Indexed OCR Text
Pages 501-520
قالت : ربما أَوترَ في أولِ الليلِ وربما أَوترَ في آخرِهِ . قلتُ: اللهُ أكبرُ ، الحمدُ اللهِ الذِي جعلَ في الأمرِ سَعَةً. قلتُ: أرأيتِ رسولَ الله كانَ يَجهرُ بالقرآنِ أم يَخْفِتُ به؟ قالت : ربما جَهرَ به ، وربما خَفَّتَ . قلتُ : اللهُ أكبرُ ، الحمدُ لله الذِي جعلَ في الأمرِ سَعَةٌ (١) . ش - المعتمر بن سليمان ، وإسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن علية . وبُرد بن سنان الشامي أبو العلاء الدمشقي ، سكن البصرة . سمع : عبادة بن نسي ، ومكحولاً ، ونافعاً ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، والأوزاعي ، والحمادان ، وشريك النخعي ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو زرعة : لا بأس به . مات سنة خمس وثلاثين ومائة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢). وغُضَيف - بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين - ويقال : بالظاء المعجمة(٣)، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره فاء ، ابن الحارث أبو أسماء السكوني الحمصي ، ويقال : الثمالي ، ويقال : اليماني ، ويقال : الكندي ، أدرك زمان النبي - عليه السلام - ، مختلف في صحبته سمع : عمر بن الخطاب ، وبلالاً ، وأبا ذر ، وأبا الدرداء ، وعائشة الصديقة . روى عنه : ابنه عبد الرحمن ، وعبادة بن نسي ، ومكحول ، وغيرهم . قال ابن سعد: كان ثقة، مات أيام مروان بن الحكم / روى [١/ ٨٠-١] له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) . قوله: (( أرأيت)) بكسر التاء بمعنى : أخبريني . (١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال أول الليل (١٢٥/١)، وكتاب الغسل والتيمم ، باب : الاغتسال أول الليل (١٩٩/١)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (١٣٥٤). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٥/٤). (٣) كذا، والذي فى مصادر الترجمة ((بالطاء المهملة)). (٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (١٨٥/٣)، وأسد الغابة (٤/ ٣٤٠)، والإصابة (١٨٦/٣)، وتهذيب الكمال (٤٦٩٣/٢٣). - ٥٠١- قوله: ((ربما اغتسل)) ((رب )) حرف خلافاً للكوفيين في دعوى اسميته، وليس معناه التعليل دائماً خلافاً للأكثرين ، ولا التكثير دائماً خلافاً لدرستويه ، بل يرد للتكثير كثيراً ، وللتعليل قليلاً ، فمن الأول نحو : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (١)، ومن الثاني قوله : ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان ولها صدر الكلام ، وتنكير مجرورها ، واذا دخلها ((ما )) تكفها عن العمل ، وتهيئها للدخول على الجمل الفعلية ، وفعلها ماض لفظاً ومعنى، وقد تدخل الاسمية ، وقيل : لا تدخل أصلاً . قوله: (( سعة)) بكسر السين أصلها ، وفتحت لأجل حرف الحلق ، وأصلها وسعة كوعدة حذفت الواو تبعاً لفعلها ، وحركت السين للابتداء من وَسِعَه الشيءِ يسَعُهُ سعة فهو واسع ، ووسُع بالضم وساعة فهو وسيع، والوُسْع والسَّعة : الجدة والطاقة . قوله: (( يوتر)) من أوتر يوتر إذا صلى الوتر ، والوتر بكسر الواو وفتحها : الفرد . قوله: ((الله أكبر)) إنما قال ذلك استعظاماً لقدر هذا الأمر والشأن وفرحاً بسعته ، وابتهاجاً بمشروعيته . قوله: (( يجهر بالقرآن)) من جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهير ، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت ، وكذلك المجهر بكسر الميم . قوله: (( أم يخفت به)) من الخفت ، وهو ضد الجهر من باب ضرب يضرب . ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : جواز تأخير الغسل إلى وقت الصلاة . الثانية : جواز تأخير الوتر إلى آخر الليل ، وبه احتج أصحابنا أن المستحب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه ، وإن لم يثق فأول الليل أفضل كما في صحيح مسلم: (( من خاف أن لا يقوم آخر الليل (١) سورة الحجر: (٢) . -٥٠٢- فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة)) (١) ، وفيه دليل صريح على التفصيل الذي ذكره أصحابنا وهو الصواب ، وتحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل . الثالثة : ثبوت الخيار للقارئ بين أن يجهر به وبين أن يخافت ، فقيل : الجهر أفضل ، وقيل : الإخفاء أفضل ، والصحيح : أنه مقيد باعتبار زمان القارئ ومكانه وحاله ، فيراعى الجهر والإخفاء بحسَب هذا الاعتبار . وأخرجه النسائي مقتصراً على الفصل الأول ، وابن ماجه مقتصراً على الفصل الأخير ، ورواية الوتر أخرجه البخاري مختصراً ومسلم كما ذكرنا. ٢١٢ - ص - حدّثنا حفص بن عمر النمري قال: نا شعبة عن عليّ بن مُدرك ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن عبد الله بن نُجيّ ، عن أبيه ، عن عليّ بن أبي طالب، عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه صُورةٌ ولا كلبٌ ولا جُنُبٌ )) (٢). ش- علي بن مدرك أبو مدرك النخعي الكوفي. روى عن: عبد الرحمن ابن يزيد النخعي ، وأبي زرعة ، وإبراهيم النخعي ، وغيرهم . روى عنه: الأعمش ، وشعبة ، والمسعودي . قال مطين : مات سنة عشرين ومائة . روى له الجماعة (٣). وأبو زرعة اسمه : هرم بن عمرو بن جرير ، وقد مضى ذكره . وعبد الله بن نُجَيِّ بن سلمة بن حِشْم - بالحاء المهملة والشين المعجمة - ابن أسد بن خُلَيْبَة - بضم الخاء المعجمة ، وبعد اللام ياء آخر الحروف، ثم باء موحدة - الحضرمي الكوفي . قال الدارقطني : لا بأس به . وقال (١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله (١٦٢/٧٥٥) من حديث جابر بن عبد الله . (٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس ، باب : في الصور (٤١٥٢) ، والنسائي : كتاب الطهارة، باب : في الجنب إذا لم يتوضأ (١٤١/١)، وكتاب الصيد والذبائح ، باب : امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب (١٨٥/٧) ، ابن ماجه : كتاب اللباس ، باب : الصور في البيت (٣٦٥٠) . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤١٣٣/٢١). -٥٠٣- البخاري : فيه نظر . روى عن : عليّ بن أبي طالب ، وعن أبيه عن عليّ، وعن عمار بن ياسر، والحسين (١) بن عليّ. روى عنه: أبو زرعة، وجابر الجعفي ، والحارث العكلي . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٢) . ونُجيّ المذكور روى عن عليّ بن أبي طالب . روى عنه ابنه عبد الله ، روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣). قوله: ((الملائكة)) جمع ((ملاءَك)) على الأصل كالشمائل جمع ((شماءَل))، وليس جمع (( مَلَكِ))؛ لأن فَعَلاً لا تجمع على فعائل ، ولكن ملك أصله ملاءَك ، ترك الهمزة لكثرة الاستعمال ، فلما أريد جمعه رد إلى الأصل كما أن الشمائل - وهي الرياح - جمع ((شماءَل)» بالهمز في الأصل لا جمع شمال ؛ لأن فعالاً لا تجمع على فعائل ، واشتقاقه من [٨٠/١-ب] الألوكة وهي الرسالة، يقال: ألكِني إليه / أي : أرسلني إليه ، سمي الملك ملكاً لأنه رسول من الله تعالى ، وإلحاق التاء فيه دلالة على أن كل جمع مؤنث . واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه ، كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الإنسان فيه ، واختلفوا في ماهية الملائكة ، فقيل : إنهم أجسام لطيفة هوائية ، تقدر على التشكل بأشكال مختلفة ، مسكنها السموات ، وهو قول أكثر المسلمين . وقالت الفلاسفة : إنهم جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة ، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله ، فهم الملائكة المقربون ، ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة الأرضية ، وإن كانت شريرة فهم الشياطين . قوله: (( فيه صورة)) قال الزهري : النهي الذي ورد فيها على العموم سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم ، وسواء كانت في حائط أو ثوب. (١) فى الأصل: (( الحسن)) خطأ. (٣) المصدر السابق (٦٣٨٨/٢٩). (٢) المصدر السابق (٣٦١٤/١٦). ! -٥٠٤- أو بساط ممتهن أو غير ممتهن ، وكذلك استعمال ما هي فيه عملاً بظاهر الأحاديث . وقال آخرون : يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أو لا، وسواء عُلِّق في حائط أو لا ، وكرهوا ما له ظل ، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها ، سواء كان رقماً أو غيره . وأجمعوا على منع ما كان له ظل ، ووجوب تغييره ، وأما تصوير صورة الشجر ونبات الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ، فليس بحرام . وقال أصحابنا : إن كانت معلقة على حائط ، أو ثوب ملبوس أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يُعد ممتهناً، فهو حرام ، وإن كانت في بساط يُداس ، ومِخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن ، فليس بحرام ، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت ؟ فيه كلام نذكره ، وبه قال الشافعي ، ومالك ، والثوري ، وجمهور العلماء . وقال القاضي عياض : إلا ما ورد من لُعَبِ البنات ، لصغار البنات ، والرخصة في ذلك ، لكن كره مالكٌ شراء الرجلِ لابنته ذلك ، وادعى بعضهم أن إباحة اللُّعب لهن منسوخ بهذه الأحاديث . وأما سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة ، فهو كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى ، وأما سبب امتناعهم من بيت فيه كلب ، لكثرة أكله النجاسات ، ولأن بعضها سُمي شيطاناً كما جاء به الحديث ، والملائكة ضد الشياطين ، ولقبح رائحة الكلب ، والملائكة تكره الرائحة القبيحة ، ولأنها منهي عن اتخاذها ، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته ، وصلاتها فيه ، واستغفارها له ، وتبريكها عليه وفي بيته ، ودفعها أذى الشيطان ، ولقد طرق سمعي عن بعض أساتذتي الكبار أن السبب في امتناع الملائكة من بيت فيه كلب ، أن الكلب قد خلق من بزاق الشيطان ، وذلك حين كان آدم - عليه السلام - جسداً ملقى ، أتى إليه الشيطان وراءه، ثم جمع الخيول ، وكانت الخيول سكان الأرض حينئذ فقال لها : إن الله تعالى خلق خلقاً عجيباً يريد أن يملكه الأرض وما فيها فمتى حكم فيها سَخَّركُن وذَلَّلَكُنَّ، فهلم نَهُدَّه ونستريح منه ، فجاءت والشيطان - ٥٠٥- يقدمها إلى أن قربت من جسد آدم ، فبزق نحو آدم بزقة ، فانتثر بزاقه ، فخلق الله تعالى الكلاب من بزاقه المنثور ذلك ، فحملت على الخيول وصاحت إلى أن ولَّت هاربة ، فمن ذلك الوقت تألف الكلاب بني آدم ، والملائكة تبغضها ، لكونها مخلوقة منه ، فلأجل ذلك لا يدخلون بيتاً فيه كلب . وقال الخطابي (١): (( إنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور ، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصور التي تمتهن من البساط والوسادة وغيرهما ، فلا يمتنع الملائكة بسببه )) . وقال الشيخ محيي الدين (٢): ((الأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة ، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ، ولأن الجرو الذي [٨١/١-١] كان في بيت النبي - عليه السلام - تحت السرير كان له فيه عذر / ظاهر، فإنه لم يعلم به ، ومع هذا امتنع جبريل - عليه السلام - من دخول البيت، وعلل بالجرو ، ولو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل - عليه السلام - . وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار ، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في حال ؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها )) . قوله: (( ولا جنب)) إنما يمتنع الملائكة عن البيت الذي فيه جنب لكونه بعيداً عن التلاوة والعبادة ، متصف بالنجاسة الحكمية ، والملائكة يكرهون ذلك ، والمراد منه أيضاً : الملائكة غير الحفظة ؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم جنباً وغيره . فإن قيل : قد مضى في الرواية: (( أنه - عليه السلام - كان يغتسل تارة آخر الليل)) ، ورخص للجنب أيضاً أن ينام قبل الاغتسال ، فما (١) معالم السنن (٦٥/١). (٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٤) . -٥٠٦- التوفيق بينهما ؟ قلت : المراد بالجنب الذي لا يدخل الملائكة بيتاً هو فيه ، هو الذي يجنب فلا يغتسل ، ويتهاون به ، ويتخذه عادة ، وأما الجنب الذي لا يتخذ هذا عادة ، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضر دخول الملائكة البيت ، فإنه - عليه السلام - (( كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء)) (١) ، كما جاءت في رواية عائشة - رضي الله عنها -. وأخرج البخاري ومسلم هذا الحديث وليس فيه: ((ولا جنب))، وكذلك رواية ابن ماجه . ورواية النسائي مثل رواية أبي داود . ٢١٣ - ص - حدّثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق ، عنٍ الأسود، عن عائشة قالت: (( كان رسولُ الله ينامُ وهو جنبٌ من غيرِ أن يَمَس ماءً)) (٢)، (٣). ش - ابن كثير هو : محمد بن كثير البصري ، وسفيان الثوري ، وأبو إسحاق السبيعي ، والأسود بن يزيد . قوله: ((وهو جنب)) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في (( ينام)). فإن قيل : هذا يعارض الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء ، قلت : الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه ، الأول : أن الحديث فيه مقال ، فقال يزيد بن هارون: وهم أبو إسحاق في هذا - يعني في قوله: (( من غير أن يمس ماء)) - وقال الترمذي: ((يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق)). وقال البيهقي : طعن الحُفَّاظ في هذه اللفظة . وقال الثوري : فذكرت الحديث يوماً - يعني حديث أبى إسحاق - فقال لي إسماعيل : يا فتى ، (١) انظر الحديث الآتي . (٢) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل (١١٨، ١١٩)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب: في الجنب ينام كهيئته لا يمس الماء (٥٨١، ٥٨٢، ٥٨٣). (٣) تنبيه: ذُكِرَ في سنن أبي داود بعد هذا الحديث ما يلي: (( قال أبو داود : حدَّثنا الحسن بن علي الواسطي قال : سمعت يزيد بن هارون يقول : هذا الحديث وهم ، يعني : حديث أبي إسحاق )). -٥٠٧- يشذ هذا الحديث شيء . فثبت بما ذكرنا أن هذا حديث ضعيف ، فإذا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يتعرض به على غيره . والثاني : على تقدير الصحة : أن المراد من غير أن يمس ماء للغسل . والثالث : أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلاً لبيان الجواز ، إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه . ٨١ - باب: الجنب يقرأ (١) أي : هذا باب في بيان الجنب يقرأ . ٢١٤ - ص - حدّثنا حفص بن عمر قال: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال : دخلتُ عَلَى عليٍّ أنا ورجلانِ : رجلٌ منا ورجلٌ من بني أسد أحسَبُ ، فبعثَهُمَا عليٌّ وجهاً ، وقال: إنكمَا عَلَجَانِ، فعالجَاً عن دينكُمَا ، ثم قامَ فدخِلَ المَخْرجَ ، ثم خرجَ فدعا بماء فأخذَ منه حفنةً ، فتمسحَ بها ، ثم جعلَ يقرأُ القرآنَ، فأنكروا ذلك ، فقالَ: إن رسولَ الله ◌َلغير كان يَخرجُ من الخلاء فيُقْرئنَا القرآنَ ، ويأكلُ معنا اللحمَ ، ولم يكن يحجُزُه أو يَحْجُرُهُ (٢) عن القرآنِ شيءٌ ليسَ الجنابةَ (٣). ش - عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق ، أبو عبد الله الكوفي . سمع : عبد الله بن أبي أوفى ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجماعة آخرين . روى عنه : الأعمش ، والثوري ، وشعبة ، وغيرهم . مات سنة عشر ومائة . روى له الجماعة (٤) . (١) في سنن أبي داود: ((باب في الجنب يقرأ القرآن)). (٢) في سنن أبي داود: ((يحجبه أو يحجزه))، وأشار المصنف إلى أنها رواية. (٣) الترمذي ، كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً (١٤٦) ، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : حجب الجنب من قراءة القرآن (٢٦٥، ٢٦٦) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة (٥٩٤) . (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٤٨/٢٢) . -٥٠٨- وعبد الله بن سَلِمة - بكسر اللام - المرادي الكوفي . روى عن عمر ابن الخطاب ، وسمع : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وغيرهم . روى عنه : عمرو بن مرة ، وأبو إسحاق السبيعي . وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم روى عنه غيرهما . وقال أحمد ابن عبد الله : هو تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . روى له : أبو داود ، والترمذي، وابن ماجه (١) . قوله: (( ورجلان)) عطف على الضمير المرفوع المنفصل الذي أوتي به ليصح / العطف على ما قبله . [٨١/١ -ب] قوله: ((وجهاً)) أي : جهة من الجهات، وهو النحو والمقصد الذي يستقبله ، وانتصابه بنزع الخافض ، أي : في وجه أو أوجه . قوله: ((إنكما علجان)) العلج - بفتح العين وكسر اللام - هو الضخم القوي . وقال الخطابي (٢): ((يريد الشدة والقوة على العمل ، يقال: رجل عَلج ، وعُلّج - بتشديد اللام - إذا كان قوي الخلقة ، وثيق البنية)). قوله: ((فعالجا)) أي: جاهدا وجالدا لأجل دينكما، وكلمة ((عن)) للتعليل نحو قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتَغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلا عَن مَّوْعَدَةٍ﴾ (٣)، ويجوز أن يكون حالاً ، والمعنى : عالجا مقيمين دينكما ، أي: مقيمين أموره ومحصلین ما ینبغي له . قوله: ((فدخل المخرج )) بفتح الميم وهو الخلاء ، سمي به لأنه موضع خروج البول والغائط . قوله: (( فتمسح بها )) أي : توضأ بها بمعنى : غسل يديه . وقال ابن الأثير: ((يقال للرجل إذا توضأ: تمسح)) . قوله: (( فأنكروا ذلك)) أي : كونه قرأ القرآن بلا وضوء كامل ، فلما أنكروا على عليِّ ذلك قال: ((إن رسول الله وَطُلو كان يخرج من (٢) معالم السنن (٦٦/١). (١) المصدر السابق (٣٣١٣/١٥). (٣) سورة التوبة (١١٤). -٥٠٩- الخلاء فيقرئنا القرآن)) أي : يعملنا القرآن عقيب خروجه من غير اشتغال بالوضوء . قوله: (( ويأكل معنا اللحم)) أشار به إلى أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء لقراءة القرآن ، ولا للصلاة أيضاً ، ولأجل هذا قال : ولم يكن يحجره أي: يمنعه ((عن القرآن)) أي: عن قراءة القرآن ((شيء ليس الجنابة))، ويحجره من حجره إذا منعه، وحجر عليه إذا منعه من التصرف، وفي بعض الرواية: ((يحجزه)) بالزاي ، من حجزه يحجزه حجزاً ، بمعنى منعه أيضاً ، وكلاهما من باب نصر ينصر ، وفي بعض الرواية : (يحجبه )) من حجب إذا منع أيضاً. وقوله: ((ليس الجنابة)) بمعنى (١) غير الجنابة، وحرف (( ليس)) له ثلاثة مواضع ، أحدها : أن يكون بمعنى الفعل ، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، كقولك: ليس عبدُ الله جاهلاً. ويكون بمعنى ((لا)) كقولك : رأيت عبد الله ليس زيداً ، تنصب به زيداً كما تنصب بلا ، ويكون بمعنى ((غير)) كقولك : ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد ، أي : غير زيد ، وهو يجر ما بعده . ويستفاد من الحديث فائدتان ، الأولى : جواز قراءة القرآن للمحدث . والثانية : فيه دليل على حرمة قراءته على الجنب ، وكذلك الحائض ؛ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة . وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها . وكذلك قال مالك في الجنب : إنه يقرأ الآية ونحوها . وقد حُكي عنه أنه قال : تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب ؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن ؛ لأن أيام الحيض تتطاول ، ومدة الجنابة لا تطول . ورُوي عن ابن المسيب ، وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب القرآن، والجمهور على تحريمه )) (٢). وأخرج الترمذي هذا الحديث ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ، وقال (١) انظر: معالم السنن (٦٦/١). (٢) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن. -٥١٠- الترمذي : حديث حسن صحيح . وذكر أبو بكر البزار : أنه لا يروى عن عليٌّ إلا من حديث عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سَلِمة . وحكى البخاري عن عمرو بن مرة : (( كان عبد الله - يعني : ابن سلمة - يحدثنا فنعرف وننكر ، وكان قد كُبُر لا يتابع في حديثه . وذكر الشافعي هذا الحديث ، وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . وقال البيهقي : وإنما توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث ؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي ، وكان قد كُبُر ، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة ، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كُبُر ، قاله شعبة . وذكر الخطابي : أن الإمام أحمد بن حنبل كان يوهن حديث عليٍّ هذا ، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة . قلت: قد ذكره ابن الجوزي في ((الضعفاء والمتروكين)) . وقال : قال النسائي : يعرف وينكر . أقول : قد قال الحاكم : إنه غير مطعون فيه . وقال العجلي : تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، كما ذكرنا في ترجمته . ٨٢ - باب : الجنب يصافح أي : هذا باب في بيان الجنب يصافح الطاهر ، ويصافح من صَافَحَ مصافحةً ، وهي مُفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف ، وإقبال الوجه بالوجه . ٢١٥ - ص - حدّثنا مسدد قال : نا يحيى عن مسعر ، عن واصل ، عن أبي وائل، عن حذيفة: ((أن النبي ◌ََّ لَقِيَهُ، فَأَهْوَى إليه فقالَ: إني جُنُبٌ، فقال: ((إن المسلمَ ليسَ بِنَجَس (١))) (٢). (١) كذا، وفي الشرح وسنن أبي داود: ((لا ينجس). (٢) مسلم : كتاب الحيض ، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس (٣٧١)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: مماسة الجنب ومجالسته (١٤٥/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : مصافحة الجنب (٥٣٥) . - ٥١١- / ش - يحيى القطان ، ومسعر بن كِدام . [٨٢/١-أ] وواصل بن حَيان الأحدب الأسدي الكوفي . سمع : المعرور بن سويد، وأبا وائل ، ومجاهداً ، وغيرهم . روى عنه : مسعر ، والثوري، وشعبة ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو خاتم : صدوق صالح الحديث . توفي سنة عشرين ومائة . روى له الجماعة (١). وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وحذيفة بن اليمان . قوله: ((فأهوى إليه)) أي : أهوى إليه يده ، أي : أمالها إليه ، يقال: أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه ، ويترك المفعول كثيراً . قوله: ((إن المسلم لا ينجس)) (٢) بضم الجيم وفتحها ، وفي ماضيه لغتان: نجس ونُجُس بكسر الجيم وضمها ، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع ، ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضاً . وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه . هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتاً ، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين ، وأما الميت ففيه خلاف ، وعن بعض أصحابنا أنه غير طاهر فلذلك يغسل ، والصحيح أنه طاهر ، وهو قول الشافعي في الصحيح لإطلاق الحديث ، وغسل الميت أمر تعبدي لا لكونه نجساً ، والكافر حكمه [ حكم ] المسلم عند الجمهور . وقال بعض الظاهرية : إن المشرك نجس بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) قلنا: المراد به نجاسة الاعتقاد ، والاستقذار ، وليس المراد أن أعضاءهم نجس كنجاسة البول والغائط ونحوهما ، فإذا ثبت طهارة للآدمي مسلماً كان أو كافراً استوى فيه أن يكون طاهراً أو محدثاً أو جنباً أو حائضاً ، ويكون سؤرهم وعَرَقُهم ولعابُهم ودمعهم طاهرة بالإجماع . ٢١٦ - ص - حدّثنا مسدد قال : ثنا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر ، (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٦٦٢/٣٠). (٢) كذا، وفي المتن: ((ليس بنجس)). (٣) سورة التوبة (٢٨). -٥١٢- عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لَقِيَّنِي رسولُ اللهِ وَلّهِ في طريق من طُرق المدينة وأنا جُنُبٌ، فاخْتَنَسْتُ، فذهبتُ فاغْتسلتُ ، ثم جئتُ ، فَقال : أينَ كنتَ يا أبا هريرةَ؟ قال (١) : إني كنتُ جنباً، فكرهتُ أن أُجَالِسكَ على غيرِ طَهارة، فقال: ((سُبحانَ اللهِ! إن المسلمَ لا ينجُسُ)) (٢) (٣). ش - بشر بن المفضل ، وحميد الطويل ، وبكر بن عبد الله المزني ، وأبو رافع نفيع ، وقد ذكروا . قوله : ((فاختنستُ)) أي : تأخرت وانقبضت ، ومنه خنس الشيطان ، وهو بالخاء المعجمة والنون. وفي رواية: ((فانخنست)) بهذا المعنى أيضاً، ولكن الفرق بينهما أن الأول من باب الافتعال ، والثاني من باب الانفعال. وأخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، ولفظ البخاري والترمذي: ((فانبجست))، وفي لفظ البخاري: ((فانخنست))، وفي لفظ له: ((فإنسللت))، ولفظ مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه : ((فانسل)) . وقوله: (( فانبجست )) بالنون وبعدها باء موحدة ، يعني : اندفعت منه ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ (٤) أي : جرت واندفعت. ورُوي: ((فانتجست )) بالنون والتاء ثالث الحروف والجيم، أي : اعتقدت نفسي نجساً ومعنى منه : من أجله ، أي : رأيت نفسي نجساً (١) في سنن أبي داود: ((قال: قلت)). (٢) البخاري: كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس (٢٨٣)، مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن المسلم لا ينجس (٣٧١) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : في مصافحة الجنب (١٢١) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : مماسة الجنب ومجالسته (١٤٥/١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب : مصافحة الجنب (٥٣٤). (٣) تنبيه: زِيدَ في سنن أبي داود: (( وقال في حديث بشر : حدثنا حميد ، حدثني بكر )) . (٤) سورة الأعراف: (١٦٠) . ٣٣ • شرح سنن أبي داوود ١ - ٥١٣- بالإضافة إلى طهارته وجلالته. ورُوي: ((فانتجشت )) بالنون والتاء ثالث الحروف والشين المعجمة من النجش ، وهو الإسراع . ورُوي : ((فانبخست)) بالنون والباء الموحدة ، والخاء المعجمة ، والسين المهملة ، واستبعده بعضهم . وقال غيره : النجس : النقص ، فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله لما اعتقده في نفسه من النجاسة . قوله: ((فقال: سبحان الله)) إنما قال ذلك تعجباً من حاله، و((سبحان)) عَلَمٌ للتسبيح ، كعثمان علم للرجل ، فإذا قلت : سبحان من هذا الأمر ، كأنك قلت : أسبح الله تسبيحاً من هذا الأمر ، وهذا يقال عند العجب كأنك قلت : أتعجب من هذا الأمر ، ومن غاية العجب أسبح الله ، و((سبحان)) إذا كان مضافاً نحو: ((سبحان الله)) فليس بعَلَم ؛ لأن العلم لا يضاف ، وإذا لم يكن مضافاً فهو عَلَمٌ غير منصرف للعلمية ، والألف والنون ، وانتصابه بفعل محذوف ، والتقدير : أسبح الله تسبيحاً . ويستفاد من هذا الحديث أربع فوائد ، الأولى : تأخير الغسل ؛ لأنه -عليه السلام - ما أنكر عليه ذلك لما سأله: ((أين كنت ؟ )) وأخبره أبو هريرة بما أخبره . [٨٢/١ -ب] / والثانية : أن الجنب طاهر. والثالثة : استحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات ، وأحسن الصفات . الرابعة : أن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه ، وبيَّن له الصواب وحكمه . ٨٣ - باب : الجنب يدخل المسجد : أي : هذا باب في بيان حكم الجنب إذا دخل المسجد . ٢١٧ - ص - حدّثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد قال: نا فُلَيْت بن خليفة قال : حدثتني جَسْرَةُ بنتُ دَجَاجَة قالت : سمعت عائشة - رضي الله عنها - -٥١٤- تقول: ((جاءَ رسولُ اللهِوَلِّ ووجوهُ بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد ، فقال: (( وَجِّهوأ هذه البيوتَ عَن المسجدِ ))، ثَمَ دخل النبيُّ - عليه السلام - ولم يصنع القومُ شيئاً ، رجاءَ أن تَنزِلَ لهم رُخصةٌ ، فخرجَ إليهم بعدُ فقال : ((وَجُّهوأ هذه البيوتَ عن المسجدِ ، فإني لا أُحِلِّ المسجدَ لحائضٍ ولا جنب»(١) . ش - عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري . وفليت بن خليفة العامري ، ويقال : أفلت . روى عن جَسرة بنت دَجاجة . روى عنه الثوري وغيره . روى له : أبو داود ، والترمذي (٢) . وجَسرة - بفتح الجيم ، وسكون السين المهملة - بنت دجاجة العامرية الكوفية . روت عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - روى عنها أفلت ابن خليفة . قال أحمد بن عبد الله : تابعية ثقة . روى لها : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣). وقال (٤) الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): رأيت في كتاب (( الوهم والإيهام)) لابن القطان المقروء عليه دجاجة بكسر الدال وعليها ((صح))، وكتب الناسخ في الحاشية بكسر الدال بخلاف واحدة الدجاج . قوله : (( ووجوه بيوت أصحابه )) وجوه البيوت أبوابها ، ولذلك قيل لناحية البيت التي فيها الباب وجه الكعبة ، وهو مبتدأ . وقوله: ((شارعة)) خبره ، والجملة محلها النصب على الحال ، ومعنى شارعة في المسجد : مفتوحة فيه ، يقال : شرعت الباب إلى الطريق ، أي: أنفدته إليه ، والشارع : الطريق الأعظم . قوله: ((وجهوا هذه البيوت)) أي : اصرفوا وجوهها عن المسجد ، (١) تفرد به أبو داود . تنبيه : زيد في سنن أبي داود: (( قال أبو داود: هو فليت العامري )). (٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٤٧/٣). (٣) المصدر السابق (٧٨٠٤/٣٥). (٤) انظره في نصب الراية (١/ ١٩٤). - ٥١٥- يقال : وجهت الرجل إلى ناحية كذا إذا جعلت وجهه إليها ، ووجهته عنها إذا صرفته عن جهتها إلى جهة غيرها . قوله: (( رجاء أن ينزل لهم رخصة)) أي : لترجى نزول الرخصة ، ونصبه على أنه مفعول له ، و((أن)» مصدرية محلها الجر بالإضافة ، و((رخصة)) مرفوع بقوله: ((تنزل)) المجهول . قوله: (( فخرج إليهم بعد )) أي : بعد ذلك ، وقد عرف أن قبل وبعد إذا قطع عن الإضافة يصير حدا ينتهى إليه ، ويبنى على الضم . قوله: ((فإني لا أُحل)) من الإحلال بمعنى الحل الذي هو ضد الحرام ، والألف واللام في المسجد للعهد ، وهو مسجد النبي - عليه السلام - وحكم غيره مثل حكمه ، ويجوز أن يكون للجنس ، ويدخل في هذا الحكم جميع المساجد وهو أَوْلى ، وإنما قدم الحائض للاهتمام في المنع والحرمة ؛ لأن نجاستها أغلظ ، والنفساء مثل الحائض . وقوله: (( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب )) بإطلاقه يتناول الدخول والمرور واللبث فيه ، وعن الشافعي ومالك جواز المرور عابر سبيل . وعن أحمد جواز لبث الجنب فيه بوضوء ، والحديث بإطلاقه حجة عليهم . وأخرج البخاري هذا الحديث في (( التاريخ الكبير )) ، وفيه زيادة ، وذكر بعد حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - عليه السلام - : ((سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر))، ثم قال: وهذا أصح . وقال ابن القطان في (( كتابه )) (١) : قال أبو محمد عبد الحق في حديث جسرة هذا : إنه لا يثبت من قبل إسناده ، ولم يبين ضعفه ، ولست أقول : إنه حديث صحيح ، وإنما أقول : إنه حسن ، فإنه يرويه عبد الواحد بن زياد، وهو ثقة لم يذكر بقادح ، وعبد الحق احتج به في غير موضع من كتابه . وقال الخطابي : وضعفوا هذا الحديث وقالوا : أفلت راويه مجهول ، لا يصح الاحتجاج بحديثه . قلت : هذا غير مُسَلَّم ، فإن أفلت أو فُليت كما (١) انظره في نصب الراية (١٩٤/١). - ٥١٦- ذكرنا روى عنه الثوري ، وعبد الواحد بن زياد . وقال أحمد بن حنبل : ما أرى به بأساً . وسئل عنه أبو حاتم الرازي . فقال : شيخ . وحكى البخاري : أنه سمع من جسرة بنت دجاجة قال : وعند جسرة عجائب . وذكر ابن حبان: جسرة في كتاب ((الثقات))، قال : وروى عنها أفلت أبو حسان ، وقدامة العامري . ويؤيد هذه الرواية ما رواه ابن ماجه في ((سننه)) عن أبي بكر بن أبي شيبة والطبراني في « معجمه )) ، عن أم سلمة قالت : دخل رسولُ الله - عليه السلام - صرحة هذا المسجد / فنادى [٨٣/١-١] بأعلى صوته: ((إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)) (١). ٨٤ - باب : في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسي أي : هذا باب في بيان الجنب الذي يصلي بالجماعة ، والحال أنه ناسي، وفي بعض النسخ: ((وهو ساه ))، والفرق بين السهو والنسيان : أن السهو ترك الشيء عن غير علم ، يقال : سهى فيه وسهى عنه ، والثاني يستعمل في الترك مع العلم ، والنسيان خلاف الذكر والحفظ . ٢١٨ - ص - حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد ، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: (( أن رسولَ الله - عليه السلام - دخلَ في صلاة الفجرِ فأوماً بيدِه أَنْ مَكَانَكم، ثم جاءَ ورأسُهُ يَقطُرُ، فصلَّى بهم)) (٢) . ش - زياد الأعلم هو زياد بن حسان بن قرة الأعلم البصري الباهلي ، نسيب عبد الله بن عون ، وقيل : ابن خالة يونس بن عبيد . روى عن : أنس بن مالك ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين . روى عنه : عبد الله بن عون ، وأشعث بن عبد الملك ، وحماد بن زيد ، وسعيد بن أبي عروبة ، وهمام بن يحيى ، وغيرهم . قال أحمد : ثقة ثقة . روى له: البخاري ، وأبو داود ، والنسائي (٣). (١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠٣٥/٩). (٢) تفرد به أبو داود . -٥١٧- وأبو بكرة نفيع بن الحارث بن كٌلَدة بن عمرو بن علاج بن أبي، سللمة ، وإنما كني أبا بكرة لأنه تدلى إلى النبي - عليه السلام - بيكرة فكني بذلك، وأعتقه رسول الله وَّه. رُوي له عن رسول الله - عليه السلام - مائة حديث (١) واثنان وثلاثون حديثاً ، اتفقا على ثمانية ، وانفرد البخظري بخمسة ، وانفرد مسلم بخمسة . روى عنه : ابناه عبد الرحمن ومسلم ، والحسن البصري ، وربعي بن حِراش، والأحنف بن قيس ، وكان ممن اعتزل يوم الجمل ، ولم يقاتل مع أحد من الفريقين ، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين . روى له الجماعة (٢) . قوله : (( دخل في صلاة الفجر)) المراد منه : قام في مقامه للصلاة ، وتهيأ للإحرام بها ، يدل عليه رواية مسلم: (( فأتى رسول الله حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف )) ، وهذا صريح في أنه لم یکن کیر ودخل في الصلاة، وفي رواية البخاري: ((وانتظرنا تكبيره)). قال النووي: ((يحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر)) . قلت : هذا وهم يرده رواية مسلم . قوله: (( فأومأ بيده )) أي : أشار بها . قوله: ((أن مكانكم)) ((أن)) مفسرة مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا (٣) إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٤)، و((مكانكم)) منصوب بفعل محذوف تقديره : لازموا مكانكم ، أو اثبتوا في مكانكم ، فعلى الأول : مفعول به ، وعلى الثاني : مفعول فيه . قوله: (( ثم جاء)) فيه حذف ، والتقدير : ذهب واغتسل ثم جاء ، وكذلك فيه حذف قبل قوله: ((فأومأ))، والتقدير: (( دخل في صلاة الفجر ، ثم تذكر أن عليه غسلاً ، ثم أومأ بيده )) . (١) في الأصل: (( حديث حد)) كذا . (٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥٦٧/٣)، وأسد الغابة (٣٨/٦)، والإصابة (٣/ ٥٧١). (٣) في الأصل: (( وأوحينا)). (٤) سورة المؤمنون : (٢٧) . -٥١٨- قوله: ((ورأسه يقطر)) جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في ((جاء)) . وقوله : (( فصلى بهم)) أي : صلي بهم صلاة مبتدأة بتكبير جديد ، وكذا قال ابن حبان في (( صحيحه )) : أراد بتكبير محدث لا أنه صلى بالشروع الذي قبله كما زعمه البعض ، فإن هذا زعم فاسد لما ذكرنا أنه صرح في رواية مسلم: ((قبل أن يكبر)) ، ولأن خلوّ مكان الإمام لا يجوز ، وتفسد به صلاة الإمام والقوم كما عرف في الفقه . فإن قيل : قد صرح أبو داود في رواية أخرى: ((وكبّر))، فهذا يدل على أنه شرع في الصلاة وكبر ، ثم ذهب واغتسل . قلت : هذا لا يدل على أنه صلى بهم بهذه التكبيرة ، والظاهر أنه صلى بهم بتحريمة مبتدأة لما ذكرنا ، على أن هذه الرواية مرسلة على ما نذكره. وقال الخطابي: ((فيه دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم ماضية ، ولا إعادة عليهم ، وعلى الإمام الإعادة ، وذلك أن الظاهر من حكم لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة معه ، ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء ، فأتم الصلاة بهم ، وإذا صح جزء من الصلاة حتى يجوز البناء عليه ، جاز سائر أجزائها ، وهو قول عمر بن الخطاب ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة في ذلك ، وإليه ذهب الشافعي . قلت : يُرَد هذا بما أجبنا الآن عن السؤال المذكور . وقوله: (( وإذا صح جزء من الصلاة )) إلى آخره ، لا نسلم أن هذا الجزء وقع صحيحاً ؛ لأن بمجرد ذهابه - عليه السلام - بطل حكم ذلك الشروع ، على تقدير صحة وجود الشروع ؛ لأنه ذهب بلا استخلاف ، وخلَّى مكانه ، وذا مما يفسد الشروع ، فإذا فسد ذلك الجزء يصير البناء عليه فاسداً / ؛ لأن البناء [٨٣/١ -ب] على الفاسد فاسد ، والصلاة لا تتحرى صحة وفساداً ، بل الحق أنه - عليه السلام - صلى بهم بتحريمة مبتدأة كما ذكرنا ، فإذن لم يبق لدعواه حجة، وقوله: (( وهو قول عمر ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة )) غير صحيح ؛ لأن الدارقطني أخرج في ((سننه )) عن عمرو بن خالد ، -٥١٩- عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ: (( أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ، ثم أمرهم فأعادوا )) . وروى عبد الرزاق في ((مصنفه)) : أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر: (( أن عليا صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء فأعاد ، وأمرهم أن يعيدوا » . وروى عبد الرزاق أيضاً : أخبرنا حسين بن مهران ، عن مطرح ، عن أبي المهلب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال: (( صلى عمر بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعد الناس ، فقال له عليّ : قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيدوا ، قال : فرجعوا إلى قول عليّ - رضي الله عنه)). قال القاسم: وقال ابن مسعود مثل قول عليّ - رضي الله عنهما - . ويستفاد من حديث أبي بكرة فوائد ، الأولى : جواز النسيان في العبادات على الأنبياء - عليهم السلام - ، ألا ترى أنه - عليه السلام - صرح في رواية أخرى بقوله : ((إنما أنا بشر مثلكم)) (١) ؟. والثانية : أن الإمام إذا أقام الصلاة ، ثم ظهر أنه محدث ومضی لیزیل حدثه ، أي حدث كان ، وأتى لا يحتاج إلى تجديد إقامة ثانية ، لأن ظاهر الحديث لم يدل على هذا . والثالثة : فيه دليل على طهارة الماء المستعمل ، وهو الصحيح من المذهب أنه طاهر غير طهور . وقال الخطابي: ((فيه دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا يبطل صلاته)). قلت : لا دليل فيه على ذلك ؛ لأنه لايح (٢) إما أن يكون ذهابه - عليه السلام - للاغتسال قبل التحريمة كما هو الصحيح ، أو بعدها على زعمهم ، فإن كان قبلها فليس فيه افتتاح ، لا من الإمام ولا من القوم ، وإن كان بعدها فهم افتتحوا بافتتاحه - عليه السلام - الجدید. وقال الشافعي : من أحرم قبل الإمام فصلاته باطلة . (١) انظر الحديث الآتي . (٢) كذا، ولعلها بمعنى (( لا يخرج)). - ٥٢٠-