن من أركان الإسلام . والخامسة : أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمّة بالإجماع ، واختلف في حقه - عليه السلام - ؛ والأصح نسخه . والسادسة : أن صلاة العيد ليست بفريضة ؛ خلافا لأبي سعيد الإصطخري ؛ فإنها فرض كفاية عنده . والسابعة : أن صوم عاشوراء - ولا صومَ غيرِه - ليس بواجب ، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبا قبل رمضان أم لا ؟ فعند الشافعي في الأظهر : ما كان واجبا ، وعند أبي حنيفة : كان واجبًا ؛ وهو وجه للشافعي . والثامنة : أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابًا ، وتم عليه الحول . التاسعة : أن من يأتي بهذه الخصال ويُواظب عليها صار مفلحا بلا شك. والعاشرة : أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين ، والسؤال عن الأكابر أمر مندوب محبوب . ٣٧٦ - ص - نا سليمان بن داود: نا إسماعيل بن جَعْفر المديني ، عن أبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر بإسناده بهذا الحديث قال: ((أَفْلَحَ وأبيه إن صَدَقَ ، دَخَلَ الجَنَّةَ وأبيه إن صَدَقَ )) (١) . (١) انظر الحديث السابق. - ٢٣٥ - ش - سُليمان بن داود : أبو الرَّبيع الزهراني ، وإسماعيل بن جَعْفر : ابن أبي كثير المدني الزرقي مولاهم . قوله : ((أفلح وأبيه)) الواو في ((وأبيه)) للقسم . فإن قلت : قد نهى رسول الله - عليه السلام - أن يحلف الرجل بأبيه، [١٣٢/١-١] فكيف هذا؟ قلت (١): / ليس هذا حَلَفًا؛ إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تُدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف ؛ والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ، ومُضَاهاته بالله سبحانه وتعالى ، وقد يقال : يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى ، وقد يحتمل أن يكون - عليه السلام - أضمر فيه اسم الله كأن قال: ((رب أبيه))، وإنما نهاهم لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك ؛ وإنما مذهبهم التعظيم لآبائهم . فإن قيل: لم قال: ((إن صدق)) ولم يقل : إذا صدق ؟ قلت : لأن صدقه أمر غير مجزوم ، وأصل (( إن )) عدم جزم القائل بوقوع شرطها ولا(١) وقوعه ؛ بل تجويز كل منهما لكونه غير محقق الوقوع كما في نحو: ((إن تكرمني أكرمك)) إذ لم يعلم القائل أيكرمه أم لا ؟ وأصل ((إذا)) الجزم بوقوع الشرط إما تحقيقا كما في : إذا طلعت الشمس ، أو خطابيا كقولك : إذا جاء مُحبّي ، فإن مجيئه ليس قطعيًا تحقيقا كطلوع الشمس ؛ بل تقديرا باعتبار خطابيُّ - أي: ظنّي - وهو أنّ المُحبّ يَزِورُ المُحِبّ . والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي . ١ - بَابُ: المواقيت أي : هذا باب في بيان مواقيت الصلاة ؛ والمواقيت جمع وقت على غير القياس ، وفي الأصل جمع ميقات . وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في المواقيت)) (٢)، وفي بعضها: ((باب في المواقيت)). ولما كان الوقت سببًا للصلاة قَدّمه عليها لتوقف صحتها على معرفة الوقت . (١) مكررة في الأصل . (٢) كما في سنن أبي داود . - ٢٣٦ - ٣٧٧ - ص - نا مُسدّد : نا يحيى ، عن سفيان قال : حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة (١) ، عن حکیم بن حکیم ، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال : قال رسولُ الله: (( أَمَّنِي جبريلُ عندَ البَيْتِ مَرَّتینِ، فصلَّى بِي الظُّهرَ حِينَ زالت الشمسُ، وكانتَّ قَدْرَ الشّرَاكِ ، وصَلَّى بِّي العَصْرَ حينَ كان ظلُّهُ مِثْلَه ، وَصَلَّى بيَ المغربَ حين أفْطَرَ الصائمُ ، وصلَّى بِيَ العِشَاءَ حين غَابَ الشَّفَقُ، وصَلَّى بي الفجرَ حين حَرُّمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم ، فلما كان الغَدُ صَلَّى بِيَ الظهرَ حين كان ظلُّهُ مثلَه، وصلَّى بي العَصْرَ حين كان ظُّهُ مِثْلَيْهِ، وصلَّى بيَ المغربَ حين أَفْطَرَ الصائمُ ، وصلَّى بيَ العشاءَ إلى ثُلُثِ الليلِ، وصلَّى بِيَ الفجرَ فأسْفَر ، ثم التفتَ إِليَّ فقال : يا محمدٌ! هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوقتُ ما بَيْن هذينِ الوَقْتَينِ)) (٢). ش - يحيى : القطان ، وسفيان : الثوري . وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش (٣) بن أبي ربيعة؛ واسم أبي ربيعة: عمرو بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني أبو الحارث. روى عن : حكيم بن حكيم ، وعمرو بن شعيب ، وزيد بن علي بن الحسين . روى عنه : الثوري ، وسليمان بن بلال ، وعبد العزيز بن محمد ، وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو حاتم : هو صالح . وقال ابن سَعْد: كان ثقةً . ولد سنة ثمانين عام الجحاف (٤) ، ومات سنة : ثلاث وأربعين ومائة . روى له : الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه (٥) . وحكيم بن حكيم : ابن عباد بن حنيف بن واهب بن العُكَيم الأنصاري الأوسي المديني . سمع : أبا أمامة بن سهل ، ونافع بن جبير بن مطعم . روى عنه : عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، وسهيل بن (١) في سنن أبي داود بعد كلمة ((ربيعة)): قال أبو داود: هو عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة )) . (٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في مواقيت الصلاة (١٤٩). (٣) مكررة في الأصل . (٤) هو الطاعون الجارف الذي كان في تلك السنة ، وهو سنة ثمانين . (٥) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٣٧٨٧/١٧). - ٢٣٧ - أبي صالح . قال ابن سعد : كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه . وقد روى عنه الكوفيون . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) . ونافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو محمد ، أو أبو عبد الله القرشي النوفلي ، كان ينزل دار أبيه بالمدينة ، وبها مات سنة تسع وتسعين . سمع : العباس بن عبد المطلب ، وابنه : عبد الله ، وعليا، والزبير بن العوام ، وأبا هريرة ، وغيرهم . روى عنه : عروة بن الزبير ، وعمرو بن دينار ، والزهري ، وحكيم بن حكيم ، وغيرهم . قال أبو زرعة وأحمد بن عبد الله : ثقة . روى له الجماعة (٢). قوله: ((أمني جبريل)) جبريل ملك ينزل بالوحي على الأنبياء ، وأكثر نزوله كان علَى نبيّنا محمد - عليه السلام -، ومعنى ((جبْر)): عَبْد، و((إِيل)): الله ، ومعناه : عبد الله ؛ وفيه تسع لغات حكاهن ابن الأنباري: جبريل بفتح الجيم وكسرها - وجَبَرِئِل - بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام - وجبرائيل - بألف وهمزة بعدها ياء - وجبراييل -بيائين بعد الألف - وجبرئيل - بهمزة بعد الراء وياء بعد الهمزة -وجبرئل- بكسر الهمزة وتخفيف اللام ، وفتح الجيم والراء ، وجبرين بفتح الجيم وكسرها ، وبدل اللام نون . [١٣٢/١ - ب] / قوله: ((عند البيت)) أي: بحضرة الكعبة ، وأطلق البيت على الكعبة بغلبة الاستعمال ، كما أطلق النجم على الثريّا ، والصعق على خويلد بن نُفِيل بن عمرو بن كلاب . قوله: ((حين زالت الشمس)) وزوالها: انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا. قوله: ((وكانت قدر الشراك)) الشراك : أحد سيور النعل التي تكون على وجوهها ؛ (((٣) وقدره هاهنا ليس على معنى التحديد ؛ ولكن زوال الشمس لا يبينُ إلا بأقل ما يُرى من الظل وكان ح (٤) بمكة هذا القدرُ ، (١) المصدر السابق (١٤٥٥/٧). (٢) المصدر السابق (٦٣٥٩/٢٩). (٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٤٦٧/٢ - ٤٦٨). (٤) كذا، وهي بمعنى (( حينئذ)). - ٢٣٨ - والظلُّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ؛ وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظلُّ ، فإذا كان أطول النهار ، واستوت الشمس فوق الكعبة لم يُرَ لشيء من جوانبها ظل ، فكل بلد يكون أقربَ إلى خط الاستواء ، ومعدّل النهار يكون الظل فيه أقْصر ، وكلما بَعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظل فيه أطول )) . قوله: (( حين كان ظله مثْله)) وفي بعض الرواية: (( حين صار كل ظل مثله )) . قوله: (( حين غاب الشفق)) وهو البياض المعترض في الأفق عند أبي حنيفة ، لأنه من أثر النهار . وبه قال زفر ، وداود ، والمزني ، واختاره المبرّد والفراء ، وهو قول أبي بكر الصديق ، وعائشة ، وأبي هريرة ، ومعاذ ، وأبيِّ ، وابن زبير ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي . وقال أبو يوسف ، ومحمد : هو الحمرة . وهو قول مالك، والشافعي ، وأحمد ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق بن راهويه . وروي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وشداد بن أوس ، وعبادة بن الصامت ، وحُكِي عن مكحول وطاوس ، وحكي عن أحمد : إنه البياض في البنيان ، والحمرة في الصحارى . وقال بعضهم : الشفق : اسم للحمرة والبياض معا ؛ إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليْس بقان ، وأبيض ليس بناصعِ . قوله: (( حين حرم الطعام والشراب على الصائم)) وهو أوّل طلوع الفجر الثاني الصادق . قوله: (( حين كان ظله مثلَيْه)) وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة ؛ لأنه عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر . وقال أبو يوسف ، ومحمد : إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر ، ويدخل وقت العصر ؛ وهو رواية الحسن ابن زياد عنه . وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، والثوري ، وإسحاق ؛ ولكن قال الشافعي : آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر ، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم: غروب الشمس ، قبل أن يصلي منها ركعة . - ٢٣٩ - ثم اعلم أن طريق معرفة الزوال أن يُنصب عود مُستوٍ في أرض مُستوية ، فما دام ظل العُود في النقصان علم أن الشمس في الارتفاع لم تزل بعد ، وإن استوى الظلّ عُلم أنها حالة الزوال ، فإذا أخذ الظل في الزيادة علم أنها زالت ، فيخط على رأس الزيادة ، فيكون رأس الخط إلى العود في الزوال ، فإذا صار العُود مثْليه من رأس الخط ، لا من العُود خرج وقت الظهر عند أبي حنيفة ، وعندهما : إذا صار مثله من ذلك الخطِّ . قوله : (( وصلى بي المغربَ حين أفطر الصائم)) يعني : حين غابت الشمس ، والإجماع على أن أول وقت المغرب : غروب الشمس . واختلفوا في آخر وقتها ؛ فقال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي : لا وقت للمغرب إلا وقت واحد . وفي كتب الشافعية : قال الشافعي : وقت المغرب مقدر بمقدار وقوع فعلها فيه مع شروطها ، حتى لو مضى ما يسع فيه ذلك فقد انقضى الوقت . وقال أبو حنيفة وأصحابه : وقت المغرب : من غروب الشمس إلى غروب الشفق . وبه قال أحمد ، والثوري ، وإسحاق بن راهويه، والشافعي في ((القديم)) قال الثوري : هو الصحيح، واختاره البغويّ، والخطابيّ ، والبيهقي، والغزاليّ . وعن مالك ثلاث روايات ؛ إحداها : كقولنا ، والثانية : كقول الشافعي في ((الجديد))، والثالثة : يبقى إلى طلوع الفجر ؛ وهو قول عطاء ، وطاوس. قوله: (( وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل)) يجوز أن يكون ((إلى )) هاهنا بمعنى (( في)) أي : صلى في ثلث الليل ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي : في يوم القيامة ؛ وهذا وقت استحباب ؛ أما [١٣٣/١- أ] وقت الجواز: ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي /، ومالك، وأحمد: هو وقت الضرورة ، والوقت المختار إلى ثلث الليل . وقولنا مروي عن ابن عباس ، وإليه ذهب عطاء ، وطاوس ، وعكرمة . قوله : ((وصلى بي الفجر فأسْفر)) أي: نَوّرَ. ولا خلاف في أول وقت الفجر ، وأما آخره : فعند أبي حنيفة وأصحابه : مالم تطلع الشمس . (١) سورة النساء : (٨٧). - ٢٤٠ -