Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ - ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٣ فيرتع فيه، فلذلك من تعدى الحلال، ووقع في الشبهات، فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة، فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات، وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا. وقد أخرج الترمذي، وابن ماجه، من حديث عبدالله بن يزيد، عن النبي وقليل قال: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به بأس))(١) . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال؛ خشية أن يكون حراما، حجابا بينه وبين الحرام)). وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين، حتى تركوا كثيرا من الحلال، مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا المتقين؛ لأنهم اتقوا مالا يُتَّقَى. ورُوي عن ابن عمر قال: إنى لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال، لا أخرقها. وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال، حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان، حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدع الإثم، وما تشابه منه. ويَستَدِلُّ بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات، وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ومنعُ الصائم من المباشرة، إذا كانت تتحرك شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها، إلا من وراء حائل، كما كان ◌َ له يأمر امرأته، إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار. ومن أمثلة ذلك، وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي وَالر: من سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره، فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع، ولو كان ذلك نهارا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه مُفَرِّط بإرسالها في هذه الحال، وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبا من الحرم، فدخل فصاد فيه، ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل: يضمنه بكل حال. وأما قوله وَلّر: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). فقال ابن رجب رحمه الله تعالى أيضًا: فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات، واتقاءه للشبهات، (١) ضعيف؛ لأن في سند عبد الله بن يزيد الدمشقيّ، وهو ضعيف . ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليما، ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقيّ الشبهات؛ حذرا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدا، قد استولى عليه اتباع الهوى، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي، والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند اللَّه إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُنَ إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]، وكان النبي ◌َّر يقول في دعائه: M ((اللَّهم إنى أسألك قلبا سليما))(١). فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته، وخشية ما يباعد منه. وفي ((مسند الإمام أحمد)) رحمه الله تعالى، عن أنس ◌َّه، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه))(٢) . والمراد باستقامة إيمانه: استقامة أعمال جوارحه، فإن أعمال جوارحه، لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومَعْنَى استقامة القلب، أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته. وقال الحسن لرجل: داو قلبك، فإن حاجة اللَّه إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني أن مراده منهم، ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته، وخشيته، ومهابته، ورجاؤه، والتوكل عليه، ويمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول: ((لا إله إلا اللَّه))، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه، وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له، ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى اللَّه لفسدت بذلك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ الآية [الأنبياء: ٢٢]، فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا، حتى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده، فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير (١) حديث صحيح، تقدم للمصنف في ((الصلاة)) رقم ١٣٠٤. (٢) قال الهيثميّ في ((المجمع)) ٥٨/١: في سنده عليّ بن مسعدة، وثقه جماعة، وضعفه آخرون. === ٣٤٣ ٥٠- (الحثُّ عَلی تركِ الشبهات) - حديث رقم ٥٧١٣ الله فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب. وروى الليث عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٣٦] قال: لا تحبوا غيري. وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي وَلّه قال: ((الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟)). قال تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية: [آل عمران: ٣١]، فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه متابعة للَّهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾، فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله، فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة. قال الحسن رحمه الله: قال أصحاب رسول اللَّه ◌َالتر: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾، ومن هنا قال الحسن: علم أنك لن تحب اللّه حتى تحب طاعته. وسئل ذو النون المصري: متى أُحِبُّ ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أُمَرَّ من الصبر. وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك. قال أبو يعقوب النهر جوري: كل من ادعى محبة الله عز وجل، ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطل. وقال رُوَيم: المحبة الموافقة في كل الأحوال. وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله، ولم يحفظ حدوده. وعن بعض السلف قال: قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب اللّه لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته، ومن أحب الدنيا لم یکن عنده شيء آثر من هوی نفسه. وفي ((السنن)) عن النبي ◌َّ قال: ((من أعطى للّه، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان)). ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح، إذا كانت كلها لله، فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنا وظاهرا، ويلزم من صلاح حركات القلب، صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة ما يريده، لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده اللَّه، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفّت عما يكرهه، وعما يُخشَى أن يكون مما يكرهه، وإن لم يتيقن ذلك. قال الحسن رضي الله عنه: ما ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بَطَشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية، فإن كانت طاعته تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت. وقال محمد بن ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الفضل البلخي: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل. وقيل لداود الطائي: لو تنحيت من الظل إلى الشمس، فقال: هذه خُطًا لا أدري كيف تُكتَب. فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم، فلم يبق فيها إرادة لغير الله، صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه مرضاته. والله أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص، والمعنى واحد متقارب، وقد روي عن النبي ◌َّر، من حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس، وحديثُ النعمان أصح أحاديث الباب. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث تقدّم في ((كتاب البيوع)) ٤٤٥٣/٢. وتقدم شرحه مستوفّى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧١٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَزْيَمَ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْهُ: ((دَعْ مَّا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن أبان) البَلْخيّ، مستملي وكيع، ثقة حافظ [١٠] ٩٥١/٤٤ . ٢- (عبد الله بن إدريس) الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ١٠٢/٨٥. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤. ٤- (بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلوليّ البصريّ، ثقة [٤] ٦٢١/٥٥. ٥- (أبو الْحَوراء السعديّ)- بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو - ربيعة بن شيبان البصريّ، ثقة [٣] ١٧٤٥/٥١. ٦- (الحسن بن عليّ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، سبط رسول اللَّه وَلفته وریحانته، وقد صحبه، وحفظ عنه، ومات شهيدًا بالسمّ سنة (٤٩) وقيل: (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّم في ١٧٤٥/٥١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من شعبة، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه ٣٤٥ ٥٠- (الخثُّ عَلی ترك الشُبهاتِ) - حديث رقم ٥٧١٤ بلخيّ، وابن إدريس كوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه سبط النبيّ وَّره وريحانته، وسماه ◌َّه سيّدًا، وقال: ((إن ابني هذا سيّدٌ، ولعلْ الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). رواه البخاريّ، وتقدّم للمصنّف في (كتاب الجمعة)) برقم (١٤١٠). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ) بفتح، فسكون، ربيعة بن شيبان (السَّغْديّ) أنه (قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ ابْنِ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا) استفهامية: أي أيّ شيء (حَفِظْتَ) بكسر الفاء، من باب علم (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟، قَالَ) الحسن ◌َّهِ (حَفِظْتُ مِنْهُ: (دَعْ) بفتح الدال المهملة، وهي فعل أمر من ودع يدع، قال الفيّوميّ: ودعته أدَعُه وَذْعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثمّ حذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي ((يَدَع))، ومصدَرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: (ليَنتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات)): أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتة، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى. أي اترك (مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) قال في ((النهاية)): يروى بفتح الياء، وضمها: أي دع ما تشكّ فيه إلى ما لا تشك فيه. وقال التوربشتيّ: أي اترك ما اعترض لك من الشك فيه منقلبًا عنه إلى ما لا شكّ فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك: أي استبدله به. انتهى. والمراد أن ما اشتبه على الإنسان، فتردد بين كونه حلالًا، أو حرامًا، فاللائق بحاله تركه، والذهاب إلى ما يَعلم حاله، ويعرف أنه حلال. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالی: معنی هذا الحدیث یرجع إلى الوقوف عند الشبهات، واتقائها، فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب، الموجب للشك. [تنبيه]: زاد في رواية الترمذيّ في آخر الحديث: «فإن الصدق طُمأنينة، وإن الكذب ريبة))، وفي الحديث قصّة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القصّة التي أشار إليها الترمذيّ رحمه الله تعالى، أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده»، فقال: ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول اللَّه وَ له؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة، فألقيتها في فِيّ، فانتزعها رسول اللَّه وَ لّ بلعابها، فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة، قال: ((إنا لا نأكل الصدقة)). قال: وكان يقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك،، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة))، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لا يذل من واليت))، وربما قال: ((تباركت ربنا وتعاليت)). ومعنى قوله: ((فإن الصدق ◌ُمأنينة الخ)): أي إن الصدق يطمئنّ إليه القلب، ويسكن، وإن الكذب يضطرب به القلب، ويقلق. وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى: قوله وَله: ((فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة)). يعني أن الخير تطمئن به القلوب، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه. وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وخرّج ابن جرير بإسناده عن قتادة، عن بشر بن كعب أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَمَشُواْ فِىِ مَنَّاكِهَا﴾ [الملك: ١٥] ثم قال لجاريته: إن دريت ما مناكبها؟ فأنت حرة لوجه اللَّه، قالت: مناكبها جبالها، فكأنما سُفِع في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم، فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخير طمأنينة، والشر ريبة، فذر ما يريبك إلى ما لا يريك. وقوله في الرواية الأخرى: ((إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة)) يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل، كما قال في حديث وابصة: ((وإن أفتاك الناس، وأفتوك))، وإنما يُعتمد على قول من يقول الصدق، وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه، ومن هنا كان العقلاء على عهد النبي ◌َّر، إذا سمعوا كلامه، وما يدعو إليه عرفوا أنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل. وقد رُوي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه، يَدّعي أنه أنزل عليه: يا وبر لك أذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنك تكذب. وقال بعض المتقدمين: صَوِّر ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده، فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك تصور محمدا وَللتر، ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن، فتقرأ)) ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ... ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤]، ثم تتصور ضد محمد وَّل، = ٣٤٧ ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٤ فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به، فتقرأ: ألا يا ربة الْمَخدَع قد هيئ لك المضجع، يعني قوله لسجاح حين تزوج بها، قال: فترى هذا يعني القرآن رصينا عجيبا، يلوط بالقلب، ويحسن في السمع، وترى ذا، يعني قول مسيلمة، باردا غثا فاحشا، فتعلم أن محمدا ◌َ حقا أتى بوحي، وأن مسيلمة كذاب أتى بباطل. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الحسن بن عليّ رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٥٧١٣/٥٠- وفي ((الكبرى)) ٥٢٢٠/٥١. وأخرجه (ت) في ((صفة القيامة)) ٢٥١٨ (أحمد) في ((مسند أهل البيت)) ٢٧٨١٩ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٢٠. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم، من حديث بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء(٢)، عن الحسن بن علي، وصححه الترمذي، وأبو الْحَوْرَاء السعدي قال الأكثرون: اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي، وابن حبان، وتوقف أحمد في أن أبا الحَوْرَاء اسمه ربيعة بن شيبان، ومال إلى التفرقة بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحَوْرَاء مجهول لا یعرف. وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر، وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث: وهي: ((فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة))، ولفظ ابن حبان: ((فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة))، وقد خرّجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة، عن أنس، عن النبي وَّل، قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا على أنس، وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، قال الدارقطني: وإنما يُروَى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويُرْوَى عن مالك من قوله. انتهي. ويروي بإسناد ضعيف عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه، أنه قال الرجل: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، قال: (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢١٠/١-٢١١. (٢) الحوراء - بالحاء المهملة لا بالجيم. ٣٤٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: ((إذا أردت أمرا فضع يدك على صدرك، فإن القلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة))، وقد رُوي عن عطاء الخراساني مرسلا، وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف، عن واثلة ابن الأسقع، عن النبي ◌َّهر، وزاد فيه: فقيل له: فمن الورع؟ قال: ((الذي يقف عند الشبهة))، وقد روي هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة منهم: عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء :** وعن ابن مسعود ◌َّه قال: ((ما تريد إلى ما يريبك، وحولك أربعة آلاف لا تريبك)) وقال عمر: ((دعوا الرِّبَا والرِّيبة))، يعني ما ارتبتم فيه، وإن لم تتحققوا أنه ربا. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على ترك الشبهات. (ومنها): أن الحديث فيه إثبات صحبة الحسن وتنميه، وأنه سمع من رسول اللّه ◌َله. (ومنها): أن من شك في شيء من الأقوال والأعمال أنه منهيّ عنه أم لا، أو سنة أو بدعة، ترك ذلك، وعدَل إلى ما لا يشك فيه منهما، والمقصود أن يبني المكلّف أمره على اليقين البحث، والتحقيق الصرف، ويكون على بصيرة في دينه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما نُقل عن السلف من تركهم ما يريبهم إلى ما لا يريبهم، سلوكًا مسلك الورع: قال أبو عبدالرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبد ورعا، ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. وقال الفضيل: يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد عليّ أمران، إلا أخذت بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقال حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه، وهذا إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله. قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز، أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا قليل، فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا، قال، فأتى صاحب السكر، فقال: يا هذا إن غلامي كان قد كتب إليّ، فلم أعلمك، فأقلني فيما اشتريت منك، فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبته لك، قال: فرجع، فلم يحتمل قلبه فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا البيع، قال: فما زال به حتى رده عليه. وكان يونس بن (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٠٥/١-٢٠٧. ٥٠- (الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الشَّبُهَاتِ) - حديث رقم ٥٧١٤ ٣٤٩ == عبيد، إذا طلب المتاع ونفق، وأرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له: أَعلِم من تشتري منه، أن المتاع قد طُلب. وقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا. وكان الحجاج بن دينار، قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل، وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه أني قدمت البصرة، فوجدت الطعام منقصا، فحبسته فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدق بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام، على فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك. وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص، ويتقوت منه إلى أن مات رحمه اللَّه. وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا، فرأى سحابا في الخريف فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين، فآلي أن لا يربح فيه شيئا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: جزاك الله خيرًا. وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه، عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله، على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه؛ لدخوله في ربح ما لم يُضمّن، وقد نهى عنه النبي ◌ََّ، فقال أحمد في رواية عنه، فمن أجر ما استأجره بربحه: إنه يتصدق بالربح، وقال في رواية عنه، في ربح مال المضاربة، إذا خالف فيه المضارب: إنه يتصدق به. وقال في رواية عنه، فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، بشرط القطع، ثم تركها حتى بدا صلاحها: إنه يتصدق بالزيادة، وحمله طائفة من أصحابه على الاستحباب؛ لأن الصدقة بالشبهات مستحبة. ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم، إذا لم يصبه، فقالت: ((إنما هي أيام قلائل، فما رابك فدعه)). يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم، إذا لم يَصِد هو. قال ابن رجب: وقد يستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة، ولكن المحققين من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم على أن هذا ليس هو على إطلاقه، فإن من مسائل الاختلاف، ما ثبت فيه عن النبي وَ ل رخصة، ليس لها معارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فإنه صح عن النبي ◌َّهر، أنه قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، ولا سيما إن كان شكه في الصلاة، فإنه لا يجوز له قطعها؛ لصحة النهي عنه، وإن كان بعض ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ العلماء يوجب ذلك. وإن كان للرخصة معارض، إما من سنة أخرى، أو من عمل الأمة بخلافها، فالأولى ترك العمل بها، وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين، من عهد الصحابة رضي الله عنهم، فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعين، فإن هذه الأمة قد أجارها اللَّه أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق، وما عداه فهو باطل. وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات، إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبهة، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض، من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض، وقد قتلوا الحسين، وسمعت النبي وَلّر يقول: ((هما ريحانتاي من الدنيا))، وسأل رجل بشر بن الحارث، عن رجل له زوجة، وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل. وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها حزمة البقل. فقال أحمد: أيش هذه المسائل؟ قيل له: إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك، فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم، فنعم هذا يشبه ذاك. وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع، فيشبه حالهم هذا. وقد كان الإمام أحمد نفسه، يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمنا، فجاء به على ورقة، فأمر برد الورقة إلى البائع. وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها، واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم. واستأذن رجل آخر في ذلك، فتبسم، فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويُقدم على الشبهات من غير توقف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبالجملة فما نُقل عن السلف ، في هذا الباب كثير، فينبغي للمسلم أن يحتاط في أمر دينه، ويحرص كل الحرص على البراءة مما يَشِين دينه، وعرضه، اللَّهم ارزقنا التقوى، واجعلنا من عبادك المتّقين، واختم لنا بخاتمة السعادة عند انقضاء الأجل، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٥١- (الكرامِیةُ فِي بَیْع الزَّبیبِ لِمَنْ ... - حديث رقم ٥٧١٥ ٣٥١ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٥١ - (الْكَرَاهِيَةُ فِي بَيْعِ الزَّبِيبِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا) ٥٧١٥- (أَخْبَرَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، هُوَ بَاوَرْدِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الزَّبِيبَ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ، هُوَ بَاوَزْدِيُّ)): هو السلميّ الترمذيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [١٠] ٩٢١/٣٠. [تنبيه]: قوله: ((باورديّ)): نسبة إلى بلدة بنواحي خراسان، يقال لها: أبيورد، وتخفّف، فيقال: باورد. قاله في ((اللباب)) ١/ ١١٥. والله تعالى أعلم. و((أبو سفيان محمد بن حميد)) اليشكريّ المعمريّ البصريّ، نزيل بغداد، وقيل له: المعمري؛ لأنه رحل إلى معمر، وكان مشهورا بالصلاح، والعبادة، ثقة [٩]. روى عن معمر، وهشام بن حسان، وسفيان الثوري. وروى عنه یحیی بن یحیی النيسابوري، والنفيلي، وعبد الله بن عون الخراز، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وعمرو الناقد، وسریج بن يونس، وسنيد بن داود، والجارود بن معاذ الترمذي، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وسعيد بن داود، وحميد بن الربيع اللخمي، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: رجل صدوق. وقال صالح بن محمد الأسدي، عن ابن معين: المعمري أحب إلي من عبد الرزاق. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ووثقه أبو خيثمة، زهير بن حرب، فيما ذكره ابن شاهين في ((الثقات)). وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، وقال: في حديثه نظر. قال ابن قانع: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و((معمر)): هو ٣٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ابن راشد. و((ابن طاوس)): هو عبد الله. والله تعالى أعلم. وقوله: (كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الزَّبِيبَ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَبِيذًا)»: يعني أن طاوسًا رحمه اللَّه تعالى كان يكره أن يبيع شخص زبيبًا، أو نحوه لمن يعلم أنه سيتخذه خمرًا، وبهذا قال بعض أهل العلم، بل مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، تحريمه، وبطلان البيع به، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى. وهذا الأثر صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا٥١/ ٥٧١٤- وفي ((الكبرى)) ٥٢٢١/٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٢- (الْكَرَاهِيَةُ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ) ٥٧١٦ - - أ(خْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ لِسَعْدٍ كُرُومٌ، وَأَعْنَابٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَمِينٌ، فَحَمَلَتْ عِنَبًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَخَافُ عَلَى الْأَعْنَابِ الضَّيْعَةَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَعْصُرَهُ عَصَرْتُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَاعْتَزِّلْ ضَيْعَتِي، فَوَاللَّهِ لَا أَكْتَمِئُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا، فَعَزَلَهُ عَنْ ضَيْعَتِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (سويد بن نصر) المروزيّ الملقّب شاه، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٢- (عبدالله) بن المبارك الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٦/٣٢. ٣- (سُفْيَانَ بْنِ دِينَارٍ) التمّار، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن أبي صالح السمان، ومصعب بن سعد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعكرمة، ومحمد ابن الحنفية، وأبي نضرة، وغيرهم. وعنه أبو بكر بن عياش، وابن المبارك، ويعلى بن عبيد، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعدة. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: سفيان بن دينار التمار ثقة، وسفيان بن زياد العصفري ثقة جميعا كوفيان. وقال أبو زرعة: سفيان بن دينار ثقة. وقال النسائي: لیس به بأس. -- ٣٥٣ ٥٢- (الْكَرَاهِيَّةُ فِي بَيْع الْعَصِير) - حديث رقم ٥٧١٦ قال الحافظ: وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وجعله هو والعصفري واحدا، وسيأتي أن البخاري سبقه إلى ذلك، وكذا مسلم، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والتحقيق فيه أن سفيان بن دينار التمار هذا، يقال له: العصفري أيضا، وأن سفيان بن زياد العصفري آخر، بينه الباجي. روى له البخاريّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٥- (مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبي زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢ مات سنة (١٠٣). ٥- (سعد) بن أبي وقّص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، مات رَي بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، وهو آخر من مات من العشرة .. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُضْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: كَانَ لِسَعْد) بن أبي وقّاص ◌َّه (كُرُومٌ) بالضم جمع كرم بفتح، فسكون، وزان فلس: هو شجر العنب (وَأَعْنَابٌ كَثِيرَةٌ) و((الأعناب)): بالفتح جمع عنب، بكسر، ففتح، والعنبة: الحبة منه، ولا يقال له: أعناب، إلا وهو طريّ، فإذا يبس، فهو الزبيب. قاله في ((المصباح)). وقال في ((اللسان)) ٥١٤/١٢: الكرم: شجرة العنب، واحدتها كرمة، قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا مِتْ فَادْفِئِي إِلَى جَنْبٍ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا وقيل: الكرمة: الطاقة الواحدة من الكرم، وجمعها كُروم. انتهى. وسيأتي البحث عن النهي عن تسمية العنب كرمًا في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى. (وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَمِينٌ) أي مؤتمن على تلك الكروم (فَحَمَلَتْ) أي الکروم (عِنْبًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ) ذلك الأمين (إِلَيْهِ) أي إلى سعد رَّ (إِنِّي أَخَافُ عَلَى الْأَعْتَابِ الضَّيْعَةَ) أي الفساد والهلاك (فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَعْصِرَهُ) بكسر الصاد، يقال: عصرتُ العنب، ونحوه عَصْرًا، من باب ضرب: استخرجت ماءه، واعتصرته كذلك، واسم ذلك الماء ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ العصير، فعيل بمعنى مفعول. قاله الفيّوميّ (عَصَزْتُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ) ◌َّهِ (إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَاعْتَزِلْ ضَيْعَتِي) -بفتح، فسكون -: هي العَقَار، والجمع ضِياعٌ، مثلُ كلبة وكلاب، وقد يقال: ضِيَعْ. قاله الفيّوميّ. والمراد هنا كرومه المذكورة (فَوَّاللَّهِ لَا أَثْتَمِنُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا) أي بعد ما قلته من اتخاذ العصير (فَعَزَّلَهُ) بفتح الزاي، أي أخرجه عن عمله، قال الفيّوميّ: عَزَلتُ الشيء عن غيره عزلًا من باب ضرب: إذا نخيته، ومنه عزلت النائب، كالوكيل: إذا أخرجته عما كان له من الحكم. (عَنْ ضَيْعَتِهِ) أي عن القيام بخدمة كرومه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد رضي اللّه تعالى عنه هذا موقوف صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٥٧١٥/٥٢- وفي ((الكبرى)) ٥٢٢٢/٥٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كراهية بيع العصير؛ خوفًا من أن يُتخذ خمرًا. (ومنها): ما كان عليه سعد بن أبي وقّاص تَظّه من كمال الورع والتقوى، فإن الذي طلبه منه الأمين من عصر العنب، ليس محرّمًا، وإنما خشي منه أن يتوصّل منه بعض من يشتريه إلى اتخاذه خمرًا، فرحم الله من يطلب براءة ذمته، ويبغي بذلك ما عند الله تعالى. (ومنها): أنه يحرم بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، وفيه اختلاف بين العلماء، وهذا هو الأرجح، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع العصير، أو الزبيب، ونحوه لمن يتخذه خمرًا: قال الموفّق رحمه الله تعالى: بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم، وكرهه الشافعي، وذكر بعض أصحابه، أن البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمرا فهو محرم، وإنما يكره إذا شك فيه. وحكى ابن المنذر عن الحسن، وعطاء، والثوري، أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا، قال الثوري: بع الحلال ممن شئت، واحتَجّ لهم بقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولأن البيع تم بأركانه وشروطه. قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]، وهذا نهي يقتضي ٣٥٥ ٥٢- (الگرامِیةُ فِی بیع المعصِیر) - حديث رقم ٥٧١٦ التحريم. وروي عن النبي وَالّ أنه لَعَن في الخمر عشرة، فروى ابن عباس، أن النبي ◌َّل أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إن اللَّه لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وأشار إلى كل معاون علهيا، ومساعد فيها. أخرج هذا الحديث الترمذي، من حديث أنس ربنايه (١)، وقال: قد روي هذا الحديث عن ابن عباس، وابن عمر، عن النبي ◌َّر. وروى ابن بطة في تحريم النبيذ بإسناده عن محمد بن سيرين، أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص، في أرض له، فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا، ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره، فأمر بقلعه، وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر(٢) . ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية، فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها، والآية مخصوصة بصور كثيرة، فيخصص منها محل النزاع بدليلنا، وقولهم: تم البيع بشروطه وأركانه. قلنا: لكن وُجد المانع منه. إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع، ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به، تدل على ذلك، فأما إن كان الأمر محتملا، مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخل والخمر معا، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي؛ لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب. قال: ولنا أنه عقد على عين لمعصية الله بها، فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو المحرم دون العقد، ولأن التحريم ههنا لحق اللَّه تعالى، فأفسد العقد، كبيع درهم بدرهمين، ويفارق التدليس، فإنه لحق آدمي. قال: وهكذا الحكم في كل ما يُقصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطريق، أو في الفتنة، وبيع الأمة للغناء، أو إجارتها كذلك، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتُتخذ كنيسة، أو بيت نار وأشباه ذلك، فهذا حرام، والعقد باطل؛ لما قدمنا، قال ابن عقيل: وقد نص أحمد رحمه الله على مسائل، نبه بها على ذلك، فقال في القصاب، والخباز إذا علم أن من يشتري منه، يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه، ومن يخترط الأقداح، لا يبيعها ممن يشرب فيها، ونهى عن بيع الديباج للرجال، ولا بأس ببيعه للنساء. ورُوي عنه: لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار، وعلى قياسه البيض، فیکون بيع ذلك كله باطلا . (١) حديث صحيح . (٢) وقريب منه رواية المصنف هذه ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ قال: قيل: لأحمد: رجل مات، وخلّف جارية مغنية، وولدا يتيما، وقد احتاج إلى بيعها، قال: يبيعها على أنها ساذجة، فقيل له: فإنها تساوي ثلاثين ألف درهم، فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا، قال: لا تباع إلا على أنها ساذجة، ووجه ذلك ما رَوَى أبو أمامة رَّه عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((لا يجوز بيع المغنيات، ولا أثمانهن، ولا كسبهن))، قال الترمذي: هذا لا نعرفه إلا من حديث علي بن زيد، وقد تكلم فيه أهل العلم، ورواه ابن ماجه. وهذا يُحمل على بيعهن لأجل الغناء، فأما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل، كما أن العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر؛ لصلاحيته للخمر. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى ((المغني)) ٣١٧/٦-٣٢٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن أرجح الأقوال هو قول الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى، ومن قال به من أنه يحرم بيع العصير لمن عرف أنه يتخذه خمرًا، وكذلك بيع كل ما يعلم أن غرض المشتري منه إقامة المعصية به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد ورد النهي عن تسمية العنب كرمًا، قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحیحه)) : (باب قول النبي وَّر: إنما الكرم قلب المؤمن))، وقد قال: ((إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة))، كقوله: ((إنما الصُّرَعة الذي يملك نفسه عند الغضب))، كقوله: ((لا مَلِك إلا الله، فوصفه بانتهاء الملك))، ثم ذكر الملوك أيضا، فقال: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]. ثم أخرج بسنده عن أبي هريرة رضي قال: قال رسول اللّه وَالخير: ((ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن)). قال في ((الفتح)): غرض البخاري أن الحصر ليس على ظاهره، وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن، ولم يُرد أن غيره لا يسمى كرما، كما أن المراد بقوله: إنما المفلس من ذكر، ولم يُرد أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسا، وبقوله: إنما الصرعة كذلك، وكذا قوله: لا ملك إلا الله، لم يرد أنه لا يجوز أن يسمى غيره ملكا، وإنما أراد الملك الحقيقي، وإن سمي غيره ملكا، واستشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُونَ﴾، وفي القرآن من ذلك عدة أمثلة. كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْلِكُ أَثْنُنِيِ بٌِّ﴾ [يوسف: ٥٠]، في صاحب يوسف وغيره. وأشار ابن بطال إلى أنه يؤخذ من ذلك ترك المبالغة والإغراق في الوصف، إذا كان الموصوف لا يستحق ذلك. وقوله: ((ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن))، وفي رواية: ((لا تسموا العنب ٣٥٧ ٥٢- (الکرامِیةُ فِي بَتْع العَصِير) - حديث رقم ٥٧١٦ كرما)»، وفي رواية مسلم: ((لا يقل أحدكم للعنب: الكرم، إنما الكرم الرجل المسلم»، وله من حديث وائل بن حجر: ((لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب، والحبلة)». وأخرج الطبراني والبزار، من حديث سمرة رفعه: ((إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم، من أجل ما أكرمه الله على الخليقة، وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم ... )) الحديث. قال الخطابي: ما ملخصه: إن المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها، ولأن في تبقية هذا الاسم لها تقريرا لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرما، وقال: ((إنما الكرم قلب المؤمن))؛ لما فيه من نور الإيمان، وهدى الإسلام. وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري: أنهم سموا العنب كرما؛ لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق، حتى قال شاعرهم: وَالْخَمْرُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْكَرَمِ وقال آخر: شُقِقْتُ مِنَ الصَّبِيِّ وَاشْتُقَّ مِنِّي كَمَا اشْتُقَّتْ مِنَ الْكَرَمِ الْكُرُومُ فلذلك نهي عن تسمية العنب بالكرم، حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرّم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها، ويرى الكرّم في تركها أحق بهذا الاسم. انتھی . وأما قول الأزهري: سمي العنب كرما؛ لأنه ذلل لقاطفه، وليس فيه سلاء يعقر جانيه، ويحمل الأصل منه مثل ما تحمل النخلة فأكثر، وكل شيء كثر فقد كرم، فهو صحيح أيضا من حيث الاشتقاق، لكن المعنى الأول أنسب للنهي. وقال النووي: النهي في هذا الحديث عن تسمية العنب كرما، وعن تسمية شجرها أيضا للكراهية. وحكى القرطبي عن المازري أن السبب في النهي، أنه لما حرمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثهم على الكرم، كره وَّرَ أن يسمى هذا الْمُحَرَّم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرك لهم. وتعقبه بأن محل النهي إنما هو تسمية العنب كرما، وليست العنبة محرمة، والخمر لا تسمى عنبة، بل العنب قد يسمى خمرا باسم ما يؤول إليه. قال الحافظ: والذي قاله المازري موجه؛ لأنه يحمل على إرادة حسم المادة، بترك تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن، ولذلك ورد النهي تارة عن العنب، وتارة عن شجرة العنب، فيكون التنفير بطريق الفحوى؛ لأنه إذا نُهي عن تسمية ما هو حلال في الحال بالاسم الحسن؛ لما يحصل منه بالقوة مما يُنهى عنه، فلأن ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن ٣٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ أحرى. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ما ملخصه: لما كان اشتقاق الكرم من الكرم، والأرض الكريمة هي أحسن الأرض، فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن، الذي هو خير الأشياء؛ لأن المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبه؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان، قال: ویؤخذ منه أن كل خير باللفظ، أو المعنى، أو بهما، أو مشتقا منه، أو مسمى به، إنما يضاف بالحقيقة الشرعية للإيمان وأهله، وإن أضيف إلى ما عدا ذلك، فهو بطريق المجاز، وفي تشبيه الكرم بقلب المؤمن معنى لطيف، لأن أوصاف الشياطن تجري مع الكرمة، كما يجري الشيطان في بني آدم مجرى الدم، فإذا غفل المؤمن عن شيطانه، أوقعه في المخالفة، كما أن من غفل عن عصير كرمه تخمر، فتنجس، ويقوي التشبيه أيضا أن الخمر يعود خلا من ساعته بنفسه، أو بالتخليل، فيعود طاهرا، وكذا المؤمن يعود من ساعته بالتوبة النصوح طاهرا، من خبث الذنوب المتقدمة، التي كان متنجسا باتصافه بها، إما بباعث من غيره، من موعظة ونحوها، وهو كالتخليل، أو بباعث من نفسه، وهو كالتخلل، فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه؛ لئلا يهلك، وهو على الصفة المذمومة. ذكره في ((الفتح)) ١٢/ ٢٠٦-٢٠٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٧١٧- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: بِعْهُ عَصِيرًا مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ طِلَاءِ، وَلَا يَتَّخِذُهُ خَمْرًا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((هارون بن إبراهيم)): هو أبو محمد الأهوازيّ، ثقة [٧] ٣٣/ ٥٤٩١ من أفراد المصنّف. وقوله: ((بعه عصيرا الخ)) الظاهر أن الضمير يعود إلى ما سبق في السؤال، كأن يسأله إنسان عن حكم بيع العصير، فأجابه بقوله: ((بعه عصيرًا)): أي يجوز لك بيعه مادام بصفة كونه عصيرا. وقوله: ((ممن يتّخذه)) يتعلّق بـ(بعه))، والأصل في باع أن يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، وقد تدخل ((من))، أو اللام على المفعول الأول، قال الفيّوميّ: بعت الدار زيدًا يتعدّى إلى مفعولين، قال: وتدخل ((من)) على المفعول الأول على وجه التأكيد، فيقال: بعت من زيد الدار، قال: وربما دخلت اللام مكان ((من)) يقال: بعتك الشيء، وبعته لك، فاللام زائدة. انتهى. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا). ٥٣- (ذِكْرُ مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مِنَ ... - حديث رقم ٥٧١٨ ٣٥٩ = وقوله: ((طلاء)) بكسر الطاء المهملة، ككتاب: عصير العنب إذا طُبخ حتى بقي ثلثه. وأثر ابن سيرين رحمه الله تعالى هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٧١٦/٥٢- وفي ((الكبرى)) ٥٢٢٤/٥٣. ومطابقته للباب واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥٣- (ذِكْرُ مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مِنَ الطِّلَاءِ، وَمَا لَا يَجُوزُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الطُّلاء))- بالكسر، والمدّ: ما طُبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، وتسمّيه العجم الْمَيْبَخْتَج، وبعض العرب يُسمّي الخمر الطّلاء يريد بذلك تحسين اسمها، لا أنها الطّلاء بعينها، قال عبيد بن الأبرص للمنذر حين أراد قتله: هِيَّ الْخَمْرُ يَكْثُونَها بِالظُّلَا كَمَا الذِّثْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَةْ واستشهد به ابن سِيدَه على الطلاء خائر الْمُنَصَّف يُشبه به، وضربه عُبيد مثلًا: أي تُظهر لي الإكرام، وأنت تُريد قتلي، كما أن الذئب، وإن كانت كنيته حسنة، فإن عمله ليس بحسن، وكذلك الخمر، وإن سُميت طلاء، وحسن اسمها، فإن عملها قبيح. وقال ابن الأثير: الطلاء بالكسر والمدّ: الشراب المطبوخ من عصير العنب، قال: وهو الرُّبُّ، وأصله القطران الخاثر الذي تُطلَى به الإبل. انتهى ((لسان العرب)) ١٥/ ١٠-١١ . باختصار. وقال في ((الفتح)): ١٩١/١١: ((الطلاء))- بكسر المهملة، والمد -: هو الدِّبْسُ(١)، شُبِّهَ بطلاء الإبل، وهو الْقَطِران الذي يدهن به، فإذا طُبخ عصير العنب حتى تَمَدَّد أشبه طلاء الإبل، وهو في تلك الحالة غالبا لا يسكر. انتهى. والله تعالى أعلم. ٥٧١٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ (١) ((الدبس)) بالكسر: عُصَارة الرُّطَب. قاله في ((المصباح)). 1 شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٣٦٠ مَنْصُورًا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نُّبَاتَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: أَنِ ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّلَاءِ، مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥. ٢- (المعتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/١٠. ٣- (منصور) بن المعتمر، أبو عَّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢. ٤- (إبراهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣ . ٥- (نباتة) -بضم أوله، وقيل: بفتحه، ثم موحّدة، ثم المثنّة- الوالبيّ، ويقال: الجعفيّ الكوفيّ ثقة (١) [٣]. رَوَى عن عمر بن الخطاب، وسُويد بن غفلة، وعنه إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وسُويد بن غفلة، وهما من أقرانه، وعاصم بن كُليب. قال أبو حاتم: كان معلمًا على عهد عمر. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وقال ابن حزم في ((المحلّى)) ٢/ ٩١: من أوثق التابعين. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من المعلّمين على عهد عمر. وقال الدارقطنيّ: الأصبغ بن نباتة يروي عن علي، ونباتة يروي عن عمر بن الخطّاب المحدّثون يقولون: بضم النون، وسمعت أبا بكر بن الأنباريّ يقول: الأصبغ بن نباتة بفتح النون، وكذلك نَبَاتة الجعفيّ عن عمر مثله. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث. ٦- (سُويد بن غَفَلة) أبو أميّة الجعفيّ، مخضرم، من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ وَّهر، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (٨٠)، وله (١٣٠) سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُوَيْدٍ) مصغّرًا (ابْنِ غَفَلَةَ) -بفتح الغين المعجمة، والفاء- أنه (قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ) وَّهِ (إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ) بضم جمع عامل، والعامل هو عمار تَّه كما سيأتي في رواية سعيد منصور قريبًا. (أن) يحتمل أن تكون مصدريّة، بتقدير حرف الجرّ: أي برزق المسلمين، ويحتمل أن تكون تفسير ية (ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّلَاءِ) (١) قال عنه في ((التقريب)): مقبول، قلت: لا بل هو ثقة، روى عنه جماعة، ووثقه العجليّ، وابن حبان، وابن حزم انظر المحلّى ٢/ ٩١ . راجع ما كتبه محقق (تهذيب الكمال)) في هامشه ٢٩/ ٣١١ .