Indexed OCR Text
Pages 281-300
= ٢٨١ = ١٣- (الحُكْمُ بِالظَّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ ترتب على شهادة الزور، فإذا اعتمد الحكم، وتعمد الدخول بها، فقد ارتكب مُحَرَّما، كما لو كان الحكم بالمال فأكله، ولو ابتلى الثاني كان حكم الثالث كذلك، والفحش إنما لزم من الإقدام على تعاطي المحرم، فكان كما لو زنوا ظاهرا، واحد بعد واحد. وقال ابن السمعاني: شرطُ صحة الحكم وجودُ الحجة، وإصابة المحل، وإذا كانت البيئة في نفس الأمر شهود زور، لم تحصل الحجة؛ لأن حجة الحكم هي البينة العادلة، فإن حقيقة الشهادة إظهار الحق، وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإذا كان الشهود كَذَّبَةً، لم تكن شهادتهم حقا، قال: فإن احتجوا بأن القاضي حكم بحجة شرعية، أمر الله بها، وهي البينة العادلة في علمه، ولم يكلف بالاطلاع على صدقهم في باطن الأمر، فإذا حكم بشهادتهم، فقد امتثل ما أمر به، فلو قلنا: لا ينفذ في باطن الأمر، للزم إبطال ما وجب بالشرع؛ لأن صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة، فهو بمنزلة القاضي في مسألة اجتهادية، على مُجتَهِد لا يعتقد ذلك، وأنه يجب عليه قبول ذلك، وإن كان لا يعتقده؛ صيانةً للحكم. وأجاب ابن السمعاني، بأن هذه الحجة للنفوذ، ولهذا لا يأثم القاضي، وليس من ضرورة وجوب القضاء نفوذ القضاء حقيقة في باطن الأمر، وإنما يجب صيانة القضاء عن الإبطال إذا صادف حجة صحيحة. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٨٢/١٥-٨٣. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الحجج أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن حديث الباب على إطلاقه، فيشمل جميع الأحكام عقودًا، وفسوخًا، وغير ذلك، أمولًا، وفروجًا هو الحقّ، وأن القول بالتفرقة بين المال والبضع قول ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمخالفته لهذا الحديث، وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فرع]: لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له به الحاكم، هل يحل له أخذ ما حكم له به، أو لا، كمن مات ابن ابنه، وترك أخا شقيقا، فرفعه لقاض يَرى في الجد رأي أبي بكر الصديق تظلّه، فحكم له بجميع الإرث، دون الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي الجمهور، نقل ابن المنذر رحمه اللّه تعالى عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق؛ عملًا بمعتقده، والخلاف في المسألة مشهور. ذكره في ((الفتح)) ٨٤/١٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ ١٤- (حُكْمُ الْحَاكِم بِعِلْمِهِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مراد المصنف رحمه الله تعالى بقوله: ((بعلمه)): ما يفهمه من سياق القضيّة، كما فعل سليمان ◌ِالَّله في هذه القضيّة، حيث فهم من قول الكبرى: ((اقطعه))، وقول الصغرى: ((لا تقطعه، هو ابنها)) على أن الصغرى هي الوالدة حقيقة، فقضى لها، وليس مراده الحكم بعلم الحاكم المشهور، وهو أن يرى الحاكم بنفسه رجلًا يأخذ مال آخر ظلمًا، فيترافعان إليه، فيحكم للمظلوم بعلمه، دون أن يطلب منه بيّنةً، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى، فإن حكم سليمان ◌َالَّل ليس من هذا القبيل، وإنما هو حكم بالاستدلال، وعلى هذا فيكون قوله هنا: ((حكمُ الحاكم بعلمه)) بمعنى قوله: في ((الكبرى)): ((باب الفهم، والقضاء، والتدبير فيه، والحكم بالاستدلال)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٤٠٤- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، قَالَ: وَقَالَ: ((بَيْتَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذُّتْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا، إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: اثْتُونِي بِالسِّكِينِ أَشْقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ - يَرْحَمُكَ اللَّهُ- هُوَ ابْتُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَىَ)»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِالسّكِّينِ قَطْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ: إِلَّا الْمُذْيَّةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمران بن بكّار) الْكَلَاعِيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذِّن، ثقة [١١] ١٥٤١/١٧ من أفراد المصنّف. ٢- (عليّ بن عيّاش) الأَلَّهانيّ الحمصيّ، ثقة ثبتٌ [٩] ١٨٢/١٢٣. ٣- (شُعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت [٧] ٨٥/٦٩. ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ الفقيه ثقة [٥] ٧/ ٧ . ٥- (عبد الرحمن الأعرج) بن هُزْمُز المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٧/٧ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. ٢٨٣ = ١٤- (حکمُ الحَاکِم بعلمِهِ) - حديث رقم ٥٤٠٤ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالشاميين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. وفيه أبو هريرة رَوعليه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ((من)) يحتمل أن تكون ابتدائية، أو تبعيضيّة: أي بعض ما حدثه، أو للمصاحبة (مِمَّا ذَكَرَ) عبد الرحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َُّ (يُحَدِّثُ بِهِ) أي بما ذكر (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ قَالَ) أي أبو هريرة ◌َّيه (وَقَالَ) أي النبيّ ◌َهِ (بَيْتَمَا امْرَأَتَانِ) قال الحافظ: لم أقف على اسم واحدة من هاتين المرأتين، ولا على اسم واحد من ابنيهما في شيء من الطرق (مَعَهُمَا ابْتَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان، عن أبي الزناد الآتية: ((خرجت امرأتان، معهما صبيّان لهما))، وفي رواية مسكين بن بُكير، عن شعيب: ((خرجت امرأتان، معهما ولداهما)) (جَاءَ الذِّثْبُ) قال في (القاموس)): الذئب- بالكسر- ، ويُترك همزه: كلب البرّ، جمعه أذوبٌ، وذِئابٌ، وذُؤبان بالضم، وهي بهاء. انتهى. وقال في ((المصباح)): ((الذئب)): يُهُمَز، ولا يُمِز، ويقع على الذكر والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القلّة أَذْؤُبّ، مثلُ فلس وأفلُس، وجمع الكثرة ذِئابٌ، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى (فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: ((فعدا الذئب على إحداهما، فأخذ ولدها)) (فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا) أي قالت إحدى المرأتين لصاحبتها (إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا) وفي رواية ابن عجلان: ((فأصبحتا تختصمان في الصبيّ الباقي)) (إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام) وفي رواية مسكين، عن شعيب: ((فاختصما إلى داد النبيّ وَّةِ)) (فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى) قيل: كان ذلك على سبيل الفتيا منهما لا الحكم، ولذلك ساغ لسليمان ◌ّالَّلُ أن ينقضه. وتعقبه القرطبي بأن في لفظ الحديث: أنه قضى بأنهما تحاكما، وبأن فتيا النبي وحكمه سواء، في وجوب تنفيذ ذلك. وقال الداودي: إنما كان منهما على سبيل المشاورة، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه. قال ابن الجوزي: استويا عند داودعَلَّهُ في اليد، فقدّم الكبرى للسنّ. وتعقّبه القرطبي، وحَكَى أنه قيل: كان من شرع داودفعّالَّلُ أن يحكم للكبرى، قال: وهو فاسد؛ لأن الكبر والصغر وصف طردي، كالطول والقصر، والسواد والبياض، ولا ٢٨٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ أثر لشيء من ذلك في الترجيح، قال: وهذا مما يكاد يُقطع بفساده، قال: والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام قضى به للكبرى؛ لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها؛ إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يعين في الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى، وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال: وهذا تأويل حسن، جار على القواعد الشرعية، وليس في السياق ما يأباه، ولا يمنعه. [فإن قيل]: فكيف ساغ لسليمان عَ الَّلهُ نقض حكمه. [فالجواب]: أنه لم يعمد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة، أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لما أخبرتا سليمان بالقصة، فدعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدالّ على عظيم الشفقة، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها: هو ابن الكبرى؛ لأنه علم أنها آثرت حياته، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى، وعدمها في الكبرى، مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة، الدالة على صدقها ما هجم به على الحكم للصغرى، ويحتمل أن يكون سليمان عليه السلام ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، أو تكون الكبرى في تلك الحالة، اعترفت بالحق، لَمّا رأت من سليمان ◌َالَل الجد والعزم في ذلك. ونظير هذه القصة: ما لو حكم حاکم علی مُدَّع منکر بیمین، فلما مضى ليحلفه حضر من استخرج من المنكر ما اقتضى إقراره، بما أراد أن يحلف على جحده، فإنه والحالة هذه یحکم عليه بإقراره، سواء كان ذلك قبل الیمین أو بعدها، ولا یکون ذلك من نقض الحكم الأول، ولكن من باب تبدل الأحكام بتبدل الأسباب. انتهى ((المفهم)) ١٧٥/٥ - ١٧٦ . بتصرّف. وقال ابن الجوزي استنبط سليمانِالتَّ لَمّا رأى الأمر محتملا، فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد؛ لأنه لو كان داود حكم بالنص، لما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه. قاله في ((الفتح)) ١٣٢/٧-١٣٣ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم ٣٤٢٧ . (فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ) عليهما الصلاة والسلام (فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصّة، وبما قضى به أبوه داودالصَّلُ، وفي رواية ابن عجلان: فمرّتا على سليمان، فقال: كيف أمرُكما، فقصّتا عليه))، وفي رواية مسكين، عن شعيب: ((فمرّتا على سليمانَ لَّلامُ، فقال: كيف قضى بينهما؟)) (فَقَالَ) سليمانغَالَِّ (اقْتُونِي بِالسِّكْينِ) بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف -: الْمُذْيَة، سُمّي بذلك لأنه يُسكّن حركة المذبوح، وحكى ابن الأنباريّ فيه التذكير والتأنيث، وقال السجستانيّ: سألت أبا زيد الأنصاريّ، ٢٨٥ ١٤- (حُكْمُ الحاکِم بعلمه) - حديث رقم ٥٤٠٤ والأصمعيّ، وغيرهما ممن أدركنا، فقالوا: هو مذكّرٌ، وأنكروا التأنيث، وربّما أنّث في الشعر على معنى الشَّفْرَة، وأنشد الفرّاء: فَعَيَّتْ فِي السَّئَامِ غَدَاةَ قُرِّ بِسِكِينٍ مُوَقّقَةِ النّصَابِ ولهذا قال الزجاج: السّكّين مذكّرٌ، وربّما أُنْث بالهاء، لكنه شاذٌ، غير مختار، ونونه أصليّةٌ، فوزنه فِعْيل من التسكين، وقيل: النون زائدة، فهو فِعْلِينٌ، مثلُ غِسْلينٍ، فيكون من المضاعف. أفاده الفيّوميّ. (أَشْقُهُ بَيْتَهُمَا) وفي رواية ابن عجلان: ((أشقّ الغلام بينهما))، وفي رواية مسكين: ((قال سليمان: ((أقطعه بنصفين: لهذه نصفٌ، ولهذه نصفٌ، قالت الكبرى: اقطعوه، فقالت الصغرى: لا تقطعه، هو ولدها)) (فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ -يَرْحَمُكَ اللَّهُ) وفي رواية لمسلم: ((فقالت الصغرى: لا، يرحمك اللَّه))، قال القرطبي: ينبغي على هذه الرواية أن يقف قليلا بعد ((لا))، حتى يتبين للسامع أن الذي بعده كلام مستأنف؛ لأنه إذا وصله بما بعده يُتوهم السامع أنه دعا عليه، وإنما هو دعاء له، وقد روي عن أبي بكر الصديق رَّ أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول: لا تقل هكذا، وقل: يرحكم اللَّه، لا. قال: ويزول الإبهام في مثل هذا بزيادة واو، كأن يقول: لا ويرحمك الله. وفيه حجة لمن قال: إن الأم تستحلق، والمشهور من مذهب مالك، والشافعي أنه لا يصح. ((المفهم)) ١٧٧/٥ و((الفتح)) ١٣٣/٧. (هُوَ ابْتُهَا، فَقَضَى) سليمان،فَ لَّهُ (بِهِ لِلصُّغْرَى) وفي رواية ابن عجلان: ((فقالت الصغرى: أتشقّه؟ قال: نعم، فقالت: لا تفعل، حظّي منه لها، قال: هو ابنك، فقضى به لها)). وفي رواية مسكين: ((فقالت الصغرى: ((لا تقطعه، هو ولدها، فقضى به للّتي أبت أن يقطعه)). (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َّه يعني بالإسناد السابق، وليس تعليقا، وقد وقع كذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ورقاء، عن أبي الزناد. قاله في ((الفتح)) (وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِالسِّكْينِ قَطْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ: إِلَّا الْمُدْيَةَ) مثلثة الميم، قيل للسكين ذلك: لأنها تقطع مدی حیاة الحیوان، كما أن السکین سمّي به؛ لكونه یسكّن حركة المذبوح، كما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه. ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٥٤٠٤/١٤ و٥٤٠٥/١٥ و٥٤٠٦- وفي ((الكبرى)) ٥٩٥٧/١٨ و١٩/ ٥٩٥٨ و٥٩٥٩/٢٠ و٥٩٦٠/٢١. وأخرجه (خ) في ((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٢٧ و((الرقاق)) ٦٤٨٣ ((والفرائض)) ٦٧٦٩ (م) في ((الأقضية)) ١٧٢٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٠٨١ و٨٢٧٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز حكم الحاكم بما يفهمه من القضيّة، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوّة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينيّةٌ، وتوسّماتٌ نورانيّةٌ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. انتهى. وقال النووي رحمه اللّه تعالى: إن سليمان ګل فعل ذلك تحیلا على إظهار الحق، فکان کما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم، أن الحق لخصمه. (ومنها): أن فيه المسألة المشهورة، وهي أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وهو محلّ خلاف، وبه يقول المصنّف، والبخاريّ، وكثيرون رحمهم الله تعالى، وهو الحقّ، على تفاصيل تقدّمت في مواضع كثيرة. (ومنها): أن هذه القصة دلّت على أن الفطنه والفهم موهبة من اللَّه، لا يتعلق بكبر سن، ولا صغره. (ومنها): أن الحق في جهة واحدة، وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإن كان وجود النص ممكنا لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أجورهم، ولعصمتهم من الخطإ في ذلك، إذ لا يُقَرُّون لعصمتهم على الباطل. قاله في ((الفتح)) ١٣٣/٧ . وقال في ((المفهم)) ١٧٦/٥: وفي هذا الحديث أن الأنبياء عليهم السلام سُوّغ لهم الحكم بالاجتهاد، وهو مذهب المحقّقين من الأصوليين، ولا يُلتَفَت لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النصّ، والأنبياء عليهم السلام لا يفقدون النصّ، فإنهم متمكّنون من استطلاع الوحي، وانتظاره؛ لأنا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط والخطإ، وعن التقصير في اجتهادهم، وغیرهم ليسوا كذلك. انتهى. (ومنها): أن فيه استعمالَ الحيل في الأحكام؛ لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة، وممارسة الأحوال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٤ - (حُكْمُ الْحَاكِم بِعِلْمِهِ) - حديث رقم ٥٤٠٤ ٢٨٧ (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحاكم بعلمه: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والشعبيّ، وروي عن شُریح. وذهبت طائفة إلى أنه يقضي في كلّ شيء من الأموال، والحدود، وغير ذلك مطلقًا، وبه قال أبو ثور، ومن تبعه، وهو أحد قولي الشافعيّ. وذهبت طوائف إلى التفريق، فقالت طائفة: يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصّة، لا قبله، ولا في غيره إذا لم تحضر مجلسه بيّنة، وفي الأموال خاصّة، وبه قال الأوزاعيّ، وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه. وقالت طائفة: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه، وفي غيره، لا قبل قضائه، ولا في غير مصره، في الأموال خاصّة، وبه قال أبو حنيفة. وقالت طائفة: إنه يقضي بعلمه في الأموال خاصّة، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه، وفي غيره، قبل ولایته، أو بعدها، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وهو أحد قولي الشافعيّ. وذهب بعض المالكية إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال، والقذف خاصّة، ولم يشترط مجلس القضاء، واتّفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأن ذلك ضروريّ في حقّه. والصحيح الأول؛ لقوله ◌َل# في حديث هلال بن أميّة رَّه لما لاعن زوجته: ((أبصروها، فإن جاءت به- يعني الولد- على نعت كذا، فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا، فهو لشريك))، فجاءت به على النعت المكروه، وقال: لو كنت راجما بغير بيّنة، لرجمت هذه))، فلم يحكم بعلمه؛ لعدم قيام البيّنة، وعند المخالف يجب أن يرجُها إذا علم ذلك، قاله عبد الوهاب، فهذا ظاهر قويّ في الحدود، وأما في غيرها، فيدلّ عليه حديث خزيمة رَّه، حيث اشترى النبيّ وَله من أعرابيّ فرسًا، فمشى معه ليعطيه ثمنه، فعرض للأعرابيّ من زاده في الثمن، فأراد أن يبيعه، فقال له رسول اللّه وَّلت: ((قد بعته منّي))، فأنكر الأعرابيّ، وقال: من يشهد لك؟ فاستدعى النبيّ وَّر من يشهد، فشهد خزيمة (١)، فهذا النبيّ وَليلم يحكم بعلمه، حتّى قامت الشهادة، ولا يُنفَصل عن هذا بأن النبيّ وَلِ﴿ فعل ذلك؛ لأن الحقّ كان له، ولا يشهد أحدٌ لنفسه، ولا يحكم لها، ولأنه لا يُعطى أحدٌ بدعواه، ولأنه قد قطع حجة الأعرابيّ لَمّا طلب منه الشهادة؛ لأنا نقول: إنما اعتُبر ذلك كله في حقّ غير النبيّ وَله لإمكان ادعاء الباطل والكذب، وإرادة أخذ مال (١) حديث صحيح، تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى برقم ٤٦٤٩/٨١ وأخرجه أبو داود في ((سنته)) (٣٦٠٧) . ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ الغير، ودفعه عن حقّه، وكلّ ذلك معدوم في حقّ النبيّ وَّهَ قطعًا، ولذلك قال ◌َّلـ للمنافقين: ((أيأمنني اللَّه تعالى على أهل الأرض، ولا تأمنوني، والله إني لأمين من في السماء))، متّفقٌ عليه. وأما قوله: إنما فعله لقطع حجة الخصم، فإنه باطلٌ، إذ لا حجة له، ولا لغيره على خلاف ما قاله النبيّ وَّر، فإن هذا الأعرابيّ إن كان مسلمًا، فقد علم صدق النبيّ ◌َّآ، وإن كان كافرًا، فلا مبالاة بقوله، إذ قد قام دليلٌ على صدقه، وعلمه العقلاء، كما لم يبال بقول من كذّبه من الكفّار، ولا بقول الذي اتّهمه في القسمة، حيث قال: يا محمد اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. ومن أوضح ما يدلّ على المطلوب، وأصحه حديث قصّة أبي جهم ◌َّه ، حيث بعثه رسول اللَّه ◌َسجِ مصَدِّقًا، فلاجّه رجلان، فشجهما، فأتيا النبيّ وَله يطلبان القصاص، فبذل لهما مالًا، فرضيا به، فقال: ((إني أخطب الناس، وأذكر لهم ذلك، أفرضيتما؟)) قالا: نعم، فخطب الناس، ثم قال: ((أرضيتما؟)) قالا: لا، فهمّ بهما المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبيّ ◌َّر، ثم نزل، فزادهما، فرضيا، ثم صعد المنبر، فقال: ((أرضيتما؟)) قالا: نعم. وموضع الحجة: أنه وَلثور لم يحكم عليهما بعلمه لَمّا جحدا، وهو المطلوب، ذكره أبو داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو صحيح، والحاصل أن النبيّ وَّ لم يحكم بعلمه؛ تعليمًا لأمته، وسعيًا في سدّ باب الُّهَم والظنون. والله تعالى أعلم. انتهى ((المفهم)) ١٥٦/٥ -١٥٨. وقال الموفّق رحمه اللّه تعالى: ظاهر المذهب أن الحاكم لا یحکم بعلمه، في حدّ ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية، ولا بعدها، هذا قول شريح، والشعبي، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، ومحمد بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى: يجوز له ذلك، وهو قول أبي يوسف، وأبي ثور، والقول الثاني للشافعي، واختيار المزني؛ لأن النبي وَلَّ، لَمّا قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: ((خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف)»، فحكم لها من غير بينة، ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها، ورَوَى ابنُ عبد البر في (كتابه)): أن عروة، ومجاهدا، رويا أن رجلا من بني مخزوم، استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب، أنه ظلمه حَدًّا في موضع كذا وكذا، وقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك، وربما لعبت أنا وأنت فيه، ونحن غلمان، فأتني بأبي سفيان، فأتاه به، فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا، فنهضوا، ونظر عمر، فقال: يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من هاهنا، فضعه ها هنا، فقال: والله لا أفعل، فقال: والله ٢٨٩ ١٤- (حُكْمُ الحاکم بعلمه) - حديث رقم ٥٤٠٤ لتفعلن، فقال: والله لا أفعل، فعلاه بالدِّرة، وقال: خذه لا أُمّ لك، فضعه ههنا، فإنك ما علمتُ قديمُ الظلم فأخذ أبو سفيان الحجر، ووضعه حيث قال عمر، ثم إن عمر استقبل القبلة، فقال: اللَّهم لك الحمد، حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه، وأذللتَهُ لي بالإسلام، قال: فاستقبل القبلة أبو سفيان، وقال: اللَّهم لك الحمد، إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أَذِلُّ به لعمر، قالوا: فحكم بعلمه، ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن، فما تحققه وقطع به كان أولى، ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، فكذلك في ثبوت الحق قياسا عليه . وقال أبو حنيفة: ما كان من حقوق اللَّه لا يحكم فيه بعلمه؛ لأن حقوق اللَّه تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق الآدميين، فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم به؛ لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته. قال: ولنا قول النبي وَليقول: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ ما أسمع منه))، فدل على أنه إنما يقضي بما يسمع، لا بما يعلم، وقال النبي ◌َّر في قضية الحضرمي، والكندي: ((شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك))، ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن شئتما شهدت ولم أحکم، أو أحكم ولا أشهد. وذكر ابن عبد البر في ((كتابه)) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌َّر بعث أبا جَهْم على الصدقة، فلاحاه رجل في فريضة، فوقع بينهما شجاج، فأتوا النبي وَّر، فأعطاهم الأَرْشَ، ثم قال: ((إني خاطب الناس، ومخبرهم أنكم قد رضيتم، أرضيتم؟)) قالوا: نعم، فَصَعِد النبي ◌ََّ، فخطب، وذكر القصة، وقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: لا، فَهَمَّ بهم المهاجرون، فنزل النبي ◌ََّ، فأعطاهم، ثم صعد، فخطب الناس، ثم قال: ((أرضيتم؟)) قالوا: نعم(١) . وهذا يبين أنه لم يأخذ بعلمه. ورُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لو رأيت حَدًا على رجل لم أَحُدّه حتى تقوم البينة. ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته، والحكم بما اشتهى، ويحيله على علمه، فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه؛ لأنه فتيا، لا حكمٌ بدليل أن النبي وَلر أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره، ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه في غيبته، وحديث (١) حديث صحيح، تقدّم للمصنّف رحمه اللَّه تعالى في ٣٥/٨ رقم ٤٧٨٠. ٢٩٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ عمر الذي رووه كان إنكارا لمنكر رآه، لا حكمٌ، بدليل أنه ما وُجدت منهما دعوى وإنکار بشروطهما، ودليل ذلك ما رویناه عنه، ثم لو كان حكما كان معارضا بما رويناه عنه، ويفارق الحكم بالشاهدين، فإنه لا يفضي إلى تهمة، بخلاف مسألتنا، وأما الجرح والتعديل، فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل، فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما، فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين، ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكيين، فيتسلسل، وما نحن فيه بخلافه. انتهى ((المغني)) ١٤/ ٣١-٣٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم جواز حكم الحاكم بعلمه هو الحقّ؛ لقوّة حجته، ومما يقوّي القول به أن فيه دفع التهمة عنه، وسدّ باب الشرّ في وجوه الحكّام السوء؛ كيلا يتسلّطون على حقوق الناس بدعوى أنهم يحكمون بعلمهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٥- (السَعَةُ لِلْحَاكِمِ فِي أَنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَفْعَّلُهُ: أَفْعَلُ؛ لِيَسْتَبِينَ الْحَقّ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: محلّ استدلال المصنف رحمه الله تعالى من الحديث قول سليمان غم الَّلهُ: ((أشُقّ الغلام بينهما))، فإنه ما قال ذلك ليفعله، وإنما ليعرف الأم الحقيقيّة، حيث إن شفقتها ستحملها على عدم شقّه؛ بخلاف الأخرى، وكان الأمر كما أراده، فدلّ على أن للحاكم أن يستعمل الحيل في استخراج الحقّ بالتهديد، والتخويف، وإن لم يفعل ذلك، وهذا كما تقدّم يعتمد على الفهم، والفطنة، فقد يصل الفطن بلطيف فطنته إلى ما لا يصب اليه الغبيّ بتكلّفه، وتهوّره، وذلك موهبة من اللَّه تعالى، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٤٠٥- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ٢٩١ ١٦- (نقضُ الحَاکِم مَا يَخْكُمُ بِهِ غَيْرُهُ ... - حديث رقم ٥٤٠٦ ونَ﴿ِ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَتِ امْرَأَتَانٍ، مَعَهُمَا صَبِئَانٍ لَهُمَا، فَعَدَا الذِّثْبُ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ وَلَدَهَا، فَأَصْبَحَتَا تَخْتَصِمَانِ فِي الصَّبِيِّ الْبَاقِ، إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى مِنْهُمَا، فَمَرَّتَا عَلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ أَمْرُكُمَا؟، فَقَصَّتَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: اثْتُونِي بِالسِّكْينِ، أَشُقُّ الْغُلَامَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: أَتَشُقُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، حَظِي مِنْهُ لَهَا، قَالَ: هُوَ ابْتُكِ، فَقَضَى بِهِ لَهَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الربيع بن سليمان)): هو المراديّ المؤذّن، أبو محمد المصريّ الثقة [١١]. و((شعيب بن الليث)): هو أبو عبد الملك المصريّ الثقة الفقيه النبيل، من كبار [١٠]. و((الليث)): ابن سعد الإمام الحجة المشهور المصريّ [٧]، والد شعيب الرواي عنه. و((ابن عجلان)): هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، صدوقٌ [٥]. والسند مسلسل بثقات المصريين إلى الليث، وبالمدنيين بعده، وفيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، ابن عجلان، وأبو الزناد، والأعرج، وفيه من لقّب بالكنية، وهو أبو الزناد، فإنه لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٦ - (نَقْضُ الْحَاكِمِ مَا يَحْكُمُ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ أَجَلُّ مِنْهُ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر من هذه الترجمة أن المصنف رحمه الله تعالى يرى أن للحاكم أن ينقض حكم غيره إذا رآه خطأ مطلقًا، سواء خالف نصًا، أو إجماعًا، أو لا، وهو مذهب أبي ثور، وداود رحمهما اللّه تعالى، وخالف في ذلك الجمهور، وهو الراجح عندي، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومحلّ الاستدلال من الحديث واضح، حيث نقض سليمان ◌َّ الَّلهُ حكم أبيه داود فِى الَّلُ، حيث رآه خطأ، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى كون حكمه صوابًا بقوله: ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ومع ذلك أثنى عليهما جميعًا بالعلم، حيث قال: ﴿وَكُلَّاءَنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ الآية [الأنبياء: ٧٩]. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٤٠٦- (أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّيِّ ◌َِِّ، قَالَ: خَرَجَتِ امْرَأَتَانٍ، مَعَهُمَا وَلَدَاهُمَا، فَأَخَذَ الذُّتْبُ أَحَدَهُمَا، فَاخْتَصَمَتَا فِي الْوَلَدِ إِلَى دَاوُدَ الشَّبِيِّ وَّةِ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى مِنْهُمَا، فَمَرَّتَا عَلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَقَالَ: كَيْفَ قَضَى بَيْنَكُمَا؟ قَالَتْ: قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، قَالَ سُلَيْمَانُ: أَقْطَعُهُ بِنِصْفَيْنِ: لِهَذِهِ نِصْفٌ، وَلِهَذِهِ نِصْفٌ، قَالَتِ الْكُبْرَى: نَعَمِ اقْطَعُوهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَقْطَعْهُ، هُوَ وَلَدُهَا، فَقَضَى بِهِ ◌ِلَّتِي أَبَتْ أَنْ يَقْطَعَهُ؟). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المغيرة بن عبد الرحمن))بن عون بن حبيب: هو الأسديّ، أبو أحمد الْحَرّانيّ، ثقة، من صغار [١٠] من أفراد المصنّف. و((مسكين بن بُكير)): هو الحذّاء، أبو عبد الرحمن الحرّانيّ، صدوقٌ يُخطىء [٩]. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل باب، غير أنه يستحسن أن أذكر ما يتعلّق بالباب، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في نقض الحاكم ما حكم به غيره: قال الموفّق رحمه الله تعالی: ما حاصله: إذا رُفِعَتْ إلی الحاکم قضیة، قد قضی بها حاكم سواه، فبان له خطؤه، أو بان له خطأ نفسه نظر، فإن كان الخطأ لمخالفة نص كتاب، أو سنة، أو إجماع، نَقَضَ حكمه، وبهذا قال الشافعي، وزاد: إذا خالف نصا جليا نقضه، وعن مالك، وأبي حنيفة أنهما قالا: لا ينقض الحكم، إلا إذا خالف الإجماع، ثم ناقضا ذلك، فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه، وقال أبو حنيفة: إذا حكم ببيع متروك التسمية، أو حكم بين العبيد بالقرعة، نقض حكمه، وقال محمد بن الحسن: إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه، وهذه مسائل خلافٍ موافقةٌ للسنة، واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع، بأنه يسوغ فيه الخلاف، فلم ینقض حکمه فیه، كما لا نص فيه. وحُكي عن أبي ثور، وداود أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه؛ لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى: ((لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت نفسك فيه اليوم، فهُديت لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل))، ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه، كما لو خالف الإجماع. وحُكي عن مالك أنه واففقهما في قضاء نفسه. قال: ولنا على نقضه، إذا خالف نصا أو إجماعا، أنه قضاء لم يصادف شرطه، ٢٩٣= ١٦- (نقضُ الحَاکِم مَا يَحْكُمُ بِهِ غَيْرُهُ ... - حديث رقم ٥٤٠٦ فوجب نقضه، كما لو لم يخالف الإجماع، وبيان مخالفته للشرط أن شرط الحكم بالاجتهاد، عدم النصّ، بدليل خبر معاذ، ولأنه إذا تَرك الكتاب والسنة، فقد فَرّط، فوجب نقض حكمه، كما لو خالف الإجماع، أو كما لو حكم بشهادة كافرين، وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم. [فإن قيل]: أليس إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم بان له الخطأ لم يعد؟ [قلنا]: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: [أحدها]: أن استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة، والخوف من عدو، أو سبع، أو نحوه مع العلم، ولا يجوز ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال. [الثاني]: أن الصلاة من حقوق اللّه تعالى، تدخلها المسامحة، [الثالث]: أن القبلة يتكرر فيها اشتباه القبلة، فيشق القضاء ههنا، إذا بان له الخطأ، لا يعود الاشتباه بعد ذلك، وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا، ولا إجماعا، أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه لمخالفته؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك، فإن أبا بكر تَظّ حكم في مسائل باجتهاده، وخالفه عمر، ولم ينقض أحكامه، وعليّ خالف عمر في اجتهاده، فلم ينقض أحكامه، وخالفهما علي، فلم ينقض أحكامهما، فإن أبا بكر سَوّى بين الناس في العطاء، وأعطى العبيد، وخالفه عمر ففاضل بين الناس، وخالفهما عليّ، فسوى بين الناس، وحرم العبيد، ولم ينقض واحد منهم ما فعله من قبله، وجاء أهل نجران إلى عليّ تَظاليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، فقال: ويحكم، إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أَرُدّ قضاء قضى به عمر، رواه سعيد. ورُوي أن عمر حكم في المشرّكة بإسقاط الإخوة من الأبوين، ثم شَرّك بينهم بعدُ، وقال: تلك ما قضينا، وهذه على ما قضينا، وقضى في الجدّ بقضايا مختلفة، ولم يرد الأولى، ولأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم أصلا؛ لأن الحاكم الثاني يخالف الذي قبله، والثالث يخالف الثاني، فلا يثبت حكم. [فإن قيل]: فقد رُوي أن شريحا حكم في ابني عم، أحدهما أخ لأم، أن المال للأخ، فرُفع ذلك إلى علي رضي الله عنه، فقال: عَلَيَّ بالعبد، فجيء به، فقال: في أيّ كتاب اللَّه وجدت ذلك؟ فقال: قال اللّه تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى يِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]، فقال له علي ◌َّه: قد قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌّ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَُّ﴾ الآية [النساء: ١٢]، ونقض حكمه. [قلنا]: لم يثبت عندنا أن عليا نقض حكمه، ولو ثبت، فيحتمل أن يكون علي رضي ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ الله عنه، اعتقد أنه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها، فنقض حكمه لذلك. انتهى ((المغني)) ١٤/ ٣٤-٣٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح هو المذهب الأول، وهو أنه ليس للحاكم أن ينقض حكم غيره إلا إذا خالف نصًا، أو إجماعًا؛ لما تقدّم من إجماع الصحابة ه على ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٧ - (بَابُ الرَّدِّ عَلَى الْحَاكِم إِذَا قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ) ٥٤٠٧- (أَخْبَرَنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرِح وَأَنْبَأَنَا(١) أَحْمَدُ بْنُ عَلِيّ ابْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمٍَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: بَعَثَ النَِّيُّ ◌َِّ، خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامَ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا، وَجَعَلَ خَالِدٌ قَتْلًا وَأَسْرًا، قَالَ: فَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ يَوْمُنَا أَمَرَ خَالِدُ ابْنُ الْوَلِيدِ، أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ أَحَدٌ -وَقَالَ بِشْرٌ -: مِنْ أَضْحَابِي أَسِيرَهُ، قَالَ: فَقَدِمْنَا عَلَى النَِّيِّ ◌َِّ، فَذُكِرَ لَهُ صُنْعُ خَالِدٍ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ- وَرَفَعَ يَدَيْهِ -: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ))، قَالَ زَكَرِيًّا فِي حَدِيثِهِ: فَذُكِرَ، وَفِي حَدِيثٍ بِشْرٍ: فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدْ)» مَرْتَيْنٍ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١- (زكريّا بن يحيى) السجزيّ، أبو عبد الرحمن المعروف بخيّاط السنّة- لأنه كان يخيط أكفان أهل السنّة- نزيل دمشق، ثقة حافظ [١٢] من أفراد المصنّف ١٨٩/ ١١٦١. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٩٥ ١٧ - (بَابُ الرَّدِّ عَلَى الْحَاكِم إِذاَ قَضَى ... - حديث رقم ٥٤٠٧ ٢- (أحمد بن عليّ بن سعيد) أبو بكر المروزيّ القاضي الثقة الحافظ [١٢] من أفراد المصنّف أيضًا ١/ ٢٠٩٤ . ٣- (عبد الأعلى بن حماد) الباهليّ مولاهم البصريّ، أبو يحيى المعروف بالنَّرْسيّ، لا بأس به، من كبار [١٠] ٢٣٩٦/٧٧. ٤- (يحيى بن معين) بن عون الغطفانيّ مولاهم، أبو زكريا البغداديّ، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل [١٠] ٥٠١/٥ . ٥- (بشر بن السّريّ) أبو عمرو الأفوه الواعظ البصريّ، نزيل مكة، ثقة متقنّ، طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب منه [٩] ١٠٤/ ١٣٦٥ . ٦- (عبد الرزاق) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧ . ٧- (هشام بن يوسف) الأبناويّ أبو عبد الرحمن الصنعانيّ قاضي صنعاء، ثقة [٩]. رَوَى عن معمر، وابن جريج، والقاسم بن فياض، والثوري، وعبد الله بن بحير بن ريسان، وعبد الله بن سليمان النوفلي، ورَباح بن عبيد الله بن عمر العمري، وإبراهيم ابن عمر بن كيسان، والنعمان بن أبي شيبة الْجَنَدي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن عمه زكريا بن يحيى بني تميم بن عبد الرحمن الصنعاني، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وعبد الله بن محمد المسندي، وإبراهيم بن موسى الرازي، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن بحر بن بَرّىّ، وموسى بن هارون الْبُردي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وغيرهم. قال الحسين بن الحسن الرازي، عن يحيى بن معين: لم يكن به بأس، هو أضبط عن ابن جريج من عبد الرزاق، وكذا قال الدُّوري، عن يحيى، وزاد: وكان أعلم بحديث سفيان من عبد الرزاق، وهو ثقة. وقال إبراهيم بن موسى: سمعت عبد الرزاق يقول: إن حدثكم القاضي -يعني هشام بن يوسف- فلا عليكم أن لا تكتبوا عن غيره. قال إبراهيم: وسمعت هشاما يقول: قدم الثوري اليمن، فقال اطلبوا لي كاتبا، سريع الخط، فارتادوني، فكنت أكتب. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: كان هشام أصح اليمانيين كتابا، وقال مرة أخرى: كان أكبرهم، وأحفظهم، وأتقنهم. وقال أبو حاتم: ثقة متقن. وقال العجلي: ثقة. وقال يحيى بن منصور: قال أحمد: عبد الرزاق أوسع علما من هشام، وهشام أنصف منه. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، روى عنه الأئمة كلهم. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال مطين: أُخبرت أنه مات سنة سبع وتسعين ومائة، ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ وفيها أرخه أحمد بن حنبل، وابن سعد، وخليفة، وابن حبان، وغير واحد. روى له الجماعة سوى مسلم، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٨- (عبد الله بن المبارك) الحنظليّ المروزيّ، أبو عبد الرحمن، ثقة ثبت إمام مشهور [٨] ٣٦/٣٢ . ٩- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ١٠- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ١/١ . ١١- (سالم) بن عبد الله بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٩٠/٢٣. ١٢- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما١٢ / ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من ثمانيّات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سباعيّاته بالنسبة للثاني، فالثاني أعلى من الأول. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فقد انفرد بهما، وهما ثقتان حافظان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيِّ وََّ، خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الملقّب سيف الله، أبا سليمان، من كبار الصحابة * ، كان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرًا على قتال أهل الرّة، وغيرها من الفتوح، إلى أن مات رَعليهِ سنة (٢١) أو (٢٢) تقدّمت ترجمته في ٤٣١٨/٢٦ (إِلَى بَنِي جَذِيمَةً) بفتح الجيم، وكسر الذال المعجمة، ثم تحتانيّة ساكنة- ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، ووهِم الكرمانيّ، فظنّ أنه من بني جَذِيمة بن عوف بن بكر، قبيلة من عبد قيس. وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال، قبل الخروج إلى حُنين، عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة، من ناحية يلملم، قال ابن سعد: بعث النبيّ وَّ إليهم خالد بن الوليد في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار، داعيًا إلى الإسلام، لا مقاتلاً. وقال ابن ٢٩٧ ١٧ - (بَأَبُ الرَّدِّ عَلَى الْحَاكِم إِذاَ قَضَى ... - حديث رقم ٥٤٠٧ إسحاق: حدثني حكيم بن عبّاد، عن أبي جعفر - يعني الباقر- قال: بعث رسول الله وَل4* خالد بن الوليد حين افتتح مكة إلى بني جَذِيمة، داعيًا، ولم يبعثه مقاتلاً. قاله في (الفتح)) ٣٨١/٨. (كتاب المغازي)) رقم ٤٣٣٩ (فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُخْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا) وفي رواية البخاريّ: ((صبأناً صبأنا)) بالتكرار، قال في ((الفتح)): هذا من ابن عمر، راوي الحديث يدل على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيد فهمه أن قريشا كانوا يقولون لكل من أسلم: ((صبأ»، حتى اشتهرت هذه اللفظة، وصاروا يطلقونها في مقام الذمّ، ومن ثَمّ لَمّا أسلم ثُمامة بن أثال، وقَدِمَ مكة معتمرًا، قالوا له: ((صبأت))، قال: لا، بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع ((أسلمت)) استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها؛ لأن قولهم: صبأنا: أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك، حتى يُصَرِّحوا بالإسلام. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نَّقَمَ عليهم العدول عن لفظ الإسلام؛ لأنه فَهِم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنْفَة، ولم ينقادوا إلى الدين، فقتلهم متأولا قولهم. (وَجَعَلَ خَالِدٌ قَتْلًا وَأَسْرًا) هكذا رواية المصنّف في بعض النسخ، وفي بعضها: ((قَتْلى، وأسرى))، ووجه الأول أنه منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدّر، والتقدير: وجعل خالد يقتلهم قتلًا، ويأسرهم أسرًا، ووجه الثاني: أنه جمع قتيل، وأسير: أي جعل خالد بعضهم قَتْلى، وبعضهم أَسْرَى. وفي رواية البخاريّ: ((فجعل خالد يقتل منهم، ويأسر))، وفي كلام ابن سعد: أنه أمرهم أن يستأسروا، فاستأسروا، فكتف بعضهم بعضا، وفرّقهم في أصحابه، فيُجمع بأنهم أَعْطَوا بأيديهم بعد المحاربة. (قَالَ: فَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ أَسِيرَهُ) أي دفع خالد رَّه إلى كلّ رجل من أصحابه الذين كانوا معه في السرية، وفي رواية الباقر: ((فقال لهم خالد: ضَعُوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا، فوضعوا السلاح، فأمر بهم، فكتفوا، ثم عرضهم على السيف)» (حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ يَوْمُنَا) بالرفع على الفاعليّة: أي دخل اليوم في الصباح، وفي رواية البخاريّ: ((حتى إذا كان يوم))، قال في ((الفتح)): كذا بالتنوين: أي من الأيام، و((كان)) تامة. وعند ابن سعد: ((فلما كان السحرُ نادى خالد: من كان معه أسير، فليضرب عنقه))، ويجمع بينه وبين رواية المصنّف بأن المراد بقوله: ((أصبح)): أي قارب الصباح)) (أَمَرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) وفي رواية عند البخاريّ: ((أن يقتل كل إنسان أسيره) (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضَي اللَّه تعالى عنهما (فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ أَحَدٌ -وَقَالَ بِشْرٌ) أي ابن السريّ الراوي عن ابن المبارك (مِنْ أَصْحَابِي) يعني أن بشرا ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قال في روايته عن عبد الله بن المبارك: ((ولا يقتل أحد من أصحابي)) (أَسِيرَهُ) أي المأسور الذي دفعه خالد إليه. وعند ابن سعد: ((فأما بنو سُليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أسراهم، وفيه جواز الحلف على نفي فعل الغير، إذا وَثِقَ بطواعيته. (قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال (عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول (لَهُ صُنْعُ خَالِدٍ) أي ما فعله في الأسارى من القتل (فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهي معترضة بين القول ومقوله (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) قال الخطابي رحمه اللَّه تعالى: أنكر عليه العَجَلَة، وتركَ التثبت في أمرهم، قبل أن يعلم المراد من قولهم: صبأنا (قَالَ زَكَرِيًّا) بن يحيى، شيخ المصنّف الأول (فِي حَدِيثِهِ) متعلّقٌ بـ((قال)) (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول، وهو مقول ((قال)» (وَفِي حَدِيثٍ بِشْرٍ) بن السريّ، والجار والمجرور خبر مقدّم، وقوله: (فَقَالَ) وَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) أي من قتل من أظهر أن مراده الإسلام (مَرَّتَيْنِ) مبتدأ مؤخّر؛ لقصد لفظه. وقال في ((الفتح)): قوله: ((مرّتين): زاد ابن عسكر، عن عبد الرزاق: ((أو ثلاثة))، أخرجه الإسماعيلي، وفي رواية الباقين: ((ثلاث مرات))، وزاد الباقر في روايته: «ثم دعا رسول اللّه وَ ل عليا، فقال: اخرج إلى هؤلاء القوم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدمیك))، فخرج، حتى جاءهم، ومعه مال، فلم يبق لهم أحد إلا وَدَاه، وذكر ابن هشام في زياداته: أنه انفلت منهم رجل، فأتى النبي ◌َّ بالخبر، فقال: هل أنكر عليه أحد؟، فوصف له صفة ابن عمر، وسالم مولى أبي حذيفة. وذكر ابن إسحاق من حديث ابن أبي حَذْرَد الأسلمي، قال: «كنت في خيل خالد، فقال لي فتى من بني جَذِيمة، قد جُمعت يداه في عنقه بِرُمَّة: يا فتىٍ، هل أنت آخذ بهذه الرُّمّة، فقائدى إلى هؤلاء النسوة، فقلت: نعم فقُدته بها، فقال: أَسْلِمِي حُبَيش، قبل نفاد العيش: أَرَيْتُكِ إِنْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدتُكُمْ بِحِلْيَةٍ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ الأبيات، قال: فقالت له امرأة منهن: وأنت نجيت عشرا، وتسعا، ووترا، وثمانيا تترى، قال: ثم ضربتُ عنق الفتى، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت)). وقد روى النسائي، والبيهقي في ((الدلائل)) بإسناد صحيح، من حديث ابن عباس نحو هذه القصة، وقال فيها: ((فقال: إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة، - قال فيه- فضربوا عنقه، فجاءت المرأة، فوقعت عليه، فشَهِقت شَهْقَةً، أو شهقتين، ثم ماتت، فذكروا ذلك للنبي (وَلّر، فقال: أما كان فيكم رجل رحيم)). وأخرجه البيهقي من طريق ابن عاصم، عن أبيه نحو هذه القصة، وقال في آخرها: ١٨- (ذِكْرُ ما ینبَغِي لِلحَاكِم اَنْ يَجْتِبه) - حديث رقم ٥٤٠٨ ٢٩٩ ((فانحدرت إليه من هودجها، فحنّت عليه حتى ماتت)). قاله في ((الفتح)) ٨/ ٣٨٢ ((كتاب المغازي)) رقم ٤٣٤٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ٥٤٠٧ - وفي (الكبرى)) ٢٢/ ٥٩٦١. وأخرجه (خ) في ((المغازي)) ٤٣٣٩ و((الأحكام)) ٧١٨٩ (أحمد) في مسند المكثرين)» ٦٣٤٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان إبطال حكم الحاكم إذا كان بغير حقّ. (ومنها): أن الحاكم يُعذر في خطئه إذا كان متأولًا. (ومنها): ما كان عليه ابن عمر من الصلابة في إنكار المنكر. (ومنها): أنه لا طاعة لوليّ الأمر في غير الحقّ، فقد أنكر ابن عمر، وبعض الصحابة * على خالد فعله، وامتنعوا من تنفيذ ما أمرهم به، وأقرْهم النبيّ وَلّ على ذلك، فدلّ على أنه لا طاعة في المنكر. (ومنها): استحباب رفع اليدين عند الدعاء. (ومنها): البراءة من فعل من فعل منكرًا. (ومنها): وجوب الدية لمن قُتل خطأ بالتأويل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ١٨ - (ذِكْرُ مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتَنِبَهُ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الباب، مما زاده المصنّف في ((المجتبى)) على ((السنن الكبرى))، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٤٠٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَبِي، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قَاضِي سِجِسْتَانَ، أَنْ لَا تَحَكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنٍ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِ لّهه يَقُولُ: ((لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٦/٤١. ٣- (عبد الملك بن عُمير) اللَّخميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] ٤١ / ٩٤٧ . ٤ - ((عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ، ثقة [٢] ٤٣٩١/١٤. ٥- (أبوه) أبو بكرة، نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة- بفتحتين- ابن عمرو الثقفيّ الصحابيّ المشهور بكنيته، وقيل: اسمه مسروح- بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (١) أو (٥٢)، وتقدّمت ترجمته في ٨٣٦/٤١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بأبي بكرة، وهو لقب بصورة الكنية، وإنما لُقّب به؛ لأنه تدلّى من حصن الصائف ببكرة البئر، فأسلم، فأعتقه النبيّ ◌َ # يومئذ، وكنيته أبو عبد الرحمن، يقال: كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة، يقال له: مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة، وهو أخو زياد بن سُميّة لأمه، وكانت سُميّة أمة للحارث بن كَلَّدة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، فصرّحٍ عبد الملك بالسماع، فزالت تهمة التدليس؛ لأنه مدلْس، كما سبق آنفًا (قَالَ: كَتَبَ أَبِي) نفيع بن الحارث رضي اللّه تعالى عنه (وَكَتَبْتُ لَهُ) قيل: معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه، فكتب له مرة أخرى، قال الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن قوله: ((كتب أبي)): أي أمر بالكتابة، وقوله: ((وكتبت له)): أي باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد، ويؤيده قوله في المتن المكتوب: ((إني سمعت))، فإن هذه العبارة لأبي بكرة، لا لابنه عبد الرحمن، فإنه لا صحبة له، وهو أول مولود وُلد بالبصرة.