Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
١٠٩- (لُسُ العَمَائِم السُودِ) - حديث رقم ٥٣٤٦
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن حُريث ◌َّ هذا أخرجه مسلم، باللفظ الآتي بعد باب: ((كأني
أنظر إلى رسول اللَّه وَّله، على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين
كتفيه)). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٤٥/١٠٨ و٥٣٤٨/١١٠. وفي ((الكبرى ٩٧٥٨/١٠٨ و٩٧٥٩
و٩٧٦٠. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٣٥٩ (د) في ((اللباس)) ٤٠٧٧ (ق) في ((الصلاة))
١١٠٤ و((الجهاد)) ٢٨٢١ و((اللباس)) ٣٥٨٤ و٣٥٨٧ (أحمد) في ((مسند الكوفيين))
١٨٢٥٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز لبس العمامة
السوداء. (ومنها): استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين، وفي حديث جابر تَظَلّيه
الآتي في الباب التالي: ((أن رسول اللَّه وَالتّر، دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء
بغير إحرام))، فقال الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((زاد المعاد)): لم يُذكر في
حديث جابر رمٹ ذؤابة، فدلّ علی أن الذؤابة لم یکن يُرخیھا دائمًا بین کتفیه. انتهى.
وتعقّبه في ((عون المعبود)» ٨٧/١١ فقال: وفيه نظر، إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في
هذا الحديث عدمها في الواقع، حتّى يُستدلّ به على أنه وَلّ لم يكن يُرخي الذؤابة دائمًا.
انتھی .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: نعم هذا مسلّمٌ، ولكن أين النصّ الذي يدلّ على أنه
وَّ كان يُرخي دائمًا؟ فالظاهر أن الإرخاء وعدمه جائزان، فتبصّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٩- (لُبْسُ الْعَمَائِمِ السُودِ)
٥٣٤٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِخْرَامٍ»).

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((معاوية بن عمّار)): هو الدُّهنيّ- بضمّ الدال المهملة، وسكون الهاء-
صدوقٌ [٨].
[تنبيه]: هذا السند من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد له،
كما سبق بيانه غير مرّة، وهو (٢٥٧) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم سندًا، ومتنّا في ((كتاب الحج)) ٢٨٦٩/١٠٧.
ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٤٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ شَرِيكِ، عَنْ
عَمَّارِ الدُّهْنِيّ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((دَخَلَ النَِّيُّ نَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ
سَوْدَاءُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن منصور)): هو أبو سعيد النسائيّ الثقة
الحافظ [١١] من أفراد المصنّف. و((الفضل بن دُكين)): هو أبو نعيم الحافظ المشهور.
و((شريك)): هو ابن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ القاضي.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١١٠- (إِرْخَاءُ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ
الْكَتِفَيْنِ)
٥٣٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاوِرِ الْوَرَّاقِ، عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ السَّاعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ إِ لَ عَلَى
الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن أبان)): هو البلخيّ، أبو بكر المستملي
الملقّب حمدويه، وكان مستملي وكيع، ثقة حافظ [١٠] من رجال الجماعة، إلا

١١١- (التَّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥٠
١٢٣
مسلمًا. و((أبو أسامة)): هو حمّاد بن أسامة الحافظ الثبت الكوفيّ [٩].
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل باب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١١- (التَّصَاوِيرُ)
٥٣٤٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا،َ فِيهِ كَلْبٌ،
وَلَا صُورَةٌ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عُبيد الله بن عبد الله)): هو ابن عُتبة بن مسعود.
و((أبو طلحة)): هو زيد بن سهل بن الأسود بن عمرو بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، زوج
أم سليم، من كبار الصحابة ، شهد بدرًا وما بعدها، مات رَالثُه سنة (٣٤) وقيل:
بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ١٢٢ / ١٧٧.
والسند فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وهو مسلسلٌ
بالمدنیین، غير شيخه، فبَغْلانيّ، وسفيان فمكيّ.
وقوله: ((لا تدخل الملائكة)): ظاهره العموم، وقيل: يستثنى منهم الحفظة، فإنهم لا
يفارقون الشخص في كلّ حالة، وقد تقدّم في ((كتاب الصيد)) ترجيح القول بالعموم
بدليله، فراجعه تستفد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٢٨٤/١١ ومضى
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٠- (أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتَا، فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةُ
تَمَاثِیلَ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
غير مرّة. و((محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب)): هو الأمويّ البصريّ، واسم أبي
الشوارب: محمد بن عبد الله بن عثمان البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠]. و((یزید)):
هو ابن زُريع الحافظ الثبت. و((معمر)): هو ابن راشد.
وقوله: ((صورة تماثيل)) بفتح التاء: جمع تمثال بكسرها: قال في ((اللسان)): التِّمْثال:
الصورة، والجمع التماثيل، ومثّل له الشيءَ: صوّره، حتى كأنه ينظر إليه. قال:
والتّمثال: اسم للشيء المصنوع، مشبّهَا بخلق اللّه تعالى، قال: وأما التَّمْثال بفتح التاء،
فهو مصدر مثّلتُ تمثيلًا، وتَمْثالًا. انتهى.
وعلى هذا فإضافة ((صورة)) إليه بيانيّة: أي صورة هي ثمثالٌ.
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥١- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي
النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ
عِنْدَهُ سَهْلَ ابْنَ حُنَيْفٍ، فَأَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا، يَنْزِعُ نَمِّطًا تَحْتَهُ، فَقَالَ لَّهُ سَهْلٌ: لِمَ تَنْزِعُ؟
قَالَ: لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ: مَا قَدْ عَلِمْتَ، قَالَ: أَلَمْ يَقُلْ: ((إِلَّ
مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ))؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عليّ بن شُعيب) بن عديّ السِّمْسَارُ البزاز البغداديّ، فارسيّ الأصل، ثقة، من
كبار [١١] ٢٧٨/١٧٦ من أفراد المصنّف.
٢- (معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقة
ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٦٢/٥٠.
٣- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧ .
٤- (أبو النضر) سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت
يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١ .
٥- (٥- (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت
[٣] ٤٥ /٥٦ .
٦- (أبو طلحة) زيد بن سهل المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير

١١١ - (التَّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥١
١٢٥ ==
شيخه أيضًا، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيّ)
هذا صريح في كون عبيد اللّه لقي أبا طلحة وتنبيه ، لكن تكلّموا فيه كما سيأتي بيانه
في ((المسألة الثانية))، إن شاء اللَّه تعالى (يَعُودُهُ) أي يزوره لمرض أصابه (فَوَجَدَ عِنْدَهُ
سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بصيغة التصغير - ابن واهب الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ، من أهل
بدر، واستخلفه عليّ تَّه على البصرة، ومات ◌َظّمه في خلافته، سنة (٣٨) وتقدّمت
ترجمته في ٩/ ٦٩٩ .
[تنبيه]: سيأتي في كلام أبي عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى أن الصواب أنه عثمان
ابن حُنيف، لا سهل أخوه، فتنبه.
(فَأَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ) (رَّهِ (إِنْسَانًا، يَنْزِعُ) بكسر الزاي، من باب ضرب: أي يَقلَع،
ويُزيل (نَمَطًا) بفتحتين: ثوب من صوف، ذو لون من الألوان، ولا يكاد يقال للأبيض
نَمَطْ، والجمع أنماطٌ، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ .. وقال ابن الأثير: النمط:
ضرب من البُسط، له خَمْلٌ رقيقٌ. انتهى ((النهاية)) ١١٩/٥ (َحَتَّهُ) متعلّق بصفة «نمطًا»:
أي كائنًا تحته (فَقَالَ لَهُ) أي لأبي طلحة رَّه (سَهْلٌ) أي ابن حُنيف رَيُ (لِمَ تَنْزِعُ؟)
أي لأيّ غرض تزيل هذا النمط؟ (قَالَ) أبو طلحة رَّهِ (لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ فِيهَا)
أي في حكم التصاوير (رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: مَا قَدْ عَلِمْتَ) ((ما) موصولة في محلّ نصب
مفعول ((قال))، والعائد محذوف: أي قد علمته، والذي علمه هو قوله ◌َالنور: ((لا تدخل
الملائكة بيتًا، فيه كلب، ولا صورة)» (قَالَ) سهل (أَلَمْ يَقُلْ) أي النبيّ ◌َرِ (إِلَّا مَا كَانَ
رَقْمَا فِي ثَوْبٍ)»؟) الرقمُ- بفتح، فسكون -: النقش، والْوَشْيُ. قاله في ((النهاية)) ٢/ ٢٥٣
وقال في ((القاموس)): رَقَمَ الثوبَ: خطّطْه، كرَقَّمه. انتهى. وقال في ((المصباح)):
رَقَمتُ الثوب رَقْمًا، من باب قتل: وَشَيْتُهُ، فهو مرقومٌ، ورقَمتُ الكتاب: کتبته، فهو
مرقومٌ، ورَقِيمٌ. قال ابن فارس: الرَّقمُ: كلُّ ثوب رُقِم: أي وُشِيَ برقم معلوم، حتى
صار علمًا، فيقالُ: بُرْدُ رَقْم، وبُرُود رَقْم. وقال الفارابيّ: الرقم من الْخَزّ ما رُقِمَ،
ورقمتُ الشيءَ: أعلمته بعلامة تُميّزه عن غيره، كالكتابة، ونحوها، ومنه ((لا يباع الثوب
برقمه، ولا بلمسه». انتھی.
قال النوويّ: يحتجّ بهذا الحديث من يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا، وجوابنا،
وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر، وغيره مما ليس
.

١٢٦
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
بحیوان، وهذا جائز عندنا. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن المراد رقم الشجر
ونحوه فيه نظر؛ إذ لا فرق في جواز تصوير الشجر، ونحوه مما ليس بحيوان بين ما كان
رقمًا في ثوب، وبين غيره، فتأمّل بإنصاف.
وقال في ((الفتح)): قال ابن العربيّ: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات
أجسام حرُم بالإجماع، وإن كانت رقمًا، فأربعة أقوال: [الأول]: يجوز مطلقًا على ظاهر
قوله في حديث الباب: ((إلا رقمًا في ثوب)). [الثاني]: المنع مطلقًا حتى الرقم.
[الثالث]: إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل حرُم، وإن قُطعت الرأس، أو
تفرّقت الأجزاء جاز. [الرابع]: إن كان مما يُمتَهنُ جاز، وإن كان معلّقًا لم يجُز.
انتهى. وقد حكم ابن عبد البرّ على القول الثالث بأنه أعدل الأقوال، كما سيأتي قوله
قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(قَالَ) أبو طلحة (بَلَى) أي قال ذلك (وَلَكِنَّهُ) أي نزع هذا النمط (أَطْيَبُ لِنَفْسِي) أي
أطهر للتقوى، واختيار الأولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي طلحة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥١/١١١- وفي ((الكبرى)) ٩٧٦٦/١٠٩. وأخرجه (ت) في
((اللباس)) ١٧٥٠ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم التصاوير. (ومنها):
جوز الصور المرقومة، قال المباركفوريّ رحمه اللّه تعالى: استُدلّ بهذا الحديث على أن
التصاوير إذا كانت في فراش، أو بساط، أو وسادة، فلا بأس بها. قال: في الاستدلال
بهذا الحديث على هذا المطلوب نظر من وجهين: [الأول]: أن المراد بقوله: ((إلا ما
كان رقمًا في ثوب)) تصوير غير الحيوان؛ جمعًا بين الأحاديث، كما صرّح به النوويّ.
[والثاني]: أنه لو كان المراد مطلق التصاوير، سواء كانت للحيوان، أو لغيره، لزم أن
يكون اتخاذ التصاوير كلّها جائزًا، سواء كانت في الستر، أو في ما يُنصب نصباتٌ، أو
في البساط، والوسادة؛ لأنه مطلق، ليس فيه تقييد بكونها في البساط، أو غيره، وهو

١٢٧
١١١- (التَّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥١
كما ترى. انتهى ((تحفة الأحوذي)) ٤٣١/٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله المباركفوريّ فيه نظر لا يخفى، أما
الأول، فحمله على غير الحيوان قد تقدم أنه غير صحيح؛ لأنه لا فرق بين الرقم وغيره
في جواز تصوير غير الحيوان، وقد استثنى الشارع من الصور ما کان رقمًا، كما هو نصّ
هذا الحديث، وكذلك ما قُطعت رؤوسها، أو جُعلت بساطًا، يوطأ، كما سيأتي في
حديث أبي هريرة تَّ بعد بابين.
وأما الثاني، فنقول: لا مانع من جواز اتخاذ الصور الجائز الاستعمال؛ لأن الشارع إذا
جوّز استعمال شيء، فقد جوّز اتخاذه، فأيّ دليل دلّ على منع اتخاذ الصور الجائزة
الاستعمال؟. وسيأتي مزيد تحقيق قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الاختلاف في سند هذا الحديث
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في كتابه ((التمهيد)) ١٩٢/٢١- ١٩٣: لم
يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث، ومتنه في ((الموطإ))، وفيه عن عبيد الله
أنه دخل على أبي طلحة، فأنكر ذلك بعض أهل العلم، وقال: لم يلق عبيدُ اللَّه أبا
طلحة، وما أدري كيف قال ذلك، وهو يروي حديث مالك هذا؟، وأظنّ ذلك- والله
أعلم- من أجل أن بعض أهل السير قال: توفّي أبو طلحة سنة (٣٤) في خلافة عثمان
رنّ ، وعبيد الله لم يكن في ذلك الوقت ممن يصح له سماع.
قال أبو عمر: اختلف في وفاة أبي طلحة، وأصح شيء في ذلك، ما رواه أبو زرعة،
قال: سمعت أبا نعيم يحدث عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: سرد أبو
طلحة الصوم بعد النبي ◌َّ أربعين سنة، فكيف يجوز أن يقال: إنه مات سنة أربع
وثلاثين، وهو قد صام بعد رسول اللَّه ◌َ ل#ل أربعين سنة، وإذا كان ذلك كما ذكرنا، صح
أن وفاته لم تكن إلا بعد خمسين سنة من الهجرة. والله أعلم.
وأما سهل بن حُنيف، فلا يَشُكّ عالم بأن عبيد الله بن عبد الله لم يره، ولا لقيه، ولا
سمع منه، وذكره في هذا الحديث خطأ، لا شك فيه؛ لأن سهل بن حُنيف توفي سنة
ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي رضي الله عنه، ولا يذكره في الأغلب عبيد الله بن عبد
اللَّه لصغر سنه يومئذ، والصواب في ذلك- والله أعلم- عثمان بن حنيف، وكذلك رواه
محمد بن إسحاق، عن أبي النضر سالم، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: انصرفت مع
عثمان بن حنيف إلى دار أبي طلحة نعوده، فوجدنا تحته نمطا، وساق الحديث بمعنى
حديث مالك، عن أبي النضر، واختلف في وفاة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فقال

===
١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ابن بكير، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: مات عبيد الله بن عبد اللَّه قبل
علي بن حسين، قال أبو عمر: مات علي بن حسين رحمه اللّه سنة أربع وتسعين، وفيها
مات عروة، وأبو سلمة، وجماعة من الفقهاء. وقال الواقدي: توفي عبيد الله بن عبد الله
سنة ثمان وتسعين. وقال يحيى بن معين: مات عبيد الله بن عبد الله سنة اثنتين ومائة.
قال: ويقال: سنة تسع وتسعين.
قال أبو عمر: قول محمد بن عمر الواقدي أصح ما في ذلك عندنا، وهو أعلم بهذا
الشأن .
قال أبو عمر: قد يكون إنكار من أنكر هذا الحديث، في دخول عبيد اللّه على أبي
طلحة، وسهل بن حنيف، من أجل رواية ابن شهاب لهذا الحديث، على مارواه ابن أبي
ذئب، فصح بهذا وهم مالك، في سهل بن حنيف، وكذلك وهم أبو النضر في روايته
له، عن عبيد الله بن عبد اللَّه، عن أبي طلحة، ولم يدخل بينهما ابن عباس، فالصحيح
في هذا الحديث رواية الزهري له، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي
طلحة، كذا قال علي بن المديني، وغيره، وهو عندي كما قالوه. والله أعلم.
فأما رواية ابن شهاب له، فحدثنا خلف بن القاسم، فساق بسنده إلى أبي الحرث،
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب العامري المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن أبي طلحة،
صاحب رسول اللّه وَ له أن رسول اللَّه وله قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير)).
وأخرج أيضًا بسنده إلى أبي مسلم الكشي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي
ذئب، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة،
قال: قال رسول اللّه وَله: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب، ولا صورة)).
قال: وقد خالف الأوزاعيُّ ابن أبي ذئب في هذا الحديث، فساق بسنده إلى بشر بن
بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، أخبرني الزهري، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، قال: حدثني أبو طلحة الأنصاري، أن رسول اللَّهَ قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا
فیہ کلب، ولا صورة)).
قال أبو عمر: هذا عندهم خطأ من الأوزاعي، وكان في حفظه شيء، لم يكن
بالحافظ، وقد تابع ابنّ أبي ذئب عبدُ العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ثم ساق بسنده
إلى أبي مسلم الكشي، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا عبد العزيز بن
الماجشون، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي
طلحة، قال: سمعت رسول اللَّه وَالله يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب، ولا

١٢٩ =
١١١- (التَّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥١
صورة)) .
قال: وحديث معمر رواه علي بن المديني وغيره، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع ابن عباس، يقول: سمعت أبا
طلحة يقول، فذكره ...
وقد يحتمل أن يكون حديث ابن شهاب في هذا الباب، غير حديث أبي النضر؛ لأن
في حديث ابن شهاب عمومَ الصور، دون استثناء شيء منها، وفي حديث أبي النضر
استثناء ما كان رقما في ثوب، وفيه جمع سهل بن حنيف في ذلك، مع أبي طلحة، فهو
غير حديث أبي النضر، والله أعلم.
وقد كان ابن شهاب يذهب في هذا الباب، إلى استعمال العموم في كراهة الصور
کلها، وحديث نافع عن القاسم بن محمد، بمثل حديث ابن شهاب عام أيضا في الثياب
وغيرها، وقد روى عبد العزيز بن عمران، عن مالك بن أنس، عن الزهري، وأبي
النضر جميعا، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي طلحة، أن النبي وَ ◌ّ نهى عن
التصاوير في البيوت، وهو غريب لمالك، عن الزهري خاصة، تفرد به عنه عبد العزيز
ابن عمران، رواه عنه يعقوب بن محمد الزهري. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله
تعالى ((التمهيد)» ١٩٢/٢١-١٩٥. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٥٧٩/١١: ووقع في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن
عبيد الله، عن أبي طلحة، لم يذكر ابن عباس بينهما، ورجح الدارقطني رواية من أثبته،
وقد أخرجه مالك في ((الموطإ)) عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة، أنه
دخل على أبي طلحة يعوده، فذكر قصة، وفيها المتن المذكور، وزاد فيه استثناء الرقم
في الثوب، قال: فلعل عبيد اللّه سمعه من ابن عباس، عن أبي طلحة، ثم لقي أبا
طلحة، لَمّا دخل يعوده، فسمعه منه، ويؤيد ذلك زيادة القصة في رواية أبي النضر، لكن
قال ابن عبد البر: الحديث لعبيد الله، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، فإن عبيد اللّه لم
يدرك أبا طلحة، ولا سهل بن حُنيف، كذا قال، وكأن مستنده في ذلك أن سهل بن
حنيف مات في خلافة علي، وعبيدُ اللَّه لم يدرك عليا، بل قال علي بن المديني: إنه لم
يدرك زيد بن ثابت، ولا رآه، وزيد مات بعد سهل بن حنيف بمدة، ولكن رَوَى
الحديث المذكور محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، فذكر القصة لعثمان بن حنيف، لا
لسهل، أخرجه الطبراني، وعثمان تأخر بعد سهل بمدة، وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن
يكون عبيد الله أدركهما. انتهى كلام الحافظ في ((الفتح)) ٥٧٩/١١ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه الحافظان: ابن عبد البرّ، وابن

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
حجر في كلامهما السابق من صحة الحديث بالطريقين هو الأرجح عندي.
وحاصله أن الحديث صحيح عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي طلحة، كما هو
صحيح عن عبيد الله، عن ابن عبّاس، عن أبي طلحة؛ إذ يُحمل على أن عبيد الله
سمعه عن ابن عباس، عن أبي طلحة، ثم سمعه بعدُ عن أبي طلحة نفسِه، وأن القصّة
المذكورة صحيحة، لكنها لعثمان بن حُنيف، لا لأخيه سهل، فتنبّه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في ذكر اختلاف أهل العلم في حكم استعمال الصور، وقد تقدّم
هذا البحث في ((الطهارة))، و((الصيد والذبائح))، ولكن لأهميته لا بأس بإعادته هنا،
فأقول :
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: وللعلماء في هذا الباب أقاويل،
ومذاهب: [منها]: أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل، سواء كان
منصوبا، أو مبسوطا، ولا يجوز دخول البيت الذي فيه التصاوير، والتماثيل في حيطانه،
وذلك مكروه كله؛ لقول رسول اللَّه ◌َاير: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير))، فإن فعل
ذلك فاعلٌ بعد علمه بالنهي عن ذلك، كان عاصيا عندهم، ولم يحرم عليه بذلك ملك
الثوب، ولا البيت، ولکنه ينبغي له أن يتنزه عن ذلك کله، ویکرهه وینابذه؛ لما ورد من
النهي فيه .
وحجةُ من ذهب هذا المذهب في الثياب، وفي حيطان البيوت وغيرها، حديثُ ابن
شهاب وغيره، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: دخل
عليّ رسول اللّه وَ له، وأنا مستترة بقِرام فيه صور، فتلون وجهه، وتناول الستر فهتكه،
ثم قال: ((إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله))، ورَوَى نافع هذا
الخبر، عن القاسم، بهذا المعنى، وزاد: أن النبي بَّرَ، قال: ((إن البيت الذي فيه
الصور، لا يدخله الملائكة)»،
قال: وزيادة من زاد فيه من الثقات الحفاظ، إباحة ما يُتوسد من ذلك، ويُرتفق به،
ويُمتهن يجب قبولها، وإن كان ظاهر حديث مالك في ذلك كراهية عموم الصور، على
كل حال، وإلى ذلك ذهب ابن شهاب، وهو راوية الحديث.
قال: ذكر ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، أنه كان يكره
التصاوير، ما نُصب منها، وما بُسط، وكان مالك لا يرى بذلك بأسا في البسط،
والوسائد، والثياب على حديث سهل بن حنيف هذا: ((إلا ما كان رقما في ثوب)).
ثم أخرج بسنده، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان

١٣١ =
١١١- (التّصَاوِیر) - حديث رقم ٥٣٥١
على بابي درنوك(١)، فيه الخيل، ذوات الأجنحة، فقال النبي وَّر: ((ألقوا هذا)).
وقال آخرون: إنما يُكره من الصور ما كان في الحيطان، وصُوّر في البيوت، وأما ما
كان رقما في ثوب فلا، واحتجوا بحديث سهل بن حنيف، وأبي طلحة، وهو حديث
أبي النضر المذكور في هذا الباب، فيه عن النبي ◌َّ: ((إلا ما كان رقما في ثوب»، فكل
صورة مرقومة في ثوب، فلا بأس بها على كل حال؛ لأن رسول اللّه وَل استثنى الرقم
في الثوب، ولم يخصّ من ذلك شيئا ولا نوعا، وذكروا عن القاسم، وهو راوية حديث
عائشة، ما رواه ابن أبي شيبة، عن أزهر، عن ابن عون، قال: دخلت على القاسم،
وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حَجَلة فيه تصاوير السندس، والعنقاء.
وقال آخرون: لا يجوز استعمال شيء من الصور، رقما كان في ثوب، أو غير ذلك،
إلا أن يكون الثوب يوطأ، ويمتهن، فأما أن ينصب كالستر ونحوه فلا، قالوا: وفي
حديث عائشة، من رواية ابن شهاب، ما يخص الثياب ويعينها، وهو يعارض حديث
سهل بن حنيف، وأبي طلحة، إلا أنا قد روينا عن عائشة، أن ذلك من الثياب فيما
ينصب، دون ما يُبسط فبان بذلك وجه الحديثين، وأنهما غير متعارضين، وعائشة قد
علمت مخرج حديثها، ووقفت عليه، وذكروا من الأثر مارواه وكيع وغيره، عن أسامة
ابن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى
عنها، قالت: ((سترت سَهْوة لي بستر فيه تصاوير، فلما قدم النبي ◌َّ هتكه، فجعلت منه
منبذتين، فرأيت النبي ◌َّ متكئاعلى إحداهما))، قالوا: ألا ترى أن رسول الله وال كره
من ذلك، ما كان سترا منصوبًا، ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك، وامتهنه.
قال أبو عمر: وقد يحتمل أن يكون الستر لما هتكه رسول اللَّه بَ له تغيرت صورته،
وتهتكت، فلما صنع منه ما يتكأ عليه، لم تظهر فيه صورة بتمامها، وإذا احتمل هذا لم
يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب، ومن ذهب مذهبه، إلا أن ممن سلف
من العلماء جماعةً ذهبوا إلى ما كان من رقم الصور، فيما يوطأ ويمتهن، ويتكأ عليه من
الثياب، لا باس به، ذكر ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن الجعد رجل من أهل
المدينة، قال: حدثتني ابنة سعد، أن أباها جاء من فارس بوسائد، فيها تماثيل، فكنا
نبسطها. وعن ابن فضيل، عن ليث، قال: رأيت سالم بن عبد الله متكئا على وسادة
حمراء، فيها تماثيل، فقلت له في ذلك، فقال: إنما يكره هذا لمن ينصبه، ويصنعه.
وعن ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يتكئ على المرافق، فيها
(١) (الدرنوك)): ستر له خمل. انتهى ((نهاية)) ١١٥/٢.

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
التماثيل، الطير، والرجال. وعن ابن علية، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن
سيرين، قال: كانوا لا يرون ما وُطئ، وبُسط من التصاوير مثل الذي نصب. وعن
إسماعيل ابن علية أيضا، عن أيوب، عن عكرمة أنه كان يقول في التصاوير، في
الوسائد، والبسط التي توطأ: هو أذل لها. وعن أبي معاوية، عن عاصم، عن عكرمة،
قال: كانوا يكرهون ما نُصب من التماثيل نصبا، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام. وعن
ابن إدريس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، أنه كان لا یری بأسا بما وُطئ من
التصاوير. وعن ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن عكرمة بن خالد، قال: لا بأس
بالصورة، إذا كانت توطأ. وعن ابن يمان، عن الربيع بن المنذر، عن سعيد بن جبير،
قال: لا بأس بالصورة، إذا كانت توطأ. وعن عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك،
عن عطاء في التماثيل، ما كان مبسوطا يوطأ، أو يبسط، فلا بأس به، وما كان منه
ينصب، فإني أكرهها. وعن الحسن بن موسى الأشيب، عن حماد بن سلمة، عن عمرو
بن دينار، عن سالم بن عبد الله، قال: كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأسا.
قال أبو عمر: هذا أعدل المذاهب، وأوسطها في هذا الباب، وعليه أكثر العلماء،
ومن حَمَلَ عليه الآثار، لم تتعارض على هذا التأويل، وهو أولى ما اعتقد فيه، واللّه
الموفق للصواب.
وقد ذهب قوم إلى أن ما قُطع رأسه فليس بصورة، رَوَى أبو داود الطيالسي، قال:
حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة، مولى ابن عباس، قال: دخل المسور بن مخرمة، على
ابن عباس، وهو مريض، وعليه ثوب إستبرق، وبين يديه ثوب، عليه تصاوير، فقال
المسور: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: ما علمت به، وما أرى رسول اللَّه وَلـ
نهى عن هذا، إلا للكبر والتجبر، ولسنا بحمد اللَّه كذلك، فلما خرج المسور أمر ابن
عباس بالثوب، فنزع عنه، وقال: اقطعوا رؤوس هذه التصاوير. وروى ابن المبارك،
قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا مجاهد، قال: حدثنا أبو هريرة، قال:
قال رسول اللّه وَلقر: ((إن جبريل أتاني البارحة، فلم يمنعه أن يدخل إليّ، إلا أنه كان في
البيت حجال وستر، فيه تماثيل، وكلب، فأمر برأس التمثال أن يُقطع، وبالستر أن
يُثنَى، ويجعل منه وسادتان توطآن، وبالكلب أن يُخرج)).
وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، قال: إنما الصورة
الرأس، فإذا قُطع فلا بأس. وعن يحيى بن سعيد، عن سلمة أبي بشر، عن عكرمة، في
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، قال: أصحاب التصاوير.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صنعتها واتخاذها، ما كان له

١٣٣ ==
١١١ - (التصّاوِیر) - حديث رقم ٥٣٥١
روح، وحجتهم حديث القاسم، عن عائشة، عن النبي وَلي أنه قال: ((من أشد الناس
عذابا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم))، ففي هذا دليل على أن
الحياة، إنما قصد بذكرها إلى الحيوان، ذوات الأرواح.
ثم أخرج بسنده عن عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس،
إذ جاءه رجل، فقال: إني أردت أن أنمي معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه
التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول اللّه وَل يقول، سمعته
يقول: ((من صَوّر صورة، فإن الله معذبه يوم القيامة، حتى ينفخ فيها الروح، وليس
بنافخ فيها أبدا»، قال: فكبالها الرجل كبوة شديدة، واصفَرّ وجهه، ثم قال: ويحك، إن
أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذه الشجر، وكل شيء ليس فيه روح.
وقد كان مجاهد، يكره صورة الشجر، قال أبو عمر: وهذا لا أعلم أحدا تابعه على
ذلك. وذكر ابن أبي شيبة، عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يكره أن
يصور الشجر المثمر.
ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم، ما ذكره ابن أبي شيبة، عن ابن
علية، عن ابن عون، قال: كان في مجلس محمد بن سيرين وسائد، فيها تماثيل
عصافير، فكان أناس يقولون في ذلك، فقال محمد: إن هؤلاء قد أكثروا علينا، فلو
حولتموها، وهذا من ورع ابن سيرين رحمه الله. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله
تعالى في كتابه ((التمهيد)» ٢١/ ١٩٥-٢٠١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأقوال وأدلّتها أن أرجحها أن
الصور المحرّمة هي ما كانت لذوات الأرواح، وكانت منصوبة، وأما إذا كانت توطأ،
وتمتهن، فلا بأس بها، وكذلك ما كان رقمًا في ثوب، إلا أن يكون منصوبًا، وكذلك إذ
قطع رأسها، وأصرح دليل على ذلك حديث أبي هريرة تظنّ الآتي بعد بابين، قال:
((استأذن جبريل عليه السلام على النبي وَله، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل، وفي
بيتك ستر فيه تصاوير، فإما أن تُقطَّع رءوسها، أو تُجْعَل بساطا يوطأ، فإنا معشر
الملائكة، لا ندخل بيتا فيه تصاوير)». فإنه قد استثنى من الصور التي تمنع دخول
الملائكة ما كانت مقطوعة الرأس، أو بساطًا يوطأ، وكذلك حديث أبي طلحة تَظليه
المذكور في الباب، فإنه نصّ في استثناء ماكان رقمًا في ثوب، وهذا كما سبق عن ابن
عبد البرّ رحمه الله تعالى أعدل الأقوال، وأيسرها في الجمع بين أحاديث الباب، وقد

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
تقدّم هذا البحث بأتمّ مما هنا في ((الطهارة)) ٢٦١/١٦٨ فراجعه تزدد علمًا (١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٢- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ، عَنْ
بُسْرٍ (٢) بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَئِدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ
الْمَلَّائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ))، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ
صُورَةٌ، قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَّانِيِّ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّورَةِ يَوْمَ الْأَوَّلِ؟، قَالَ: قَالَ
عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ: ((إِلَّا رَقْمَا فِي ثَوْبٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التجيبيّ، أبو موسى المصريّ المعروف بزُغْبة، ثقة
[١٠] ٢١١/١٣٥ .
٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن المصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٥/٣١.
٣- (بُكير) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥]
٢١١/١٣٥ .
٤- (بسر بن سعيد) العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢] تقدّم في
١١ / ٥١٧ .
٥- (زيد بن خالد) الْجُهَني المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات ◌َظَاه بالكوفة سنة
(٦٨) أو (٧٠)، وله (٨٥) سنة، تقدّم في ٧٥٦/٨.
٦- (أبو طلحة) رضي الله تعالى عنه المذكور ترجمته قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريّين، والثاني بثقات
المدنيّين،. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وعلى
رواية بسر، عن عُبيد الله الخولانيّ للزيادة الآتي ذكرها يكون ثلاثة من التابعين في نسق
واحد، وكلهم مدنيّون. والله تعالى أعلم.
(١) هذا البحث تقدّم في ((الطهارة))، كما أشرت إليه، وإنما أعدته لطول العهد به، مع شدّة الحاجة
إليه؛ لابتلاء عامة الناس باستعمال الصور، نسأل الله تعالى أن يُلهمنا الرشد والصواب .
(٢) بضم الموحّدة، وسكون السين المهملة، آخره راء .

١٣٥ =
١١١ - (التَّصَاوِيرٌ) - حديث رقم ٥٣٥٢
شرح الحدیث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيّ رضي اللَّه تعالى عنه (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ
.. التـ
رقم
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ))، قَالَ بُسْر) بن سعيد (ثُمَّ)
بعد أن حدّثنا بهذا الحديث (اشْتَكَى زَيْد) أي مرض زيد بن خالد رَّهِ (فَعُدْنَاهُ) أي
زرناه (فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ) ((إذا)) هي الفجائيّة، والستر بكسر، فسكون: ما يُستَر به،
وجمعه سُتُور: أي فاجأنا وجود ساتر (فِيهِ صُورَةٌ) جملة من مبتدأ وخبر في محلّ رفع صفة
((سِتْر)) (قُلْتُ) القائل هو بسر (لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيّ) أي الذي كان معه، ففي رواية
للبخاريّ من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ: ((أن بسر بن سعيد حدّثه،
أن زيد بن خالد الجهنيّ رَّه حدثه، ومع بسر بن سعيد عُبيد اللّه الْخَوْلانيّ الذي كان
في حَجْر ميمونة رضي الله عنها، زوج النبيّ ◌َّ) .
وعُبيد الله هذا هو ابن الأسود، ويقال: ابن أسد، ويقال له: ربيب ميمونة؛ لأنها
كانت ربّته، وكان من مواليها، ولم يكن ابن زوجها، ثقة من الطبقة الثالثة (أَلَمْ يُخْبِزْنَا
زَيْدٌ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني زيد بن خالد، وذلك أنه لَمّا دخل منزل زيد،
فرأى الستر فيه صورٌ ذكّر بسرٌ عبيدَ اللَّه الخولانيّ بالحديث الذي حدّثهم به زيد عن أبي
طلحة، صاحب رسول اللَّه وَ ل# الذي سمع من رسول اللَّه وَ ل قوله: ((لا تدخل الملائكة
بيتًا فيه صورة))، وكان أبو طلحة قد ذكر مع ذلك، متّصلّاً به قوله وَلّى: ((إلا رقمًا في
ثوب))، فاستثنى المرقوم من الصور، فحصل منه أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيت
فيه صورة مرقومة. انتهى ((المفهم)) ٤٢٣/٥-٤٢٤ .
(عَنِ الصُّورَةِ) أي عن حكمها، وهو النهي عنها (يَوْمَ الْأَوَّلِ) أي في وقت تقدّم قبل هذا.
(قَالَّ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ))) وفي رواية عمرو بن
الحارث، عند البخاريّ: ((فقال: إنه قال: ((إلا رقمًا في ثوب، ألا سمعته؟ قلت: لا،
قال: بلى، قد ذكره)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي طلحة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٢/١١١ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٦٣/١٠٩. وأخرجه (خ) في ((بدء

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الخلق)» ٣٢٢٦ و((اللباس)) ٥٩٥٨ (م) في ((اللباس)) ٢١٠٦ (د) في ((اللباس)) ٤١٥٣.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٣- (حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: صَنَعْتُ طَعَامًا، فَدَعَوْتُ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَجَاءَ، فَدَخَلَ،
فَرَأَى سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيِرُ، فَخَرَجَ، وَقَالَ: ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (مسعود بن جُويرية) بن داود أبي سعيد المخزوميّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن المعافى بن عمران، وهُشيم، وعَفيف بن سالم، وابن عيينة، وغيرهم.
وعنه النسائيّ، وجعفر بن محمد الْبَلَديّ، وعليّ بن الهيثم الفزاريّ، وأحمد بن العبّاس
البغداديّ، وغيرهم. قال النسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
مستقيم الحديث. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وغفل ابن القطّان، فقال: لا
يُعرف. وقال أبو زكريّا الأزديّ في ((تاريخ الموصل)): كان نِّيلاً من الرجال، توفّي سنة
(٢٤٨). تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٢- (وكيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٥/٢٣.
٣- (هشام) بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٤/٣٠ .
٤- (قتادة) بن داعة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (سعيد بن المسيِّب) بن حَزْن المخزومي المدنيّ الفقيه، ثقة حجة، من كبار [٣]
٩/ ٩ .
٦- (عليّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه٩١/٧٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب رَّهِ، أنه (قَالَ: صَنَعْتُ طَعَامًا) أي هيّأته، وأصلحته
(فَدَعَوْتُ النَِّيَّ وََّ﴾ أي ليأكل من ذلك الطعام (فَجَاءَ) وَّهِ (فَدَخَلَ، فَرَأَى سِتْرًا) بكسر،
فسكون: أي ساترًا (فِيهِ تَصَاوِيرُ) أي تماثيل (فَخَرَجَ) كراهيةً لتلك التصاوير (وَقَالَ: ((إِنَّ
الْمَلَائِكَةَ) تقدّم أن الأرجح حمله على عموم الملائكة، لا نوع خاصّ منهم، كما قاله

١٣٧ =
١١١- (التَّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥٤
بعضهم (لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ) تقدّم أيضًا أن التصاوير التي تمنع دخول الملائكة،
هي الباقية على هيئتها، غير الممتهنة بالوطء بالأقدام، أو المقطوعة الرأس، كما بيّنه
جبريل فعاليَّل في الحديث الآتي بعد بابين، حيث قال للنبيّ وَّ: ((كيف أدخل، وفي
بيتك سِتْر، فيه تصاوير، فإما أن تُقطَع رؤوسها، أو تُجُعَل بساطًا يوطأ، فإنا معشر
الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير))، فدلّ على أن الصورة إذا تغيّرت هيئتها لا تمنع من
دخول البيت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رَّه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة قتادة، وهو مدلّس؟.
[قلت]: إنما صَحَّ بشواهده السابقة واللاحقة، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٣/١١١- وفي ((الكبرى)) ٩٧٨٨/١٠٩. وأخرجه (ق) في
((الأطعمة)) ٣٣٥٩. واللّه تعالياً علم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم التصاوير. (ومنها):
استحباب صنع الطعام لأهل الفضل، ودعوتهم إليه. (ومنها): مان كان عليه النبيّ وَل
من حسن الخلق، والتواضع، حيث يُجيب دعوة من دعاه إلى الطعام. (ومنها): حرمان
من اتخذ الصور في بيته من دخول الملائكة فيه. (ومنها): أن الملائكة؛ لكونهم مجبولين
على الطاعة لربهم لا يقربون محلّا يُعصى فيه اللَّه سبحانه وتعالى بمخالفة أمره، وانتهاك
حرماته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٥٣٥٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزِوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ خَرْجَةً، ثُمَّ دَخَلَ، وَقَدْ عَلَّقْتُ
قِرَامًا، فِيهِ الْخَيْلُ، أُولَاتُ الْأَجْنِحَةِ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ، قَالَ: ((انْزِعِيهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزيّ، ثقة ثبت حجة [١٠]٢/٢.
٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، من كبار [٩] ٣٠/٢٦.

١٣٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
٣- (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبو) عروة بن الزبير بن العوام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من
المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لَ خَرْجَةٌ) بوزن
فَعْلة بفتح، فسكون: وهي المرة من الخروج، كما أن فِعلة بالكسر للّهيئة، كما قال في
((الخلاصة)):
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةْ
وفي نسخة: ((خرجته)) بالإضافة إلى الضمير: أي خروجه.
(ثُمَّ دَخَلَ) وَ البيت (وَقَدْ عَلَّقْتُ قِرَامًا) بكسر القاف: هو الستر الرقيق، وقيل:
الصَّفِيق، من صُوف ذي ألوان، والإضافة فيه، كقولك: ثوب قميص. وقيل: القرام:
الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، ولذلك أضافه. أفاده في ((النهاية)) ٤٩/٤. وقال في
(المصباح)): القرام، مثلُ كتاب: الستر الرقيق، وبعضهم يزيد: وفيه رقمٌ، ونقوش،
والْمِقْرَم، وازن مِقْود، والْمِقْرمة بالهاء أيضًا مثله. انتهى. والجملة في محلّ نصب على
الحال من الفاعل، والرابط الواو.
وفي رواية مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام: ((قالت: قدم رسول اللّه وَّ من
سفر، وقد سترتُ على بابي دُزْنوكًا، فيه الخيل، ذوات الأجنحة، فأمرني، فنزعته)).
و((الدُّرنوك)) بضم الدال على المشهور، وتفتح، ويقال فيه: درموك بالميم: هو سترٌ
له خَمْلٌ، جمعه درانك. أفاده النوويّ في «شرحه» ١٤/ ٨٧.
(فِيهِ) أي في ذلك القِرام (الْخَيْلُ) أي صورة الخيل (أُولَاتُ الْأَجْنِحَةِ) أي صواحبات
الأجنحة (قَالَتْ) عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (فَلَمَّا رَآهُ) وَّ (قَالَ: ((انْزِعِيهِ) بكسر
الزاي، مضارع نزعت الشيء، من باب ضرب: إذا قلعته، وأزلته. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

١١١- (التّصَاوِیرُ) - حديث رقم ٥٣٥٥
١٣٩ ===
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٤/١١١- وفي ((الكبرى)) ٩٧٨١/١٠٩. وأخرجه (م) في
((اللباس)) ٢١٠٧ ورواه أحمد٤٩/٦ و٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، قَالَ: حَدَّثَنَا
دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ، عَنْ حُمِّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ سَّعْدِ بْنِ هِشَامِ،
عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيَهِ تِمْثَالُ طَيْرٍ، مُسْتَقْبَلَ الْبَيْتِ إِذَا دَخَلَ
الدَّاخِلُ، فَقَالَ رَّسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا عَائِشَةُ حَوْلِهِ، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ
الدُّنْيَا))، قَالَتْ: وَكَانَ لَنَا قَطِيفَةٌ، لَهَا عَلَمٌ، فَكُنَّا تَلْبَسُهَا، فَلَمْ نَقْطَعْهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع) - بفتح الموحّدة، وكسر الزاي-البصريّ، ثقة [١٠]
٥٨٨/٤٣ .
٢- (يَزِيدُ بْنُ زُرَنِع)- بضم الزاي، وفتح الراء - أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨]
٥/٥ .
٣- (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يهم بآخره [٥]
٥٣٨/٢١ .
٤- (عَزْرة)- بفتح، فسكون-ابن عبد الرحمن بن زرارة الْخُزاعيّ الكوفيّ الأعور،
ثقة [٦] ٣٧ /١٧٠١ .
٥- (حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْحِمْيريّ البصريّ، ثقة فقيه [٣] ١٦١٣/٦.
٦- (سَعْدِ بْنِ هِشَام) بن عامر الأنصار المدنيّ، ثقة [٣] استُشهد بأرض الهند ٦٧/
١٣١٥ .
٧- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى حميد، غير عزرة، فكوفيّ، والباقيان
مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية داود بن أبي هند، عن عزرة من

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن داود من [٥]؛ لأنه رأى أنس بن مالك تظنه ،
وعزرة من [٦]. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ) أنها (قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ
تِمْثَالُ طَيْرٍ) أي صورة طير، والجملة صفةً ((ستر)) (مُسْتَقْبَلَ الْبَيْتِ) الظاهر أنه بفتح
الموحّدة، من استقبلتُ الشيءَ: إذا واجهته: أي في مواجهة البيت، وهو منصوب على
الظرفية. والله تعالى أعلم (إِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ) البيتَ، وفي رواية مسلم: ((وكان الداخل
إذا دخل استقبله)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا عَائِشَةُ حَوْلِيهِ) أمر من التحويل، وهو
النقل: أي انقليه إلى موضع آخر (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي لأني (كُلَّمَا دَخَلْتُ) البيت
(فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيًا) أي تذكّرت زهرة الدنيا، وبهجتها. قال السنديّ رحمه الله تعالى:
لا یلزم منه المیل إلیھا، بل يجوز أن يذكرها مع الكراهة، ومع ذلك کړه أن يحضر لدیه
صورة الدنيا بأيّ وجه كان، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال النوويّ رحمه الله تعالى:
هذا محمولٌ على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة، فلهذا كان رسول اللّه وَلـ
يدخل، ويراه، ولا يُنكره قبل هذه المرّة الأخيرة. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤ / ٨٧.
(قَالَتْ) عائشة رضي اللّه تعالى عنها (وَكَانَ) لفظ مسلم: ((وكانت)) (لَنَا قَطِيفَةٌ) بفتح
القاف، وكسر الطاء: دِثَارٌ له خَمْلٌ، جمعه قطائف، وقُطُفٌ بضمّتين. قاله الفيّوميّ.
وقال في ((النهاية)): القطيفة: كساءٌ له خَمْلٌ. انتهى (لَهَا عَلَمٌ) أي من الحرير، ولفظ
مسلم: ((وكانت لنا قطيفة، كنّا نقول: علمها حرير)) (فَكُنَّا نَلْبَسُهَا) أي القطيفة (فَلَمْ
نَقْطَعْهُ) أي العلم؛ إذ العلم من الحرير مباح الاستعمال. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٥/١١١- وفي ((الكبرى)) ٩٧٧٥. وأخرجه (م) في ((اللباس))
٢١٠٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): البعد عن زخارف الدنيا، والزهد فيها. (ومنها): جواز استعمال الستر