Indexed OCR Text

Pages 141-160

غير أبي قلابة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه(١) .
وأبو ذر اسمه : جُندب بن جُنادة بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة (٢) بن
حرام بن غفار ، ويقال : اسمه : برير بن جُنادة ، ويقال : برير بن
جندب، ويقال : جندب بن عبد الله ، ويقال : جندب بن السكن .
والمشهور الأول . روي عنه قال : أنا رابع الإسلام ، ويقال : كان خامساً
في الإسلام ، أسلم بمكة ثم رجع / إلى بلاد قومه ، ثم قدم المدينة إلى [١١٥/١- أ]
رسول الله . رُوي له عن رسول الله مائتا حديث وأحد وثمانون حديثاً ،
اتفقا منها على اثني عشر حديثاً ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بسبعة
عشر حديثاً . روى عنه : عبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وزيد بن
وهب ، والمعرور بن سويد ، وخلق سواهم . مات بالرَّبَذة سنة اثنين
وثلاثين ، وصلى عليه ابن مسعود . روى له الجماعة (٣) .
قوله : ((غُنيمة)) الغُنَيْمة : تصغير الغنم ؛ لأن الغنم اسم مؤنث موضوع
للجنس ، يقع على الذكور وعلى الإناث وعليهما جميعاً ، فإذا صغرتها
ألحقتها الهاء فقلت : غنيمة ، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من
لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم ، يقال : له خمس من
الغنم ذكور ، فتؤنث العدد ، وإن عنيت الكباش إذا كان ثلاثة من الغنم ؛
لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى ، والإبل
كالغنم في جميع ما ذكرناه .
قوله : ((ابْدُ فيها)) ابْد - بضم الهمْزة - أمر من بدا، يبدو ، إذا خرج
إلى البدو ، يقال : بدا القوم بدوا ، إذا خرجوا إلى البادية ، والضمير
الذي في (( فيها )) يرجع إلى الغنم ، أي : اخرج إلى البدو في الغنم ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٣٣٠/٢١).
(٢) في الاستيعاب: ((الواقعة))، ولم يذكر هذا الاسم في أسد الغابة ولا الإصابة.
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦١/٤)، وأسد الغابة (٩٩/٦)،
والإصابة (٦٢/٤).
- ١٤١ -

وكلمة (( في)) هاهنا للمصاحبة ، والمعنى : اخرج إلى البادية مصاحباً
الغنم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمُه فِي زِينَته﴾ (١) ، ويكون
محل (( فيها )) نصباً على الحال .
قوله: ((فبدوت إلى الرّبَذة)) أي : أخرجتها إلى بادية الربذة ، والربذة
- بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة - : قرية معروفة قرب المدينة ،
بها قبر أبي ذر الغفاري ، بينها وبين المدينة ثلاث مراحل .
قوله: (( فأمكث الخمس والست)) أي : خمسة أيام وستة أيام ،
ونصبهما على الظرفية .
قوله: ((ثكلتك أمك)) أي: (((٢) فقدتك، والنُّكْل - بضم الثاء - :
فقد الولد ، وامرأة ثاكل وثكلى ، ورجل ثاكل وثكلان ، كأنه دعى عليه
بالموت لسوء فعله ، أو قوله ، والموت يعم كل أحد ، فإذن الدعاء عليه
كَلا دُعاء ، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءاً ،
ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها
الدعاء، كقولهم: ((تربت يداك ، وقاتلك الله )).
قوله: (( أبا ذر)) نصب على النداء ، وحرف النداء محذوف تقديره : يا
أبا ذر .
قوله: ((لأمك الويل)) أي: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب ، وكل
من وقع في هلكة دعى بالويل ، و(( الويل)) مرفوع بالابتداء ، وخبره
((لأمك)) مقدماً ، والمعنى : إنها إذا فقدت ولدها يكون لها ويل وعذاب ،
وهذا دعاء بعد دعاء ، يدل على أنه - عليه السلام - تغيظ على أبي ذر
غيظاً قويا لمكثه في الجنابة هذا المقدار الذي ذكره .
قوله : (( فجاءت بعُسُّ)) العس - بضم العين المهملة ، وتشديد السين -:
القدح الضخم ، وجمعه عِسَاسٌ وأعْساسٌ .
(١) سورة القصص : (٧٩) .
(٢) انظر: النهاية (١/ ٢١٧).
- ١٤٢ -

قوله: ((فاستترت بالراحلة)) الراحلة : المركب من الإبل ذكراً كان أو
أنثى .
قوله: ((الصعيد)) مبتدأ، و((الطيب)) صفته، ومعناه : الطاهر ،
وخبره: ((وضوء المسلم)) يجوز في ((الوضوء)) ضم الواو وفتحها ،
والفتح أشهر وأصح .
قوله: (( ولو إلى عشر سنين)) المراد : نفس الكثرة ، لا العشرة بعينها،
وتخصيص العشرة لأجل الكثرة لأنها منتهى عدد الآحاد ، والمعنى : له أن
يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء إلى عشر سنين ،
وليس معناه : أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشر سنين .
قوله: (( فإذا وجدت الماء فامسحه جلدك )) معناه : اغسل به جلدك ؛ لأن
المسح يجيء بمعنى الغَسل كما ذكرنا غير مرة ، وفي بعض الرواية: «فأمسَّهُ
جِلْدكَ)) - بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد السين المفتوحة - من الإمساس.
قوله: ((فإن ذلك خير)) أي : فإن إمساس الجلد بالماء عند وجوده خير
من التيمم .
ويُستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : فيه دليل على أن المتيمم
يجمع بتيمَّمه بين صلوات كثيرة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وهو حُجَّةً على
مخالفيه .
والثانية : فيه دليل على انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على سائر
الأحوال ، سواء كان في صلاة أو غيرها ، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً ،
وهو حجة على مخالفيه أيضاً .
والثالثة: أن المُحْدِثَ / والجنبَ سواء في التيمم. وقال الخطابي (١): [١١٥/١ - ب]
(( يحتج به من يرى إذا وجد من الماء ما لا يكفي لكمال الطهارة أن يستعمله
في بعض أعضائه ، ويتيمم للباقي ، وكذلك فيمن كان على بعض أعضائه
(١) معالم السنن (٨٨/١).
- ١٤٣ -

جرح ، فإنه يغسل ما لا ضرر عليه من غَسله ، ويتيمم للباقي منه ، وهو
قول الشافعي ، ويحتج به أيضاً أصحابه في أن لا يتيمم في مصر لصلاة
فرض ، ولا لجنازة ، ولا لعيد ؛ لأنه واجد للماء فعليه أن يُمسه جلده )).
قلت : لا نسلم أن الاحتجاج به في الصورة الأولى صحيح ؛ لأنه لا
يدل على صحة الجمع بين البدل والمبدل ، ومن أين يعرف من قوله :
((فأمسه جلدك)) أن يمس الماء بعض جلده ، ويتيمم للبعض ؟ والعبارة لا
تدل على هذا أصلاً، بل هذا حجة لنا عليهم؛ لأن قوله: (( فإذا وجدت
الماء)) أي: الماء الكامل الوافي للاغتسال أو الوضوء ((فأمسه جلدك))؛
لأنه ذكر محلى بالألف واللام فيتناول الكامل ، حتى إذا وجد ماء لا يكفي
یکون وجوده وعدمه سواء فيتيمم ، كما إذا وجد ماء كافياً ولكنه يخاف
العطش على نفسه أو دابته ، فإنه كالمعدوم .
وأما الصورة الثانية ، فكذلك لا يصح الاحتجاج به فيها ؛ لأن مجرد
وجود الماء لا يكفي ، بل الشرط القدرة عليه ، فالذي تحضره الجنازة
ويخاف فوتها غير قادر على استعمال الماء ، حتى إذا لم يخف فوتها لا
يجوز التيمم أيضاً ، كما هو مصرح في كتب الحنفية .
والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي . وقال الترمذي : حديث
حسن صحيح . ورواه ابن حبان في ((صحيحه )) في النوع الثلاثين من
القسم الأول ، ورواه الحاكم في (( المستدرك )) (١) وقال: حديث صحيح،
ولم يخرجاه ، وكذا رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢).
ص - قال مسدد: (( غُنيمة من الصدقة )) ، وحديث عمرو أتم .
ش - أشار بهذا إلى أن في رواية مسدد (( غنيمة من الصدقة))، وأشار
بقوله: (( وحديث عمرو أتم)) إلى أن هذه الرواية التي فيها صرح باسم
عمرو بن بُجدان أتم من الرواية الثانية التي لم يُصّرح فيها عمرو ، وإنما
(١) (١/ ١٧٦).
(٢) (١٨٦/١ - ١٨٧).
- ١٤٤ -

ذكر عن أبي قلابة، عن رجل، لما يجئ الآن، ولأجل هذا (((١) ضعف
ابن القطان في كتابه (( الوهم والإيهام )) هذا الحديث فقال : وهذا حديث
ضعيف بلا شك ، إذ لا بد فيه من عمرو بن بُجدان ، وعمرو بن بُجدن لا
يعرف له حال . وإنما روى عنه أبو قلابة ، واختلف عنه ، فقال خالد
الحذاء عنه ، عن عمرو بن بُجدان ، ولم يختلف على خالد في ذلك .
وأما أيوب ، فإنه رواه عن أبي قلابة ، واختلف عليه ، فمنهم من يقول :
عنه ، عن أبي قلابة ، عن رجل من بني قلابة (٢) . ومنهم من يقول:
عن عمرو بن بجدان ، كقول خالد . ومنهم من يقول : عن أبي المهلب.
ومنهم من لا يجعل بينهما أحداً ، فيجعله عن أبي قلابة ، عن أبي ذر .
ومنهم من يقول : عن أبي قلابة أن رجلاً من بني قشير قال: (( يا نبي الله))
هذا كله اختلف (٣) على أيوب في روايته عن أبي قلابة .
قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): ومن العجب كون ابن القطان لم
يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بُجْدان ، مع تفرده
بالحديث ، وهو قد نقل كلامه هذا (( حديث حسن صحيح)) ، وأي فرق
بين أن يقول : هو ثقة ، أو يصحح له حديثاً انفرد به ؟ وإن كان توقف
عن ذلك لكونه لم يَرْوِ عَنْهُ إلا أبو قلابة ، فليس هذا بمقتضى مذهبه ، فإنه
لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال ، فكذلك لا يوجب جهالة
الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله ، وهو تصحيح
الترمذي ، وأما الاختلاف الذي ذكره من كتاب الدارقطني ، فينبغي على
طريقته وطريقة الفقه أن ينظر في ذلك ، إذ لا تعارض بين قولنا : عن
رجل ، وبين قولنا : عن رجل من بني عامر ، وبين قولنا : عن عمرو بن
(١) انظر: نصب الراية (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) كذا في الأصل، وفي ((نصب الراية))، وفي ((سنن الدار قطني)) (١/ ١٨٧)،
و((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٠٥/١): ((عن أبي قلابة ، عن رجل من بني
عامر)) .
(٣) في نصب الراية: ((اختلاف)).
١٠• شرح سنن أبي داوود ٢
- ١٤٥ -

بُجدان ، وأما من أسقط ذكر هذا الرجل فيؤخذ بالزيادة ويُحكم بها ، وأما
من قال : عن أبي المهلب ، فإن [ كان ] (١) كنية لعمرو ، فلا اختلاف ،
وإلا فهي رواية واحدة مخالفة احتمالاً لا يقيناً ، وأما من قال : إن رجلاً
من بني قشير قال: (( يا نبي الله))، فهي مخالفة ، فكان يجب أن ينظر
في إسنادها على طريقته ، فإن لم يكن ثابتاً لم يعلل بها، والله أعلم))(٢).
[١١٦/١- أ]
٣١٧ - ص - حدثنا موسى بن (٣) / إسماعيل قال: نا حماد، عن أيوب،
عن أبي قلابة ، عن رجل من بني عامر قال : دخلتُ في الإسلام ، فَهمَّنى (٤)
ديني ، فأتيتُ أبا ذرٍّ، فقال أبو ذرٍّ: إني اجْتَوَيْتُ المَدينةَ، فأمر لي رسولُ اللهِ
بِذَودٍ وبغنمٍ، فقال لي : اشربْ من أَلَبَانِهَا. قال (٥) : وأشكُ في أَبوالهَا ، قالَ
أبو ذر : فكّنتُ أعزُبُ عن الماءِ ومعيَ أَهلِي فَتُصِيبُنْي الجَنَابةُ ، فَأُصَّلِّي بغير
طَهُور ، فَأَتيتُ رسولَ الله بنصفَ النهارِ ، وهو في رَهْط من أصحابه ، وهو
في ظَلِّ المسجد، فقال: أَبو ذر؟ فقلتُ: نعم ، هلكتٌ يا رسولَ اللهَ، قال:
وما أَهلككَ ؟ قلتُ : إني كنتُ أعزُبُ عن الماءِ، ومعي أَهلِي ، فَتُصِيبُنِي
الجنابةُ، فَأُصَلِّي بغيرِ طُهْر (٦) ، فأمرَ لي رسولُ الله بماء، فجاءت به جاريةٌ
سوداءُ بعُسِّ يَتَخَضْخَّصُ مَّا هو بملآن، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بِعَيْر (٧) ، فاغتَلتُ،
ثم جئتُ، فقال رسولُ الله: يا أبا ذرٍّ، إن الصَّعِيدَ طَهُورٌ وَإن لم تجدِ المَاءَ إلى
عشرِ سنينَ ، فإذا وجدتَ الماءَ فأمسَّهُ جلْدَكَ )) (٨) .
ش - حماد بن سلمة ، وأيوب السختياني ، ورجل من بني عامر هو
عمرو بن بُجدان المتقدم في الحديث الذي قبله ، سماه خالد الحذاء ، عن
أبي قلابة ، وسماه سفيان الثوري ، عن أيوب .
(١) زيادة من نصب الراية .
(٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(٣) مكررة في الأصل .
(٤) في سنن أبي داود: ((فأهمني)).
(٥) في سنن أبي داود: (( قال حماد: وأشك في أبوالها : هذا قول حماد)).
(٦) في سنن أبي داود: ((طهور)). (٧) في سنن أبي داود: ((بعيري)).
(٨) تفرد به أبو داود .
- ١٤٦ -

قوله: ((فهّمني ديني)) أي : أمور ديني ، يقال : همه الأمر ، إذا أقلقه
وحَزَنَهُ .
قوله: ((إني اجتويت المدينة)) أي: أصابني ((الجَوَى)) وهو المرض ،
وداء الجوف إذا تطاول ، ويقال : اجتويت البلد ، إذا كرهت المقام فيه وإن
كنت في نعمة .
قوله: (( بذود )) الذود - بفتح الذال المعجمة ، وسكون الواو - من
الإبل ما بين الثنتين إلى التسع ، وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر ،
واللفظة مؤنثة ، ولا واحد لها من لفظها ، كالنَّعَم . وقال أبو عبيد :
الذود من الإناث دون الذكور .
قوله: (( فكنت أعزب عن الماء)) أي : أبعد ، وقد عزب يعزُب فهو
عازب ، إذا أبعد ، من باب نصر ينصر .
قوله : (( وهو في رهط )) الرهط : ما دون العشرة من الرجال لا يكون
فيهم امرأة ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تسْعةُ رَهْط ﴾ (١) فجمع
وليس لهم واحد من لفظهم ، مثل : ذود ، والجمع : أَرْهُط وأَرْهَاط ،
وأرَاهِط كان (٢) جمع أرهط ، وأراهيط .
قوله: ((فقال: أبو ذر؟)) أي : هذا أبو ذر ؟ أو هو أبو ذر؟
قوله: ((يتخضخض)) أي : يتحرك ، من الخضخضة ، وهي التحريك.
قال الجوهري: ((الخضخضة)): تحريك الماء ونحوه ، وقد خضخضته
فتخضخض .
والحديث بهذا الطريق أخرجه النسائي ، والدارقطني (٣) ، وابن حبان.
ص - رواه حماد بن زيد، عن أيوب، ولم يذكر (( أبوالها)).
ش - أي : روى هذا الحديث حماد بن زيد البصري ، عن أيوب
السختياني ، ولم يذكر في روايته: « أبوالها )).
(١) سورة النمل: (٤٨).
(٣) (١٨٧/١).
(٢) كذا .
- ١٤٧ -

[ ص - ] وقال أبو داود: ((أبوالها)) ليس بصحيح في هذا الحديث ،
وليس في ((أبوالها)) إلا حديث أنس ، تفرد به أهل البصرة .
[ ش - ] قلت : هو ما رواه الأئمة الستة في كتبهم من حديث أنس :
((أن ناساً من عُرينة اجتووا المدينة ، فرخص لهم رسول الله أن يأتوا إبل
الصدقة ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا الراعي ، واستاقوا الذود ،
فأرسل رسول الله فأتي بهم ، فقطع أيديهم ، وأرجلهم ، وسمر أعينهم ،
وتركهم بالحرة يعضون الحجارة )) .
أخرجه: البخاري، ومسلم في (( الصلاة))، وأبو داود ، وابن ماجه
في ((الحدود))، والترمذي في ((الطهارة))، والنسائي في (تحريم الدم)).
١١٤ - بابٌ: إذا خاف الجنب البرد تيمم
أي : هذا باب في بيان حكم الجنب إذا خاف البرد تيمم ، وفي بعض
النسخ: ((باب إذا خاف الجنب البرد ولم يغتسل))، وفي بعضها : (( باب
إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ؟ )) بهمزة الاستفهام ، وهي الصحيحة .
٣١٨ - ص - حدّثنا ابن المثنى قال: نا وهب بن جرير، قال : ثنا أبي،
قال: سمعتُ يحيى بن أيوب ، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران
ابن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جُبير ، عن عمرو بن العاص ، قال :
((احْتْلَمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسلِ، فَأَشفقْتُ إن اغْتَسلتُ أنْ
أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثم صليتُ بأصحابي الصَّبْحَ ، فذكروا ذلك للنبيِّ - عليه
[١١٦/١ -ب] السلام - / فقال: يا عمرو، صليتَ بأصحابكَ وأنتَ جُنُبٌ ؟ فأخبرتُه
بالذي مَنْعنِي من الاغتسال وقلتُ: إني سمعتُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ : ﴿وَلا
تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ (١) ، فَضَحِكَ نبِيُّ اللهِ - عليه
السلام- ولم يَقُلَّ شيئاً)) (٢).
(١) سورة النساء : (٢٩) .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٤٨ -

ش - (( ابن المثنى)) : محمد بن المثنى .
ووهب بن جرير بن حازم أبو العباس البصري . سمع : أباه ، وشعبة،
وهشاماً الدَّستوائي ، وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وابن
المديني، وأبو خيثمة ، وجماعة آخرون . قال ابن معين : ثقة . مات سنة
ست ومائتين منصرفاً من الحج بالمَنجَشَانيّة على ستة أميال من البصرة .
روى له الجماعة (١) .
وأبوه جرير بن حازم قد ذكرناه ، ويحيى بن أيوب الغافقي ، ويزيد بن
أبي حبيب : سويد المصري .
وعمران بن أبي أنس المصري العامري ، أحد بني عامر بن لؤي . روى
عن : عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، وسلمان الأغر ، وأبي سلمة
ابن عبد الرحمن ، وغيرهم . روى عنه (٢) . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي . قال أحمد : ثقةٌ (٣).
وعبد الرحمن بن جبير بن نفير أبو حميد ، ويقال : أبو حمير الحضرمي
الحمصي ، روى عن أبيه . روى عنه : صفوان بن عمرو ، ومحمد بن
الوليد الزبيدي ، ومعاوية بن صالح ، وغيرهم . قال أبو زرعة : ثقة .
وقال أبو حاتم : هو صالح الحديث . قال ابن سعد : كان ثقة . وبعض
الناس يستنكر حديثه . ومات سنة ثمان عشرة ومائة . روى له الجماعة إلا
البخاري (٤) .
قوله : (( في غزوة ذات السلاسل )) ذات السلاسل وراء وادي القرى ،
بينها وبين المدينة عشرة أيام ، وقيل : سميت بماء بأرض جُذام يقال له
السُّلْسل ، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٧٥٣/٣١) .
(٢) كذا ، ولم يذكر أحداً .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٨١/٢٢).
(٤) المصدر السابق (١٧ / ٣٧٨٢).
- ١٤٩ -

قوله: ((فأشفقت)) أي: خفت ، من الإشفاق، وكذلك الشفَقُ :
الخوف ، يقال : أشفقتُ ، أُشْفِق ، إشفاقاً ، وهي اللغة العالية ، وحكى
ابن دُرَيْد : شفِقْتُ ، أشفَقُ ، شفقاً ، من باب علم يعلم .
قوله: ((وأنت جنبٌ)) جملة اسمية ، وقعت حالاً عن الضمير الذي في
((صَلَّيْت )).
ويستفادُ من الحديث فوائدُ ، الأولى : جواز التيمم للمسافر الذي
يخاف البرد ، وإن كان يجد الماء ، وأبو حنيفة أجازه للمقيم أيضاً ،
لوجود العجز حقيقة ، وعند الشافعي : إذا خاف على نفسه التلف من
شدة البرد تيمم وصلَّى ، وأعاد كل صلاة صلاها كذلك ، وقال مالك
وسفيان : يتيمم كالمريض ، وقال عطاء بن أبي رباح : يغتسل وإن مات ،
وهو مُشْكلٌ .
الثانية : عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في هذه الحالة ، وهو
حجة على من يأمر بالإعادة ؛ لأنه - عليه السلام - لم يأمره بالإعادة لا
صريحاً ولا دلالة .
الثالثة : جواز الاجتهاد في زمن النبي - عليه السلام - في غيبته ، وهو
مذهب بعض الأصوليين .
٣١٩ - ص - حدّثنا محمد بن مَسلمة وقال : ثنا ابن وهب ، عن ابن
لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس،
عن عبد الرحمن بن جُبَيْر ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو
ابن العاص كان على سَرِيَّة، وذكر الحديثَ نحوه . قال: فَغَسَلَ مَغَابنَهُ
وتَوَضَّأَ وُضوءَه للصلاة، ثم صلَّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم(١).
ش - ابن وهب هو : عبد الله بن وهب المصري ، وابن لهيعة هو :
عبد الله بن لهيعة -بكسر الهاء- ، وعمرو بن الحارث الأنصاري المصري.
(١) انظر الحديث السابق.
- ١٥٠ -

وأبو قيس مولى عمرو بن العاص . روى عنه : عبد الرحمن بن جبير،
وبسر (١) بن سعيد ، وعليّ بن رباح ، ويزيد بن أبي حبيب ، ويقال : إنه
رأى أبا بكر الصِّدِّيق ، وقال أبو سعيد بن يونس : اسمه : عبد الرحمن
ابن ثابت . وقال محمد بن سُحنون : إن عبد الرحمن بن الحكم مولى
عمرو بن العاص يكنى أبا قيس . قال أبو سعيد : هذا خطأٌ ، وإنما أراد
أبا قيس مالك بن الحكم الحبشي وأخطأً . روى له الجماعة (٢).
قوله: ((كان على سرية)) السَّرِيَّة : طائفة من الجيش تبلغ أقصاها
أربعمائة، تبعث إلى العدو ، وقد ذُكِرَ مَرَّةً .
قوله: ((مغابنه)) المغابن - بالغين المعجمة -: الأرفاغ، جمع ((رُفْغ))
- بضم الراء وفتحها - وهي أصول الآباط والأفخاذ وغيرهما من مطاوي
الأعضاء ، وما يجتمع فيه الْوَسخ والعَرَقُ /. وقال ابن الأثير (٣): [١١٧/١ - أ]
(المغابن جمع ((مَغْبن))، من غَبَنَ الثوب إذا ثناه وعطفه ، وهي معاطف
الجلد )) .
ص - قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي ، عن حسان بن
عطية قال فيه : (( فتیمم )) .
ش - حسان بن عطية الشامي [ أبو ] (٤) بكر المحاربي مولاهم .
[روى عن: أبي واقد الليثي، [ وأبي ] الدرداء مرسلاً. سماع] : ابن
المسيب ، وابن [المنكادر، ونافعاً مولى ابن عمر، [وغيرهم. روى
عنه : الأوزاعي ، [ وعبد ] الرحمن بن ثابت ، وحفص بن غيلان ،
[وغيارهم. قال ابن معين [ وابن ] حنبل: ثقة. روى له الجماعة (٥).
(١) في الأصل: ((بشر)) خطأ.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٥٧٨/٣٤).
(٣) النهاية (٣٤١/٣).
(٤) غير ظاهر في الإلحاق وكذا ما بعده .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١١٩٤/٦).
- ١٥١ -

قوله: ((قال فيه)) أي: قال الأوزاعي في هذا الحديث: (( تيمم عمرو
ابن العاص )) .
١١٥ - بابٌ: المَجْدُورُ يَتَيمَمُ (١)
أي : هذا باب في بيان المجدور يتيمم ، والمجدور : الذي به جُدريّ .
وقال الجوهري : الجُدَري - بضم الجيم وفتح الدال- والجَدَري - بِفَتْحِهِمَا-
لغتان تقول فيه : جُدَر الرجل ، فهو مُجدّرٌ - بالتشديد - والجُدَري :
الحُبَيْبات التي تظهر في جلد الصبيان غالباً قدر العَدسة ونحوها .
٣٢٠ - ص - حدَّثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، قال : نا محمد بن
سلمة ، عن الزبير بن خُريق ، عن عطاء ، عن جابر قال : خَرَجنا في سفرٍ
فأصابَ رَجلاً معنا (٢) حَجَرٌ فشجَّه في رأسِهِ ، ثم احْتَلَمَ ، فسألَ أصحابَه:
هل تَجِدونَ لي رُخْصة في التيمم ؟ فقالوا: ما نجدُلك رُخْصةً، وأنتَ تَقدرُ
على الماء ، فاغتسلَ فماتَ ، فلمَا قَدمْنَا على النبيِّ - عليه السلام - أُخْبَرَ
بذلك ، فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتَلَهمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إذ لم يَعلَمُوا؟! فإنما شِفَاءُ العِيِّ
السؤالُ، إنما كان يكفيه أن يَتَيمِمَ ويَعْصِرَ أو يُعَصِّبَ - شَكَّ موسى - على
جُرْجِهِ خِرْقَةً، ثم يَمسحُ عليها ، ويغسلُ سَائِرَ جَسَدِهِ (٣).
ش - موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي الحلبي . روى عن : زيد بن
الحباب ، ومحمد بن سلمة ، وعطاء بن مسلم ، وغيرهم . روى عنه :
أبو داود ، والنسائي وقال : لا بأس به ، وأبو حاتم ، وقال : صدوق (٤).
ومحمد بن سلمة الباهلي الخَرَّاني .
(١) في سنن أبي داود: ((باب في المجروح يتيمم))، وأشار محققه إلى أنه في
نسخة (( هـ )) كما عندنا .
(٢) في سنن أبي داود: ((منا)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٧٧/٢٩).
- ١٥٢ -

والزبير بن خُرَيق - بضم الخاء المعجمة ، وبعدها رآءٌ مهملة مفتوحة ،
وياء آخر الحروف ساكنة وقاف - الجزري . روى عن : أبي أمامة ،
وعطاء . روى عنه : محمد بن سلمة ، وعروة بن دينار ، وهو قليل
الحدیث . روی له أبو داود (١) .
وعطاء هو : ابن أبي رباح ، وجابر بن عبد الله الأنصاري .
قوله: ((معنا)) في محل النصب على الحال من ((رجلاً)) أي : مصاحباً
معنا، و((رجلاً)) منصوب على المفعولية، وفاعله ((حجرٌ)).
قوله : ((فشجّه)) من شَجَّهُ، يَشُجُّهُ شجا ، من باب نصر ينصر ، فهو
مشجوج ، وشجج ، والشج في الرأس خاصة في الأصل ، وهو أن
يضربه بشيء فيجرحه فيه ، ويشقه ، ثم استعمل في غيره من الأعضاء .
قوله: ((ألا سألوا)) - بفتح الهمزة وتشديد اللام- وهي حرف تحضيض،
مختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض ، وهو الحث على
الشيء .
قوله : ((إذا لم يعلموا)) كلمة (( إذْ)) للتعليل.
قوله : (( شفاء العيِّ)) العِيّ - بكسر العين المهملة وتشديد الياء - :
الجهل ، وقد عي به يعيا عَيَاءً ، وعَيَّ - بالإدغام والتشديد - مثل: عَيِّي.
قوله: (( ويَعْصر )) بمعنى : يعصب .
قوله: ((على جرحه)) متعلق بقوله: ((يَعْصر)).
وقوله : (( شك موسى)) معترض بينهما ، أي : موسى بن عبد الرحمن.
ويستفاد من الحديث فوائد :
الأولى : ذم الفتوى بغير علم ، ولهذا قد عابهم به - عليه السلام -
وألحق بهم الوعيد ، بأن دعا عليهم ، وجعلهم في الإثم قَتَلَةً له .
(١) المصدر السابق (٩/ ١٩٦٢).
- ١٥٣ -
،

الثانية : فيه دليل على جواز التيمم للجنب (١) المجروح الذي يخاف
استعمال الماء .
الثالثة : فيه دليل على جواز المسح على الجراحة بعد تعصيبها . وقال
الخطابى (٢): (( فيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه
بالماء ، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر . وقال أصحاب الرأي : إن
كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم ، وإن كان الأكثر كفاه
التيمم وحده )) .
قلت : أراد بأصحاب الرأي : أصحاب أبي حنيفة ، ولكن مذهبهم
ليس كما نقله الخطابي ، فإنه غلط ؛ بل المذهب : أن الرجل إذا كان أكثر
بدنه صحيحاً وفيه جراحات ، فإنه يغسل الصحيح ولا يتيمم ، بل يمسح
على الجبائر ، وإن كان أكثر بدنه جريحاً فإنه يتيمم فقط ولا يغسل
الصحيح، وقط ما نُقِلَ عن أصحابنا أنهم جمعوا بين الماء والتراب .
والجواب عما في الحديث : أنه - عليه السلام - ما أمر أن يُجْمع بين
الغسل والتيمم ؛ وإنما بيّن أن الجنب المجروح له أن يتيمم ويمسح على
الجراحة ويغسل سائر جسده ، فيحمل قوله: ((يتيممُ)) و((يَمْسح)) على
ما إذا كان أكثر بدنه جريحاً ، ويحمل قوله: ((ويغسل سائر جسده )) إذا
كان أكثر بدنه صحيحاً ، ويمسح على الجراحة ، على أن الحديث معلول ؛
لأن فيه الزبير بن خُرِيْق . قال الدارقطني : ليس بقوي . وقال البيهقي :
ليس هذا الحديث بالقويّ .
٣٢١ - ص - حدّثنا نصر بن عاصم الأنطاکي قال: نا محمد بن شعيب
قال : أخبرني الأوزاعي ، أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح ، أنه سمع عبد الله
ابن عباس قال : أَصابَ رجلاً جُرح في عَهدِ رسولِ اللهِ ، ثم احْتُلَمَ ، فَأُمِرَ
بالاغتسال، فاغتسلَ فماتَ، فبلَغَ ذلك رسولَ الله فقال: قتلوه قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلم
[١١٧/١ - ب) يكنْ شِفَاءُ / العِيِّ السُّؤَالُ ))؟ (٣).
(١) في الأصل: ((للميت)).
(٢) معالم السنن (٨٩/١).
(٣) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في المجروح تصيبه الجنابة (٥٧٢) .
- ١٥٤ -

ش - نصر بن عاصم الأنطاكي ، روى عن : محمد بن شعيب بن
شابور ، روى عنه : أبو داود ، وابن ماجه .
ومحمد بن شعيب بن شابور الدمشقي الشامي ، مولى بني أمية ،
مولى الوليد بن عبد الملك . سمع : خالد بن دهقان ، وعثمان بن
أبي العالية ، والأوزاعي ، وغيرهم . روى عنه : ابن المبارك ، ومحمد
ابن مصفى ، وكثير بن عُبيد الحمصّان (١) ، وخلق سواهم . قال أحمد
ابن حنبل : ما أرى به بأساً . وقال ابن معين : كان مرجئاً ، وليس به في
الحديث بأس . وقال محمد بن عبد الله : ثقة . مات سنة تسع وتسعين
ومائة ، وهو ابن ثنتين وثمانين سنة ببيروت . روى له الجماعة (٢).
قوله: ((جُرْح)) بضم الجيم الاسم ، وبالفتح المصدر ، من جرحه
جَرْحاً. والحديث أخرجه أبو داود منقطعاً ، وأخرجه ابن ماجه موصولاً .
وقال أبو علي بن السكن : قال لي أبو بكر بن أبي داود : حديث الزُّبَيْر
ابن خُريق أصح من حديث الأوزاعيّ .
١١٦ - بابُ: الْنَيَمّم يَجِدُ الماء بعد مَا صَلّى (٣) في الوقت
أي : هذا باب في حكم المتيمم الذي صلى بالتيمم ، ثم وجد الماء
قبل خروج الوقت .
٣٢٢ - ص - حدّثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: نا عبد الله بن نافع ،
عن الليث بن سعد ، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد
الخدري قال: ((خَرِجَ رِجلان في سفر فحَضرت الصلاةُ وليس معهما ماءٌ،
فتيمَّمَا صعيداً طَيِّباً فصَلَّيَا، ثَمَ وَجَدَا المَاءَ في الوَقَت ، فأَعادَ أحدُهما الصَّلاةَ
والوُضوءَ، ولم يُعد الآخَرُ، ثم أَنّيا رسولَ الله فذَكرا ذلك له، فقالَ للذي لم
(١) كذا .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٥/ ٥٢٩٠).
(٣) فى سنن أبي داود: ((يصلى)).
- ١٥٥ -

يُعدْ : أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجزأتْكَ صلاتُكَ ، وقال للذي تَوضأَ وأَعادَ : لك
الأَجرُ مَرّتينِ (١) .
ش - محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي المخزومي المدني .
وعبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي
القرشي ، أبو بكر المدني . سمع : مالك بن أنس ، وعبد الله بن محمد
ابن يحيى ، وعبد العزيز بن أبي حازم ، وغيرهم . روى عنه : ابنه أحمد
ومحمد بن إسحاق المسيبي ، وعباس الدوري . قال ابن معين : صدوق ،
ليس به بأس . مات سنة بضع عشر ومائتين . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، وابن ماجه (٢) .
وبكر بن سوادة بن ثمامة الجُذَامي أبو ثمامة المصري : كان فقيهاً مفتياً .
روى عن : سهل بن سَعْد ، وعبد الرحمن بن غنم ، وسفيان بن وهب
الصحابي (٣) ، وعطاء بن يسار ، وابن المسيب ، وأبي سلمة ، وغيرهم.
روى عنه : عمرو بن الحارث ، والليث بن سَعْد ، وعبد الرحمن بن زياد
وقال ابن سعد : كان ثقة إن شاء الله . توفي بأفريقية ، وقيل : بل غرق
في بحار الأندلس سنة ثمان وعشرين ومائة . روى له الجماعة إلا
البخاري (٤) .
قوله: (( لك الأجر مرتين)) مرة لصلاته الأولى ، ومرة لصلاته الثانية .
واستفيد من الحديث : أن الرجل إذا صلى بالتيمم ، ثم وجد الماء قبل
خروج الوقت لا إعادة عليه ، رُوي ذلك عن ابن عمر أيضاً ، وبه قال
الشعبي ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ،
وسفيان، وإسحاق . وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري:
يُعيد الصلاة ، واستحبه الأوزاعي ، ولم يُوجبه . وقال الخطابي (٥) :
(١) النسائي: كتاب الغسل، باب: التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة (٢١٣/١). ١
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٦/ ٣٦٠٧).
(٣) في الأصل: ((الصحابية)).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٤٦/٤). (٥) معالم السنن (١/ ٩٠).
- ١٥٦ -

((في هذا الحديث من الفقه أن السُّنَّة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها،
كهو للمتطهر بالماء )) .
قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأن الحديث لا يدل على هذا ، بل المروي عن
ابن عمر أنه قال : يتلّوم ما بينه وبين آخر الوقت ، وبه قال : عطاء ،
وأبو حنيفة ، وسفيان ، وأحمد بن حنبل ، ومالك ، إلا أنه قال : إن كان
في موضع لا يرجى فيه وجود الماء تيمم وصلى في أول وقت الصلاة .
وعن الزهري : لا يتيمم حتى يخاف فوات الوقت .
ص - قال أبو داود : وغيرُ ابن نافع يرويه عن الليث ، عن عميرةً بن
أبي ناجيةَ ، عن بكر بن سَوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن النبي - عليه
السلام- وذکرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل.
ش - رواه ابن المبارك ، وعبد الله بن يزيد المقرئ ، عن الليث ، عن
بكر ، عن عطاء ، عن النبي - عليه السلام - مرسلاً ، وأسنده أبو الوليد
الطيالسي عن الليث ، عن عمرو بن الحارث ، وعميرة بن أبي ناجية ،
عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري . تفرد
بذلك / أبو الوليد الطيالسي ، ولم يُسند عَميرة بن أبي ناجية غير هذا [١١٨/١-أ]
الحديث ، قاله أبو علي بن السكن ، وأخرجه النسائي مُرْسلاً ومُسْنداً ،
وأخرجه الحاكم أيضاً مسنداً ، وقال : صحيح على شرطهما ، فإن ابن
نافع ثقة ، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث ، وقد أرسله غيره .
وقال الطبراني في ((الأوسط)) (١): لم يروه متصلاً إلا ابن نافع تفرَّد
به المسيبي . وقال الدارقطني : تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد
متصلاً ، وخالفه ابن المبارك وغيره ، فلم يذكروا أبا سعيد . وقال ابن
القطان : عميرة مجهول الحال .
قلت : عَميرة ليس بمجهول الحال ، ذكره ابن حبان في (( الثقات )) وهو
(١) (٧٩٢٢/٨) ولفظه: ((لم يرو هذا الحديث - مجوداً - عن الليث بن سعد إلا
عبد الله بن نافع )) .
- ١٥٧ -

- بفتح العين وكسر الميم - ابن أبي ناجية المصري . روى عن : يزيد بن
أبي حبيب ، وجماعة . وروى عنه : بكر بن مضر ، وابن وهب ،
وجماعة . وقال النسائي : ثقة ، وكان عابداً بكاءً ، قاله ابن يونس .
مات سنة ثلاث ومائة .
٣٢٣ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: ثنا ابن لهيعة، عن
بكر بن سوادة ، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار:
((أن رجلين من أصحابِ النبيِّ - عليه السلام -)) بمعناه (١).
ش - أبو عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد ، روى عن : عطاء بن
يسار، روى عنه : بكر بن سوادة . روى له : أبو داود (٢) .
قوله: ((بمعناه)) أي: بمعنى الحديث المذكور، وهذا أيضاً مُرْسلٌ .
١١٧ - باب : الغُسْل يَوْم الجُمعة
أي : هذا باب في بيان الغسل يوم الجمعة .
٣٢٤ - ص - حدّثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال : ثنا معاوية ، عن يحيى
قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن : أن أبا هريرة أخبره ، أن عمر بن
الخطاب بَيْنا هو يخطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، إذ دَخْلَ رجلٌ فقال عُمرُ: أَتَحْتَبَسُون
عن الصلاة ؟ فقال الرجلُ: ما هوَ إلا أن سمعتُ النِّداءَ فتوضأتُ ، فقالَ
عمرُ: والوضوءُ أيضاً !! أَوَلَمْ تسمعُوا رسولَ الله يقول: ((إذا أَتَى أحدُكُمُ
الجُمُعَةَ فَلْيغتَسِلْ))؟ (٣).
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٤٧٧/٣٤) .
(٣) البخاري : كتاب الجمعة ، باب : فضل الغسل عن عمر ، باب : فضل الجمعة
(٨٨١)، مسلم : كتاب الجمعة (٨٤٥/٤)، الترمذي: كتاب الصلاة ، باب:
ما جاء في اغتسال الجمعة (٤٩٣) ، النسائي : كتاب الجمعة ، باب : الأمر
بالغسل يوم الجمعة (٩٣/٣).
- ١٥٨ -

ش - الربيع بن نافع الحلبي .
ومعاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي الأسود الألهاني ، واسم
أبي سلام ممطور . سمع : جده أبا سلام ، وأخاه زيد بن سلام ،
والزهري ، ويحيى بن أبي كثير . روى عنه : الوليد بن مسلم ،
وأبو توبة ، ويحيى بن يحيى ، وغيرهم . قال أحمد : ثقة . روى له
الجماعة إلا الترمذي(١) .
ويحيى هو يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي .
قوله: (( بينا هو يخطب)) قد مر الكلام في (( بينا)) مرةً .
قوله: ((النداء)) أي: الأذان . والرجل القائل هو : عثمان بن عفان .
واختلف العلماء في غسل الجمعة ، فحُكِي وجوبه عن بعض الصحابة ،
وبه قال أهل الظاهر ، وحكاه ابن المنذر عن مالك ، وحكاه الخطابي عن
الحسن البصري ، ومالك . وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف
وفقهاء الأمصار إلى أنه سُنَّة مستحبة ليس بواجب . قال القاضي : وهو
المعروف من مذهب مالك . واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث الواردة
في هذا الباب ، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة ، منها حديث هذا
الرجل الذي دخل وعُمر يخطب وقد ترك الغسل ، ولو كان واجباً لأمره
عُمر أن ينصرف فيغتسل ، فدل سكوت عمر ومَن حضره من الصحابة على
أن الأمر به محمول على معنى الاستحباب دون الوجوب ، وليس يجوز
على الرجل الذي دخل - الذي ذكر في هذا الخبر من غير هذا الوجه أنه
عثمان - وعلي وعمر ومَنْ بحضرته من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا
على ترك الواجب . والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ،
والنسائي ، من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه .
٣٢٥ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن صفوان بن
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٠٥٧/٢٨).
- ١٥٩ -

سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: (( أن رسولَ الله - عليه
السلام - قال: ((غُسلُ يومِ الجُمعَةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلم)) (١).
ش - مالك بن أنس .
قوله: (( مُحْتلم)) أي: بالغ ، والمعنى : أنه متأكد في حقه ، كما يقول
الرجل لصاحبه : حقك واجب عليّ، أي: متأكَّد ، لا أن المراد الواجب
المحتم المعاقب عليه ، وشهد لصحة هذا التأويل الأحاديث الصحيحة ،
كحديث عمر وغيره ، ومثل هذا الواجب يسمى وجوب الاختيار
والاستحسان . وقد أجاب بعض أصحابنا أن هذه الأحاديث التي ظاهرها
الوجوب منسوخة بحديث : (( من توضأ فبها ونعمت ، ومن اغتسل فهو
أفضلُ)). وقال ابن الجوزي: (( أحاديث الوجوب أصح وأقوى ،
والضعيف لا ينسخ القوي)) .
قلت : هذا الحديث رواه أبو داود في (( الطهارة )) والترمذي ، والنسائي
في (( الصلاة))، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد في
[١١٨/١ -ب](( سننه))، والبيهقي كذلك، وابن أبي شيبة / في ((مصنفه))، وسنتكلم
عليه .
٣٢٦ - ص - حدّثني يزيد بن خالد الرملي قال: نا المفضل - يعني : ابن
فضالة - عن عیاش بن عباس ، عن بکیر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن
حفصة، عن النبي - عليه السلام - قال: ((على كُلِّ مُحتلم رَوَاحُ الجُمُعة (٢)
وعلى مَنْ رَاحَ الجُمُعَةَ (٣) الغُسلُ)) (٤).
(١) البخاري: كتاب الأذان ، باب: وضوء الصبيان متى يجب عليهم الغسل
والطهور (٨٥٨)، مسلم : كتاب الجمعة ، باب : وجوب غسل الجمعة على
كل بالغ من الرجال وبيان ما أمروا به (٨٤٦/٥)، النسائي : كتاب الجمعة ،
باب : إيجاب الغسل يوم الجمعة (٩٣/٣) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة،
باب : ما جاء في الغسل يوم الجمعة (١٠٨٩).
(٢) في سنن أبي داود: ((رواح إلى الجمعة)).
(٣) في سنن أبي داود: ((وعلى كل من راح إلى الجمعة)).
(٤) النسائي : كتاب الجمعة ، باب: التشديد في التخلف عن الجمعة (٩٢/٣).
- ١٦٠ -