Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٣٢- (الفَصْلُ بَيْنَ طِيبِ الرِّجَالِ، ... - حديث رقم ٥١٢٠
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: کیف یصحّ، وفيه شیخ أبي نضرة، وهو مجهول، قال المنذريّ رحمه
الله تعالى: وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ، إلا أن الطفاويّ، لا نعرفه إلا في هذا
الحديث، ولا يُعرف اسمه. وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: والطفاويّ مجهول.
انتھی؟ .
[قلت]: الحديث له شاهد من حديث أنس تظنّه، أخرجه الطبراني في ((المعجم
الكبير))، والضياء المقدسيّ في ((الأحاديث المختارة)) (١) من طريقه عن محمد بن
الحسين الأنماطي، عن سعيد بن سليمان الواسطي، عن إسماعيل بن زكريا، عن عاصم
الأحول، عن أنس بن مالك وَنثه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((طيب الرجال ما ظهر
ريحه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه)). وهذا إسناد حسن،
وإسماعيل بن زكريا هو المعروف بشّقُوصًا صدوقٌ يهم قليلًا، وهو من رجال الجماعة.
والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١١٩/٣٢ و٥١٢٠- وفي («الكبرى» ٩٤٠٨/٣٩ و٩٤٠٩. وأخرجه
(د) في ((النكاح)) ٢١٧٤ مطوّلًا كما سبق آنفًا، وفي ((الحمّام)) ٤٠١٩ مختصرًا (ت) في
((الأدب)) ٢٧٨٧ . ت والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٥١٢٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ بْنِ مَيْمُونِ الرَّقْيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ
الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنِ الطَّفَاوِيِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: ((طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ، وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا
ظَهَرَ لَوْتُهُ، وَخَفِيَ رِيحُهُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: شیخ المصنّف تقدّم قبل بابین. و((محمد بن يوسف
الفريابيّ))(٢): هو الضبيّ مولاهم الثقة الفاضل [٩]. و((الطّفاويّ)) بضم الطاء المهملة،
(١) راجع ((الأحاديث المختارة)) ٦/ ٢٩٤ .
(٢) ((الفريابيّ - بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانيّة، وبعد الألف موحّدة -: نسبة إلى فارياب
بُليدة بنواحِي بَلْغَ، وينسب إليها أيضًا الفاريابيّ، والفيريابيّ، يُنسب إليها جماعة، منهم:
أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابيّ، سكن قيسارية، مدينة على ساحل الشام . قاله في
((اللباب)) ٤٢٧/٢ .

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
بعدها فاء: نسبة إلى طُفاوة من قيس عَيْلان. أفاده في ((لبّ اللباب)) ٢/ ٩٢ . والباقون
تقدّموا في السند الماضي.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)».
٣٣- (أَطْيَبُ الطِّيبِ)
٥١٢١- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِيَ سَعِيدٍ الْخُذْرِيٌّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ امْرَأَةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَخَذَثْ خَاتِمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَحَشَتْهُ مِسْكًا))، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((هُوَ أَطْيَبُ الطَّبِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عبد الرحمن بن محمد بن سلّام))- بتشديد اللام -:
هو البغداديّ، ثم الطّرسوسيّ، أبو القاسم، لا بأس به [١١] من أفراد المصنّف، وأبي
داود. و((شبابة)): هو ابن سوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، ويقال: اسمه مروان، من
بني فزارة، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] ٥٠/ ١٧٤٣. و((خُليد بن جعفر)): هو أبو
سليمان البصريّ، صدوقٌ [٦] ١٩٠٥/٤٢. و((أبو نضرة)): المنذر بن مالك بن قُطعة،
تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: ((وحشته مسكًا)): أي ملأته بالمسك، والحديث مختصر، وقد ساقه الإمام
أحمد رحمه الله تعالى في ((المسند)»، فقال:
١١٠٣٤ - حدثنا عبد الصمد، حدثنا الْمُسْتَمِرّ بن الرَّيّان الإيادي، حدثنا أبو نضرة
العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اللَّه ◌َّر، ذكر الدنيا، فقال: ((إن الدنيا
خضرة حلوة، فاتقوها، واتقوا النساء))، ثم ذكر نسوة ثلاثا، من بني إسرائيل، امرأتين
طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما،
فحشته من أطيب الطيب، المسكِ، وجعلت له غَلَقًّا، فإذا مرّت بالملإِ، أو بالمجلس،
قالت به، ففتحته، ففاح ريحه))، قال المستمر بخنصره اليسرى، فأشخصها دون أصابعه

١٦٣
٣٤- (التَّزَعْفُرُ، وَالْخَلُوقُ) - حديث رقم ٥١٢٢
الثلاث شيئا، وقبض الثلاثة. انتهى.
وقوله: ((أطيب الطيب)): أي من أطيب الطيب، كما هو في رواية أحمد، وقد سبق
للمصنّف في ((الجنائز)) ١٩٠٦/٤٢ - حديث أنس ◌َّه، مرفوعًا بلفظ: ((من خير
طییکم المسك».
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في ((كتاب الجنائز)) ١٩٠٥/٤٢ ومضى
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٤- (التَّزَعْفُرُ، وَالْخَلُوقُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ترجم المصنّف رحمه اللّه تعالى للتزعفر،
والخلوق، ولم يذكر في ((المجتبى)) هنا حديثًا في التزعفر، وإنما ذكره في الباب
(٧٣) ((التزعفر للرجال))، وذكره في ((الكبرى)) هنا حيث قال: ((التزعفر والخلوق))،
أخبرنا محمد بن عُمَر بن عليّ بن مُقَدَّم، قال: ثنا زكريّا بن يحيى بن عُمَارة
الأنصاريّ، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس، قال: ((نهى رسول اللَّه وَّر أن
يتزعفر الرجل)). وسيأتي شرحه، والكلام عليه في الباب (٧٣) من هذا الكتاب، إن
شاء الله تعالى.
و ((الْخَلوقُ- بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام، وزانُ رسول: ما يُتخلّق به من
الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائع، فيه صُفْرة، والخِلاق مثلُ الكِتاب بمعناه. قاله
في ((المصباح)).
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الْخَلُوقُ: طيب معروفٌ، مركّبٌ من الزعفران وغيره،
من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة، والصفرة، وقد ورد الحديث تارة بإباحته، وتارة
بالنهي عنه، والنهي أكثر، وأثبت، وإنما نُهي عنه؛ لأنه من طيب النساء، وكنّ أكثر استعمالًا
له منهم، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة. انتهى ((النهاية)) ٢/ ٧١. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٥١٢٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنْ

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِینَةِ
حُكَيْم بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، بِهِ رَدْعْ مِنْ خَلُوقٍ،
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَ ◌َ: ((اذْهَبْ فَانَكْهُ))، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَاتََّكْهُ))، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ:
(اذْهَبْ فَانَكْهُ، ثُمَّ لَا تَعُذْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ الثقة [١٠] ٢٢/٢١ من أفراد المصنف.
٢- (سفيان) بن عُيينة الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثم المكيّ الإمام الحجة
الثبت [٨] ١/١.
٣- (عمران بن ظبيان)- بفتح الظاء المعجمة، وسكون الموحّدة، بعدها تحتانيّة-
الحنفيّ الكوفيّ ضعيف، ورمي بالتشيّع [٧].
روى عن أبي يحيى حُكّيم بن سَعْد، وعديّ بن ثابت، ويحيى بن عُقيل. وعنه قيس
ابن الربيع، وعبد الملك بن مسلم بن سلّام، وإسرائيل، وشَريك، والسفيانان،
وغيرهم. قال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال يعقوب بن
سفيان: ثقة من كبراء أهل الكوفة، يميل إلى التشيّع. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
وقال: مات سنة (١٥٧)، وقال في ((الضعفاء)): فَحُش خطؤه، حتى بطل الاحتجاج به.
وذكره الْعُقيليّ، وابن عديّ في ((الضعفاء)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد) حديثًا
واحدًا، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤- (حُكيم بن سَغد) الحنفيّ، أبو تجيء - بمثناة فوقيّة مكسورة- الكوفيّ، صدوقٌ
[٣].
رَوَى عن عمار، وأبي موسى، وعلي، وأبي هريرة، وأم سلمة. وعنه أبو إسحاق
السبيعي، وعمران بن ظبيان، وليث بن أبي سليم، وجعفر بن عبد الرحمن الأنصاري،
شيخ للأعمش، والأعمش فيما قال البخاري. قال ابن معين: محله الصدق، يكتب
حديثه. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال فيها: ومنهم من قال
حَكِيم - يعني بالفتح- قال: والأصح حُكَيم- بالضم -. وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي
عن إسحاق بن منصور، عن یحیی بن معین، قال: حُکیم بن سعد ليس به بأس. قال:
وسألت أبي عنه؟ فقال: يكتب حديثه، محله الصدق. روى له البخاري في ((الأدب
المفرد)»، والمصنّف هذا الحديث فقط.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.

١٦٥ =
٣٤- (التَّزَعْفُرُ، وَالْخَلُوقُ) - حديث رقم ٥١٢٣
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، بِهِ رَذْعٌ)
بفتح الراء، وسكون الدال المهملة، بعدها عين مهملة، وقيل: معجمة: أي لَطْغٌ، لم
يعمّ البدن كلّه (مِنْ خَلُوقٍ) بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام، آخره قاف، تقدّم تفسيره
أول الباب (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: اذْهَبْ فَانَّكْهُ) بوصل الهمزة، وقطعها، يقال: نَكتُ
الشيءَ نُمكًا، من بابي نفع، وتَعِبَ: إذا بالغت فيه، ونهكته الْحُمّى: هَزَلته، ونَّكه
السلطان عقوبةً: بالغ في ذلك، وأنهكه بالألف لغة، أفاده في ((المصباح)). والمعنى
هنا: بالغ في غسلك إياه (ثُمَّ أَتَاهُ) أي بعد ما غسله، ولكنه ما أنقاه (فَقَالَ) بَرِ (اذْهَبْ
فَاتَكْهُ))، ثُمَّ أَتَاهُ) أي بعد ما غسله المرّة الثانية، ولكنه ما أزاله بالكلّيّة (فَقَالَ) ◌ِِّ (اذْهَبْ
فَاتَكْهُ، ثُمَّ لَا تَعُذْ) أي لا ترجع إلى استعماله مرّةً أخرى، فإنه لا يليق بالرجال. قال
السنديّ رحمه الله تعالى: يدلّ الحديث على شدّة كراهة استعمال ما له لونٌ للرجال.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
والحديث تفرد به المصنّف هنا-٥١٢٢/٣٤-وفي ((الكبرى)) ٩٤١٥/٤٢، وهو
ضعيف؛ لضعف عمران بن ظبيان، كما مرّ في ترجمته. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٢٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَقْصٍ بْنَ عَمْرٍو، وَقَالَ عَلَى إِثْرِهِ: يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ،
أَنَّهُ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ، وَهُوَ مُتَخَلَّقْ، فَقَالَ لَهُ: ((هَلْ لَكَّ امْرَأَةٌ؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ:
((فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ لَا تَعُذْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شبعة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤ /٢٧.
٤- (عطاء بن السائب) الثقفي، أبو محمد الكوفي، صدوق اختلط [٥] ١٥٢٪
٢٤٣ .
٥- (أبو حفص بن عمرو) وقيل: عبد الله بن حفص، وقيل: حفص بن عبد الله،

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مجهول، لم يرو عنه غير عطاء بن السائب [٤].
وفي (تهذيب التهذيب)): عبد الله بن حفص، عن يعلى بن مرة، في النهي عن
الخلوق، وعنه عطاء بن السائب، قاله ابن عيينة وغيره عنه. وقال حماد بن سلمة عنه:
عن حفص بن عبد الله. ورواه شعبة عن عطاء بن السائب، عن أبي حفص بن عمرو،
وقيل عنه غير ذلك، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال علي بن المديني: عبد الله بن
حفص لا نعرفه، ولم يرو عنه غير عطاء بن السائب. ونقل ابن عدي عن عثمان الدارمي
قال: قلت ليحيى بن معين: فعبد الله بن حفص الذي يُروَى عنه؟ فقال: شيخ لا أعرفه،
قال ابن عدي، وأنا أيضا لا أعرفه، لا أدري من أين عرفه عثمان، حتى سأل عنه؟ كذا
قال. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٦- (يعلى بن مرة) بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد
ابن عوف بن قيسي، وهو ثقيف، أبو المرازم- بضمّ أوله، وتخفيف الراء، وكسر الزاي-
الثقفي، وهو يعلى بن سيابة، وفرق أبو حاتم بينهما، وسيابة- بكسر المهملة، وتخفيف
التحتانيّة، ثم موحّدة- أمه، شهد الحديبية، وخيبر، والفتح مع النبي وَّه رَوَى عنه
أحاديث، وعن أبيه، وهو وهم، وعلي بن أبي طالب. وعنه ابناه عبد اللّه، وعثمان،
وراشد بن سعد، وعبد الله بن حفص بن أبي عقيل، وأبو البختري، وجماعة، منهم من
أرسل عنه، كعطاء بن السائب، والمنهال بن عمرو، قال ابن سعد: أَمَره النبي ◌َّ يوم
الطائف، بقطع أعناب ثقيف.
روى له البخاري في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر))،
والترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، كرّره
أربع مرّات. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ) الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ٢٤٣/١٥٢، أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا حَفْصِ بْنَ عَمْرٍو، وَقَالَ عَلَى إِثْرِهِ) وقوله: ((وقال على إثره))- بفتحتين- أو
بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة -: أي عقبه، يعني أنه بعد أن قال: سمعت أبا حفص بن
عمرو، قال: يُحدّث الخ (يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) رَُّه (أَنَّهُ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ، وَهُوَ
مُتَخَلْقٌ) أي متلطّخ بالخلوق (فَقَالَ) وَِّ (لَهُ: هَلْ لَكَ امْرَأَةٌ؟) فيه إشارة إلى أن هذا من
طيب النساء، لا من طيب الرجال، قال يعلى رَّ (قُلْتُ: لَا، قَالَ) وَّرِ (فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ

١٦٧
٣٤- (التَّزَعْفُرُ، وَالْخَذُوقُ) - حديث رقم ٥١٢٥
اغْسِلْهُ) أي أعد غسله مبالغةً في إزالته، وفي الرواية الآتية آخر الباب كرّر الأمر بالغسل
ثلاث مرّات، قال المظهر: أمره بغسله ثلاث مرّات للمبالغة، وقيل: الأظهر أنه لا
يذهب لونه إلا بغسله ثلاثًا. ذكره في ((تحفة الأحوذيّ)) ٨٦/٨ (ثُمَّ لَا تَعُذْ) بفتح أوله،
وضمّ ثانيه: أي لا ترجع إلى استعماله مرّةً أخرى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث يعلى بن مرّة ◌َّ هذا ضعيفٌ؛ لجهالة أبي حفص بن عمرو، ولا يقال: إن
فيه أيضًا عطاء بن السائب، وقد اختلط بآخره؛ لأن الراوي عنه شعبة، وهو ممن رووا
عنه قبل اختلاطه، فتنبه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥١٢٢/٣٤ و٥١٢٣ و٥١٢٤ و٥١٢٥ و٥١٢٦ و٥١٢٧- وفي
((الكبرى)) ٩٤١٦/٤٢ و٩٤١٧ و٩٤١٨ و٩٤١٩ و٩٤٢٠. وأخرجه (ت) في ((الأدب))
٢٨١٦ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٠٩٩ و١٧١٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٢٤- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصِ بْنَ عَمْرٍو، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَبْصَرَ
رَجُلًا مُتَخَلْقًا، قَالَ: ((اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، وَلَا تَعُذْ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
والحديث ضعيفٌ؛ لجهالة شيخ عطاء، كما سبق في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٢٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ يَعْلَى نَحْوَهُ.
خَالَفَهُ سُفْيَانُ، رَوَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَقْصٍ، عَنْ يَعْلَى).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بسوق هذه الرواية بيان الاختلاف في
الحديث، ففي رواية محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيميّ، عن شعبة، سمّى شيخ
عطاء أبا حفص بن عمر، وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، سماه حفص بن
عمرو، وفي رواية أخرى لأبي داود، عن شعبة، سماه ابن عمرو، وأدخل بينه وبين

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
يعلى رجلًا. والله تعالى أعلم.
ثم بيّن اختلافًا آخر، فقال:
(خَالَفَهُ سُفْيَانُ) أي خالف شعبةَ سفيانُ بنُ عُيينة ف(رَوَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يَعْلَى) يعني أنه سمّى شيخ عطاء عبد الله بن حفص، مخالفًا
لشعبة، حيث سمّاه تارة أبا حفص بن عمر، وتارةً حفص بن عمرو، وتارةً ابن عمرو،
عن رجل. ثم ساق رواية سفيان، فقال:
٥١٢٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
السَّائِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيّ، قَالَ: أَبْصَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ
وَيُّ، وَبِي رَدْعٌ مِنْ خَلُوقٍ، قَالَ: ((يَا يَعْلَى، لَكَ امْرَأَةٌ؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((اغْسِلْهُ ثُمَّ لَا
تَعُذْ، ثُمَّ اغْسِلْهُ ثُمَّ لَا تَعُذْ، ثُمَّ اغْسِلْهُ ثُمَّ لَا تَعُذْ))، قَالَ: فَسَلْتُهُ ثُمَّ لَمْ أَعُذْ، ثُمَّ غَسَلْتُهُ ثُمَّ
لَمْ أَعُذْ، ثُمَّ غَسَلْتُهُ ثُمَّ لَمْ أَعُذْ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن النضر بن مساور)): هو المروزيّ، صدوقٌ
[١٠] من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
والحديث ضعيف؛ لجهالة شيخ عطاء، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٢٧- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّبِيجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُوسَى -يَعْنِي
مُحَمَّدًا- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يَعْلَى،
قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، وَأَنَا مُتَخَلْقٌ، فَقَالَ: ((أَيْ يَعْلَّى هَلَ لَكَ امْرَأَةٌ؟))،
قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ لَا تَعُذْ))، قَالَ: فَذَهَبْتُ،
فَفَسَلْتُهُ، ثُمَّ غَسَلْتُهُ، ثُمَّ غَسَلْتُهُ، ثُمَّ لَمْ أَعُدْ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسماعيل بن يعقوب الصَّبِيحيّ))- بفتح الصاد
المهملة، وكسر الموحّدة -: نسبة إلى جدّه صَبِيح، وهو أبو محمد الْحَرّانيّ، ثقة
[١١] ٢٣٧٦/٧٠ من أفراد المصنّف. و((محمد بن موسى)): هو ابن أعين الْجَزَريّ،
أبو يحيى الْحَرّانيّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] ٤٠٣/٤ من أفراد البخاريّ، والمصنّف.
و(«أبوه)): هو موسى بن أعين الْجَزَريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابد [٨] ١١/
٤١٥ .
[تنبيه]: زاد الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى من بيان الاختلاف على ما هنا، فقال في
(تحفة الأشراف)) ١١٨/٩-١١٩- بعد ما ذكر الاختلاف المذكور هنا: ما نصّه: رواه

٣٥- (مَا يَكْرَهُ لِلنَّسَاءِ مِنَ الطِّيبِ) - حديث رقم ٥١٢٨
١٦٩
روح بن عبادة، عن شعبة، عن عطاء، قال: سمعت أبا حفص بن عمرو، أو أبا عمرو
ابن حفص الثقفيّ. ورواه ورقاء بن عُمر، عن عطاء، فقال: عبد الله بن حفص بن أبي
عقيل. ورواه حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن حفص بن عبد الله، عن
یعلی. انتھی.
والحديث ضعيفٌ، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٥- (مَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الطَّيب)
٥١٢٨- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ -وَهُوَ
ابْنُ عِمَارَةَ- عَنْ غُنَيْم بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ
اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَّلَى قَوْمٍ؛ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا، فَهِيَ زَانِيَةٌ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢ من أفراد
المصنّف .
٢- (خالد) الْهُجَيميّ المذكور في الباب الماضي.
٣- (ثابت عُمارة) الْحنفيّ، أبو مالك البصري، صدوقٌ(١) [٦].
رَوَى عن غُنيم بن قيس، وأبي تميمة الهجيمي، وأبي الحوراء السعدي، وريطة بنت
حريث، وغيرهم. وعنه شعبة، وأبو بحر البكراوي، ويحيى بن سعيد، وعثمان بن عمر
ابن فارس، والنضر بن شميل، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وجماعة.
قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: هؤلاء أقوى منه- يعني
عبد المؤمن، وعبد ربه -. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس. وقال ابن
(١) هكذا قال في ((التقريب)): صدوق فيه لين، وعندي أن الأولى فيه أن يقال: صدوقٌ، فقط؛ إذ
أكثر النقّاد على توثيقه، وأبو حاتم معروف بالتشدّد، فلا اعتبار بمخالفته، ويكفيه في المقابل
كلام شعبة، فتفطّن .

== ١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتين. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن
حبان في ((الثقات)): تُوفّي سنة (١٤٩). وقال البزار: مشهور. وقال البخاري: حدثنا
حسين ابن حريث، سمعت النضر بن شميل، يقول: قال شعبة: تأتوني، وتدعون ثابت
ابن عمارة؟. وقال الدارقطني في ((الجرح والتعديل)): ثقة. روى له المصنّف، وأبو
داود، والترمذيّ، وله عند في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤- (غُنيم بن قيس) المازنيّ الكعبيّ، أبو العنبر البصريّ، ثقة مخضرم [٢].
أدرك النبي وَلّر، ولم يره، ووفد على عُمَر، وغزا مع عقبة بن غزوان. رَوَى عن
أبيه، وله صحبة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي
العوّام، مؤذن بيت المقدس. ورَوَى عنه سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وخالد
الحذاء، وثابت بن عمارة الحنفي، وأبو السَّليل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد الرَّقَاشي.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، من أهل البصرة، وقال: كان ثقة، قليل الحديث.
وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال شعبة، عن عاصم الأحول،
عن غنيم بن قيس: إني أذكر أبياتا، قالها أبي، على رسول اللّه وَلقر [من مشطور
الرجز]:
أَنَامُ لَيْلِي آمِنَا إِلَى الْغَدِ
قَدْ كُنْتُ مِنْ جَنَابِهِ بِمُقْعَدٍ
أَلَا لِيَ الْوَئِلُ عَلَی مُحَمَّدٍ
قال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة تسعين. وقال عبد الغني بن سعيد المصري:
له رؤية، وكذا قال ابن ماكولا، قال الحافظ: وهو وارد على جزم المزي بأنه لم يره.
يعني الكلام الماضي في أول الترجمة.
روى له مسلم، والأربعة، له عند مسلم حديثٌ واحدٌ في المتعة، وعند الثلاثة
حديث الباب، وعند ابن ماجه حديث: ((مَثَلُ القلب مثل رِیشة)).
٥- (الأشعريّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار، أبو موسى الصحابيّ الشهير
رضي اللَّه تعالى عنه ٣/٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. والله
تعالى أعلم.

١٧١
٣٥- (مَا يُكْرَهُ لِلنَّسَاءِ مِنَ الطِّيبِ) - حديث رقم ٥١٢٨
شرح الحديث
(عَن) أبي موسى عبد الله بن قيس، أبو موسى رَمّه (الأشعريّ) - بفتح الهمزة -:
نسبة إلى قبيلة مشهورة باليمن، والأشعر هو نَبْت بن أَدَد بن زيد بن يشجب بن عريب بن
زيد بن كهلان بن سبأ، سمي بذلك لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قاله في ((لبّ
اللباب)) ١/ ٦٣. أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةِ اسْتَعْطَرَتْ) أي استعملت
العطر، وهو الطيب الذي يظهر ريحه، ولفظ الترمذيّ: ((كلُّ عين زانية، والمرأة إذا
استعطرت، فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا))- يعني زانية)) (فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمِ؛ لِيَجِدُوا
مِنْ رِيحِهَا) أي لأجل أن يشمّوا من عطرها (فَهِيَ زَانِيَةٌ) أي فعليها إثم الزانية؛ لأنها
هيّجت شهوة الرجال بعطرها، وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها، فقد زنى
بعينيه، فهي سبب زنى العين، فهي آئمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد حسّنه بعضهم،
والظاهر أن تحسينه لقول الحافظ في ((التقريب)) في ثابت بن عُمارة: فيه لين، وهذا
عندي محل نظر، إذ الأكثرون على توثيقه، وأما أبو حاتم، فمعروف بالتشدّد، فلا تضرّ
مخالفته في مثل هذا، وأما كلام يحيى القطان الماضي، فلا يؤدي إلى هذا، كما هو
ظاهر، وقد وُجد في المقابل كلام شعبة: تأتوني، وتدَعون عمارة، وهذا غاية في
التوثيق.
والحاصل أنه ثقة، فكان أولى العبارة للحافظ أن يقول: صدوقٌ، فقط، نظرًا لكلام
أبي حاتم، دون زيادة «فيه لين)). فتبصر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١٢٨/٣٥- وفي ((الكبرى)) ٩٤٢٢/٤٣. وأخرجه (د) في ((الترجّل))
٤١٧٣ (ت) في ((الأدب)) ٢٧٨٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩٠٨١ و١٩٢١٢
و١٩٢٤٨ (الدارميّ) في ((الاستئذان)) ٢٥٣٢.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يُكره للنساء من الطيب،
وهو الذي تتعطر به عند خروجها من بيتها. (ومنها): أن فيه تحريم خروج المرأة

١٧٢
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
متعطّرة. (ومنها): أن كلّ ما يكون سببا إلى الشيء، فله حكمه، حيث جعل النبيّ وَّل
المرأة زانية، بسبب أنها تسبّت لحمل الرجال على أن يزنوا بها بالنظر بأعينهم؛ لأن
العين إذا نظرت إلى الأجنبيّة تكون زانية. (ومنها): تحريم شمّ ريح المرأة إذا مرّت
متعطّرة، بل الواجب أن يسدّ أنفه؛ لئلا يكون زانيًا بأنفه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٣٦- (اغْتِسَالُ الْمَرْأَةِ مِنَ الطَّب)
٥١٢٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ
عَلِيّ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمِ، وَلَّمْ أَسْمَغَ مِنْ صَفْوَانَ غَيْرَهُ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلِ ثِقَةٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلْتَغْتَسِلْ مِنَ الطِّيبِ، كَمَا
تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ... )»، مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عليّة البصريّ، نزيل
دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف.
٢- (سليمان بن داود بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس الهاشميّ) أبو أيوب البغداديّ
الفقيه الثقة الجليل، قال الإمام أحمد: يصلح للخلافة [١٠] ١٣١٦/٦٨.
٣- (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦ /٣١٤ .
٤- (صفوان بن سُليم) أبو عبد الله الزهريّ مولاهم المدنيّ، ثقة مفتٍ عابدٌ، رُمي
بالقدر [٤] ٤٧ /٥٩ .
٥- (رجل ثقة) هو عبيد بن أبي عبيد، واسم أبي عبيد كثير، مولى أبي رُهم - بضم
الراء، وسكون الهاء- صدوق(١) [٣].
(١) قال عنه في ((ت)): مقبول، وما قلته أولى؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه العجلي، وابن حبان، ولم
يتكلم أحد بجرحه. فتنبه.

١٧٣ =
٣٦- (اغْتِسَالُ الْمَرْأَةِ مِنَ الطِّيب) - حديث رقم ٥١٢٩
رَوَى عن أبي هريرة. وعنه عاصم بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن الحارث بن عُبيد،
وعبد الكريم شيخ لليث بن أبي سُليم، وفُليح بن الشماسيّ. قال البخاريّ: وقال
مؤمّل: عُبيد بن كثير. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وجزم بما حكاه البخاريّ، عن
مؤمّل من أن اسم أبي عُبيد كثير. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. روى له أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه حديثًا واحدًا في ذمّ تطيّب المرأة إذا خرجت إلى المسجد- يعني
حديث الباب- قاله في ((تهذيب التهذيب)) ٣٨/٣ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تظمفيه أحفظ من روى
الحديث في عصره.
(ومنها): أن فيه قولَه: ((عن رجل ثقة)) بالإبهام، وقد اختَلَفَ العلماء في توثيق
المبهم، هل يُقبل، أم لا؟:
قال في ((التقريب)) مع شرحه ((التدريب)): وإذا قال: حدّثني الثقة، أو نحوه، من غير
أن يسمّيه، لم يُكتفَ به في التعديل على الصحيح، حتى يسميه؛ لأنه وإن كان ثقة
عنده، فربما لو سمّاه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح، بل إضرابه عن تسميته ريبة
توقع تردّدًا في القلب، بل زاد الخطيب أنه لو صرّح بأن كلّ شيوخه ثقات، ثم روى
عمن لم يسمه لم يُعمل بتزكيته؛ لجواز أن يُعرف إذا ذكره بغير العدالة. وقيل: يُكتفى
بذلك مطلقًا، كما لو عيّنه؛ لأنه مأمون في الحالتين. فإن كان القائل عالمًا مجتهدًا،
كمالك، والشافعيّ، وكثيرًا ما يفعلان ذلك، كَفَى في حقّ موافقه في المذهب، لا غيره
عند بعض المحققين، قال ابن الصبّاغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجًا بالخبر على غيره،
بل یذکر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روی عنه ذلك،
واختاره إمام الحرمين، ورجحه الرافعيّ في ((شرح المسند»، وفرضه في صدور ذلك من
أهل التعديل. وقيل: لا یکفي أيضًا حتی یقول: کل من أروي لکم عنه، ولم أسمه فهو
عدل. قال الخطيب: وقد يوجد في بعض من أبهموه الضعف؛ لخفاء حاله، کرواية
مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق. انتهى ((التقريب مع شرحه التدريب)) ٣١٠/١-
٣١١ .
وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
وَإِنْ يَقُلْ حَدَّثَ مَنْ لَا أَتَِّمْ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخِ لِي وُسِمْ

١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
لَا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاغْلَمِ
بِشِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَم
وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمِ فِي حَقْ مَنْ قَلْدَهُ وَقِيلَ لَا مَا لَمْ يُبَنْ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلٍ ثِقَةٍ) غير مسمّى، قال الحافظ في ((النكت الظُّراف)): هذا الذي لم يسمّه
صفوان بن سليم، سمّاه عاصم بن عُبيد اللَّه بن عاصم، عن عمّه، عن أبي هريرة،
أخرجه أحمد من وجه آخر عن شعبة، وعن سفيان، وأخرجه أيضًا ابن عيينة، عن
عاصم، لكن عنده عن مولى ابن أبي رُهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((عن عمّه)) هكذا نسخة ((النكت))، والظاهر أنه
مصحّف عن ((عُبيد))؛ لأنه الذي عند الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى، فقد رواه في
(مسنده)) ٢/ ٤٦١: عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن عاصم بن عبيد
اللَّه، عن عُبيد، مولى أبي رهم، قال: خرجت مع أبي هريرة من المسجد ...
الحديث. و٤٤٤/٢ عن وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن عبيد، مولى أبي رُهم.
ورواه في ٢٩٧/٢ - عن محمد بن جعفر - غندر- عن شعبة، عن عاصم بن عبيد الله،
عن عبيد، مولى لأبي رهم، عن أبي هريرة ◌َثم ... الحديث. ورواه عن ابن عيينة،
عن عاصم، عن مولى ابن أبي رهم، عن أبي هريرة رَّه. والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَثُه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ) أي من
بيتها (إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلْتَغْتَسِلْ مِنَ الطِّيبِ) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: ظاهر أنها إذا
أرادت الخروج إلى المسجد، وهي قد استُعملت الطيب في البدن، فلتغتسل منه،
وتبالغ فيه، كما تبالغ في غسل الجنابة، حتّى يزول عنها الطيب بالكلّيّة، ثم لتخرج،
ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]، لا أنها إذا خرجت
بطيب، ثم رجعت، فعليها الغسل لذلك، لكن رواية أبي داود ظاهرة في الثاني، فقيل:
أمرها بذلك تشديدًا عليها، وتشنيعًا لفعلها، وتشبيهًا له بالزنا، وذلك لأنها هيّجت
بالتعطّر شهوات الرجال، وفتحت باب عيونهم التي بمنزلة بريد الزنا، فحكم عليها بما
يحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ))
٨/ ١٥٤.
(كَمَا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ) أي غسلًا مماثلًا لغسل الجنابة في استيعاب جميع الجسد،
قال القاري: بأن تَعُمّ جميع بدنها بالماء، إن كانت تطيّيت في جميع بدنها؛ ليزول عنها

١٧٥
٣٦- (اغْتِسَالُ الْمَرْأَةَ مِنَ الطِّيب) - حديث رقم ٥١٢٩
الطيب، وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا، فتغسل ذلك الموضع. انتهى. وتعقّبه
صاحب ((عون المعبود)) ١٥٤/١١، فقال: ظاهر الحديث يدلّ على الاغتسال في كلتا
الصورتين. والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله صاحب ((العون)) هو الحقّ؛ إذ يحتمل
أن يكون غرض الاغتسال مع إزالته الطيب تكفير معصيتها، كما يكون الوضوء مكفّرًا
للذنوب. والله تعالى أعلم.
وقوله: (مُخْتَصَرٌ) خبر لمبتدإ محذوف: أي هذا الحديث مختصر من حديث مطوّل،
وقد ساقه الإمام أحمد في ((مسنده))، وأبو داود في ((سننه)) مطوّلًا، ونصّ أحمد ٢/
٤٦١ :
حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم،
قال: خرجت مع أبي هريرة تَظّ من المسجد، فرأى امرأة تَنضَخ طيبا، الذيلها
إعصار، قال: يا أمة الجبار، من المسجد جئتِ؟، قالت: نعم، قال: وله تطيبتٍ؟
قالت: نعم، قال: فارجعي، فإني سمعت أبا القاسم وَل يقول: ((لا يقبل اللَّه لامرأة
صلاة تطيبت للمسجد))، أو ((لهذا المسجد، حتى تغتسل غسلها من الجنابة)).
وفي رواية عن عبيد مولى لأبي رهم، عن أبي هريرة، أنه لقي امرأة، فوجد منها ريح
إعصار طيبة، فقال لها أبو هريرة: المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟
قالت: نعم، قال أبو هريرة: قال رسول اللّه وَالخير: ((ما من امرأة تطيبت للمسجد، فيقبل
اللَّه لها صلاة، حتى تغتسل منه اغتسالها من الجنابة))، فاذهبي، فاغتسلي.
وقال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى:
حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي
رُهْم، عن أبي هريرة، قال: لقيته امرأة، وجد منها ريح الطيب ينفح، ولذيلها إعصار،
فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم،
قال: إني سمعت حِبِّ أبا القاسم، وَلّ يقول: ((لا تُقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا
المسجد، حتى ترجع، فتغتسل غسلها من الجنابة)). قال أبو داود: الإعصار غُبار.
انتھی .
وأخرج البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) ١٣٣/٣ - من طريق بشر بن بكر، عن
الأوزاعي، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه لقي امرأة، تعصف
ريحها، فقال: يا أمة الجبار، تريدين المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت، قالت:
نعم، قال: فارجعي، فإني سمعت رسول اللَّه ◌َله، يقول: ((ما من امرأة تخرج إلى

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
المسجد، فتعصف ريحها، فيقبل الله منها صلاة، حتى ترجع فتغتسل)).
وأخرج أيضًا من طريق العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، عن عبد
الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد، من أشياخ كوثى (١)، مولى أبي رهم الغفاري، عن
جده، قال: خرجت مع أبي هريرة، من المسجد ضحى، فلقيتنا امرأة بها من العطر
شيء، لم أجد بأنفي مثله قط، فقال لها أبو هريرة: عليك السلام، فقالت: وعليك،
قال: فأين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: ولأي شيء تطيبت بهذا الطيب؟، قالت:
للمسجد، قال آللَّه؟ قالت: اللَّه، قال اللّه، قالت: اللَّه، قال: فإن حبي أبا القاسم،
وَلثر، أخبرني، أنه لا تُقبل لامرأة صلاة، تطيبت بطيب لغير زوجها، حتى تغتسل منه
غسلها من الجنابة، فاذهبي، فاغتسلي منه، ثم ارجعي، فصلي. قال البيهقيّ: جده أبو
الحارث، عبيد بن أبي عبيد، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن أبي الحارث بن أبي
عبيد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه رجل لم يُسمّ، وهو وإن وثّقه الراوي عنه، إلا أن
توثيق المبهم لا يكفي على الصحيح من أقوال المحدّثين، كما تقدّم قريبًا؟.
[قلت]: إنما صحّ لأمرين: [أحدهما]: أنه سُمّي عُبيدًا مولى أبي رُهم، عند الإمام
أحمد، كما سبق بيانه، فهو، وإن كان من رواية عاصم إلا أنه لم ينفرد بتسميته، فقد
سمّاه عبد الرحمن بن بن الحارث بن أبي عبيد في رواية البيهقيّ المتقدّمة، وعبد
الرحمن قال عنه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: لا بأس به. ثم إن عبيدًا هذا روى عنه
جماعة، ووثّقه العجليّ، وابن حبّان، كما تقدّم.
[والثاني]: أنه لم ينفرد به الرجل عن أبي هريرة، بل تابعه عليه موسى بن يسار، وهو
مدنيّ ثقة، من رجال الصحيح، كما سبق من رواية البيهقيّ أيضًا.
والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١٢٢٩/٣٦- وفي ((الكبرى)) ٩٤٢٣/٤٤. وأخرجه (د) في ((الترجّل))
(١) ((كُوتَى)) بالضمّ والقصر: قرية بالعراق، ومَحِلّة بمكة لبني عبد الدار. أفاده في ((القاموس)).

١٧٧=
٣٧- (النَّهْيُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْهَدَ الصَّلَاةَ إِذاَ ... - حديث رقم ٥١٣٠
٤١٧٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٧٣٠٩ و ٧٨٩٩ و٧٩٧٥ و٨٥٥٥ و٩٤٣٤
و٩٦٢١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الاغتسال للمرأة
التي خرجت من بيتها متعطّرة. (ومنها): أنه يحرم على المرأة خروجها متعطّرةً، ولو
إلى محلّ العبادة، كالمسجد؛ لأنه يؤدّي إلى افتتان الرجال بها. (ومنها): أنها إذا فعلت
ذلك ينبغي لها أن ترجع، ويكون من تمام توبتها الاغتسال الكامل، وهو غسل الجنابة .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٧- (النَّهْيُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْهَدَ الصَّلَاةَ
إِذَا أَصَابَتْ مِنَ الْبَخُورِ)
٥١٣٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ الْقَرْوِيُّ،
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَلَى
قَوْلِهِ: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ))، وَقَدْ خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجُّ، رَوَاهُ عَنْ زَيْتَبَ
الثَّقَفِيَّةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن هشام بن عيسى بن عبد الرحمن البغداديّ) الطالقانيّ المرُوديّ-
بتشديد الرء المضمومة - القصير نزيل بغداد ثقة [١٠].
رَوَى عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، وأبي معاوية، وعلي بن ثابت الجزري،
وحفص بن غياث، وابن عُلية وأبي علقمة الفروي، وعمر بن أيوب الموصلي، وجعفر
بن عون، وعدة. وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ابنه أبو نصر محمد، وابن
ناجية، والبُجيري، وأحمد بن عبد الله بن بجير الذهلي، وابن المسيب الأرغياني،

١٧٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ومحمد بن هشام بن أبي الزميل، ومحمد بن إسحاق السراج، وابن صاعد، ومحمد بن
هارون الحضرمي، وآخرون. وسمع منه أحمد، ويحيى. قال ابن حبان في ((الثقات)):
مستقيم الحديث. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال السراج: سمعته يقول: وُلدت في
آخر سنة ستين ومائة، أو أول سنة إحدى، وتُوفّي ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومائتين،
وفيها أرّخه البغوي، وزاد في رجب. وأرّخه بن قانع في سنة إحدى وخمسين. وفي
(الزهرة)): روى عنه البخاريّ ثلاثة أحاديث، لكنه جعله الذي قبله- يعني محمد بن
هشام بن شبيب- فوهم. روى عنه البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله في
هذا الكتاب حديث الباب فقط .
٢- (أبو علقمة الفرويّ، عبد الله بن محمد) بن عبد الله بن أبي فروة الأمويّ مولاهم
المدنيّ، صدوقٌ، عُمّر مائة سنة، ومات سنة (١٩٠) [٨] ٥١٠/٨ .
٣- (يزيد بن خُصيفة) هو يزيد بن عبد الله بن خُصيفة بن عبد الله بن يزيد الكنديّ
المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقة [٥] ٩٦٠/٥٠.
٤- (بُسر بن سعيد) المدنيّ العابد، مولى الحضرميّ، ثقة جليلٌ [٢] ١١/ ٥١٧.
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، غیر شیخه،
كما مرّ آنفًا أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ)
((أيما)) شرطيّة، جوابها قوله: ((فلا تشهد)) (أَصَابَتْ بَخُورًا) بفتح الباء الموحّدة، وضمّ
الخاء المعجمة، كصبور: ما يُتبخّر به، والمراد به هنا ما ظهر ريحه (فَلَأ ناهية، ولذا
◌ُزم بها قوله (تَشْهَذْ) أي لا تحضر (مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) أي لأن الليل مظنة الفتنة،
فالتخصيص بالعشاء الآخرة لمزيد التأكيد، أو لأن النساء يخرجن في العشاء الآخرة إلى
المسجد، فنهاهنّ عن الحضور متطيبات. وقال السنديّ: لعلّ التخصيص به؛ لأن
الخوف عليهنّ في الليل أكثر، أو لأن عادتهنّ استعمال الْبَخُور في الليل لأزواجهنّ.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .

١٧٩
٣٧- (النَّْيُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْهَدَ الصَّلاَةَ إِذاً ... - حديث رقم ٥١٣٠
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١٣٠/٣٧ و٥٢٦٥- وفي ((الكبرى)) ٩٤٢٤/٤٥ وأخرجه(م) في
((الصلاة)) ٤٤٤ (د) في ((الترجّل)) ٤١٧٥ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٩٧٥.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان نهي المرأة عن شهود
الصلوات إذا أصابت شيئًا من الْبَخُور. (ومنها): أن فيه إشارة إلى جواز حضور النساء
المساجد للصلاة، إذا لم يتطيّين، وقد سبق في ((كتاب الصلاة)) حديث ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما، مرفوعًا: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها»،
وحديثه: ((لا تمعنوا إماء الله مساجد الله))، وقد شرط العلماء لذلك شروطًا، مأخوذة
من الأحاديث، وهي: أن لا تكون متطيّة، ولا متزيّنَةً، ولا ذات خلاخل، يُسمع
صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطةً بالرجال، ولا شابةً، ونحوها ممن يُفتتن بها،
وأن لا يكون في الطريق ما يُخاف به مفسدة، ونحوها، والنهي عن منعهنّ من الخروج
محمول على كراهة التنزيه، إذا كانت ذات زوج، أو سيّد، ووُجدت الشروط
المذكورة، فإن لم يكن لها زوجٌ، ولا سيّدٌ حرُم المنع، إذا وُجدت الشروط. هكذا قاله
النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ١٦١/٤- ١٦٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ولا شابّة)) فيه نظر؛ لأن النبيّ وَّل حينما أمر
بالإذن للنساء بالخروج إلى المساجد، ما شرط أن لا تكون شابة، وإنما شرط أن لا
تكون متطيّبة، فالحقّ جوازه لها أيضًا بشروطه. وقوله: ((محمول على الكراهة)) فيه نظر
أيضًا، فإنه وَّل نهى عن منع النساء عن الخروج إلى المساجد، والنهي للتحريم، ما لم
يصرفه صارف، ولا صارف هنا، فالزوج، والسيّد هما من جملة من نهي عن منعهنّ
المساجد، فالتفريق بينهما، وبين غيرهما من الأولياء مما لا دليل عليه، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم.
(ومنها): ما قاله النوويّ رحمه اللَّه تعالى: فيه دليلٌ على جواز قول الإنسان: العشاء
الآخرة، وأما ما نقل عن الأصمعيّ أنه قال: من المحال قول العامّة: العشاء الآخرة؛
لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة، فلا توصف بالآخرة، فهذا القول غلط؛ لهذا الحديث،
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن جماعات من الصحابة ، وصفها بالعشاء الآخرة،

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وألفاظهم بهذا مشهورة. انتهى ((شرح مسلم)) ١٦٣/٤. والله تعالى أعلم بالصواب،.
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ یَزِيدَ
ابْنَ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَلَى قَوْلِهِ: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) يعني أن يزيد بن عبد الله
ابن خصيفة خالف في هذا الحديث حيث جعله من مسند أبي هريرة رَزّه ، وغيره جعله
من مسند زينب الثقفيّة رضي الله تعالى عنها، كما بيّه بقوله (وَقَدْ خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، رَوَاهُ عَنْ زَيْتَبَ الثَّقَفِيَّةِ) رضي اللّه تعالى عنها، وجملة ((رواه الخ)) في
محلّ نصب على الحال من ((يعقوب)).
وحاصل ما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى ترجيح رواية يعقوب من حديث
زينب الثقفيّة؛ لموافقة بكير بن الأشجّ له، على رواية يزيد من حديث أبي هريرة رضي؛
لتفرّده، لكن الظاهر أنه لا يضرّ التفرّد في ذلك؛ لأن يزيد بن خصيفة ثقة حجة، كما قال
ابن معين، فزيادته مقبولة، ولهذا أخرج الإمام مسلم رحمه اللّه تعالى روايته هذه في
((صحيحه))، كما أسلفته آنفًا. فتأمل.
ثم بيّن رواية يعقوب التي أشار إليها بقوله:
٥١٣١ - (أَخْبَرَنِ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجُ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ زَيْتَبَ، امْرَأَةٍ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ صَلَاةَ
الْعِشَاءِ، فَلَا تَمَسَّ طِيبًا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((هلال بن العلاء بن هلال)): هو أبو عمرو الرّقّيّ،
صدوقٌ [١١] من أفراد المصنّف. و((مُعلّى بن أسد)): هو الْعَمْيّ، أبو الْهَيثم البصريّ،
أخو بهز، ثقة ثبت، من كبار [١٠]. و((وُهيب)): هو ابن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر
البصريّ، ثقة ثبتٌ، تغيّر بآخره قليلًا [٧]. و((محمد بن عجلان)): هو المدنيّ،
صدوقٌ، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، وهذا ليس منها [٥].
و((يعقوب بن عبد الله بن الأشجّ))، مولى بني مخزوم، ويقال: مولى المسور بن
مخرمة، ويقال: مولى أشجع، أبو يوسف المدني، وهو أخو بكير بن الأشجّ الآتي في
السند التالي، ثقة [٥].
رَوَى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وبُسر بن سعيد،
والقعقاع بن حَكيم، وكُريب مولى ابن عباس، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وعنه
جعفر بن ربيعة، والحارث بن يعقوب، ويزيد بن أبي حبيب، وابن عجلان، وابن