Indexed OCR Text

Pages 81-100

وأبو حاتم ، وابن ماجه . مات في جمادى الأولى من سنة ثلاث وأربعين
ومائتين (١) .
ووكيع بن الجراح قد مضى ذكره ، وكذلك سليمان الأعمش ، ومجاهد
ابن جبر .
وطاوس بن كيسان اليمانيُّ أبو عبد الرحمن الحِمْيْرِيُّ ، سمع ابن
عباس، وابن عمر ، وابن عمرو ، وجابر بن عبد الله ، وأبا هريرة ،
وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وعائشة - رضي الله عنها - . روى
عنه: ابنه عبد الله ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، وجماعة آخرون . مات
بمكة قبل يوم التروية بيوم ، سنة ست ومائة ، وصلى عليه هشام بن
عبد الملك ، روى له الجماعة (٢) .
وعبد الله بن عباس قد مضى ذكره .
قوله: ((إنهما ليعذبان))، وفي بعض الروايات: ((يعذبان)) بدون
اللام، وفيه تأكيد من ثلاث وجوه : الأول : كونه جملة اسمية . والثاني:
كونها مصدرة بـ ((إن)). والثالث: دخول اللام في الخبر . وهذا من
قبيل إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، فيُجعلُ فيه غيرُ السائلِ
كالسائل، ويُلْقَى إليه الخبرُ كما يُلْقَى إلى السائل، من قَبِيلِ قوله تعالى :
﴿ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أُبَرِّئُّ نَفْسِي
إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ﴾ (٤) ، وقد يكون ذلك لإظهار الجزع والتأسف ،
نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (٥) على ما عرف في
موضعه ، وفي هذا الكلام حذف أيضاً ، وهو قوله: ((إنهما )) أي : إن
صاحبهما ؛ لأن نفس القبرين لا يعذبان ، وإنما يعذب صاحباهما ،
والعذاب للعقوبة ، وقد عذبته تعذيباً .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٦٠٣/٣٠).
(٢) المصدر السابق (٢٩٥٨/١٣).
(٤) سورة يوسف : (٥٣) .
(٣) سورة هود : (٣٧) .
(٥) سورة آل عمران : (٣٦) .
٦ • شرح سنن أبي داوود ١
- ٨١-

قوله: ((وما يعذبان في كبير)) قال الخطابي: ((معناه : أنهما لم يعذبا
في أمر كان يكبر عليهما ، أو يشق فعله لو أراد أن يفعلاه ، وهو التنزه من
البول ، وترك النميمة ، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست
بكبيرة في حق الدين)) (١) . ويقال : إن هذا ليس من الكبائر ، ويكون
المعنى التحذير من الكبائر ، لأنه إذا عذّب في القبر على ما ليس من
الكبائر، فكيف بالكبائر؟، (((٢) ويقال: ليس بكبير عندكم وهو عند الله
كبير ، يدل عليه ما ذكره البخاري في الروايتين : أحدهما في كتاب
الأدب، في باب النميمة: ((وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير)) (٣)،
والأخرى في كتاب الوضوء: ((وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير)) (٤)،
أي: بلى إنه لكبير عند الله، ومصداقه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عندَ الله
عَظيمٌ﴾ (٥) . ويقال : يحتمل أن يكون هذا إشارة إلى حقارة هذا الذنب
في الذنوب ، فإن النميمة من الدناءة المستحقرة ، بالإضافة إلى المروءة ،
وكذلك التلبس بالنجاسة ، ولا يفعلها إلا حقير الهمة . ويقال : ليس هو
بأكبر الكبائر ، وإن كان كبيراً .
فإن قلت : ما سبب كونهما كبيرين ؟ قلت : لأن عدم التنزه من البول
يلزم منه بطلان الصلاة ، وتركها كبيرة بلا شك ، والمشي بالنميمة هو
السعي بالفساد ، وهو من أقبح القبائح ، ولا سيما مع قوله - عليه
السلام -: ((كان يمشي))، بلفظ: ((كان)) التي للحالة المستمرة غالباً))(٦).
قوله: ((أما هذا فكان لا يستتر من البول)) كلمة ((أما)) هاهنا للتفصيل ،
وفيه معنى الشرط ، بدليل لزوم الفاء بعده .
(١) انظر: معالم السنن (١٧/١)، باب: الاستبراء من البول.
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠١/٣).
(٣) البخاري (٦٠٥٥)، ووقع عنده: ((وما يعذبان في كبيرة ... )).
(٤) البخاري (٢١٦)، وليس عنده: ((إنه كبير))، ورواه (٦٠٥٥) بلفظ: ((وما
يعذبان في كبيرة ، وإنه لكبير )) .
(٥) سورة النور: (١٥). (٦) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
- ٨٢-

قوله: ((لا يستتر)) فيه خمس روايات: ((يستتر)) بتاءين مثناتين ،
و((يستنزه)) بالزاي والهاء، و((يستبرئ)) بالباء الموحدة وبالهمزة بعد الراء،
وهذه في البخاري وغيره، وكلها صحيحة. و((يستنتر)) من نتر الذكر
بالنون والتاء المثناة من فوق، و(( يستنثر )) بالنون والثاء المثلثة.
ومعنى الرواية الأولى يحتمل وجهين : أحدهما : أن تحمل على حقيقتها
من الاستتار عن الأعين ، ويكون العذاب على كشف العورة .
والثاني - وهو الأقرب - : أن تحمل على المجاز ، ويكون المراد
بالاستتار : التنزه من البول ، والتوقي منه ، إما بعدم ملابسته ، وإما
بالاحتراز عن مفسدة تتعلق به .
ومعنى الرواية الثانية : لا يبعد منه ، لأنا قد ذكرنا أن معنى التنزه البعد.
ومعنى الثالثة: لا يستفرغ بقية البول ، ولا يتقي موضعه / ومخرجه، [٥/١ -ب]
حتى يُبرئهما منه، أي : يبينه عنهما ، كما يُبرئ من الدّين والمرض ، فإذا
لم يستبرء منه يخرج منه بعد الوضوء ما ينقض وضوءه ، فيصلي بغير
وضوء، ويكون الإثم لأجل الصلاة .
ومعنى الرابعة : لا يُمِرُّ أصابعه من ظاهر ذكره على مجرى البول حتى
يخرج ما فيه ؛ لأن نَتْرَ الذكر هو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى
البول .
ومعنى الخامسة : لا يَنْثُرُ بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد
استنشاقه .
قوله: ((فكان يمشي بالنميمة)) النميمة: (((١) نقل الحديث من قوم إلى
قوم على جهة الفساد والشر ، يقال : نَمَّ الحديث يَنُمُّه وَيَنِمُّه نما ، فهو
◌َّام، والاسم نميمة ، ونَمَّ الحديث إذا ظهر ، فهو لازم ومتعدٌّ ، وبابه من
باب نصر ينصر ، وضرب يضرب )) .
(١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٢/ ١١٢) تحت حديث (١٠٥).
- ٨٣-

قوله: ((ثم دعا بعسيب )) أي: طلب عسيباً ، والعسيب - بفتح العين
وكسر السين المهملتين - الجريد والغصن من النخل . ويقال : العسيب من
الجريد ما لم ينبت عليه الخوص ، وما نبت عليه الخوص فهو السعْفُ .
قوله: (( فشقه باثنين)) الباء في ((باثنين)) زائدة للتأكيد ، واثنين منصوب
على الحال ، وزيادة الباء في الحال مشهورة .
قوله: ((لعله يخفف عنهما)) الضمير في ((لعله)) راجع إلى العذاب ،
الذي دلَّ عليه قوله: ((يعذبان))، وقد علم أن ((لعل )) حرف ينصب
الاسم ، ويرفع الخبر ، وعن البعض أنه ينصبهما ، وزعم ابن يونس أنه
لغة بعض العرب ، وحُكي : لعل أباك منطلقاً ، وفيه عشر لغات ، ولها
معاني : أحدها : التوقع ، وهو ترجي المحبوب ، والإشفاق في المكروه .
والثاني: التعليل ، أثبته جماعة، منهم الأخفش، نحو: ﴿فَقُولا لَهُ
قَوْلاً لَّيَّنَاً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ (١) ، ومن لم يثبته يحمله على الرجاء ، أي : اذهبا
على رجائكما . والثالث: الاستفهام: نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ
يَزَّكَّى﴾ (٢)، و((لعل)) هاهنا من القبيل الأول.
قوله: ((ما لم بيبسا)) ((ما)) هاهنا بمعنى المدة الزمانية، والتقدير :
يخفف عنهما العذاب مدة عدم يُبس العسيب ، أو يكون المعنى : يخفف
عنهما العذاب في زمان عدم اليبس ، و(( ما لم ييبسا )) بفتح الباء الموحدة
مثل السين ، ويجوز كسر الباء أيضاً ، ثم إن وضع الجريدتين على القبرين
(((٣) إما لأنه - عليه السلام - سأل الشفاعة لهما فأجيب إليها ، كما ورد
في رواية مسلم: ((فأجيبت شفاعتي)) (٤) ، وإما أنه - عليه السلام -
كان يدعو لهما تلك المدة . وقيل : لكونهما يسبحان ما داما
(١) سورة طه : (٤٤).
(٢) سورة عبس: (٣).
(٣) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٢/٣).
(٤) مسلم : كتاب الزهد والرقائق ، باب : حديث جابر الطويل (٣٠١٢)، وكذا
في الأصل وفي ((شرح صحيح مسلم))، ووقع عند مسلم: (( فأحببت
بشفاعتي أن يرفه عنهما ... )) .
-٨٤-

رطبتين ، وليس لليابس تسبيح ، وهذا مذهب جماعة من المفسرين في
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْده﴾ (١)، وقالوا: معناه :
وإن من شيء حي ، ثم قالوا : حياة كل شيء بحسبه ، فحياة الخشب ما
لم بيبس ، والحجر ما لم يُقطع ، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم
إلى أن الآية على عمومها ، ثم اختلفوا ، هل تسبيح حقيقي ؟ أم فيه دلالة
على الصانع فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله ؟ ، والمحققون على أنه
تسبيح حقيقي، وقد أخبر الله تعالى: ((وإن من الحجارة (٢) لما يهبط من
خشية الله )) .
فإن قيل: فعلى قولهم ما يكون فائدة قوله: ((بعسيب رطب؟ )) قلت:
ليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس ، بل
لأجل التبرك بأثر النبي - عليه السلام - ودعائه بالتخفيف ، فكأنه جعل
مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب. ويستفاد
من هذا الحديث فوائد : الأولى : إثبات عذاب القبر خلافاً للمعتزلة :
الثانية : إثبات نجاسة الأبوال .
الثالثة : إثبات غلظ تحريم النميمة .
الرابعة : إثبات انتفاع الميت بتسبيح غيره ، ولهذا استحب العلماء قراءة
القرآن عند القبر ؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد ، فبتلاوة
القرآن أَوْلى)) (٣).
(١) سورة الإسراء : (٤٤).
(٢) كذا في الأصل، وفي (( شرح صحيح مسلم)).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)). وفي الفائدة الرابعة نظر من
وجهين :
أحدهما : أن الميت لا ينتفع إلا بعمله لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا
ما سعى﴾، وما أثبتته السَّنَّة كقوله وَّر: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا
من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )) ، وما
فعله وَّر فهو خاص به، بدليل أنه لم يفعل هذا مع سائر القبور، ولم يفعله=
-٨٥-

١٠ - ص - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : ثنا جرير ، عن منصور عن
مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام - بمعناه، [ قال:] (( كَانَ
لا يَسْتَتَرُ مِن بَوْلِهِ)) (١) .
قال (٢) أبو داود: قال هناد: ((يستتر)) مكان ((يستنزه))، وقال زهير:
(يستنزه)) (٢).
ش - عثمان بن أبي شيبة قد مضى مرة .
وجرير هذا ابن عبد الحميد بن قرط بن هلال الضبي أبو عبد الله
الرازي، رأى أيوب السختياني بمكة ، سمع عبد الملك بن عمير ، ويحيى
ابن سعيد ، ومنصور بن المعتمر ، وهشام بن عروة ، والأعمش ، ومالك
ابن أنس ، والثوري ، وغيرهم . روى عنه : ابن المبارك ، وأبو داود
الطيالسي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأخوه عثمان ،
[٦/١-١] وغيرهم ، وهو مجمع على ثقته ، مات سنة ثمان وثمانين ومائة، / وهو
ابن ثمان وسبعين ، روى له الجماعة (٣).
ومنصور بن المعتمر بن عبد الله بن رُبَيْعَة - بضم الراء - أبو عتَّاب
السُّلَميُّ الكوفي ، سمع زيد بن وهب ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ،
والزهري ، ومجاهدا ، وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ،
= الخلفاء الراشدون ، وكبار الصحابة ، ولو كان مشروعاً لبادروا إليه ، وإنما فعله
وَّ ر لعلمه بعذاب صاحبي القبرين، وهذه خصوصية به وَل.
ثانيهما : أن جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد كرهوا قراءة القرآن عند
القبور ، فقد قال أبو داود في مسائله (ص/١٥٨): (( سمعت أحمد سئل عن
القراءة عند القبر؟ فقال: لا)). وقال مالك كما في ((اقتضاء الصراط
المستقيم)) (ص/ ١٨٢): ((ما علمت أحداً يفعل ذلك))، ولينظر كلام شيخ
الإسلام في (( اقتضاء الصراط المستقيم))، فإنه مهم مفيد في بابه .
(١) انظر التخريج السابق .
(٢) في المطبوع من سنن أبي داود: ((وقال أبو معاوية: يستنزه)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩١٨/٤).
-٨٦-

والأعمش ، والثوري ، وهو أثبت الناس فيه ، وسفيان بن عيينة وغيرهم،
وكان فيه تشيع قليل ، وكان [ قد ] عمش من البكاء ، وصام ستين سنة
وقامها . توفي سنة ثنتين وثلاثين ومائة (١) .
ومجاهد بن جبر ، وعبد الله بن عباس ، وهناد قد ذكروا . وهذا
الحديث الذي رواه ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
وابن ماجه .
١١ - ص - ثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال : ثنا الأعمش،
عنٍ زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن ابن حَسَنَةَ قال: « انطلقتُ أَنَا وعمرُو
ابنُ العاصِ إلى النبيِّ - عليه السلام - فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ، ثم اسْتَتَرَ بِهَا، ثم
بَالَ، فَقُلْنَاَ: انظُرُوا إليه يَبُولُ كما تَبَولُ المرأةُ، فسمع ذلكَ فقالَ : ألمْ تَعْلَمُوا
مَا لَقِيَ صاحِبُ بَنِي إِسَرَائيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ البَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ البولُ
منهم، فَتَهَاهُمْ، فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ)) (٢) . قال أبو داود: قال منصور ، عن
أبي وائل، عن أبي موسى (٣): ((جلْدَ أَحَدِهمْ)). وقال عاصم، عن
أبي وائل، عن أبي موسى (٤): ((جَسَدَ أَحَدِهَمْ)) .
ش - عبد الواحد بن زياد أبو بشر ، ويقال : أبو عبيدة البصري
العبدي. روى عن العاصم الأحول ، والأعمش ، وعمارة بن القعقاع ،
وغيرهم . روى عنه : قتيبة بن سعيد ، وأبو هشام المخزومي ، وأبو داود
الطيالسي ، وغيرهم . وقال ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة : ثقة . مات
سنة سبع وسبعين ومائة (٥) .
وزيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي ، رحل إلى النبي - عليه
(١) المصدر السابق (٢٨/ ٦٢٠١).
(٢) النسائي: كتاب الطهارة، باب: البول إلى السترة يستتر بها (٢٦/١ - ٢٧)،
ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : التشديد في البول (٣٤٦).
(٣) في السنن: ((عن أبي موسى، وفي هذا الحديث)).
(٤) في السنن: ((عن أبي موسى، عن النبي ◌َطار)).
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٨٥/١٨).
-٨٧-

السلام - فقبض وهو في الطريق . سمع عمر بن الخطاب ، وعليّ بن
أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهم . روى عنه سلمة بن كهيل ،
والأعمش ، ومنصور بن المعتمر ، وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة .
مات سنة ست وتسعين . روى له الجماعة (١) .
وعبد الرحمن ابن حسنة هو أخو شرحبيل ابن حسنة ، وحسنة أمهما ،
وكانت مولاة لعمر (٢) بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، وهو
عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع بن الغطريف ، روى له : أبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (٣) .
وعمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد - بضم السين وفتح
العين - ابن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي بن
غالب القرشي السهمي ، يكنى أبا عبد الله ، ويقال : أبو محمد ، روي
له عن رسول الله - عليه السلام - سبعة وثلاثون حديثاً (٤) ، اتفقا على
ثلاثة أحاديث ، ولمسلم حديثان ، وللبخاري طرف من حديث . روى عنه
أبو عثمان النهدي ، وعروة بن الزبير ، وقيس مولاه . مات بمصر عاملاً
عليها سنة اثنتين ، وقيل : ثلاث وأربعين ، يوم الفطر ، ودفن بالمقطم في
ناحية الفتح ، وكان له يوم مات سبعون سنة ، روى له الجماعة (٥) .
قوله: ((دَرَقة)) بفتح الدال والراء هي الجحفة ، وهذه جملة اسمية
وقعت حالاً من الضمير الذي في ((خرج))، وإنما استتر بها لئلا يطلع
أحد إلى عورته ، وهذا تعليم منه لأمته ، ولیکون أيضاً حاجزاً بينه وبين
القبلة، وإنما قالا: (( كما تبول المرأة)) لاستتاره - عليه السلام - بالدرقة
(١) المصدر السابق (٢١٣١/١٠).
(٢) في: تهذيب الكمال: ((معمر)).
(٣) المصدر السابق (٣٨٠٠/١٧).
(٤) كذا، وفي ((الرسائل الخمس)) لابن حزم: ((٣٩ حديثاً)). وقال الذهبي في
السير (٥٥/٣): ((تبلغ بالمكرر الأربعين)).
(٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٥٠٨/٢)، وأسد الغابة (٢٤٤/٤)، والإصابة
(٢/٣) .
-٨٨-

كما تستتر المرأة ، ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف ؛
لأن الصحابة أبرياء من هذا الأمر ، وإنما وقع منهما هذا الكلام من غير
قصد ، أو وقع بطريق التعجب ، أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل ،
فلذلك أجاب - عليه السلام - بقوله : (( ألم تعلموا ما لقي صاحبُ بني
إسرائيل ؟)) ، وهو موسى - عليه السلام - ، وإنما لم يصرح باسمه
- عليه السلام - للاشتهار بينهم ، أي : الذي لقي من بني إسرائيل أموراً
عظيمة ، وهو موسى ، وإن كان بعث فيهم أنبياء غيره ، ولكن أشهرهم
وأعظمهم موسى - عليه السلام - ، أو لأجل تعظيمه - عليه السلام -
كما قال تعالى: ﴿تلْكَ الرَّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُم مِّن كَلِّمَ
الله﴾ (١) ، ولم يقل موسى.
قوله: ((ما أصابه البول)) في محل النصب على أنه مفعول ((قطعوا)).
وقوله: (( جلد أحدهم)) مفعول قائم مقام فاعل ((فَعُذِّبَ)) أي : فعذب
الله جلد أحدهم في قبره . والفرق بين الروايتين : أن الجلد أخص من
الجسد ، ولكنه مشتمل على جميع الجسد ، فبعذابه يعذب الجسد كله .
فإن قلت: كيف يترتب قوله: ((فَعُذِّب)) على قوله: / ((فنهاهم))؟ [١-٦/ب]
قلت : فيه حذف ، وتقديره : فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا ، فعذب
الله، والفاء في قوله: ((فعذِّب)) فاء السببية ، نحو قوله تعالى :
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّ كَلِمَات
فِتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٣) .
قوله: (( عن أبي (٤) وائل)) وأبو وائل هذا شقيق بن سلمة الأسدي ،
أسد خزيمة ، أحد بني مالك بن ثعلبة بن دودان الكوفي ، أدرك زمان النبي
- عليه السلام - ولم يره ، فروى عن أبي بكر ، وسمع عمر بن
الخطاب، وعثمان بن عفان ، وعليا ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس،
(١) سورة البقرة: (٢٥٣).
(٣) سورة البقرة : (٣٧).
(٢) سورة القصص : (١٥).
(٤) في الأصل: ((ابن )) خطأ .
-٨٩-

وغيرهم من الصحابة والتابعين . روى عنه : الشعبي ، والأعمش ،
ومنصور ، وجماعة آخرون كثيرة . وقال ابن معين : ثقة لا يسأل عنه .
وقال أحمد بن عبد الله : رجل صالح جاهلي . مات سنة تسع وتسعين .
روی له الجماعة (١) .
وعاصم هذا هو عاصم بن سليمان الأحول التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن
البصري ، ويقال : مولى عثمان بن عفان ، كان محتسباً بالمدائن ، سمع
عبد الله بن سَرْجِس ، وأنس بن مالك ، والحسن البصري ، وغيرهم .
روى عنه : قتادة ، والثوري ، وشعبة ، وابن المبارك ، وجماعة آخرون .
وقال ابن معين : كان يحيى بن سعيد يُضعِّف عاصماً الأحول ، وقال : لم
يكن بالحافظ . وعن ابن معين : إنه ثقة . وقال أبو حاتم : صالح
الحديث . مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، روى له الجماعة (٢).
وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري ، وقد ذكر مرة . وحديث
عبد الرحمن ابن حسنة هذا أخرجه النسائي ، وابن ماجه ، وأبو بكر بن
أبي شيبة .
٨ - باب : البول قائماً
أي : باب حكم بول الرجل حال كونه قائماً .
١٢ - ص - حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا : ثنا شعبة .
قال : وثنا مسدد قال : ثنا أبو عوانة - وهذا لفظ حفصٍ - عن سليمان، عن
أبي وائل، عن حذيفة قال: ((أَتَى رسولُ اللهِّرَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً، ثم
دَعَا بِمَاء فَمَسَحَ عَلَى خُفَيْه )) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧٦٧/١٢).
(٢) المصدر السابق (٣٠٠٨/١٣).
- ٩٠-

[ قال أبو داود:](١) قال مسدد: [قال](١): ((فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ فدَعَانِي
حَتَّى كُنتُ عندَ عَقْبهِ)) (٢) .
ش - حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري البصري ، سمع
هشاماً الدَّستوائي ، وهمام بن يحيى ، وشعبة ، وغيرهم . روى عنه :
أبو حاتم ، والبخاري ، وأبو داود ، وروى النسائي عن رجل عنه ،
وجماعة آخرون . مات سنة خمس وعشرين ومائتين (٣).
ومسلم بن إبراهيم أبو عمرو البصري القصاب الفراهيدي مولاهم .
سمع شعبة ، وهشاماً ، وابن المبارك ، وغيرهم . روى عنه : ابن معين ،
والبخاري ، ومحمد بن إسحاق الصغاني ، وأبو زرعة ، وجماعة
آخرون. وكان قد عمي بآخرة . مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين . روى
له الجماعة (٤) .
وأبو عوانة اسمه : الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي ، ويقال :
مولى عطاء بن عبد الله الواسطي ، كان في سَبِي جُرجان ، رأى الحسن
وابن سيرين ، وسمع من محمد بن المنكدر حديثاً واحداً ، وسمع عمرو
ابن دينار ، وقتادة ، وأيوب السختياني ، والأعمش ، وجماعة آخرين .
روى عنه : شعبة ، ووكيع ، وأبو داود الطيالسي ، ومسدد ، وقتيبة بن
سعيد ، وجماعة آخرون . وقال أحمد ويحيى : كان ثقة . توفي سنة
ست وسبعين ومائة ، وقيل : خمس وسبعين . روى له الجماعة (٥) .
(١) زيادة من سنن أبي داود .
(٢) البخاري : كتاب الوضوء ، باب: البول قائماً وقاعداً (٢٢٤)، مسلم : كتاب
الطهارة ، باب : المسح على الخفين (٧٣/٢٧٣) ، الترمذي : كتاب الطهارة ،
باب : الرخصة في ذلك (١٣) ، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : الرخصة
في البول فى الصحراء قائماً (٢٥/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما
جاء في البول قائماً (٣٠٥)، أحمد (٣٨٢/٥، ٤٠٢).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣٩٧/٧).
(٤) المصدر السابق (٥٩١٦/٢٧) .
(٥) المصدر السابق (٦٦٨٨/٣٠).
- ٩١-

وحذيفة بن اليمان ، واسم اليمان : حِسْل ، ويقال : حُسَيْل بن جابر
ابن [ أُسيد بن ] عمرو بن ربيعة بن جُرْوة بن الحارث أبو عبد الله. روى
عنه : عمار بن ياسر ، وأبو حذيفة ، وربعي بن حراش ، وأبو وائل ،
وغيرهم . مات بالمدائن والياً عليها سنة ست وثلاثين ، بعد قتل عثمان
بأربعين ليلة . روى له الجماعة (١) .
قوله : (( سُباطة قوم)) بضم السين ، وتخفيف الباء الموحدة ، وهي مُلقى
الزبالة والتراب ونحوهما ، يكون بفناء الدور مرفقاً لأهلها . وقال
الخطابي: ((ويكون في الأغلب سهلاً دَمئاً ، لا (٢) يخد فيها البول ، ولا
يرتد على البائل)) (٣). ويقال: السُبَاطة: الكُناسة نفسها ، وإضافتها
إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك ، لأنها كانت مواتاً مباحة .
قوله: ((فبال قائماً)) فيه وجوه: (((٤) الأول : ما روي عن الشافعي :
أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً ، قال : فنرى أنه كان
به - عليه السلام - وجع الصلب إذ ذاك .
والثاني : ما رواه البيهقي برواية ضعيفة: ((أنه - عليه السلام - بال
قائماً لعلة بِمَأْبِضِهِ )) (٥) والمَأْبِضُ - بهمزة ساكنة بعد الميم ، ثم باء موحدة-
[٧/١-١] وهو / باطن الركبة .
والثالث : أنه - عليه السلام - لم يجد مكاناً للقعود ، فاضطر إلى
القيام ، لكون الطرف الذي يليه في السباطة كان عالياً مرتفعاً .
والرابع : ما ذكره القاضي عياض ، لكون البول قائماً حالة يؤمن فيها
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٢٧٧/١) بهامش الإصابة ، وأسد الغابة
(٤٦٨/١)، والإصابة (٣١٧/١).
(٢) كذا، وفي ((معالم السنن)) و((شرح صحيح مسلم)): ((سهلاً منثالاً)).
(٣) انظر: معالم السنن (١٨/١)، باب: البول قائماً.
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم (١٦٥/٣ - ١٦٦) تحت شرح حديث الباب.
(٥) البيهقي : كتاب الطهارة ، باب: البول قائماً (١٠١/١) من حديث أبي هريرة.
- ٩٢-

خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب ، بخلاف - حالة القعود ،
ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - : البول قائماً حصن للدبر .
والخامس : أنه فعله - عليه السلام - بياناً للجواز في هذه المرة ،
وكانت عادته المستمرة البول قاعداً ، يدل عليه حديث عائشة - رضي الله
عنها - قالت: ((من حدثكم أن النبي - عليه السلام - كان يبول قائماً
فلا تصدقوه ، ما كان يبول إلا قاعداً )) رواه أحمد والنسائي والترمذي
بإسناد جيد (١) . وقد روي في النهي عن البول قائماً أحاديث لا تثبت (٢)،
ولكن حديث عائشة هذا ثابت ، فلهذا قالت العلماء : يكره البول قائماً
إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم. وقال ابن المنذر في (( الإشراف)):
اختلفوا في البول قائماً ، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن
عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياماً ، وروي ذلك عن أنس وعليّ
وأبي هريرة ، وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير ، وكرهه ابن مسعود
والشعبي وإبراهيم بن سعد ، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً .
وقال ابن المنذر : وفيه قول ثالث : أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من
البول شيء فهو مكروه ، وإن كان لا يتطاير فلا بأس ، وهو قول مالك .
وقال ابن المنذر : البول جالساً أحب إليّ ، وقائماً مباح ، وكل ذلك ثابت
عن النبي - عليه السلام - .
(١) أحمد (١٣٦/١، ١٩٢، ٢١٣)، والترمذي في : كتاب الطهارة، باب: ما
جاء في النهي عن البول قائماً (١٢)، والنسائي في : كتاب الطهارة ، باب :
البول في البيت جالساً (٢٦/١)، وكذا ابن ماجه في : كتاب الطهارة ، باب:
في البول قاعداً (٣٠٧) بنحوه .
(٢) منها ما رواه الترمذي (عقب رقم/ ١٢)، وابن ماجه (٣٠٨) ، والبيهقي
(١٠٢/١) من حديث عمر أنه قال: ((رآني النبي وَلّ وأنا أبول قائماً فقال:
يا عمر، لا تبل قائماً، فما بُلتُ قائماً بعد)). وقال الترمذي: ((إنما رفع
هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق ، وهو ضعيف عند أهل الحديث ،
ضعَّفه أيوب السختياني وتكلم فيه)). اهـ. ومنها ما رواه ابن ماجه (٣٠٩)
من حديث جابر بن عبد الله قال: ((نهى رسول الله وَ له أن يبول قائماً)) وفيه
عدي بن الفضل متفق على ضعفه ، قال في التقريب: (( متروك)).
- ٩٣-

وأما بوله - عليه السلام - في سباطة القوم يحتمل وجوهاً :
الأول - وهو الأظهر - : أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه ، بل
يفرحون به ، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه ، والأكل من
طعامه، والاستمداد من بحيرته ، ولهذا ذكر علماؤنا أن من دخل بستان
غيره يباح له الأكل من فاكهته ، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط
ومحبة .
والثاني : أنها لم تكن مختصة بهم ، بل كانت بفناء دورهم للناس
كلهم ، فأضيف إليهم لقربها منهم .
والثالث : أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة ، إما صريحاً أو دلالة ..
فإن قلت: قد روي: ((أنه - عليه السلام - [ كان ] إذا أراد حاجة
أبعد )) (١) ، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدور ؟ قلت : لعله كان
مشغولاً بأمور المسلمين ، والنظر في مصالحهم ، وطال عليه مجلسٌ حتى
حزقه البول ، فلم يمكنه التباعد ، ولو أبعد لتضرر ، وارتاد السباطة
لدَمَثَها (٢)، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس)) (٣).
قوله : (( ثم دعا بماء فمسح على خفيه)) فيه حذف ، أي : بعد أن فرغ
من البول طلب ماء فتوضأ ومسح على خفيه .
قوله: (( فذهبت أتباعد )) من قول حذيفة . فإن قلت : كيف أدناه ، وفي
حديث آخر لما أراد قضاء الحاجة قال: ((تنح))؟. قلت (٤): ((إنما أدناه
(١) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في: كتاب الطهارة ، باب : الإبعاد عند قضاء
الحاجة (١٧/١ - ١٨)، وابن ماجه بنحوه في كتاب الطهارة ، باب: التباعد
للبراز في الفضاء (٣٣٤) من حديث عبد الرحمن بن أبي قراد . وأخرجه
أبو داود (١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي (١٨/١)، وابن ماجه (٣٣١) من
حديث المغيرة بن شعبة بلفظ: (( كان إذا ذهب المذهب أبعد )).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
(٢) سَهُل ولان .
(٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٧/٣).
-٩٤-
٠

هاهنا ليستتر به عن أعين المارة ؛ لأن السباطة تكون في الأفنية والمَحَال
المسكونة ، أو قريباً منها ، ولا تكاد تخلو هذه المواضع من المارة ، ولأنه
كان يبول قائماً ، ويؤمن معه من خروج الحدث الآخر ، والرائحة
الكريهة، فلهذا استدعاه ، وأما في الحديث الثاني فلكونه كان يقضي حاجته
قاعداً ، ويحتاج إلى الحدثين جميعاً ، فتحصل الرائحة المستكرهة ، فلذلك
قال: ((تنح عني))، وعن هذا قال بعض العلماء : في هذا الحديث من
السُّنَّة : القرب من البائل إذا كان قائماً ، والبعد إذا كان قاعداً .
قوله : ((عن عَقبه)): العَقب بفتح العين وكسر القاف : مؤخر القدم ،
وهي مؤنثة . ويستفاد من هذا الحديث فوائد : الأولى : جواز المسح على
الخف .
والثانية : جواز المسح في الحضر .
والثالثة : جواز البول قائماً .
والرابعة : جواز قرب الإنسان من البائل .
والخامسة : جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه ،
ليستره .
والسادسة : استحباب التستر .
والسابعة : جواز البول بقرب الديار)) (١) .
والثامنة : فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة ، لما فيه من
الضرر .
وهذا الحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)).
(١) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
- ٩٥-

/ ٩ - باب: الرجل يبول في الإناء يضعه عنده بالليل (١)
[٧/١-ب]
أي : هذا باب فيه حكم الرجل يبول في إناء يضعه عنده في الليل .
١٣ - ص - ثنا محمد بن عيسى قال : نا حجاج ، عن ابن جريج ، عن
حُكَيمة [بنت] أُميمة بنت رُقَيقةَ، عن أمها قالت: ((كان للنبيّ - عليه
السلام- قَدَحٌ من عَيّدَانِ تحت سَریرِه يبولُ فيه بالليلِ)) (٢) .
ش - محمد بن عيسى هذا هو الطباع ، أخو إسحاق ويوسف ، انتقل
إلى الشام ، وسكن أَذَنَة . سمع هشيماً (٣) ، ومالك بن أنس ، وحماد
ابن زيد ، وغيرهم . روى عنه : البخاري تعليقاً ، وأبو حاتم الرازي ،
وأبو داود ، وغيرهم . وروى له النسائي وقال : ثقة . وقال أبو حاتم :
ثقة مأمون . وقال أبو داود : كان ربما دلس ، توفي سنة أربع وعشرين
ومائتين (٤) .
وحجاج هذا هو ابن محمد الأعور أبو محمد ، مولى سليمان بن
مجالد ، مولى أبي جعفر المنصور ، ترمذي الأصل ، سكن بغداد ، ثم
تحول إلى المصيصة . سمع ابن جريج ، وابن أبي ذئب ، والليث بن
سعد، وشعبة، وحمزة الزيات. روى عنه : أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة،
وعباس الدوري ، ويحيى بن يحيى ، وغيرهم . وقال النسائى : ثقة .
توفي ببغداد في ربيع الأول من سنة ست ومائتين . وقال ابن سعد : وكان
تغير في آخر عمره ، وكان ثقة صدوقاً . روى له الجماعة (٥) .
وابن جريج قد مضى ذكره .
وأميمة بنت رُقَيقة هي أميمة بنت عبيد ، ويقال : بنت عبد الله بن بجاد
(١) في سنن أبي داود: ((باب : في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده)).
(٢) النسائي في: كتاب الطهارة ، باب: البول في الإناء (٣١/١).
(٣) في الأصل: (( هشيم)).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٥٣٤/٢٦).
(٥) المصدر السابق (١١٢٧/٥).
-٩٦-

ابن عُمَير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي
ابن غالب ، أمها رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف . روى
عنها محمد بن المنكدر ، وابنتها حُكَيمة بنت أُميمة . روى لها : أبو داود،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله : ((قدح من عَيْدان)) القَدَح - بفتح القاف والدال - مشهور .
والعَيْدَان - بفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف - الطوال في
النخيل ، الواحدة : عَيْدَانة . والسرير : التخت .
قوله : (( يبول فيه)) جملة في محل الرفع ؛ لأنها وقعت صفة لقوله :
((قدح))، والباء في قوله: (( بالليل)) بمعنى: (( في )) . وحديث حكيمة
هذا أخرجه النسائي .
١٠ - باب : المواضع التي نهي عن البول فيها (٢)
أي : باب فيه بيان المواضع التي نهى النبي- عليه السلام- أن يبال فيها.
١٤ - ص - حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء
ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ لَم قال: «اتَّقُوا
اللاعنيْنِ ! قالوا : وما اللاعنان يا رسولَ الله ؟ قال : الذي يتخلَّى في طريقٍ
النَّاسِ أَوَ ظِلّهِمْ)) (٣) .
ش - قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله أبو رجاء البغلاني
الثقفي مولاهم ، وبغلان قرية من قرى بلخ . وقال ابن عدي : اسمه :
يحيى بن سعيد ، وقتيبة لقب . سمع مالك بن أنس ، والليث بن سعد ،
(١) انظر ترجمتها في: الاستيعاب (٢٣٩/٤) بهامش الإصابة، وأسد الغابة
(٢٧/٧)، والإصابة (٤/ ٢٤٠).
(٢) في سنن أبي داود: ((باب: المواضع التي نهى النبي وَّر عن البول فيها)).
(٣) مسلم : كتاب الطهارة، باب : النهي عن التخلي في الطرق والظلال
(٦٨/٢٦٩) .
٧ ٠ شرح سنن أبي داوود ١
- ٩٧-

وأبا عوانة ، ووكيعاً ، وابن عيينة ، وغيرهم . روى عنه : أحمد بن
حنبل، ويحيى بن معين ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وأبو بكر بن
أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه (١) ، وغيرهم . توفي في شعبان سنة أربعين ومائتين (٢).
وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إبراهيم (٣) الزرقي
مولاهم المدني . سمع عبد الله بن دينار ، وحميداً (٤) الطويل ، ومالك
ابن أنس ، وغيرهم . روى عنه : يحيى بن يحيى ، وقتيبة بن سعيد ،
ويحيى بن أيوب ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة مأمون ، قليل الخطإ ،
صدوق . وقال أبو زرعة : ثقة . مات ببغداد سنة ثمانين ومائة . روى له
الجماعة (٥) .
والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أبو شبل الحُرَقِي الجهني مولاهم .
سمع أباه وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وعباس بن سهل ،
وغيرهم . روى عنه : مالك بن أنس ، وابن جريج ، وشعبة ، وابن
عيينة ، وإسماعيل بن جعفر ، وغيرهم . وقال أبو حاتم : هو صالح .
وقال ابن معين : ليس حديثه بحجة . وقال ابن سعد : ثقة كثير الحديث،
ثبت . روى له الجماعة إلا البخاري (٦).
قوله: ((اتقوا اللاعنّيْنِ)) بفتح النون أي: اجتنبوهما، (((٧) يريد
الأمرين الجالبين [ للعن ] (٨)، الحاملين للناس عليه، وذلك أن مَن
(١) كذا، والذي في تهذيب الكمال (٥٢٧/٢٣): ((روى عنه الجماعة سوى ابن
ماجه )) .
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٨٥٢/٢٣).
(٣) كذا، وفي تهذيب الكمال (٥٦/٣): ((أبو إسحاق)) ولم يَحْكِ غيره.
(٤) في الأصل: (( حميد)).
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٣٣/٣).
(٦) المصدر السابق (٢٢/ ٤٥٧٧).
(٨) زيادة من معالم السنن .
(٧) انظر: معالم السنن (١٩/١).
- ٩٨-

فعلهما لُعن وشُتم ، فلما صارا سبباً لذلك أضيف إليهما الفعل ، فكان
كأنهما اللاعنان ، وقد يكون اللاعن أيضاً بمعنى الملعون ، فاعل بمعنى
مفعول ، كقولهم : سر كاتم ، وعيشة راضية، / أي : مكتوم ومرضية))،
وهذا من أقسام المجاز العقلي ، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له
بتأول .
[٨/١-أ]
قوله: ((الذي يتخلى)) أي: الرجل الذي يتفرَّغ لقضاء حاجته في طريق
الناس ، والتقدير : أحدهما الذي يتخلى .
قوله: (( أو ظلهم)) أي : أو الذي يتخلى في ظل الناس ، والمراد به
مستظل الناس الذي اتخذوه مَقِيلاً ومَنَاخاً ينزلونه ، وليس كل ظل يحرم
القعود للحاجة تحته، فقد قعد رسول الله وَ له لحاجته تحت حائش من
النخل ، وللحائش لا محالة ظل. وقال ابن الأثير: الحائش: (( النخل
الملتف المجتمع ، كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض ، وأصله
واوي))(١). وحديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم .
١٥ - ص - وثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب - وحديثه
أتم - ، أن سعيد بن الحكم حدثهم قال : أخبرني نافع بن يزيد قال : حدثني
حيوة بن شريح ، أن أبا سعيد الحميري حدثه ، عن معاذ بن جبل قال : قال
رسول الله وَله: «اتَّقُوا الملاعنَ الثَلاثَ: البَرَازَ في الموارد، وقَارعة الطَّريق،
والظِّلِّ) (٢).
ش - إسحاق بن سويد الرملي ، روى عن : سعيد بن الحكم بن
أبي مريم ، وإسماعيل بن أبي أويس ، والوليد بن نصر . روى عنه :
أبو داود ، والنسائي - وقال : ثقة - ومحمد بن محمد الباغندي ،
ومكحول البَيْروتي (٣).
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٤٦٨/١) مادة: ((حيش))، وقال: أصله واوي،
وإنما ذكرناه هاهنا لأجل لفظه .
(٢) ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب : النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (٣٢٨).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٢٧/٢).
-٩٩-

وعمر بن الخطاب السجستاني أبو حفص روى عن سعيد بن الحكم بن
أبي مريم المصري ، ومحمد بن كثير ، ومحمد بن يوسف الفِريابي ،
وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، وأبو بكر بن أبي عاصم ، وأحمد بن
عبد الكريم ، وغيرهم . مات بكرمان سنة أربع وستين ومائتين (١) .
وسعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي أبو محمد المصري ، سمع
مالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، والليث بن سعد ، وعبد الله بن
وهب، وغيرهم . روى عنه : يحيى بن معين ، ومحمد بن يحيى ،
وأبو حاتم الرازي ، والبخاري ، وروى مسلم عن رجل عنه ، وجماعة
آخرون. مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، وولد سنة أربع وأربعين ومائة .
روى له الجماعة (٢) .
ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري ، روى عن : أبي سفيان طلحة (٣) ،
وأبي هانئ الخولاني ، وقيس بن الحجاج . روى عنه : عبد الله بن لهيعة،
وعبد الله بن صالح كاتب الليث ، وعبد الله بن وهب . وقال أحمد بن
صالح : كان من ثقات الناس . وقال أبو حاتم : لا بأس به . روى له
الجماعة إلا الترمذي (٤).
وحيوة بن شُريح هذا هو ابن صفوان بن مالك التجيبي أبو زرعة
المصري الفقيه الزاهد العابد ، سمع أباه ، وربيعة بن يزيد ، وأبا هانئ
الخولاني ، وغيرهم . روى عنه الليث بن سعد ، وابن لهيعة ،
وأبو زرعة ، ونافع بن يزيد ، وغيرهم . وقال أحمد بن حنبل وابن معين:
ثقة مات سنة تسع وخمسين ومائة . روى له الجماعة (٥) .
(١) المصدر السابق (٤٢٢٦/٢١) .
(٢) المصدر السابق (٢٢٣٥/١٠).
(٣) كذا: ((عن أبي سفيان طلحة))، وفي تهذيب الكمال (٢٩٦/٢٩):
((أبي سفيان بن جابر بن عتيك))، وكتب المعلق في الهامش: (( جاء في
حاشية نسخة المؤلف التي بخطه من تعليقاته على صاحب (( الكمال )) قوله :
((كان فيه: وأبي سفيان طلحة بن نافع وهو خطأ)) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٣٧١/٢٩).
(٥) المصدر السابق (٧ / ١٥٨٠).
- ١٠٠ -