Indexed OCR Text
Pages 21-40
فجاءه الأمير أبو أحمد الموفق -يعني ولي العهد- فدخل، ثم أقبل عليه أبو داود، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ قال : خلال ثلاث ، قال : وما هي ؟ قال : تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ، ليرحل إليك طلبة العلم ، فتعمر بك ، فإنها قد خربت ، وانقطع عنها الناس ، لما جرى عليها من محنة الزنج ، فقال: هذه واحدة، قال: وتروي لأولادي ((السنن))، قال: نعم، هات الثالثة ، قال : وتفرد لهم مجلساً ، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة، قال: أما هذه فلا سبيل إليها ، لأن الناس في العلم سواء . قال ابن جابر : فكانوا يحضرون ويقعدون في كم حيري ، عليه ستر ، ويسمعون مع العامة . قال ابن داسة : كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق ، فقيل له في ذلك ، فقال : الواسع للكتب ، والآخر لا يحتاج إليه . قال أبو بكر بن أبي داود : سمعت أبي يقول : خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذن . قال أبو عبيد الآجري : سمعت أبا داود يقول : الليث روى عن الزهري ، وروى عن أربعة ، عن الزهري ، حدَّث عن : خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري . وسمعت أبا داود يقول : كان عمير بن هانئ قدريا ، يسبح كل يوم مئة ألف تسبيحة ، قتل صبراً بداريا أيام يزيد بن الوليد ، وكان يحرض عليه . قال أبو داود : مسلمة بن محمد حدثنا عنه مسدد ، قال أبو عبيد : فقلت لأبي داود : حدث عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة: ((إياكم والزنج، فإنه خلق مشوه )) ؟ فقال : من حدث بهذا ، فاتهمه . وقال أبو داود : يونس بن بكير ليس هو عندي حجة ، هو والبكائي سمعا من ابن إسحاق بالري . قال الحاكم : سليمان بن الأشعث السجستاني مولده بسجستان ، وله ولسلفه إلى الآن بها عقد وأملاك وأوقاف ، خرج منها في طلب الحديث إلى البصرة ، - ٢١ - فسكنها ، وأكثر بها السماع عن سليمان بن حرب، وأبي النعمان، وأبي الوليد ، ثم دخل إلى الشام ومصر ، وانصرف إلى العراق ، ثم رحل بابنه أبي بكر إلى بقية المشايخ ، وجاء إلى نيسابور ، فسمع ابنه من إسحاق بن منصور ، ثم خرج إلى سجستان ، وطالع بها أسبابه ، وانصرف إلى البصرة واستوطنها . وحدثنا محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني ، حدّثنا أبو بكر بن أبي داود ، حدَّثْنا أبي ، حدثنا محمد بن عمرو الرازي ، حدَّثنا عبد الرحمن بن قيس ، عن حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه: ((أن النبي ◌َّ- سئل عن العتيرة ، فحسنها )). قيل : إن أحمد كتب عن أبي هذا ، فذكرت له ، فقال : نعم ، قلت : وكيف كان ذلك ؟ فقال : ذكرنا يوماً أحاديث أبي العشراء ، فقال أحمد : لا أعرف له إلا ثلاثة أحاديث ، ولم يرو عنه إلا حماد حديث اللبة ، وحديث : رأيت على أبي العشراء عمامة ، فذكرت لأحمد هذا ، فقال : أمله عليَّ ، ثم قال : لمحمد بن أبي سمينة عند أبي داود حديث غريب ، فسألني ، فكتبه عني محمد بن يحيى بن أبي سمينة . قال الحاكم : وأخبرنا أبو حاتم بن حبان : سمعت ابن أبي داود ، سمعت أبي يقول : أدركت من أهل الحديث من أدركت ، لم يكن فيهم أحفظ للحديث، ولا أكثر جمعاً له من ابن معين ، ولا أورع ولا أعرف بفقه الحديث من أحمد ، وأعلمهم بعلله عليّ بن المديني ، ورأيت إسحاق - على حفظه ومعرفته - یقدم أحمد بن حنبل ، ويعترف له . وحدثني أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده ، حدثني عبد الكريم بن النسائي ، حدثني أبي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بالبصرة ، قال : سمع الزهري من ثلاثة عشر رجلاً، من أصحاب رسول الله وَ له : أنس ، سهل ، السائب ، سنين أبي جميلة ، محمود بن الربيع ، رجل من بلي ، ابن أبي صعير ، أبو أمامة بن سهل ، وقالوا : ابن عمر ؟ فقال : رأيت ابن عمر سن على وجهه الماء سنا ، وقالوا : إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يذكر النبي وَل* يوم قبض ، وعبد الرحمن بن أزهر . - ٢٢ - أخبرنا أبو الحسين عليّ بن محمد ، وإسماعيل بن عبد الرحمن ، ومحمد بن بيان بقراءتي ، أخبركم الحسن بن صباح ، أخبرنا عبد الله بن رفاعة ، أخبرنا عليّ بن الحسن القاضي ، نا عبد الرحمن بن عمر النحاس ، قال : حدَّثَنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الأعرابي ، حدثنا أبو داود ، [ حدثنا ] سليمان بن حرب ، ومسدد ، قالا : أخبرنا حماد ، عن ثابت ، عن أبي بردة ، عن الأغر - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله وَّالأول: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة)). أخرجه مسلم أيضاً من حديث حماد هذا ، وهو ابن زيد ، وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن مرة ، عن أبي بردة ، عن الأغر بن يسار المزني ، وقيل : الجهني ، وما علمته روى شيئاً سوى هذا الحديث . وأخبرناه أبو سعيد الثغري، أخبرنا عبد اللطيف بن يوسف، أخبرنا عبد الحق، أخبرنا علي بن محمد ، أخبرنا أبو الحسن الحمامي ، أخبرنا ابن قانع ، حدَّنا علي بن محمد بن أبي الشوارب ، حدَّثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، قال : عمرو بن مرة أخبرني ، قال : سمعت أبا بردة يحدث عن رجل من جهينة ، يقال له: الأغر، وكان من أصحاب النبي وَّر أنه سمع النبي وَّل يقول: ((يا أيها الناس ، توبوا إلى ربكم ، فإني أتوب إلى الله في كل يوم مائة مرة)). قال أبو داود في ((سننه)): شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبراً ، ورأيت أترجة على بعير ، وقد قطعت قطعتين ، وعملت مثل عدلين . فأما سجستان ، الإقليم الذي منه الإمام أبو داود : فهو إقليم صغير منفرد ، متاخم لإقليم السند ، غربيه بلد هراة ، وجنوبيه مفازة ، بينه وبين إقليم فارس وكرمان ، وشرقيه مفازة وبرية بينه وبين مكران ، التي هي قاعدة السند ، وتمام هذا الحد الشرقي بلاد الملتان ، وشماليه أول الهند . فأرض سجستان كثيرة النخل والرمل ، وهي من الإقليم الثالث من السبعة ، وقصبة سجستان هي : زرنج ، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة ، وتطلق زرنج على سجستان ، ولها سور ، وبها جامع عظيم ، وعليها نهر كبير ، وطولها من - ٢٣ - جزائر الخالدات تسع وثمانون درجة، والنسبة إليها أيضاً: ((سجزي))، وهكذا ينسب أبو عوانة الإسفراييني ، أبا داود فيقول : السجزي ، وإليها ينسب مسند الوقت أبو الوقت السجزي ، وقد قيل - وليس بشيء - إن أبا داود من سجستان قرية من أعمال البصرة ، ذكره القاضي شمس الدين في (( وفيات الأعيان )) ، فأبو داود أول ما قدم من البلاد ، دخل بغداد ، وهو ابن ثمان عشرة سنة ، وذلك قبل أن يرى البصرة ، ثم ارتحل من بغداد إلى البصرة . قال أبو عبيد الآجري : توفي أبو داود في سادس عشر شوال ، سنة خمس وسبعين ومئتين . · مؤلفاته : ١ - كتاب السنن : وهو ثالث الكتب الستة في الحديث ؛ وقلما تخلو مكتبة خطية منه ، وسيأتي الكلام عليه بالتفصيل ، وقد طبع مرات عديدة في القاهرة سنة (١٢٨٠ هـ)، وفي لكنو سنة (١٨٤٠، ١٨٧٧، ١٨٨٨ر، ١٣٠٥ هـ، ١٣١٨ر)، وفي دلهي (١١٧١ هـ، ١٢٧٢ هـ، ١٢٨٣ هـ) ، وفي حيدر آباد (١٣٢١ هـ)، وعلى الهامش شرح الموطأ الزرقاني في القاهرة (١٣١٠ هـ، ١٣٢٠ هـ)، وفي بيروت دار الكتاب العربي، وسنة (١٣٨٨ هـ) دار الحديث حمص مع شرحه للخطابي . ٢ - المسائل التي خالف عليها الإمام أحمد بن حنبل : وهذا الكتاب رواية أبي داود ، وقد طبع . ٣ - إجابته على سؤالات الآجري ، طبع . ٤ - رسالة في وصف تأليفه لكتاب السنن: طبع بتحقيق محمد زاهد الكوثري القاهرة (١٣٦٩ هـ) (١). ٥ - الزهد . ٦ - تسمية إخوة الذين روي عنهم الحديث . (١) قال خالدٌ: وقد طبعت بعدُ بتحقيق محمد بن لطفي الصباغ ، وسيأتي نصها . - ٢٤ - ٧ - كتاب المراسيل : طبع في القاهرة (١٣١٠ هـ) ، وفي بيروت دار القلم (١٤٠٦ هـ) مع ذكر الأسانيد، وفي دار المعرفة (١٤٠٦ هـ)، وهذا الكتاب قمنا بضبطه وفهرسته من جديد على نسخة جديدة مع أسانيدها لما وجدنا من الخلط والنقص في كل النسخ السابقة ، وطبعتنا تزيد على السابقة كلها بنحو ثمانين حديثاً . ٨ - كتاب في الرجال : مخطوط في الظاهرية . ٩ - كتاب القدر . ١٠ - كتاب الناسخ: ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٢٠٩/١٣)، وابن حجر في ((التهذيب)) (٤/ ١٧٠). ١١ - مسند مالك: ذكره ابن حجر في ((التهذيب)) (٤/ ١٧٠). ١٢ - كتاب أصحاب الشعبي: ذكره في السؤالات (ص/ ١٨١). - ٢٥ - ما ألف على كتاب السنن لأبي داود ١ - معالم السنن : لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (المتوفى سنة ٣٨٨ هـ) ، وقد طبع في حلب (١٩٢٠ - ١٩٢٤ ر، ١٩٣٢ - ١٩٣٤ر)، وطبع بتحقيق أحمد محمد شاكر ، ومحمد حامد الفقي في القاهرة (١٩٤٨ ر) ، وأعيد طبعه في بيروت (١٤٠١ هـ) . ٢ - العد المودود في حواشي أبي داود : لعبد العظيم المنذري (المتوفى سنة ٦٥٦ هـ) . ٣ - شرح العيني: لمحمود بن أحمد العيني (المتوفى سنة ٨٥٥ هـ) [ وهو كتابنا هذا ] . ٤ - وشرح زوائده على الصحيحين سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (المتوفى سنة ٨٠٥ هـ) . ٥ - شرح لأحمد بن الحسين بن أرسلان الرملي (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ) . ٦ - وشرح لولي الدين العراقي أبي زرعة (المتوفى سنة ٨٢٦ هـ) إلى أثناء سجود السهو . ٧ - مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود : تأليف السيوطي (المتوفى سنة ٩١١هـ) واختصره الدمنتي الباجمعوي وطبع في القاهرة باسم ((درجات مرقاة الصعود)). ٨ - وشرح للحافظ علاء الدين مغلطاي (المتوفى سنة ٧٦٢ هـ) ولم يكمله . ٩ - فتح الودود على سنن أبي داود : تأليف أبي الحسن السندي (المتوفى سنة ١١٣٨ هـ) . ١٠ - حاشية عون الودود: لمحمد بن عبد الله بنجابي الحزاروي ، طبع سنة (١٣١٨ هـ لوكنو) . ١١ - تعليقات المحمود: لفخر الحسين كنجوهي، طبع سنة (١٩٠٥ ركوانبور). - ٢٦ - ١٢ - عون المعبود: لمحمد أشرف أمير عظيم آبادي ، ومحمد شمس الحق عظيم آبادي ، طبع سنة (١٣٢٢ هـ دلهي) ، وأعيد تصويره في بيروت دار الكتاب العربي . ١٣ - وكتب عليه مولوي وحيد الزمان حاشية باللغة الهندوستانية ، لاهور (١٨٨٢ ر). ١٤ - غاية المقصود في حل سنن أبي داود : لمحمد شمس الحق عظيم آبادي، طبع في الهند بدون تاريخ . ١٥ - وقد اختصره المنذري وطبع في حيدر آباد (١٣٤٢ هـ) ، وحققه أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي ، القاهرة (١٩٤٨ر). ١٦ - وأيضاً اختصره محمد بن الحسن بن عليّ البلخي . - ٢٧ - كتاب السنن وأقوال الأئمة فيه قال الحافظ أبو بكر الخطيب : كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله ، وقد رزق القبول من كافة الناس وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض ، فكان تصنيف علماء الحديث قبل أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها ، فيجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وأدباً ، فأما السنن المحضة ، فلم يقصد أحد جمعها واستيفاءها على حسب ما اتفق لأبي داود ، كذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب ، فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل . قال ابن الأعرابي : لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ، ثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم . قال الخطابي : وهذا كما قال لا شك فيه ، فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لم يعلم متقدماً سبقه إليه ولا متأخراً لحقه فيه . قال النووي في القطعة التي كتبها من شرح سنن أبي داود : ينبغي للمشاغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبي داود بمعرفته التامة ، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه . وقال إبراهيم الحربي : لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد . أنشد الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى نظم : الإِمامِ أهْلَيه أبي داودُ لانَ الحديثُ وعِلمه بكَمَالِهِ لنبي أهل زمانه داود مِثْلُ الذي لانَ الحديدُ وَسَبْكُه وله في مدحه نظم : ومن يكون من الأوزار في وزرٍ أولى كتاب لذي فِقْه وذي نَظَرِ تأليفه فأتى كالضوء في القمرِ ما قَدْ تولّى أبو داود محتسباً - ٢٨ - لا يستطيعُ عليه الطعن مبتدعُ فليس يوجدُ في الدُّنيا أصحٌّ ولا وكل ما فيه من قول النبيّ ومن يرويه عن ثقة عن مثله ثقة وكان في نفسهِ فيما أحقّ ولا يدري الصحيح مِنَ الآثارِ يحفظُهُ محققا صادقاً فيما يجيء به والصدقُ للمرء في الدارين منقبة ولو تقطّع من ضَغَن ومن ضَجَر أقْوَى من السنّة الغرّاء والأثَرِ قول الصَّحابة أهلُ العلم والبَصَرِ عن مثله ثقة كالأنجُمِ الزهرِ أشكُّ فيه إماماً عالي الخَطَرِ ومن روی ذاك من أنثی ومن ذَكَرِ قد شاعَ في البدو عنه ذا وفي الحضَرِ ما فوقها أبداً فخرٌ لمفتخرٍ وحكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ : إن شرط أبي داود والنسائي أحاديث أقوام لم يجتمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال السند من غير قطع ولا إرسال . وقال الخطابي : كتاب أبي داود جامع لنوعي الصحيح والحسن . وأما السقيم فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول ، وكتاب أبي داود خلا منها برئ من جملة وجهها . ويحكى عنه أنه قال : ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه . وقال في رسالته إلى أهل مكة المكرمة : إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب وقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين ، أحدهما أقوى إسناداً والآخر صاحبه أقدم في الحفظ ، فربما كتبت ذلك وإذا عدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة كلام فيه ، وربما فيه كلمة زائدة على الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك . أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي ، فتكلم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المرسل يحتج به وليس هو مثل المتصل في القوة ، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء ، وإذا كان فيه حديثٌ منكر بينته أنه منكر وليس على نحوه في الباب غيره، - ٢٩ - وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ، ومنه ما لا يصح سنده وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح وبعضها أصح من بعض وهو كتاب لا يرد عليك سُنَّة عن النبي وَلّ إلا وهو فيه إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث ، ولا يكاد يكون هذا ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً ، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذٍ يعلم مقداره . وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي ، فهذه الأحاديث أصولها ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأى أصحاب النبي وَّله ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثوري ، فإنه أحسن ما وضع الناس من الجوامع ، والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير وهو عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ، ولو احتج رجل بحديث غريب وحديث من يطعن فيه لا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذا . فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الغريب من الحديث . وقال يزيد بن حبيب : إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة ، فإن عرف وإلا فدعه . وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومتواتر إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل وهو مثل الحسن عن جابر والحسن عن أبي هريرة والحكم عن مقسم عن ابن عباس وليس بمتصل وسماع الحكم عن المقسم أربعة أحاديث . وأما أبو إسحاق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحاق عن الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد ، وما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل ، ولعل ليس في كتاب السنن للحارث الأعور إلا حديث واحد ، وإنما كتبته بآخرة ، وربما كان في الحديث ما لم يثبت صحة الحديث منه أنه كان يخفى ذلك عليّ فربما تركت الحديث إذا لم أفقه ، وربما كتبته إذا لم أقف عليه ، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم ، كلما كان من هذا الباب فيما مضى من عيون الحديث لأن علم - ٣٠ - العامة يقصر عن مثل هذا وعدد كتبي في هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل وما يروى عن النبي وَّر من المراسيل منها ما لا يصح ، ومنها ما يسند عند غيره وهو متصل صحيح ، ولعل عدد الأحاديث التي في كتبي من الأحاديث قدر أربعة آلاف حديث وثماني مائة حديث ونحو ستمائة حديث من المراسيل ، فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء الحديث من طريق وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون غير أنه ربما طلب اللفظة التي تكون لها معان كثيرة . وممن عرفت وقد نقل من جميع هذه الكتب ممن عرفت ، فربما يجيء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه متصل ولا يتنبه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث فيكون له معرفة فيقف عليه مثل ما يروى عن ابن جريج قال : أخبرت عن الزهري ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري ، فالذي يسمع يظن أنه متصل ولا يصح بينهم ، وإنما تركنا ذلك لأن أصل الحديث غير متصل وهو حديث معلول ومثل هذا كثير ، والذي لا يعلم يقول : قد تركت حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول ، وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام ، ولم أصنف في الزهد وفضائل الأعمال وغيرها ، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام . فأما أحاديث كثيرة صحاح من الزهد والفضائل وغيرها في غير هذا لم أخرجها . انتهى ملخصاً (١) . وقال ابن الأعرابي : إن حصل لأحد علم كتاب الله وسنن أبي داود يكفيه ذلك في مقدمات الدين ، ولهذا مثلوا في كتب الأصول لبضاعة الاجتهاد في علم الحديث سنن أبي داود ، وهو لما جمع كتاب السنن قديماً عرضه على الإمام أحمد ابن حنبل فاستجاده واستحسنه . (١) انظر الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص/ ٢١٢ - ٢١٦)، وراجع الإحالة إلى مصادر الترجمة سابقاً . - ٣١ - رواة كتاب السنن لأبي داود عنه قال في (( كشف الظنون)) بعد أن عدَّد شروح سنن أبي داود: (( قال ابن كثير في مختصر علوم الحديث : إن الروايات لسنن أبي داود كثيرة ، يوجد في بعضها ما ليس في الأخرى)) . وقال الجلال السيوطي في ((التدريب شرح التقريب للنووي)) (١/ ١٧٠): ((عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث ، وهو روايات أتمها رواية أبي بكر بن داسة والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي )) . وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي (١) : رواية اللؤلؤي مشهورة في المشرق ، ورواية ابن داسة مروجة في المغرب وأحدهما يقارب الآخر ، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان بخلاف رواية ابن الأعرابي فإن نقصانها بيّنٌ بالنسبة إلى هاتين النسختين . اهـ . وقال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في برنامجه (٢): روى هذا الكتاب عن أبي داود ممن اتصلت أسانيدها به أربعة رجال : ١ - أبو بكر بن محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري المعروف (٣) بابن داسة بفتح السين وتخفيفها ، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوطة الله ، وألفيتُهُ في أصل القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المالكي في كتاب الغنية مشدداً ، وكذا وجدتُه في بعضها ما قيدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلاً من غير تنصيص . (١) الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص/ ٢١٦). (٢) الخطة في ذكر الصحاح الستة (ص/ ٢١٦). (٣) توفي سنة (٣٤٦ هـ)، انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٥٣٨/١٥)، و((شذرات الذهب)) (٢/ ٣٧٣) . - ٣٢ - ٢ - وأبو سعيد ، أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي(١) (ت: ٣٤٠ هـ) . ٣ - وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري(٢) (ت: ٣٣٣ هـ). ٤ - وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي (٣) ، وراق أبي داود . ولم يتشعب طرقه كما اتفق في الصحيحين ، إلا أن رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروف والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس وفاته أيضاً من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة . ورواية ابن داسة أكمل الروايات ، ورواية الرملي تقاربها ؛ ورواية اللؤلؤي من أصح الروايات لأنها من آخر ما أملى أبو داود وعليها مات . اهـ . قلت : وروى أيضاً السنن عنه ، ولكن شهرتهم دون الأربعة المذكورين وهم : ٥ - أبو الحسن ، علي بن محمد بن العبد الأنصاري (٤) . ٦ - أبو أسامة ، محمد بن عبد الملك بن يزيد الرواس (٥) . ٧ - أبو عمرو أحمد بن علي بن حسن البصري (٦) . ٨ - أبو الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الأشناني البغدادي (٧). وقال أبو عمر الهاشمي : كان أبو علي اللؤلؤي قد قرأ كتاب السنن على أبي داود عشرين سنة ، وكان يدعى ورّاق أبي داود ، والوراق في لغة أهل - (١) ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٠٧/١٥)، و((حلية الأولياء)) (٢٥٧/١٠)، و((المنتظم)) (٣٧١/٦)، و((شذرات الذهب)) (٣٥٤/٢). (٢) ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٧/١٥)، و((شذرات الذهب)) (٣٣٤/٢)، و((الوافي بالوفيات)) (٣٩/٢). (٣) توفي سنة (٣٢٠ هـ)، انظر: ((تاريخ بغداد)) (٣٩٥/٦). (٤) ذكره في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٦/١٣)، وفي ((تهذيب التهذيب)) (١٧٠/٤). (٥) ذكره في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٦/١٣)، وفي ((تهذيب التهذيب)) (٤/ ١٧٠). (٦) ذكره في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٥/١٣)، وفي ((تهذيب التهذيب)) (٤/ ١٧٠). (٧) ذكره في ((التهذيب)) (١٧٠/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٥/١٣). ٣ ٥ شرح سنن أبي داوود ١ - ٣٣ - البصرة القارئ للناس ، قال : والزيادات التي في رواية ابن داسة حذفها أبو داود آخراً لأمرٍ رابه في الإسناد (١). وقال الذهبي في السير في أثناء ترجمة ابن داسة (٢): وهو آخر من حدث بالسنن كاملاً عن أبي داود . : (١) ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٧/١٥). (٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٥٣٨/١٥). - ٣٤ - شرط الإمام أبي داود في كتابه إن أفضل من يتكلم على مصنَّف - ولا شك - هو صاحب هذا المصنَّف ، ولذا فقد رأيت أنه من الأفضل أن نترك الإمام أبا داود يتحدث عن كتابه (( السنن )) وذلك من خلال رسالته التي كتبها إلى أهل مكة يسألوه عن الأحاديث التي أوردها في كتابه ، وهاكم نص الرسالة (١) : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ . أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان المعروفُ بابن البطي (٢) إجازة إن (٣) لم أكن سمعته منه قال : أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل (٤) قراءة عليه وأنا حاضرٌ أسمع ، قيل له : أقرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ (٥) قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جُمَيْع الغساني (٦) (١) قد أوردت النص كاملاً بتحقيق الأستاذ محمد بن لطفي الصباغ، ط . بيروت ١٨ جمادى الآخرة سنة (١٣٩٤ هـ) ، ٨ تموز سنة (١٩٧٤) ، الطبعة الثانية . (٢) هو مسند بغداد (المتوفى سنة ٥٦٤ هـ) عن سبع وثمانين سنة. انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (ص١٣٢١) أي : كان عمره عند وفاة ابن خيرون إحدى عشرة سنة . (٣) كذا في الأصل، ولعلها: ((إذ)). (٤) هو الحافظ العالم الناقد أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي ابن الباقلاني ، ثقة عدل متقن واسع الرواية ، توفي في رجب سنة (٤٨٨) عن ٨٤ سنة . (٥) هو الحافظ العلامة الأوحد محمد بن عليّ بن عبد الله بن محمد بن دحيم الساحلي الصوري ، ولد سنة (٣٧٦) كان صواماً صدوقاً ثقة ، توفي في سنة (٤٤١) . انظر : ((تاريخ بغداد)) (١٠٣/٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١١٤). (٦) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني الصيداوي عالم بالحديث ورجاله من أهل صيدا ، ذكر الأستاذ الزركلي أنه ولد سنة (٣٠٥ هـ) ، وتوفي سنة (٤٠٢ هـ) . - ٣٥ - بصيدا - فأقرّ به - قال : سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب الهاشمي (١) بمكة يقول : ٠ سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدّاد السجستاني وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم ، فأملى علينا : سلامٌ عليكم ، فإني أحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله وَّ كُلّما ذكر . أما بعد : عافانا اللهُ وإياكم عافيةً لا مكروه مَعَها ولا عقاب بعدها ، فإنكم سألتم (٢) أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب («السنن »: أهي أصح ما عرفتُ في الباب ؟ * اختياره أحد الحديثين الصحيحين لقدم حفظ صاحبه (٣): ووقفت على جميع ما ذكرتم ، فاعلموا أنه كذلك كله (٤) إلا أن يكون قد رُوي من وجهين صحيحين ، فأحدهما أقوم (٥) إسناداً والآخر صاحبه أقدم (٦) في الحفظ ، فربما كتبت ذلك (٧) ، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث . (١) لم أقف على ترجمته ، وإن كان نسبه هنا طويلاً ينتهي به إلى عبد المطلب ، ويفهم مما ذكر أعلاه أنه كان بمكة وأنه تلميذ أبي داود ، فقد يكون مولوداً قبل سنة (٢٦٠) لأن أبا داود توفي سنة (٢٧٥) ، وإذا صح هذا فلا بد من أن يكون بقي حيا حتى أتيح لابن جميع السماع منه وهو مولود سنة (٣٠٥ هـ) . (٢) في ((توجيه النظر)) (ص/ ١٥٢)، و((المنهل العذب)) (١٧/١): سألتموني. (٣) إن هذا العنوان وجميع العناوين من وضعي . (٤) في ((توجيه النظر)) (ص/ ١٥٢)، و((المنهل العذب)) (١٧/١): أنه كله كذلك. (٥) في ((المنهل العذب)): أقوى، وفي ((المطبوعة)): أقدم. (٦) في (( توجيه النظر)) : أقوم . (٧) أي يكتب الحديث الذي صاحبه أقدم في الحفظ وكأنه يريد بذلك ما عرف عند علماء الحديث بعلو الإسناد . - ٣٦ - * قلة أحاديث الأبواب : ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين ، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه (١) يكثر ، وإنما أردت قرب منفعته . * إعادة الحديث : وإذا (٢) أعدتُ الحديث في الباب من وجهين أو (٣) ثلاثة ، فإنما هو من زيادة كلام فيه ، وربما ( تكون ) (٤) فيه كلمة زيادة على الأحاديث. * اختصار الحديث : وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعضُ من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك . * المرسل والاحتجاج به : وأما المراسيل فقد كان يحتج بها (٥) العلماء فيما مضى مثل : سفيان الثوري(٦)، ومالك بن أنس (٧)، والأوزاعي (٨) حتى جاء الشافعي (٩)، (١) في الأصل: ((وإنه))، وفي ((التوجيه)): ((فإنها تكثر))، وفي المطبوعة: ((لأنه)) ورجحت ما أثبت لأنه أقرب ما يكون للأصل، واستأنست برواية (( التوجيه)). (٢) في ((توجيه النظر)): ((فإذا)). (٣) كذا في ((توجيه النظر))، و((المنهل)) وهو الأحسن، والذي في الأصل: ((وثلاثة)). (٤) سقطت هذه الكلمة من الأصل، واستدركتها من ((توجيه النظر)). (٥) في الأصل: ((به))، والتصويب من ((توجيه النظر))، و((المنهل)). (٦) هو سفيان بن سعيد الثوري الكوفي ، أمير المؤمنين في الحديث ، كان علماً من أعلام الدين ، إماماً حافظاً ، طبع أخيراً كتابه في تفسير القرآن الكريم ، توفي بالبصرة سنة (١٦١ هـ) . (٧) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي ، أحد أعلام الإسلام ، وإمام دار الهجرة ، صاحب المذهب ، كان ثقة فاضلاً عاقلاً ، توفي سنة (١٧٩ هـ) . (٨) هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، إمام الديار الشامية ، كان فقيهاً زاهداً ثقة مجاهداً جريئاً في الحق ، توفي سنة (١٥٧ هـ) . (٩) هو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ، الإمام العلامة ناصر السُّنَّة ، ومجدد المئة الثانية ومؤسس علم أصول الفقه ، كان إماماً ثقة عابداً فارساً رامياً شاعراً ، توفي سنة (٢٠٤ هـ) . - ٣٧- فتكلم (١) فيها (٢) ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل (٣) وغيره - رضوان الله عليهم - . فإذا لم يكن مسند غير (٤) المراسيل ، ولم يوجد المسند ، فالمرسل (٥) يحتج به ، وليس هو مثل المتصل في القوة . * ليس في الكتاب حديث عن متروك : وليس في كتاب (( السنن)) الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء (٦). * يبين المنكر : وإذا كان فيه حديث منكر بينتُ أنه منكر ، وليس على نحوه في الباب غيره . * موازنة بینه وبین کتب : ابن المبارك وو کیع ومالك وحماد : وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك (٧) ولا كتاب وكيع (٨) إلا الشيء اليسير ، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل . (١) في الأصل: ((مكلم)) (بالميم)، والتصويب من ((توجيه النظر)). (٢) في الأصل: ((فيه))، والتصويب من ((توجيه النظر)). (٣) هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي ، الإمام الفقيه المحدث الحافظ الحجة الصابر، مؤلف ((المسند)) أوسع كتب السَّنَّة، وله الموقف العظيم في المحنة بخلق القرآن ، توفي سنة (٢٤١ هـ) . (٤) في الأصل: ((ضد))، والتصويب من ((توجيه النظر)). (٥) في الأصل: ((فالمراسيل))، والتصويب من ((توجيه النظر))، و((المنهل العذب)). (٦) لعل العبارة التي نقلها عنه المنذري وابن الصلاح وغيرهما أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى عن أبي داود أنه قال: (( ما ذكرت في كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه))، لعل هذه العبارة أدق من الكلمة الواردة في هذه الرسالة لأن في كتابه ((السنن)) بعض المتروكين كما ذكرت في دراستي للسنن . (٧) هو عبد الله بن المبارك الحنظلي ولاء المروزي ، أحد الأئمة الأعلام ، وشيخ الإسلام ، وأمير المؤمنين في الحديث ، المجاهد التاجر الشاعر ، قال فيه إسماعيل بن عياش : ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك . وقال فيه ابن معين : سيد من سادات المسلمين . وقال الفضيل: ورب هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابن المبارك . توفي سنة (١٨١هـ). (٨) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (١٩٦هـ). - ٣٨ - وفي كتاب السنن من (( موطأ مالك بن أنس )) شيء صالح ، وكذلك من مصنفات حمّاد بن سلمة (١) ، وعبد الرزاق (٢). وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم (٣) - أعني مصنفات مالك بن أنس ، وحماد بن سلمة ، وعبد الرزاق . * جمعه السنن واستقصاؤه : وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي ، فإن ذكر لك عن النبي وَطلو سنة ليس مما خرّجته فاعلم أنه حديث واهٍ ، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر ، فإني لم أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم . ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري ، وكان الحسن بن عليّ الخلال (٤) قد جمع منه قدر تسعمائة حديث ، وذكر أن ابن المبارك قال : السنن عن النبي ◌َّو نحو تسعمائة حديث فقيل له : إن أبا يوسف (٥) قال : هي ألف ومائة . قال ابن المبارك : أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من هنا وهنا نحو الأحاديث الضعيفة . (١) هو حماد بن سلمة بن دينار الربعي ولاء البصري ، البزاز ، النحوي المحدث ، له التصانيف ، توفي سنة (١٦٧ هـ) . (٢) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري ولاء الصنعاني ، صاحب التصانيف ، مات سنة (٢١١ هـ) . (٣) يعني المؤلف - رحمه الله - بقوله: ((ثلث هذه الكتب)) كتب كتابه ((السنن)) مثل كتاب الصلاة وكتاب الزكاة وكتاب الصوم وما إلى ذلك ، ويريد بهذه الجملة أن زيادات كتابه (( السنن )) عن كتب جميع أولئك العلماء تبلغ نحو ثلث الكتاب ، والله أعلم . (٤) هو الحسن بن عليّ الخلال محدث مكة ، وكان يدعى الحلواني ، حدث عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، مات سنة (٢٤٢ هـ) . (٥) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ، صاحب أبي حنيفة وفقيه العراقين ، له كتاب ( الخراج)) وهو كتاب نفيس، توفي سنة (١٨٢ هـ). - ٣٩ - د یبین ما فيه وهن شديد : وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بينته (١)، ومنه (٢) ما لا يصح سنده . ** المسكوت عنه صالح : ( و) (٣) ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح ، وبعضها أصحّ من بعض. وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر (٤) . * استقصاؤه : وهو كتاب لا ترد عليك سُنَّة عن النبي وَّه بإسناد صالح إلا وهي (٥) فيه ، إلا أن يكون كلامٌ استخرج من الحديث ، ولا يكاد يكون هذا .. * قيمته ومقداره : ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه (٦) من هذا الكتاب ، ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم - بعد ما يكتب هذه الكتب - شيئاً (٧)، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه ، حينئذٍ يعلم مقداره . (١) جاء في ((كشف الظنون)) (١٠٠٤/٢) نقلاً عن ((حاشية البقاعي على شرح الألفية)): (( قال في رسالته التي أرسلها إلى من سأله عن اصطلاحه في كتابه : ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، وما فيه وهن شديد بينته ، وما لا فصالح ، وبعضها أصح من بعض)) . (٢) في المطبوعة: ((وفيه))، ولم يشر إلى الأصل. (٣) زيادة من ((توجيه النظر)). (٤) يريد أنه لا يسرف في الثناء على عمله ولا يبالغ ، ولو أن غيره ألف هذا الكتاب لقال فيه أكثر . (٥) في الأصل: ((هو))، والتصويب من ((توجيه النظر)). (٦) في الأصل: ((أن يتعلموا))، وأثبت رواية ((توجيه النظر)). (٧) كذا في الأصل ، ويعني بهذه الكتب كتب السنن كما أشرنا ، وجاءت العبارة في ((توجيه النظر)) كما يأتي: ((ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم شيئاً بعد ما يكتب هذا الكتاب )) . - ٤٠ -