Indexed OCR Text

Pages 81-100

- عليه السلام - بتعجيل العصر وتأخير الظهر والاغتسال لهما غسلاً
واحداً، لما رأي أن الأمر قد طال عليها ، وقد جهدها الاغتسال لكل
صلاة، ورخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي
رخص له في الجمع بين الصلاتين على مذهب من يرى ذلك . وفيه حجة
لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد ؛ لأن علتهما
واحدة ، وهي الضرورة ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول
سفيان الثوري ، ورُوي ذلك عن ابن المسيب والحسن والزهري .
قوله: ((فقلت لعبد الرحمن)) القائل شعبة بن الحجاج . والحديث
أخرجه النسائي أيضاً .
٢٧٩ - ص - حدّثنا عبد العزيز بن يحيى قال : حدَّثني محمد بن سلمة ،
عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة :
أن سهلة بنت سهيل استُحيضتْ فأتت النبيَّ - عليه السلام - فأَمَرِهَا أن
تَغْتسلَ عندَ كلِّ صلاة ، فَلما جَهَدَهَاً ذلك أَمَرِهَا أن تَجمعَ بين الظهرِ
والعصرِ بغُسل ، والمغرب والعشاء بغسل ، وتغتسلَ للصبح (١).
ش - عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني ، ومحمد بن سلمة
الباهلي الحراني .
قوله: (( فلما جهدها)) أي : فلما شق عليها الاغتسال . من جهده
الشيء - بكسر الهاء - : جهَدا بالفتح ، والجُهد - بالضم - : الطاقة ،
وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة . وحال هذه المرأة مثل حال المرأة
التي في الحديث السابق ، ويحتمل أن تكون هي إياها ، ويحتمل أن تكون
غيرها ، ولكن علتاهما واحدة .
ص - قال أبو داود : ورواه ابنُ عيينةً ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن
أبيه : أن امرأةً استُحيضتْ، فسألت النبيَّ - عليه السلام - فأَمرَها بمعناه.
(١) النسائي: كتاب الحيض ، باب : جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا
جمعت (١٨٥/١).
٦ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٨١ -

ش - أي : روى هذا الحديث سفيان بن عيينة .
قوله : (( بمعناه)) أي : بمعنى هذا الحديث .
٢٨٠ - ص - حدّثنا وهب بن بقية قال : نا خالد ، عن سهيل بن
أبي صالح ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن أسماء بنت عُميس
قالت: قلتُ: يا رسولَ الله ، إن فاطمةَ بنتَ أبي حُبيش استُحيضتَ منذُ كذا
وكذا، فلم تُصَلِّ ، فقال النبيَّ - عليه السلام -: (( سُبْحَانَ اللهَ !! هذا (١) من
الشيطان ، لتجلسْ في مركن ، فإذا رأت صَفارةً (٢) فوقَ الماء فلتغتسلْ
للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسلُ للمغرب والعشاء غُسلاً واحداً ،
وتغتسلُ للفجرَ غسلاً (٣)، وتَوضَّأُ فيما بين ذلك)) (٤).
[١٠٣/١ -ب] ش - / خالد هو : ابن عبد الله الواسطي الطحان .
قوله: (( منذ كذا وكذا)) اعلم أن مذ ومنذ لهما ثلاث حالات : إحداها:
أن تليهما اسم مجرور ، فقيل : هما اسمان مضافان ، والصحيح أنهما
حرفا جر بمعنى ((من)) إن كان الزمان ماضياً، وبمعنى ((في)) إن كان
حاضراً ، وبمعنى ((من)) و((إلى)) جميعاً معدوداً، نحو : ما رأيته منذ
يوم الخميس ، أو مذ يومنا ، أو عامنا ، أو مذ ثلاثة أيام . والثانية : أن
يليهما اسم مرفوع ، نحو : مذ يوم الخميس ، ومنذ يومان . قال المبرد
وابن السراج والفارسي : مبتدآن وما بعدهما خبر ، ومعناهما : الأمد إن
كان الزمان حاضراً أو معدوداً ، وأول المدة إن كان ماضياً . وقال الأخفش
والزجاج : ظرفان مخبر بهما عما بعدهما ، ومعناهما : بين وبين
مضافين، فمعنى : ما لقيته مذ يومان ، بيني وبين لقائه يومان . وقال أكثر
الكوفيين : ظرفان مضافان لجملة حذف فعلها وبقي فاعلها ، والأصل مذ
كان يومان . الثالثة : أن تليها الجمل الفعلية أو الاسمية ، كقوله : ما زال
(١) في سنن أبي داود: ((إن هذا)). (٢) في سنن أبي داود: ((صفرة)).
(٣) في سنن أبي داود: ((غسلاً واحداً وتتوضأ )).
(٤) تفرد به أبو داود .
- ٨٢ -

مذ عقدت يداه إزاره . وقوله : وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع .
والمشهور أنهما حينئذ ظرفان مضافان ، فقيل : إلى الجملة ، وقيل : إلى
زمن مضاف إلى الجملة ، وقيل : مبتدآن .
قوله: ((سبحان الله)) قد مر الكلام فيه ، وأنه إنما ذكره تعجباً .
قوله : (( هذا من الشيطان)) له معنيان : الأول : مجازي ، وهو أنه
أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تلبس في أمر دينها ووقت طهرها
وصلاتها . والثاني : حقيقي ، بمعنى : أنه ضربها حتى فتق منها عرق
الاستحاضة ، كما قلنا في الحديث المتقدم .
قوله: (( في مركن)) بكسر الميم ، وهي الإجانة .
قوله: ((صفارة)) وفي بعض الرواية: ((صفرة))، وفيه حجة لمن اعتبر
التمييز ؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض .
قوله : (( وتوضأ فيما بين ذلك )) برفع الهمزة ، أي : تتوضأ ، فحذفت
إحدى التائين للتخفيف، كما في ﴿نَاراً تَلَظَّى﴾ (١)، والمعنى: أنها إذا
أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ ، ولا تكتفي
باغتسالها ؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس .
ص - قال أبو داود : رواه مجاهد، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغُسلُ
أمرها (٢) أن تجمعَ بينَ الصلاتينِ .
ش - أي : روى هذا الحديث مجاهد بن جبر ، عن ابن عباس وقال :
لما اشتد عليها ، أي : على فاطمة بنت أبي حبيش ، وهذا الكلام من ابن
عباس خرج مخرج التعليل لأمره - عليه السلام - إياها بالجمع بين الظهر
والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، تيسيراً لها ورخصة كما في المسافر .
ص - ورواه إبراهيم ، عن ابن عباس ، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد
الله ابن شداد .
(١) سورة الليل: (١٤). (٢) كلمة ((أمرها)) غير موجودة في سنن أبي داود.
- ٨٣ -

ش - أي : روى هذا الحديث إبراهيم النخعي ، عن ابن عباس ، وهو
قول إبراهيم ، وعبد الله بن شداد بن الهاد ، واسم الهاد : أسامة بن
عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر ، وإنما سمي الهاد لأنه كان يوقد ناره
للأضياف ولمن سلك الطريق ، أبو الوليد الليثي المدني ، وقيل : الكوفي،
وأمه : سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء ، كانت تحت حمزة بن
عبد المطلب ، فولدت له ابنته عمارة ، وقيل : فاطمة ، وقتل عنها حمزة
يوم أُحُد فتزوجها شداد ، فولدت له عبد الله ، وهو ابن خالة عبد الله بن
عباس ، وخالد بن الوليد . سمع : عمر ، وابنه عبد الله بن عمر ،
وعليا ، وابن عباس ، ومعاذاً ، وأباه ، وعائشة ، وأم سلمة . وروى عن
النبي - عليه السلام - مرسلاً . روى عنه : طاوس ، والشعبي ، ومحمد
ابن سعد ، وعكرمة ، وجماعة آخرون كثيرة . قال أبو زرعة : مدني ثقة.
توفي في ولاية الحجاج على العراق ، ويقال : قتل يوم دُجَيل سنة اثنين
وثمانين . روى له الجماعة (١) .
واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله خمس : حمنة بنت جحش
أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله، وأختها أم حبيبة وقيل: أم حبيب
بغير هاء ، وقد ذكرناه ، وفاطمة بنت أبي حُبَيش القرشية الأسدية ، وسهلة
بنت سهيل القرشية العامرية ، وسودة بنت زمعة زوج رسول الله . وقد
ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت والمشهور خلافه ، وإنما
المستحاضات أختاها .
١٠٢ - باب : من قال : تغتسل مرة (٢)
أي : هذا باب في بيان من قال : إن المستحاضة تغتسل مرة واحدة .
٢٨١ - ص - حدّثنا محمد بن جعفر بن زياد. قال : ونا عثمان بن
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣٣٠/١٥).
(٢) في سنن أبي داود: ((باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر)).
- ٨٤ -

أبي شيبة / قال: نا شريك ، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه، [١٠٤/١-أ]
عن جده ، عن النبي - عليه السلام - في المستحاضةِ: تَدَعُ الصلاةَ أيامَ
أَفرائِهَا، ثم تغتسلُ وتُصَلِّي ، والوُضوءُ عندَ كلِّ صَلَاة . وزاد عثمانُ :
وتصومُ وتصلِّي(١).
ش - شريك : النخعي ، وأبو اليقظان : عثمان بن عمير .
قوله: (( تدع الصلاة)) أي : تترك الصلاة أيام حيضها . والأقراء جمع
((قرء)) ، وهي بمعنى الحيض ، وفيه حجة لأبي حنيفة .
قوله : (( وزاد عثمان)) هو ابن أبي شيبة . وأخرجه الترمذي ، وابن
ماجه. وقال الترمذي : هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان ،
وسألت محمداً - يعني : البخاري - عن هذا الحديث فقلت : عدي بن
ثابت ، عن أبيه ، عن جده ، جد عدي ما اسمه ؟ فلم يعرف محمدٌ
اسمَه . وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به .
انتھی .
وقد قيل : إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي . قال الدار قطني :
ولا يصح من هذا كله شيء . وقال أبو نعيم : وقال غیر یحیی اسمه قیس
الخطمي، وقيل: لا يعلم مَن جده. قلت: ذكر ابن حبان في ((الثقات))
أن ثابتاً (٢) هو ابن عبيد بن عازب ابن أخي البراء بن عازب ، وقد
ذكرناه. وقال الشيخ زكي الدين : وشريك تكلم فيه غير واحد ،
وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه .
قلت : قد تقدم أن ابن معين قال : شريك صدوق ثقة . وقال أحمد بن
عبد الله العجلي : كوفي ثقة . وأما أبو اليقظان فقد أخرج له أبو داود ،
والترمذي ، وابن ماجه .
(١) الترمذي : كتاب الطهارة، باب : ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة
(١٢٦)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في المستحاضة التي قد
عدت أيام إقرائها قبل أن يستمر بها الدم (٦٢٥) .
(٢) في الأصل: ((ثابت)).
- ٨٥ -

٢٨٢ - ص - حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال: نا وكيع ، عن الأعمش ،
عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت : جاءتْ فاطمةُ بنتُ
أبي حُبيش إلى النبيِّ - عليه السلام - فذكر خَبَرَها - قال: (( ثم اغتسلي
وصَلِّي وتَوَضَِّّي.(١) لكلِّ صلاةٍ وَصَلِّي)) (٢).
ش - عروة هذا قيل : عروة المزني . وقيل : عروة بن الزبير .
قوله: (( وتوضئي لكل صلاة" أي : لوقت كلٍ صلاة ، واللام للتوقيت
كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُّلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٣)، وبه أخذ
أبو حنيفة أن المستحاضة ومَّن بمعناها يتوضؤون لوقت كل صلاة ، فيصلون
به في ذلك الوقت ما شاؤا من الفرائض والنوافل ، فإذا خرج الوقت بطل
وضوءهم ، وبه قال أحمد . وقال الشافعي : يتوضؤون لكل فرض على
حدته ، ولهم أن يصلوا النوافل كلها تبعاً . وقال مالك : لا يجب
الوضوء ، وإنما هو مستحب لكل صلاة .
٢٨٣ - ص - حدّثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي قال: نا يزيد ، عن
أيوب بن أبي مسكين ، عن حجاج، عن أم كلثوم، عن عائشةَ في المستحاضة:
تغتسلُ مرةً واحدةً ، ثم تَوضأُ إلى أيامٍ أقرائِهَا (٤) .
ش - أحمد بن سنان بن أسد بن حبان - بكسر الحاء - أبو جعفر
القطان الواسطي . سمع : يحيى القطان ، ووكيعاً ، وأبا معاوية ،
وغيرهم . روى عنه : ابن المثنى ، وأبو حاتم ، والبخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . قال أبو حاتم : هو ثقة
صدوق . مات سنة ثمان وخمسين ومائتين .
ويزيد بن هارون الواسطي .
(١) في سنن أبي داود: (( ثم اغتسلي، ثم توضئي)).
(٢) ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام
أقرائها قبل أن يستمر بها الدم (٦٢٤) .
(٣) سورة الإسراء: (٧٨) .
(٤) تفرد به أبو داود .
- ٨٦ -

وأيوب بن أبي مسكين القصاب ، ويقال : أيوب بن مسكين أبو العلاء
الواسطي التميمي . روى عن : قتادة ، وعبد الله بن شبرمة ، ويحيى بن
دينار . روى عنه : هشيم ، ويزيد بن هارون ، ومحمد بن يزيد . قال
أحمد بن صالح : رجل صالح ثقة . وقال ابن حنبل : لا بأس به ؛ لأن
أحاديثه ليست بالمناكير ، وهو ممن يكتب حديثه . روى له : أبو داود ،
والترمذي .
وحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل بن كعب بن سلامان
الكوفي ، أبو أرطأة النخعي . سمع من الشعبي حديثاً واحداً ، وسمع
عطاء ، والزهري ، وقتادة ، وجماعة آخرين . روى عنه : الثوري ،
وشعبة ، وابن المبارك، وجماعة آخرون . قال أبو زرعة : صدوق مدلس.
وقال أبو حاتم : صدوق يدلس عن الضعفاء ، يكتب حديثه . وقال ابن
معين : صدوق وليس بالقوي . وقال النسائي : ليس بالقوي . مات
بخراسان مع المهدي ، وقيل : بالريّ . روى له مسلم مقروناً بعبد الملك ،
وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي .
وأم كلثوم الليثية ، أو المكية ، روت عن عائشة ، روى عنها عبد الله بن
عبيد بن عمير ، روى لها : أبو داود ، والترمذي .
قوله : (( ثم توضأ)) أي : تتوضأ، حذفت إحدى التائين .
٢٨٤ - ص - وحدَّثنا أحمد بن سنان الواسطي قال : نا يزيد ، عن أيوب
أبي العلاء ، عن ابن شبرمة ، عن امرأة مسروق ، عن عائشةً ، عن النبي
-عليه السلام - مثله (١) .
ش - ابن شبرمة : هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان بن المنذر
الكوفي الضبي ، فقيه أهل الكوفة ، عداده في التابعين ، وهو عم عمارة
ابن القعقاع وعمارة أكبر منه . روى عن : الشعبي ، وابن سيرين ، وأبي
زرعة ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وجماعة
آخرون . قال الثوري : ثقة . وقال أبو حاتم : كوفي ثقة . مات سنة
(١) تفرد به أبو داود .
- ٨٧ -

[١٠٤/١-ب] / أربع وأربعين ومائة. روى له : مسلم، وأبو داود ، والنسائي ، وابن
ماجه .
وامرأة مسروق هي قَمير ، وقد ذُكرت .
قوله : (( مثله)) أي : مثل الحديث الماضي ، ولكن كان ذاك موقوفاً وهذا
مرفوع .
ص - قال أبو داود : وحديث عدي بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب
أبي العلاء كلها ضعيفة ، لا يصح منها شيءٌ .
ش - حديث عدي الذي أخرجه ابن أبي شيبة ، وحديث الأعمش ،
أخرجه وكيع، وحديث أيوب بن أبي مسكين الذي أخرجه أحمد بن سنان.
ص - ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديثُ، أوقفه
حفص بن غياث عن الأعمش ، وأنكر حفصُ بن غياث أن يكونَ حديثُ
حبيب مرفوعاً، وأوقفه أيضاً أسباط عن الأعمش موقوفاً على عائشةَ، ورواه
ابنُ داود عن الأعمش مرفوعاً أوله ، وأنكر أن یکون فيه الوضوء ، ودل على
ضعف حديث حبيب هذا أن روايةَ الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشةَ قالت :
(( فكانتْ تغتسلُ لكلّ صلاةٍ)) في حديث المستحاضة .
ش - أشار بهذا الكلام إلى تضعيف حديث الأعمش .
الحاصل في بيان ضعف حديث الأعمش : أن حفص بن غياث أنكر أن
يكون هذا الحديث مرفوعاً وأوقفه عن الأعمش على عائشة ، وكذلك أوقفه
أسباط عن الأعمش على عائشة ، ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعاً إلى
النبي - عليه السلام - أوله ، وأنكر أن يكون فيه الوضوء ، فيكون معلولاً
من جهة المتن ومن جهة الإسناد ، وكذا علله البيهقي .
قلت : إن كان حفص وأسباط روياه موقوفاً على عائشة ، فكذلك رواه
وكيع ، وسعيد بن محمد الوراق ، وعبد الله بن نمير ، والجُريري مرفوعاً،
فتُرجح رواياتهم ؛ لأنها زيادة ثقة ، ولأنهم أكثر عدداً ، ومثل هذا ذكر
- ٨٨ -

الدار قطني ، وتُحمل رواية من أوقفه على عائشة أنها سمعته من النبي
- عليه السلام - ، فروته مرة ، وأفتت به مرة أخرى .
قوله: ((ودل على ضعف حديث حبيب ... )) إلى آخره . دليل آخر على
تضعيفه ، وكذا علل البيهقي في تضعيفه .
قلنا : هذا لا يدل على ضعف حديث حبيب ؛ لأن الاغتسال لكل
صلاة في رواية الزهري مضاف إلى فعلها ، ويحتمل أن يكون اختياراً
منها، والوضوء لكل صلاة في حديث حبيب مروي عنه - عليه السلام -،
ومضاف إليه وإلى أمره .
وحفص بن غياث بن طلق النخعي ، وقد ذكر .
وأسْباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي
أبو محمد الكوفي . سمع : أبا إسحاق الشيباني ، والأعمش ، وعمرو
ابن قيس الملائي ، وغيرهم . روى عنه : أحمد بن حنبل ، وقتيبة ، وابن
أبي شيبة ، وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة . وقال أبو حاتم :
صالح. توفي بالكوفة في المحرم سنة مائتين . روى له الجماعة .
وابن داود هو : عبد الله بن داود الحُرَيبي أبو محمد البصري ، وقد
ذكرناه .
قوله: (( فكانت تغتسل )) أي : قالت عائشة : فكانت المستحاضة تغتسل
لوقت كل صلاة ، واللام للتوقيت .
ص - وروى أبو اليقظان ، عن عدي ، عن أبيه ، عن عليّ وعمار مولى بني
هاشم ، عن ابن عباس .
ش - أبو اليقظان : عثمان بن عمير ، وعمار بن أبي عمار الهاشمي .
والمعنى : أن حديث حبيب هذا رواه عدي ، عن أبيه ، عن عليّ بن
أبي طالب - رضي الله عنه - موقوفاً ، ورواه عمار ، عن ابن عباس
أيضاً موقوفاً .
- ٨٩ -

ص - وروى عبد الملك بن ميسرة ، وبيان ، والمغيرة ، وفراس ، ومجالد،
عن الشعبي حديث قَمير ، عن عائشةَ : توضّئي لكل صلاة .
ش - عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي أبو زيد الزراد .
سمع: عبد الله بن عمر ، والنزال بن سبرة ، وزيد بن وهب ، وجماعة
آخرين . روى عنه : الأعمش ، ومسعر ، وشعبة ، وغيرهم . وقال ابن
معين وأبو حاتم : ثقة . توفي في زمن خالد بن عبد الله . روى له
الجماعة .
وبيان بن بشر الأحمسي البجلي أبو بشر الكوفي المعلم . سمع : أنس
ابن مالك ، والشعبي ، وطلحة بن مصرف ، وغيرهم . روى عنه :
الثوري ، وشعبة ، وأبو عوانة ، وجماعة آخرون . قال أحمد وأبو حاتم:
ثقة . روى له الجماعة .
والمغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي الكوفي . سمع : أبا وائل ،
والشعبي ، والنخعي ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ،
وأبو عوانة ، وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة مأمون ، وكان أعمى .
[١٠٥/١-١٠] توفي سنة / ست وثلاثين ومائة .
وفراس بن يحيى الهمداني أبو يحيى الكوفي المكتب . روى عن :
الشعبي ، وأبي صالح السمان ، وعطية بن سعد . روى عنه : الثوري ،
وسعيد ، وشيبان بن عبد الرحمن ، وشريك النخعي ، وغيرهم . قال ابن
معين : ثقة . وقال أبو حاتم : شيخ، ما بحديثه بأس . روى له الجماعة.
ومجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمير الكوفي . روى عن :
قيس بن أبي حازم ، والشعبي ، ومرة الهمداني ، وغيرهم . روى عنه :
الثوري ، وابن عيينة ، ويحيى القطان ، وجماعة آخرون . وقال ابن
معين: ضعيف الحديث ، واهي الحديث . وقال ابن حنبل : ليس بشيء .
مات سنة أربع وثلاثين ومائة . روى له الجماعة إلا البخاري .
ص - ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قَمير ، عن عائشةَ : تغتسلُ
لكلِّ يومٍ مرةً .
- ٩٠ -

ش - (( رواية)) مبتدأ، وخبره: قوله: (( تغتسل لكل يوم مرة ))،
وسيجيء أنه في حديث عاصم: (( تغتسل عند الظهر)) ، ويكون اغتسالها
في كل يوم مرة واحدة ، ولكن عند الظهر .
وداود هو ابن أبي هند البصري ، وعاصم بن سليمان الأحول ،
والشعبي هو عامر ، وقمير امرأة مسروق ، وعائشة الصِّدِّيقة - رضي الله
عنها - .
ص - وروى هشام بن عروة، عن أبيه : أن المستحاضةَ توضأُ لكل صلاة .
ش - (( توضأ)) بالرفع ، وأصله تتوضأ ، وقد مر غير مرة .
ص - وهذه الأحاديث كلها ضعيفة ، إلا حديث قمير ، وحديث عمار
مولى بني هاشم ، وحديث هشام بن عروة ، عن أبيه .
ش - هذه إشارة إلى الأحاديث التي تقدمت ، التي فيها ذكر الوضوء .
ص - والمعروف عن ابن عباس الغسل .
ش - يعني رواية الغسل عن ابن عباس هي المعروفة دون رواية الوضوء،
فافهم .
١٠٣ - باب: من قال المستحاضة تغتسل من طهر إلى طهر
أي : هذا باب في بيان قول من قال : إن المستحاضة تغتسل من طهر
إلى طهر .
٢٨٥ - ص - ثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن سُمي مولى
أبي بكر، عن القعقاع ، وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله :
كيف تَغتسلُ المستحاضةُ ؟ قال : تَغتسلُ من طهر إلى طهر ، وتوضأُ لكل
صلاة، فإن غَلَبَهَا الدُ اسْتَثْفَرَتْ بثوب (١) .
(١) تفرد به أبو داود .
- ٩١ -

ش - الضمير المرفوع في (( أرسلاه )) يرجع إلى القعقاع بن حكيم وزيد
ابن أسلم مولى عمر [ بن ] الخطاب ، والضمير المنصوب يرجع إلى سُمي
مولى أبي بكر الصِّدِّيق .
قوله: (( من طهر إلى طهر)) بالطاء المهملة فيهما ، والمعنى : من وقت
انقطاع دم الحيض . وقال أبو داود : قال مالك : إني لأظن حديث ابن
المسيب ((من ظهر إلى ظهر)). يعني: أظنه بالظاء المعجمة، إنما هو ((من
طهر إلى طهر)) بالطاء المهملة، ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس: ((من
ظهر إلى ظهر)) .
وقال الخطابي (١) : لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى
مثلها من الظهر ، ولا أعلمه قولاً لأحد من الفقهاء ، وإنما هو من طهر
إلى طهر - يعني : بالمهملة فيهما - وهو وقت انقطاع دم الحيض ، وقد
يجيء ما رُوي من الاغتسال من ظهر إلى ظهر بالمعجمة فيهما في بعض
الأحوال لبعض النساء ، وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام التي كانت
عادتها ، ونسيت الوقت أيضاً ، إلا أنها تعلم أنها كل ما انقطع دمها في
أيام العادة كان وقت الظهر ، فهذه يلزمها أن تغتسل عند كل ظهر ،
وتتوضأ لكل صلاة ما بينها وبين الظهر من اليوم الثاني ، فقد يحتمل أن
يكون سعيد بن المسيب إنما سئل عن امرأة هذه حالها ، فنقل الراوي
الجواب ، ولم ينقل السؤال على التفصيل .
قوله: ((وتوضأ)) أصلها : تتوضأ ، وقد مر مثله غير مرة .
ومعنى (( استثفرت بثوب)) شدّت فرجها بثوب ، وقد مر على التفصيل.
ص - قال أبو داود : ورُوي عن ابن عمر ، وأنس بن مالك : تغتسلُ من
طُهر إلى طُهر ، وكذلك رواه داود ، وعاصم ، عن الشعبي ، عن امرأته ، عن
قميرٌ ، عن عائشةَ ، إلا أن داود قال : كلّ يومٍ . وفي حديث عاصم قال : عندَ
الطهرِ ، وهو قول سالم بن عبد الله ، والحسن، وعطاء .
(١) معالم السنن (٧٩/١ - ٨٠).
- ٩٢ -

ش - داود هو ابن أبي هند / البصري ، وقد ذكر ، وعاصم هو ابن [١٠٥/١ -ب]
سليمان الأحول البصري ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ،
والحسن البصري ، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني .
١٠٤ - باب : من قال : تغتسل كل يوم مرة ، ولم يقل : عند الطهر
أي : هذا باب في بيان قول من قال : تغتسل المستحاضة كل يوم مرة
واحدة .
٢٨٦ - ص - حدّثنا أحمد بن حنبل قال : نا عبد الله بن نُمير، عن محمد
ابن أبي إسماعيل ، عن معقل الخثعمي ، عن عليّ قال : المستحاضةُ إذا
انقضَى حيضُها اغتسلتْ كلَّ يومٍ، واتخذتْ صُوفةً فيها سمن أو زيتٌ(١).
ش - عبد الله بن نمير أبو هشام الكوفي .
ومحمد بن أبي إسماعيل ، واسم أبي إسماعيل راشد الكوفي أخو
إسماعيل وعمرو . روى عن : الشعبي ، وأبي الضحى مسلم بن صبيح ،
وعبد الرحمن بن هلال . روى عنه : الثوري ، ويحيى القطان ،
وعبد الواحد بن زياد ، وغيرهم . مات سنة اثنتين وأربعين ومائة . روى
له: مسلم ، وأبو داود ، والنسائي .
ومعقل الخثعمي - بالعين المهملة ، ثم القاف - قد ذُكر .
وإنما أمر عليّ - رضي الله عنه - بالاغتسال كل يوم لأجل الاحتياط ،
وأما الصوفة التي فيها السمن أو الزيت فإنها مما يدفع الدم وينشفه .
١٠٥ - باب : من قال : تغتسل في الأيام
أي : هذا باب في بيان قول من قال : تغتسل المستحاضة في الأيام .
٢٨٧ - ص - حدَّثنا عبد الله بن مسلمة قال : ثنا عبد العزيز - يعني : ابن
(١) تفرد به أبو داود .
- ٩٣ -

محمد - ، عن محمد بن عثمان ، أنه سأل القاسم عن المستحاضة قال : تَدَعُ
الصلاةَ أيامَ أَقرائِهَا ، ثم تغتسلُ فَتَصلِّي، ثم تغتسلُ في الأيامِ (١) .
ش - عبد العزيز بن محمد الدراوردي .
ومحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع القرشي المخزومي
المدني . سمع : القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وسعيد بن
المسيب ، وجده عبد الرحمن ، وابن أبي سندر . روى عنه : عبد العزيز
ابن محمد الدراوردي ، وحاتم بن إسماعيل ، وصفوان بن عيسى . قال
أحمد : هو ثقة . وقال أبو حاتم : شيخ مدني محله الصدق . روى له
أبو داود .
قوله : (( أيام أقرائها )) أي : أيام حيضها .
قوله : (( ثم تغتسل في الأيام )) معناه : كل يوم ، وحكم هذا الباب
والذي قبله في المعنى على السواء ، فافهم .
ص - قال أبو داود : ورواه المسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن
ابن يربوع قال: إنما هو (( من طهر إلى طهر)) فقلبها الناس (( من ظهر إلى
ظهر)). قال مالك: إني لأظن حديث سعيد بن المسيب ((من طُهر إلى طُهر))
إنما هو (( من ظهر إلى ظهر))، ولكن الوهم دخل فيه فقلبها الناس فقالواً:
من طُهر إلى طُهر .
ش - أي : روى هذا الحديث المسور ولكن قال: إنما هو من طهر إلى
طهر بالمهملة فيهما .
قوله: (( فقلبها الناس)) أي : صحفوها وجعلوها من ظهر إلى ظهر
بالمعجمة فيهما ، وقد مر الكلام فيه .
(١) تفرد به أبو داود .
- ٩٤ -

١٠٦ - باب : فيمن قال : توضأ لكل صلاة
أي : هذا باب في بيان قول من قال: إن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.
٢٨٨ - ص - حدّثنا ابن المثنى قال: نا ابن أبي عدي، عن محمد - يعني:
ابن عمرو - قال : نا ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن فاطمة بنت
أبي حبيش : أنها كانت تُستحاضُ، فقالَ لها النبيّ - عليه السلام -: (( إذا
كان دَعُ الحَيضِ فإنهِ دَمٌ أسودُ يُعرفُ ، فإذا كان ذلك فَأَمْسِكِي عن الصلاةِ ،
فإذا كان الآخرُ فتوضّئِي وصَلِّي)) (١) .
ش - ابن المثنى هو محمد بن المثنى ، وابن أبي عدي هو محمد بن
أبي عدي ، ومحمد بن عمرو بن حلحلة الديلي .
قوله: (( تُستحاض)) على صيغة المجهول .
قوله: ((فإذا كان الآخر)) أي : غير الأسود ، وهو يشمل سائر الألوان
غير الأسود ، وقد مضى الكلام فيه عندما تقدم الحديث .
ص - قال أبو داود : قال ابن المثنى : ونا به ابن أبي عدي حفظاً فقال : عن
عروةَ ، عن عائشةَ أن فاطمةَ . قال أبو داود : رُوي عن العلاء بن المسيب،
وشعبة، عن الحكم، عن أبي جعفر ، قال العلاء : عن النبي - عليه السلام -
وأوقفه شعبة على أبي جعفر : توضئي لكل صلاة .
ش - (( حفظاً)) نصب على التمييز . وقد تقدم هذا مرة من أن ابن
أبي عدي قد حدث بهذا ابن المثنى عن كتابه مرة ، وعن حفظه أخرى .
والعلاء بن المسيب / بن رافع الكوفي ، والحكم بن عتَيْبة ، وأبو جعفر [١٠٦/١-أ]
محمد بن علي الباقر ، وقد ذكر غير مرة .
(١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٦/١)،
و(١٢١/١، ١٢٣، ١٨١، ١٨٣، ١٨٥)، وكتاب الطلاق (٢١١/٦)،
وتقدم برقم (٢٦٤) .
- ٩٥ -

١٠٧ - باب: فيمن لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث
أي : هذا باب في بيان قول من لم يذكر الوضوء للمستحاضة إلا عند
الحدث .
٢٨٩ - ص - حدثنا زياد بن أيوب قال: نا هشيم. قال: أنا أبو بشر، عن
عكرمة : أن أُمَّ حبيبة بنتَ جحش استُحيضَتْ، فَأَمَرَهَا النبيّ - عليه السلام -
أن تَنتَظرَ أيامَ أقرائِهَا، ثم تغتسلُ وتُصَلِّي ، فإن رَأتْ شيئاً من ذلك تَوضََّتْ
وَصَلَّنَّ (١).
ش - زياد بن أيوب البغدادي ، وهشيم بن بشير ، وأبو بشر جعفر بن
إياس الواسطي .
قوله: ((أيام أقرائها )) أي : أيام حيضها ، فإذا خرجت أيام حيضها
تغتسل وتصلي ، فإن رأت بعد ذلك شيئاً توضأت وصلت ، ولا يُنْتقضُ
وضؤوها إلا بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف
ينتقض بالدخول أيضاً ، وقال زفر : ينتقض بالدخول والخروج ، وهو
مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه ، وقد عرف في الفروع ، وهذا
الحديث مرسل .
ص - قال أبو داود : وهو قولُ مالك وربيعةً .
ش - أي: المذكور من الحكم هو قول مالك وربيعة بن أبي عبد الرحمن
المدني القرشي . وقال الخطابي : الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة ،
وذلك أن قوله : ( فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت » يوجب عليها
الوضوء ما لم تتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها ، وذلك لأنها لا تزال
ترى شيئاً من ذلك أبداً إلا أن تنقطع عنها العلة ، وقد يحتمل أن
يكون قوله: ((فإن رأت)) بمعنى: فإن علمت شيئاً من ذلك ، ورؤية
الدم لا تدوم أبداً ، وقال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَأَرنَا
(١) النسائي: كتاب الحيض، باب: ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره
(١/ ١٨١).
- ٩٦ -

مَنَاسكَنَا﴾(١) معناه : علّمنا ، وقول ربيعة شاذ وليس العمل عليه ، وهذا
الحديث منقطع ، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش . قلت :
كلام الخطابي ليس عن تروِّ ؛ لأن معنى قوله: ((توضأت وصلت))
يوجب عليها الوضوء بعد انقطاع أيام عادتها عند كل وقت ، سواء تيقنت
زوال تلك العلة أو لا، وقوله: ((قول ربيعة شاذ)) غير صحيح ؛ لأن
مذهب ربيعة أنه لا يرى عليها وضوءاً عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث
هو عين مذهب أبي حنيفة وأصحابه ؛ لأن أبا حنيفة أيضاً لا يرى عليها
الوضوء عند كل صلاة ، وإنما يرى عليها الوضوء عند كل وقت صلاة ،
فإذا خرج الوقت بطل وضؤها كما ذكرنا .
٢٩٠ - ص - ثنا عبد الملك بن شعيب قال : ثنا عبد الله بن وهب قال :
حدّثني الليث، عن ربيعة، أنه كان لا يَرَى على المُسْتَحَاضَة وُضوءاً عندَ كلِّ
صلاة إلا أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غيرُ الدَّم، فَتَوَضَّأَ (٢).
ش - عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد المصري ، أبو عبد الله
الفهمي . روى عن : أبيه ، وعبد الله بن وهب . روى عنه : أبو حاتم
وقال : صدوق ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم . مات سنة
ثمان وأربعين ومائتين .
قوله: (( حدث غير الدم)) مثل خروج الريح والغائط والبول ونحوها .
١٠٨ - باب : المرأة ترى الكدرة والصفرة
أي : هذا باب في بيان المرأة التي ترى الكدرة والصفرة .
٢٩١ - ص - حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد ، عن قتادة ، عن
أم الهذيل ، عن أم عطية - وكانت بَايعت النبيَّ - عليه السلام - قالت: كُنَّا
لا نَعُدُّ الكُدرَةَ والصُّفْرَةَ بعدَ الطُّهرِ شيئاً (َ).
(١) سورة البقرة: (١٢٨).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) البخاري : كتاب الحيض، باب: الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض (٣٢٦)=
٧ . شرح سنن أبي داوود ٢
- ٩٧ -

ش - حماد بن سلمة .
وأم الهذيل : حفصة بنت سيرين الأنصارية البصرية ، أخت محمد
وإخوته . سمعت : أنس بن مالك ، وأم عطية الأنصارية . روى عنها :
محمد وإخوته ، [ وأيوب ] السختياني ، وعاصم الأحول ، وهشام بن
حسان ، وخالد الحذاء . روى لها الجماعة . قال ابن معين : ثقة حجة .
وقال أحمد بن عبد الله : هي ثقة .
وأم عطية قال أحمد : اسمها نسيبة . وقال غيره : نُسَيبة بنت كعب .
ويقال : بنت الحارث الأنصارية . رُوي لها عن رسول الله أربعون حديثاً ،
اتفقا على ستة ، وللبخاري حديث ، ولمسلم آخر . روى عنها : ابن
سيرين ، وأخته حفصة . روى لها الجماعة . نزلت البصرة وسكنتها .
قوله: (( كنا لا نعد الكدرة والصفرة)» الكُدرة: اسم الكَدَر ،
والكُدُورة: من كدر الماء بالضم يكدر ، وجاء كَدِرَ يَكْدَر مثل عَلِمَ يعلَم ،
والكدر خلاف الصفو ، يقال فيه : مثل فخذ وفَخْذ ، والصُّفْرة : لون
الأصفر ، وقد اصفر الشيء واصفار ، وصفَّره غيره ، واختلف الناس في
الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء ، فروي عن عليّ - رضي الله عنه -
[١٠٦/١ -ب]/ أنه قال : ليس ذلك بحيض ، ولا يترك لها الصلاة ، ولتتوضأ ولتصل ،
وهو قول سفيان الثوري ، والأوزاعي . وقال سعيد بن المسيب : إذا رأت
ذلك اغتسلت وصلت ، وبه قال أحمد بن حنبل . وعن أبي حنيفة : إذا
رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة أو الكدرة يوماً أو يومين ما لم
تجاوز العشرة فهو من حيضها ، ولا تطهر حتى ترى البياض خالصاً .
واختلف قول أصحاب الشافعي في هذا ، فالمشهور من مذهب أصحابه
أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة
النسائي : كتاب الحيض ، باب: الصفرة والكدرة (١٨٦/١)، ابن ماجه :
=
كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الكدرة والصفرة
(٦٤٧) .
- ٩٨ -

عشر يوماً فإنها حيض . وقال بعضهم : إذا رأتها في أيام العادة كانت
حيضاً ، ولا يعتبر بها فيما جاوزها ، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم
صفرة أو كدرة فإنهما لا يعدان في قول أكثر الفقهاء حيضاً ، وهو قول
عائشة ، وعطاء . وقال بعض أصحاب الشافعي : حكم المبتدأة بالصفرة
والكدرة حكم الحيض ، وحجة أصحابنا ما رواه مالك . وعند محمد بن
الحسن في موطئهما ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة
قالت : كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة
من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة ، فتقول لهن : لا تعجلن حتى ترين
القَصَّة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . ورواه عبد الرزاق في
((مصنفه)): أخبرنا معمر ، عن علقمة بن أبي علقمة به سواء . وأخرجه
البخاري في ((صحيحه )) تعليقاً ولفظه : قال : وكن النساء يبعثن إلى
عائشة بالكرسف فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتى ترين القصة
البيضاء .
وفي ((المصنف)) (١) : ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن محمد بن
إسحاق ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا
في حجرها مع بنات أبيها ، فكانت إحدانا تطهر ، ثم تصلي ، ثم تنكس
بالصفرة اليسيرة فنسألها ، فتقول : اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك ، حتى لا
ترين إلا البياض خالصاً . والقَصَّةُ - بالقاف المفتوحة ، وتشديد الصاد
المهملة - هي الجص . وقول عائشة أقوى من قول أم عطية ؛ لأنها أعلم
وأدرى وأقرب إلى الرسول - عليه السلام - ، وحديث أم عطية أخرجه
البخاري ، والنسائي، وابن ماجه ، ولكن ليس فيه (( بعد الطهر )) . فإن
قيل : ما حكم الخُضْرة ؟ قلت : الصحيح إن كانت المرأة من ذوات الأقراء
تكون حيضاً ، ويحمل على فساد الغذاء ، وإن كانت كبيرة لا ترى غير
الخضرة يحمل على فساد المنبت فلا يكون حيضاً .
(١) ابن أبي شيبة (٩٤/١).
- ٩٩ -

٢٩٢ - ص - حدّثنا مسدد قال: نا إسماعيل قال : أنا أيوب ، عن محمد
ابن سيرين ، عن أم عطية بمثله . قال أبو داود : أم الهذيل هي حفصة ، كان
ابنها اسمه هذيل، واسم زوجها عبد الرحمن (١) .
ش - إسماعيل ابن علية ، وأيوب السختياني . أشار بهذا أبو داود إلى
طريقة أخرى في التخريج .
١٠٩ - باب : المستحاضة يغشاها زوجها
أي : هذا باب في بيان حكم المستحاضة التي يقربها زوجها .
٢٩٣ - ص - حدّثنا إبراهيم بن خالد قال: نا مُعلى - يعني: ابن منصور -
عن عليّ بن مسهر ، عن الشيباني ، عن عكرمة قال : كانت أمَّ حبيبةَ
تُستحاضُ، وكان زوجُها يَغْشَاهَا (٢).
ش - إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي .
ومُعلى بن منصور أبو يعلى الرازي ، سكن بغداد . روى عن : مالك
ابن أنس ، والليث بن سعد ، وحماد بن زيد ، وابن عيينة ، وأبي يوسف
القاضي ، وغيرهم . روى عنه : زهير بن حرب ، وأبو قدامة السرخسي،
وأبو ثور ، والبخاري في غير (( الجامع)) ، وغيرهم . قال أحمد بن
حنبل: كان يحدث بما وافق الرأي ، وكان كل يوم يخطئ في حديثين
وثلاثة . وفي لفظ : كان يكتب الشُّرُوطَ ، ومن كتبها لم يَخلُ [ من ] أن
يكذب . وقال أحمد بن عبد الله : ثقة ، صاحب سُنَّة . وقال ابن معين:
ثقة . وقال ابن سعد : كان صدوقاً ، صاحب حديث ورأي وفقه .
(١) البخاري : كتاب الحيض ، باب : الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
(٣٢٦)، النسائي: كتاب الحيض ، باب: الصفرة والكدرة (١٨٦/١)، ابن
ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الحائض ترى بعد الطهر الصفرة
والكدرة (٦٤٧) .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٠٠ -