Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٣- (مَا تَحَّتَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإزار) - حديث رقم ٥٣٣٢
=
١٠١
الْمَخِيلة، وإن الله لا يحب المخيلة))، وأخرج النسائي وصحح الحاكم أيضا من حديث
حذيفة بلفظ: ((الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين،
ولا حق للكعبين في الإزار)). انتهى ((فتح)) ١١/ ٤٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٣٢- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْتَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ يَعْقُوبَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَا تَحَتَ الْكَغْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ، فَفِي النَّارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قريبًا. و((إسماعيل بن مسعود)): هو
الْجَخدريّ المذكور قبل باب. و((هشام)): هو الدستوائيّ. و((یحیی)): هو ابن أبي كثير.
و((محمد بن إبراهيم)): هو التيميّ. و((ابنُ يعقوب)): هو عبد الرحمن الْجُهنيّ المدنيّ،
مولى الْحُرَقة، ثقة [٣] ١٤٣/١٠٧.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)): ((حدّثني أبو يعقوب))، ووقع في ((الكبرى)):
((حدّثني ابن يعقوب)) (١)، وعندي أن هذا هو الصواب، والأول غلطً؛ لأني لم أر أحدًا
كناه بأبي يعقوب، فتنبه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) عبد الرحمن (ابن يَعْقُوبَ) تقدّم
آنفًا أنه وقع في نسخ ((المجتبى)) التصحيف إلى ((أبي يعقوب))، فتنبّه (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ)
رَُِ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا تَحتَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإزَارِ) ((ما)) موصولة مبتدأ،
والظرف صلتها، وخبرها قوله (فَفِي النَّارِ) ودخلت الفاء لما في المبتدإ من معنى العموم
أي الذي استقرّ، وثبت تحت الكعبين، من قدم صاحب الإزار المسبل، فهو في النار،
عقوبة له على فعله.
وللطبراني من حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، رفعه: ((كل شيء جاوز
الكعبين، من الإزار في النار))، وله من حديث عبد الله بن مغفل ◌َنثه، رفعه: ((إِزرة
المؤمن إلى أنصاف الساقين، وليس عليه حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من
ذلك ففي النار)).
قيل: هذا الإطلاق محمول على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الذي ورد فيه الوعيد
بالاتفاق، لا مجرد الإسبال.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أن الصواب كونه على إطلاقه؛ لما سبق من
(١) راجع ((تحفة الأشراف)) ٢٣٩/١٠ ففيه: ((عبد الرحمن بن يعقوب)).

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الأدلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
ويستثنى من إسبال الإزار مطلقا ما أسبله لضرورة، كمن يكون بكعبيه جرح مثلًا،
يؤذيه الذباب مثلا إن لم يستره بإزاره، حيث لا يجد غيره، نبه على ذلك الحافظ
العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذي))، واستَدَلَّ على ذلك بإذنه وَ لو لعبد الرحمن
ابن عوف، في لبس قميص الحرير، من أجل الحكة، والجامع بينهما جواز تعاطي ما
نهي عنه من أجل الضرورة، كما يجوز كشف العورة للتداوي. ويستثنى أيضا من الوعيد
في ذلك النساء، كما سيأتي البحث فيه بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َميم هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٣٢/١٠٣- وأخرجه (خ) في ((اللباس)) ٥٧٨٧. وفوائده تقدّمت
قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٣٣- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، وَقَدْ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِِّ، قَالَ: ((مَا أَسْفَلَ
مِنَ الْكَعْبَيْنِ، مِنَ الْإِزَارِ، فَفِي النَّارِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: ((وقد كان يُخبر عن أبي هريرة)» هكذا نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى»، ووقع
في ((تحفة الأشراف)) ٤٧٣/٩ بلفظ: ((قال: أخبرنا سعيد المقبريّ، وكان قد كبر)).
وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة: ((سمعت
سعيدًا المقبريّ، سمعت أبا هريرة)). قاله في ((الفتح)) ٤٢٨/١١ .
وقوله: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)). قال الكرمانيّ: ((ما)) موصولة،
وبعض صلته محذوف، وهو ((كان))، و((أسفل)) خبره، ويجوز أن يُرفَع ((أسفل))، وهو
أفعل، ويحتمل أن يكون فعلاً ماضيًا. وقال الزركشيّ ((من)) الأولى لابتداء الغاية،
والثانية للبيان. ذكره السيوطيّ في ((شرحه)) ٢٠٧/٨.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما أسفل من الكعبين، من الإزار، في النار)). ((ما))
موصولة، وبعض الصلة محذوف، وهو ((كان)) و((أسفل)) خبره، وهو منصوب، ويجوز

١٠٣
١٠٣- (مَا تُحَتَ الكَعْبَيْن مِنَ الإزار) - حدیث رقم ٥٣٣٣
الرفع: أي ما هو أسفل، وهو أفعل تفضيل، ويحتمل أن يكون فعلا ماضيا، ويجوز أن
تكون ((ما)) نكرة موصوفة بـ((أسفل)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ويحتمل أن يكون ((أسفل)) منصوبًا على الظرفيّة،
وعليه فلا داعي لحذف بعض الصلة؛ لصلاحيته أن يكون صلة، بل هذا هو الأولى من
دعوى الحذف، فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال الخطابي: يريد أن الموضع الذي يناله الإزار، من أسفل الكعبين في النار، فكنى
بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم، يعذب عقوبة،
وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره، أو حل فيه، وتكون ((من)) بيانية،
ويحتمل أن تكون سببية، ويكون المراد الشخص نفسه، أو المعنى: ما أسفل من
الكعبين من الذي يسامت الإزار في النار، أو التقدير: لابس ما أسفل من الكعبين ...
الخ، أو التقدير: أن فعل ذلك محسوب في أفعال أهل النار، أو فيه تقديم وتأخير: أي
ما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، وكل هذا استبعاد ممن قاله لوقوع الإزار حقيقة
في النار، وأصله ما أخرج عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، أن نافعا سُئل عن
ذلك، فقال: وما ذنب الثياب، بل هو من القدمين. انتهى.
لكن أخرج الطبراني، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما، قال: رآني النبي وَله، أسبلت إزاري، فقال: ((يا ابن عمر، كلُّ شيء
يمس الأرض من الثياب في النار))، وأخرج الطبراني، بسند حسن، عن ابن مسعود
رَّم أنه رأى أعرابيا يصلي، قد أسبل، فقال: ((المسبل في الصلاة ليس من اللَّه في
حِلّ، ولا حرام))، ومثل هذا لا يقال بالرأي، فعلى هذا لا مانع من حمل الحديث على
ظاهره، ويكون من وادي: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية
[الأنبياء: ٩٨]، أو يكون في الوعيد لما وقعت به المعصية، إشارة إلى أن الذي يتعاطى
المعصية أحق بذلك. انتهى ((فتح)) ٤٢٨/١١-٤٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١٠٤ - (إِسْبَالُ الإِزَارِ)
٥٣٣٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ،
قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلِ الْإِزَارِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن عبدالله بن عُبيد بن عَقِيل))- بفتح
العين -: هو الهلاليّ، أبو مسعود البصريّ، صدوقٌ [١١] ٤٧٦٦/١٩. وجدّه)): هو
عُبيد بن عَقِيل الهلاليّ، أبو عمرو البصريُّ الضرير المعلّم، صدوقٌ، من صغار [٩]
٤٧٦٦/١٩. و((أشعث)): هو ابن أبي الشعثاء سُليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة
[٦] ٩٠ / ١١٢ .
وقوله: ((إلى مسبل الإزار)): المراد المسبل إلى ما تحت الكعبين، وقد تقدّم الكلام
في معنى نظر اللّه تعالى قبل بابين، فلا تنس.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ١٠٤ / ٥٣٣٤-
وفي ((الكبرى)) ٩٦٩٩/١٠٣. وأخرجه (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٩٥٠. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٣٥- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ
ابْنَ مِهْرَانَ الْأَعْمَشَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرُّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ: الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُنَفْقُ سَلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا. و((بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ)): هو العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة
يُغْرِب [١٠]. و((سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ)): هو الفزاريّ الكوفيّ، ثقة [٤]. و((خَرَشَةُ -
بفتحات- ابْنُ الْحُرِّ)): هو الفزاريّ، كان يتيمًا في حجر عمر رَّه، ثقة [٢].
وقوله: ((المنّن بما أعطى)): أي الذي إذا أعطى مَنَّ، واعتدّ به على من أعطاه.
وقيل: الذي إذا كال، أو وزن نقص من الحقّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
[الانشقاق: ٢٥]: أي غير منقوص.
وقوله: ((والْمُسْبِل إزاره)) من الإسبال بمعنى الإرخاء عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف
عنده، وهو الكعبان.

١٠٤ - (إِسْبَالُ الإزارِ) - حديث رقم ٥٣٣٦
١٠٥
وقوله: ((والمنفّق سلعته)) بضم أوله، وتشديد الفاء: أي المروّج، وهذا هو المشهور
روايةً، وإلا فيجوز أن يكون بتخفيف الفاء، من الإنفاق، بمعنى الترويج أيضًا. والسلعة
بکسر، فسکون: أي مبیعه.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) ٢٥٦٣/٦٩ ومضى شرحه
مستوفّى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٣٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي
رَوَّادٍ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ،
وَالْقَمِيصِ، وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢.
٢- (حسين بن عليّ) بن الوليد الجعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقة عابد [٩] ٩١/٧٤.
٣- (عبد العزيز بن أبي رَوَاد)- بفتح الراء، وتشديد والواو: هو المكيّ، صدوقٌ،
عابدٌ، ربّما وَهِمَ، ورُمي بالإرجاء [٧] ٩٣/ ١٣٥١.
٤- (سالم) بن عبد اللّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٣]٤٩٠/٢٣.
٥- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه سالم من الفقهاء السبعة،
وأبوه من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلّهِ: ((الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ) مبتدأ وخبرٌ: أي يتحقّق الإسبال في الإزار (وَالْقَمِيصِ،
وَالْعِمَامَةِ) معنى الإسبال فيها إرخاء عذبتها زيادة على العادة.
(مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءُ) أي تكبّرًا (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تقدم شرح هذه
الجملة، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.

١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حسنٌ، من أجل الكلام في عبد العزيز
ابن أبي روّاد. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٣٥/١٠٤- وفي ((الكبرى)) ١٠٤/ ٩٧٢٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): تحريم جر الإزار، ونحوه خيلاء، (ومنها): أن عقوبة من جرّ ثوبه خيلاء أن
لا ينظر الله عز وجل إليه. و(منها): أن فيه دلالة واضحة على عدم اختصاص الإسبال
بالإزار، بل يكون في القميص، والعمامة، كما ذكره في هذا الحديث، قال ابن
رسلان: والطيلسان، والرداء، والشّمْلة. وقال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به
إرسال العذبة زائدًا على ما جرت به العادة. انتهى. وتطويل أكمام القميص تطويلًا زائدًا
على المعتاد من الإسبال. وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كلّ ما زاد على
المعتاد في اللباس في الطول، والسعة. كذا في ((نيل الأوطار)) ٢١٠/٢. وقال
السنديّ: الإسبال في العمامة بإرسال العذبات زيادةً على العادة عددًا وطولًا، وغايتها
إلى نصف الظهر، والزيادة عليه بدعة، كذا ذكروا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تحديد الغاية في تطويل العذبة بنصف الظهر يحتاج
إلى دليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى حديث ابن عمرضي الله
تعالى عنهما هذا في ((صحيحه)) من طريق شبابة بن سوّار، عن شعبة، قال: لقيت
محارب بن دثار على فرس، وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث،
فحدّثني، فقال: سمعت عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما يقول: قال رسول الله
وَالى: ((من جرّ ثوبه مَخِيلةٌ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقلت المحارب: أذكر
((إزاره))؟ قال: ما خصّ إزارًا، ولا قميصًا.
فقال في (الفتح)) ٤٣٤/١١ - ٤٣٥: كأن سبب سؤال شعبة عن الإزار، أن أكثر
الطرق، جاءت بلفظ ((الإزار))، وجواب محارب حاصله: أن التعبير بالثوب يشمل
الإزار وغيره، وقد جاء التصريح بما اقتضاه ذلك، فأخرج أصحاب ((السنن))، إلا
الترمذي، واستغربه ابن أبي شيبة، من طريق عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن سالم بن عبد
اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي وَ الز، قال: ((الإسبال في الإزار، والقميص،

١٠٤ - (إسْبَالُ الإزارِ) - حديث رقم ٥٣٣٧
١٠٧ ==
والعمامة، من جَرّ منها شيئا خيلاء ... )) الحديث، كحديث الباب، وعبدُ العزيز فيه .
مقال، وقد أخرج أبو داود، من رواية يزيد بن أبي سمية، عن ابن عمر، قال: ما قال
رسول اللَّه ◌َ له في الإزار، فهو في القميص.
وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ ((الإزار))؛ لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون
الإزار، والأردية، فلما لبس الناس القميص، والدراريع، كان حكمها حكم الإزار في
النھي .
قال ابن بطال: هذا قياس صحيح، لو لم يأت النص بالثوب، فإنه يشمل جميع ذلك،
وفي تصوير جر العمامة نظر، إلا أن يكون المراد ما جرت به عادة العرب، من إرخاء
العذبات فمهما زاد على العادة في ذلك، كان من الإسبال.
وقد أخرج النسائي (٥٣٤٨) من حديث جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، قال: ((كأني
أنظر الساعةَ إلى رسول اللَّه ◌َ ل# على المنبر، وعليه عمامة، قد أرخى طرفها بين كتفيه)).
وهل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص ونحوه؟ محل نظر،
والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة، كما يفعله بعض الحجازيين، دخل في
ذلك، قال شيخنا- يعني الحافظ العراقيّ- في ((شرح الترمذي)): ما مس الأرض منها
خيلاء، لا شك في تحريمه، قال: ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد، لم يكن بعيدا،
ولكن حَدَث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يُعرفون به،
ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء، فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة
فلا تحريم فيه، ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع. ونقل عياض عن العلماء كراهة: كل
ما زاد على العادة، وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. انتهى ((فتح)) ١١/
٤٣٤-٤٣٥ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفصيل الذي ذكره الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى
في كلامه المذكور آنفًا، حسنٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٣٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ،
عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ
إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَ شِفَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ
أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَّلَاء))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
٢- (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ
القاىء، ثقة ثبت [٨] ١٦ /١٧.
٣- (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ، مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في
المغازي [٥] ١٢٢/٩٦. والباقيان تقدّما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين غير شيخه، فمروزيّ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ) أي لأجل الكبر، والعجب، فـ(من))
تعليليّة (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ رَّه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَ
شِقَّيْ إِزَارِي) بتثنية ((شقّي))، وكذا عند البخاريّ في رواية النسفيّ، والكشميهنيّ، وفي
رواية غيرهما ((شقّ)) بالإفراد، والشّقّ- بكسر المعجمة: الجانب، ويُطلق أيضًا على
النصف (يَسْتَرْخِي) بالخاء المعجمة: أي ينزل إلى أسفل الكعبين (إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ)
أي يسترخي إذا غفلت عنه، ووقع في رواية معمر، عن زيد بن أسلم، عند أحمد: ((إن
إزاري يسترخي أحيانًا))، فكأن شدّه كان ينحلّ إذا تحرّك بمشي، أو غيره بغير اختياره، فإذا
كان محافظًا عليه لا يسترخي؛ لأنه كلّما كاد يسترخي شدّه. وأخرج ابن سعد من طريق
طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، قالت:
((كان أبو بكر أحنى لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حِقْويه))، ومن طريق قيس بن أبي
حازم، قال: ((دخلت على أبي بكر، وكان رجلًا نَحِيفًا)).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاء) وفي رواية زيد بن أسلم:
(لست منهم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

١٠٩
١٠٥ - (ذُيُولُ النَّاءِ) - حديث رقم ٥٣٣٨
أخرجه هنا-٥٣٣٧/١٠٤-٩٧٢١/١٠٤. وأخرجه (خ) في ((الفضائل)) ٣٦٦٥
و((اللباس)) ٥٧٨٤ و((الأدب)) ٦٠٦٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم إسبال الإزار، وهو
التحريم. (ومنها): أنه لا حرج على من جرّ إزاره بغير قصد مطلقًا، وأما ما أخرجه ابن
أبي شيبة، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يكره جزّ الإزار على كلّ حال،
فقال ابن بطّال: هو من تشديداته، وإلا فقد روى هو حديث الباب، فلم يَخْفَ عليه
الحكم، قال الحافظ: بل كراهة ابن عمر محمولة على من قصد ذلك، سواء كان عن
مَخِيلة، أم لا، وهو المطابق لروايته المذكورة، ولا يُظنّ بابن عمر أنه يؤاخذ من لم
يقصد شيئًا، وإنما يُريد بالكراهة من انجزّ إزاره بغير اختياره، ثم تمادى على ذلك، ولم
يتداركه، وهذا متّفقٌ عليه، وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم، أو للتنزيه. (ومنها):
أن فيه اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصلٌ مطّردٌ غالبًا. قاله في
((الفتح)) ٤٢٦/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٥- (ذُيُولُ النِّسَاءِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الذيول)): جمع ذَيل، كفلس وفُلُوس، يقال: ذال
الثوبُ ذَيْلًا، من باب باع: طال، حتّى مسّ الأرض، ثمّ أطلق الذيلُ على طرفه الذي
يلي الأرض، وإن لم يمسّها؛ تسميةً بالمصدر، وذال الرجل يَذِيلُ: جرّ أذياله خُيَلاء.
قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٣٨- (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
أَيُوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، لَمْ
يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ»،َ قَالَتَ أُمَّ سَلَمَّةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟، قَالَ:
(تُرْخِينَهُ شِبْرًا))، قَالَتْ: إِذَا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: ((تُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا تَزِدْنَ عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نوح بن حبيب) الْقُومسيّ، أبو محمد الْبَذَشيّ، ثقة سنّيّ [١٠] ١٠١٠/٧٩.

١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
٢- (عبد الرزاق) بن همّام أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، يتشيّع،
وتغيّر بعد أن عمي [٩] ٧٧/٦١.
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد
[٥] ٤٧/٤٢. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ
مِنَ الْخِّيَلَاءِ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ»، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة المخزوميّة، أم
المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟) أي
أيقصّرنه مثل الرجال، أم يجوز لهنّ الإسبال؟ (قَالَ) وَ (تُرْخِينَهُ) بضمّ أوله من
الإرخاء: أي ترسلن الذيل، وإنما ذكّر الضمير مع أن مرجعه الذيول، وهو جمع؛ نظرًا
لكونه جنسًا، إذ الإضافة تأتي لما تأتي له ((أل)) الجنسيّة، وهي تبطل معنى الجمعيّة
(شِبْرًا) أي مقدار شبر، والمراد إرخاؤه من نصف الساق (قَالَتْ) أم سلمة رضي الله
تعالى عنها (إِذَا) بالتنوين، هي ((إذًا)) الجوابيّة، وتنوينها تنوين عوض، والأصل: إذا
أرخينه شبرًا (تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ) بنصب الفعل بـ((إذا))؛ لتوفّر شروط عملها، وهي كونها
مصدّرة، متصلة، ووليها الفعل المستقبل، دون فاصل بينها وبينه، كما بيّن ذلك بعضهم
بقوله :
وَسُقْتَ فِعْلًا بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلَا
أَعْمِنْ ((إِذُ)) إِذَا أَتْتْكَ أَوَّلَا
إِلَّا بِحَلْفٍ أَوْ نِدَاءِ أَوْ بِـ((لَا))
وَاحْذَرْ إِذَ أَعْمَلْتَهَا أَنْ تَفْصِلَا
رَأْي ابْنِ عُضفُورٍ رَئِيسِ النُّبَلَا
وَافْصِلْ بِظَرْفٍ أَوْ بِمَجْرُورٍ عَلَى
فَأَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ أَنْ لَا تَعْمَلَا
وَإِنْ تَجِىءُ بِحَرْفٍ عَطْفٍ أَوَّلَا
(قَالَ بَّهِ (تُرْخِينَهُ ذِرَاعًا) أي مقدار ذراع (لَا تَزِذْنَ عَلَيْهِ) أي على مقدار الذراع. قال
الطيبيّ: المراد به الذراع الشرعيّ، إذ هو أقصر من العرفيّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي فيما قاله الطيبيّ نظرٌ، إذ الشارع أطلقه، ولم

١
١١
١٠٥ - (ذُيُولُ النََّاءِ) - حديث رقم ٥٣٣٨
يقيّده بنوع من الذراع، فالظاهر أراد إحالته على ما تعارف الناس أنه ذراع، ويدلّ على
ذلك ما أخرجه أبو داود من طريق أبي الصدّيق الناجيّ، عن ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما، قال: رخّص رسول اللَّه وليس لأمهات المؤمنين في الذيل شبرًا، ثم استزدنه،
فزادهنّ شبرًا، فكنّ يرسلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا(١) .
فقد عمل الصحابة بمطلق الذراع، قال الحافظ: أفادت هذه الرواية قدر الذراع
المأذون فيه، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٣٨/١٠٥ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٣٥/١٠٦ . وأخرجه (ت) في
((اللباس)) ١٧٣١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان الاختلاف الواقع في زيادة قصّة أم سلمة رضي اللّه تعالى
عنها في هذا الحديث:
(اعلم): أن هذا الحديث أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، وليست
فيه هذه الزيادة: ((قالت أم سلمة: يا رسول اللّه الخ))، فقال الحافظ رحمه اللّه تعالى في
شرح حديث أبي هريرة تزثي، مرفوعًا: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره
بَطَرًا)): ما حاصله: قوله: ((من)): يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور، على هذا
الفعل المخصوص، وقد فَهِمَت ذلك أم سلمة رضي الله عنها، فأخرج النسائي،
والترمذي، وصححه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، متصلا بحديثه
المذكور في الباب الأول: ((فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، فقال:
يرخين شبرًا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا، لا يزدن عليه)) لفظ
الترمذي، وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فَوَهِمَ، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما
أعرض عن هذه الزيادة؛ للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود،
(١) حديث صحيح، ولا يقال: في إسناد زيد العميّ، وهو ضعيفٌ؛ لأن المصنف رحمه الله تعالى
رواه من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فهو شاهد له، فيصح به،
فتنبه . والله تعالى أعلم .

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
والنسائي (٥٣٤١) وغيرهما، من طريق عبيد الله بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم
سلمة. وأخرجه أبو داود، من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائي من طريق أيوب بن
موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة.
وأخرجه النسائي (٥٣٣٩)، من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة
نفسها، وفيه اختلافات أخرى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو
داود، من رواية أبي الصديق، عن ابن عمر، قال: ((رخص رسول اللَّه وَالتّ لأمهات
المؤمنين شبرا، ثم استزدنه، فزادهن شبرا، فكن يُرسلن إلينا، فنذرع لهن ذراعًا»،
وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة.
ويستفاد من هذا الفهم التعقبُ على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن
الإسبال، مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء، قال النووي: ظواهر
الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء، يقتضي أن التحريم مختص بالخيلاء.
ووجه التعقب أنه لو كان كذلك، لما كان في استفسار أم سلمة، عن حكم النساء في
جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا، سواء كان عن مَخِيلة أم لا،
فسألت عن حكم النساء في ذلك؛ لاحتياجهن إلى الإسبال، من أجل ستر العورة؛ لأن
جميع قدمها عورة، فبَيَّن لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى
فقط، وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع
الإسبال؛ لتقريره # أم سلمة على فهمها، إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص؛ لتفرقته
في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه القدر الذي يمنع ما بعده في
حقهن، كما بَيِّن ذلك في حق الرجال.
والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف
الساق، وحال جواز، وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان: حال استحباب، وهو
ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع، ويؤيد هذا
التفصيل في حق النساء، ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من طريق معتمر، عن
حميد، عن أنس: ((أن النبي بَّهِ شَبَرَ لفاطمة من عَقِيها شبرًا، وقال: هذا ذيل المرأة»،
وأخرجه أبو يعلى بلفظ: ((شَبّر من ذيلها شبرا، أو شبرين، وقال: لا تزدن على هذا))،
ولم يسم فاطمة، قال الطبراني: تفرد به معتمر، عن حميد، قال الحافظ: و((أو)) شك
من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي، من حديث أم
سلمة: ((أن النبي ◌َ ﴾َ شَبَرَ لفاطمة شبرًا)). انتهى ما في ((الفتح)) ٤٣٢/٤٣٠/١١. وهو
بحثْ نفيس جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،

١١٣
١٠٥ - (ذُيُولُ النسَّاءِ) - حديث رقم ٥٣٤٠
ونعم الوكيل.
٥٣٣٩- (حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةً، أَنَّا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ
اللَّهِ وَهِ ذُيُولَ النِّسَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((يُرْخِينَ شِبْرًا))، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِذَا يَنْكَشِفَ
عَنْهَا، قَالَ: ((تُرْخِي ذِرَاعًا، لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((العباس بن الوليد بن مَزْيد)): البيروتيّ، صدوق عابدٌ
[١١] من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((أبوه)): هو الوليد بن مَزْيَد- بفتح الميم،
وسكون الزاي، وفتح التحتانيّة- الْعُذْريّ، أبو العبّاس البيروتيّ، ثقة ثبت، قال
المصنّف: كان لا يُخطىء، ولا يدلْس [٨] من أفراد المصنّف، وأبي داود أيضًا.
و((الأوزاعيّ)): هو عبد الرحمن بن عمرو.
وقوله: ((إذًا ينكشف عنها)) بنصب الفعل، كما سبق، والفاعل ضمير يعود إلى
قدمهنّ، کما دلّت عليه الروايات الأخرى.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٠٥/
٥٣٣٩- وفي ((الكبرى)) ٩٧٣٧/١٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٤٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَيُوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ، لَمَّا ذُكِرَ فِي الْإِزَارِ
مَا ذُكِرَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةً: فَكَيْفَ بِالنِّسَاءِ؟ قَالَ: ((يُرْخِينَ شِبْرًا))، قَالَتْ: إِذَا تَبْدُوَ
أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: ((فَذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((نافع)): هو مولى ابن عمر. و((صفيّة)): هي بنت
أبي عُبيد بن مسعود الثقفيّة، زوج ابن عمر، قيل: لها إدراك، وأنكره الدار قطنيّ، وقال
العجليّ: ثقة، فهي من [٢].
وقوله: ((إذا تبدو)) بنصب الفعل بـ«إذًا))، كما سبق، وتمام شرح الحديث مضى، وفيه
مسألتان :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٣٩/١٠٥ و٥٣٤٠ و٥٣٤١ - وفي ((الكبرى)) ١٠٦/ ٩٧٣٧ و٩٧٤٠

١١٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
و٩٧٤٢. وأخرجه (د) في ((اللباس)) ٤١١٧ (ت) في ((اللباس)) ١٧٣٢ (ق) في
((اللباس)) ٣٥٨٠ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٩٧٢ و٢٥٩٩٢ و٢٦٠٩٦
و٢٦١٤١ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٧٠٠ (الدارميّ) في ((الاستئذان)) ٢٥٣٠. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٤١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ -
وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَه ◌َكَمْ تَجَرُّ الْمَرْأَةُ مِّنْ ذَيْلِهَا؟ قَالَ: ((شِبْرًا))، قَالَتْ: إِذَا
يَنْكَشِفَ عَنْهَا، قَالَ: ((ذِرَاعْ، لَا تَزِيدُ عَلَّيْهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((النضر)): هو ابن شُميل.
[تنبيه]: قوله: ((حدثنا النضر)) هكذا نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) بذكر ((النضر)) بين
محمد بن عبد الأعلى، والمعتمر بن سليمان، ولم يذكره في ((تحفة الأشراف)) ٩/١٣
حينما عزا الحديث إلى النسائيُ في ((الزينة))، بل قال: ((عن محمد بن عبد الأعلى، عن
المعتمر، عن عُبيد اللَّه، ولم يذكر في ((تهذيب الكمال،))، ولا في ((تهذيب التهذيب))
النضر من شيوخ محمد بن عبد الأعلى، ولا من تلاميذ المعتمر بن سليمان، والظاهر أنه
النضر بن شُمَيل، والله تعالى أعلم.
و((عبيد الله)): هو ابن عمر العمريّ.
وشرح الحديث سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٤٠/١٠٥- وفي ((الكبرى)) ٩٧٤٢/١٠٦ و٩٧٤٣ و٩٧٤٥ .
وأخرجه (د) في ((اللباس)) ٤١١٨ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٨٠. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١٠٦ - (النَّهْئُ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) - حديث رقم ٥٣٤٢
١١٥
١٠٦- (الَّهْيُ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ)
٥٣٤٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَخْتَبِيَ فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد المتقدّم قريبًا.
٢- (الليث) بن سعد المتقدّم قريبًا أيضًا.
٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٤- (عبيد الله بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]
٤٥ / ٥٦ .
٥- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ رضي الله تعالى عنه١٦٩/ ٢٦٢.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد تَظّ من المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رضي الله تعالى عنه. هكذا رواه الليث، عن ابن شهاب،
ووافقه ابن جُريج، كما عند البخاريّ في ((اللباس)). ورواه ابن عيينة، عن الزهريّ، عن
عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد تَظمي، كما في الرواية التالية. ورواه البخاريّ في
((اللباس)) أيضًا، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عامر
ابن سعد، عن أبي سعيد رَّه، بسياق أتمّ، ولفظه: ((نهى رسول اللّه وَّل، عن لبستين،
وعن بيعتين: نهى عن الملامسة، والمنابذة في البيع، والملامسةُ: لمس الرجل ثوب
الآخر بيده بالليل، أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذةُ: أن ينبذ الرجل إلى الرجل
بثوبه، وينبذ الآخرُ ثوبه، ويكون ذلك بيعهما، عن غير نظر، ولا تراض، واللبستان:
٠

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
اشتمال الصماء- والصماء: أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدُوَ أحد شقيه، ليس عليه
ثوب، واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالس ليس على فرجه منه شيء)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والطرق الثلاثة صحيحة، وابن شهاب سمع حديث
أبي سعيد الخدريّ رَظلّ من ثلاثة من أصحابه، فحدّث به عن كلّ منهم بمفرده. انتهى
((فتح)) ٢٧/٢-٢٨. ((كتاب الصلاة)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق عامر بن سعد تقدّمت للمصنّف في ((البيوع))
٤٥١٢/٢٤ مختصرةً. والله تعالى أعلم.
(قَالَ: (نَّهِى رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) الاشتمال: الالتفاف، وقد يُسمّى
التحافّا، كما في رواية أخرى، قاله القرطبيّ. والصمّاء- بفتح الصاد المهملة (١) والمدّ-
اختلف اللغويّون، والفقهاء في تفسيرها، فقال الأصمعيّ: هو أن يشتمل بالثوب، حتّى
يُجَلِّل به جسده، لا يرفع منه جانبًا، فلا يبقى ما يَخرُج منه يده، وهذا يقوله أكثر أهل
اللغة. قال ابن قتيبة: سُمّيت صماء؛ لأنه سدّ المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصماء
التي ليس فيها خرق، ولا صدع. قال أبو عُبيد: وأما الفقهاء، فيقولون: هو أن يشتمل
بثوب، ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، فيصير
فرجه باديًا. قال النوويّ: فعلى تفسير أهل اللغة يكون الاشتمال مكروهًا لئلّا تعرض له
حاجة، من دفع بعض الهوامّ، ونحوها، أو غير ذلك، فيتعسّر عليه، أو يتعذّر إخراج
يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم الاشتمال؛ لأجل انكشاف العورة، وإلا
فيكره. انتهى شرح مسلم ببعض تصرّف ١٤/ ٧٦ .
ووقع في رواية للبخاريّ في ((كتاب اللباس)) من طريق يونس، عن ابن شهاب تفسير
اشتمال الصمّاء، ولفظه: ((والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدوَ أحد شِقْیه،
ليس عليه ثوبٌ. قال في ((الفتح)) ٢٨/٢: ما معناه: ظاهر هذا السياق أن التفسير
المذكور في هذه الرواية مرفوع، وهو موافقٌ لما قال الفقهاء، قال: وعلى تقدير أن
يكون موقوفًا، فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي، لا يُخالف ظاهر
الخبر. انتهى.
(وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٍ) قال النوويّ رحمه الله
تعالى: الاحتباء بالمدّ هو أن يقعد الإنسان على ألیتیه، وینصب ساقيه، ويحتوي عليهما
بثوب، أو نحوه، أو بيده، وهذه القِعدة يقال لها: الحبوة- بضمّ الحاء، وكسرها، وكان
(١) هذا هو الصواب في ضبطه، فما وقع في شرح السيوطيّ من ضبطه بالضمّ، فالظاهر أنه سبق قلم،
فليس في كتب اللغة إلا الفتح، فتنبّه .

١١٧
١٠٦ - (النَّهْيُ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَاءِ) - حديث رقم ٥٣٤٣
هذا الاحتباء عادة للعرب في مجالسهم، فإن انكشف معه شيء من عورته، فهو حرام.
انتهى ((شرح مسلم)) ١٤/ ٧٦ -٧٧.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه، فيشُدّ
على ظهره، وعلى ركبتيه، كان عليه إزارٌ، أو لم يكن، فإن لم يكن انكشف فرجه مما
يلي السماء لمن كان متطلّعًا عليه، متتبّعًا. انتهى ((المفهم)) ٤١٦/٥-٤١٧. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٤٢/١٠٦ و٥٣٤٣ - وفي ((الكبرى)) ١٠٧ / ٩٧٤٦ و٩٧٤٧ .
وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٣٦٧ و((الصوم)) ١٩٩٢ و((اللباس)) ٥٨٢٠ و٥٨٢٢
و((الاستئذان)) ٦٢٨٤ (م) في ((الحج)) ٨٢٧ و((البيوع)) ١٥١٢ (د) في ((البيوع)) ٣٢٧٧
و ((اللباس)) ٣٥٥٩ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ١٠٦٢٩ و١٠٧١٠ و١١٠٢٩
و١١٢٣٧ و١١٤٨٩ (الدارميّ) في («البيوع)» ٢٤٤٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن اشتمال الصمّاء،
وقد تقدّم اختلاف الفقهاء، واللغويين في تفسيره، وعلى كلّ من التفسيرين فهي
ممنوعة. (ومنها): النهي عن الاحتباء، وسبب النهي عنه انكشاف عورته، فلو كان
لابسًا للسراويل، ونحوه، بحيث لا تظهر عورته عند الاحتباء، جاز الاحتباء. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٤٣- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: ((نََّى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنَّ
يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عُيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في
الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١٠٧- (النَّهْيُ عَنِ الاخْتِبَاءِ فِي ثُوبِ
وَاحِدٍ)
٥٣٤٤- (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَِّ، نَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس.
والسند من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٥٦) من رباعيّات الكتاب،
وشرح الحديث سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم، مطوّلًا، ونصّه:
٢٠٩٩ - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال
ابن حاتم: حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر
بن عبد الله، يحدث أن النبي وَّر، قال: ((لا تمش في نعل واحد، ولا تحتب في إزار
واحد، ولا تأكل بشمالك، ولا تشتمل الصماء، ولا تضع إحدى رجليك على
الأخرى، إذا استلقيت)). انتهى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠٧/ ٥٣٤٦- فقط، وأخرجه (م) في ((اللباس)) ٢٠٩٩ (د) في
(اللباس)) ٤٨٦٥ (ت) في ((اللباس)) ٢٧٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١١٩-
١٠٨- (لُسُ العَمَائِم الحرقانِێ) - حدیث رقم ٥٣٤٥
١٠٨- (لُبْسُ الْعَمَائِمِ الْحَرَقَانِيَّةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الْحَرَقَانيّة)) -بفتح الحاء الْمهملة، والراء- قال في
((القاموس)): عمامة حَرَقانيّة، محرّكةً: على لون ما أحرقته النار. انتهى. وقال ابن
الأثير: هكذا يُروى، وجاء تفسيرها في الحديث: أنها السوداء، ولا يُدرى ما أصله.
وقال الزمخشريّ: الْحَرَقانيّة: هي التي على لون ما أحرقته النار، كأنها منسوبة بزيادة
الألف والنون إلى الحرق- بفتح الحاء، والراء -. قال: ويقال: الْحَرْقُ بالنار- بفتح،
فسكون- والْحَرَق- بفتحتين- معًا. انتهى ((النهاية)) ٣٧٢/١.
قلت: كون ((الحرَقَانيّة بفتحتين هو الذي في ((القاموس))، و(«اللسان»، وأما ما في
شرح السيوطيّ، وتبعه السنديّ من ضبطه بسكون الراء، فلم أره لغيرهما، فتبصّر. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٤٥- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسَاوِرٍ
الْوَرَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((رَأَيْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ عِمَامَةٌ
حَرَقَانِيَّةً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن المسور بن مَخْرَمة الزهريّ البصريّ،
صدوقٌ، من صغار [١٠] ٤٨/٤٢.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ في هذا السند ما لفظه: ((أخبرنا عبد
الله بن محمد، قال: حدّثني عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان الخ))، فجعل ((عبد
الرحمن)) جدّ عبد الله شيخًا له، وكذا وقع في ((الكبرى))، ما لفظه: ((أخبرنا عبد
الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الزهريّ، قال ثنا سفيان الخ)) وكلا النسختين غلط،
والصواب -كما في ((تحفة الأشراف)) ١٤٤/٨ -: ((أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد
الرحمن، قال: حدّثنا سفيان الخ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١.
٣- (مُساور الزّواق) الكوفيّ الشاعر، واسم أبيه سوّار بن عبد الحميد، قاله أسلم
الواسطيّ، ثقة(١) [٧].
(١) وقول صاحب ((التقريب)): صدوق فيه نظر؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وابن حبان،
وقال أحمد: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال سفيان نحوه، ولم يتكلم فيه أحد بجرح. فتأمل.

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
رَوَى عن سيار أبي الحكم، ويقال: إنه أخوه لأمه، وجعفر بن عمرو بن حريث،
وأبي حَصِين الأسدي، وشعيب بن يسار، مولى ابن عباس. وعنه ابن أبي زائدة، وابن
عيينة، وعبيد اللّه الأشجعي، ووكيع، وأبو أسامة. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه:
كان يقول الشعر، ما أرى بحديثه بأسا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال محمد بن عبيد المكي، عن ابن عيينة: سمعت
مساورا الوراق يقول: ما كنت أقول للرجل إني أحبك في الله، ثم أمنعه شيئا من الدنيا.
وذكره أسلم بن سهل الواسطي في ((تاريخ واسط)) في أهل القرن الثاني، وجزم بأنه أخو
سيار لأمه، ويقال: هو مساور بن سوار بن عبد الحميد، وله أخبار كثيرة، وأشعار
شهيرة .
روى له مسلم، والأربعة، له عند المصنّف هذا الحديث، والحديث الذي يأتي بعد
باب فقط .
٤- (جعفر بن عمرو بن حُريث) المخزوميّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، وعديّ بن حاتم، وهو جدّه لأمه. وعنه مساور الورّاق، والمسيّب بن
شريك، ومعن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، وابن ماجه. له عند
المصنّف هذا الحديث، والحديث الذي بعد باب.
٥- (عمرو بن حُريث) بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم
القرشيّ المخزوميّ، صحابيّ صغير، مات ◌َظّه سنة (٨٥) روى له الجماعة، وليس
له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وحديث آخر تقدّم في ((كتاب
الصلاة)) ٩٥١/٤٤: قال: سمعت النبيّ وَّه يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((رَأَيْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ
عِمَامَةً حَرَقَانِيَّةً) تقدّم أول الباب أنها بفتح الحاء، والراء: أي سوداء، على لون ما
أحرقته النار. وفي الرواية الآتية بعد باب، من طريق أبي أسامة، عن مساور: ((كأني
أنظر الساعة إلى رسول اللّه وَ لجر على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها
بين كتفيه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.