Indexed OCR Text
Pages 1-20
شرح سُبْ انْسَائِيّ المسمَّى ذَخِيرَة الْعُقْبَى في شرح الجْتَّبُ لجامِعِه الفَقِيُ إلى مَوْلَاهِ الفَنِىّ القَدِيُرْ مُحَ بِ الشّيخ العَّ مَة ◌َ بْ آدَمَ بُوَالأُيُونِي الْوَلَِّيّ المُدُّسُ بَدَارُ الحَدَيثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة عُفَا اللّه عَنْه وَعَنُ وَالَيْه آمِينٌ الجزء السابع والثلاثون. مَكْب تنسيق وتخريج ويحقيق ٢٥٢٤٠ دُلـ وَخِّعْ العُلاِى ◌َّم: ـيع ابَ بسم الله الرحمن الرحيم شرح سُبْ النَّائي جميع الحقوق محفوظة الطّبَعَّة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م وَازال بُرُويم للنشروَ التّريخ المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التعيم صَبْ: ٠٤١٤٥ (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) ٦- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٨٩٦ ٦- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَخْزُ ومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن منصور اختلفا في سياق اللفظ على ابن عيينة، وخالفهما رزق الله بن موسى، فقال: ((أَتي النبيّ وَله بسارق الخ))، لكن هذا يحتمل أن يكون أراد بسارق أي بشخص سارق، فلا ينافي كونها امرأة. ثم إن ابن عيينة، واللیث بن سعد، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، ویونس بن يزيد في رواية ابن وهب عنه، رووه عن الزهريّ مرفوعًا، بلفظ ((سرقت))، وخالفهم شعيب ابن أبي حمزة، فرواه عن الزهريّ، بلفظ: ((استعارت)). ورواه ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة: أن امرأة سرقت الخ، فهذا صورته صورة الإرسال، إلا أن في آخره ما يدلّ على أنه موصول، ثم إنّ هذه الاختلافات لا تعارض بينها، وسيأتي وجه التوفيق، مع مزيد بسط في البحث، في المسألة الرابعة من مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. ٤٨٩٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَتْ مَخْزُومِيَةٌ، تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا، وَتَجَحَدُهُ، فَرُفِعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِهِ، وَكُلِّمَ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ، لَقَطَّعْتُ يَدَهَا))، قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و(«سفيان)»: هو ابن عيينة. و((أيوب بن موسى)): هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ٢٤١/١٥٠. وقوله: ((وكُلّم فيها)): أي كلمه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما - كما بُيّن في الرواية التالية، وغيرها- أن يترك قطعها. وقوله: ((لو كانت فاطمة)): بنصب ((فاطمة)) على أنه خبر ((كان))، واسمها ضمير يعود إلى المرأة، أي لوكانت هذه المرأة التي تشفعون فيها فاطمة بنت محمد وّلز الخ. ويحتمل أن يكون بالرفع، على أنه اسم ((كان))، وخبرها محذوف، كما دلت عليه الروايات الآتية: أي سرقت. ٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ وقوله: ((إن شاء الله تعالى)): الظاهر أن سفيان كان يتردّد أحيانًا، فلما حدث به . إسحاق كان متردّدًا، ولَمَا حدّث محمد بن منصور كان جازمًا، فلذا رواية محمد بن منصور التي بعد هذا بالجزم. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، ويأتي تمام شرحه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [تنبيه]: زاد في ((الكبرى)): ما نصّه: خالفه محمد بن منصور في لفظه. انتهى. ثم ساق لفظ ابن منصور، فقال: ٤٨٩٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْتَّانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةَ سَرَقَتْ، فَأَتِيَ بِهَا النَّبِيُّ نََّ، فَقَالُوا: مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوا أَسَامَةَ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: يَا أُسَامَةُ، إِنَّمَا هَلَكَتْ بَثُو إِسْرَائِيلَ، حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ الشَّرِيفُ فِيهِمُ الْخَدَّ تَرَكُوهُ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْوَضِيعُ أَقَامُوا عَلَيْهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن منصور) الْخُزاعي الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٧٤١/٤٦. ٢- (سفيان) بن عيينة المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مكيون، ونصفه الثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عروة، ورواية الراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة (٢٢١٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، كذا قال الحفاظ، من أصحاب ابن شهاب، عن عروة، وشَذّ عمر بن قيس الماصِر- بكسر المهملة- فقال: ((ابن شهاب، عن عروة، عن أم سلمة ... )) فذكر حديث الباب سواءً، أخرجه أبو الشيخ في ((كتاب السرقة))، والطبراني، وقال: تفرد به عمر بن قيس -يعني من حديث أم سلمة- قال الدارقطني في ٧ ٦- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَظِ النََّقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ (العلل)): الصواب رواية الجماعة. قاله في ((الفتح)) ١٤/ ٤٠ . (أَنَّ امْرَأَةً) وفي رواية الليث، عن الزهري الآتية: ((أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية)). وقوله: ((أن قريشا»: أي القبيلة المشهورة، والأكثرون على أنهم هم الذين ينتسبون إلى فهر بن مالك، والمراد بهم هنا من أدرك القصة التي تُذكر بمكة. وقوله: «أهمهم شأن المرأة)): أي أمرها المتعلق بالسرقة، وقد وقع في رواية مسعود ابن الأسود: ((لَمَا سَرَقت تلك المرأة، أعظمنا ذلك، فأتينا رسول اللّه وَ لَه))، ومسعود المذكور من بطن آخر، من قريش، وهو من بني عدي بن كعب، رَهْط عمر ◌َّه ، وسبب إعظامهم ذلك خشيةُ أن تُقطع يدها؛ لعلمهم أن النبي بَّ لا يرخص في الحدود، وكان قطع السارق معلوما عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق، فاستمر الحال فيه. وقد عقد ابن الكلبي بابا لمن قُطع في الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سَرَقوا غزال الكعبة، فقُطعوا في عهد عبد المطلب، جَدِّ النبي ◌ََّ، وذكر مَن قَطَّع في السرقة عوفَ بن عبد بن عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وغيرهما، وأن عوفًا السابق لذلك. وقوله: ((المخزومية)): نسبة إلى مخزوم بن يَقَطَّة -بفتح التحتانية، والقاف، بعدها ظاء معجمة مشالة- ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نُسب إليه بنو عبد مناف. ووقع في رواية إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، وهو الذي عند النسائي٦/ ٤٩٤٩٠٢ -: ((سرقت امرأة من قريش، من بني مخزوم))، واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عُمَرَ بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل، الذي كان زوج أم سلمة، قبل النبي وَلهر، قُتِل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ووهم مَن زَعَم أن له صحبة. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عم المذكورة. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني بشر بن تيم، أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وهذا مُعْضَلٌ، ووقع مع ذلك في سياقه، أنه قال عن ظن، وحسبان، قال الحافظ: وهو غلط ممن قاله؛ لأن قصتها مغايرة للقصة المذكورة في هذا الحديث. كما سيتضح. قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، هي التي قطع رسول اللَّه وَله يدها؛ لأنها سرقت حُليا، فَكَلَّمت قريش أسامةً، فشفع فيها، وهو غلام ... الحديث. ٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ قال الحافظ: وقد ساق ذلك ابن سعد في ترجمتها في ((الطبقات)) من طريق الأجلح بن عبد الله الكندي، عن حبيب بن أبي ثابت، رفعه: ((أن فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، سَرَقت حليا على عهد رسول اللّه وَالر، فاستشفعوا ... )) الحديث. وأورد عبد الغني بن سعيد المصري في ((المبهمات)) من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن عمار الدُّهني، عن شقيق، قال: ((سرقت فاطمة بنت أبي أسد، بنت أخي أبي سلمة، فأشفقت قريش أن يقطعها النبي صَ لجر ... )) الحديث. قال الحافظ: والطريق الأولى أقوى، ويمكن أن يقال: لا منافاة بين قوله: بنت الأسود، وبنت أبي الأسود؛ لاحتمال أن تكون کنیة الأسود أبا الأسود. وأما قصة أم عمرو: فذكرها ابن سعد أيضا، وابن الكلبي في ((المثالب))، وتبعه الهيثم بن عدي، فذكروا: ((أنها خرجت ليلا، فوقعت بِرَكْب، نزول، فأخذت عيبة لهم، فأخذها القوم، فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبي وَّر، فعادت بحقوي أم سلمة، فأمر بها النبي ◌َّلتر، فقطعت، وأنشدوا في ذلك شعرًا، قاله خنيس بن يعلى بن أمية. وفي رواية ابن سعد أن ذلك كان في حجة الوداع، وقصة فاطمة بنت الأسود كانت عام الفتح، فظهر تغاير القصتين، وأن بينهما أكثر من سنتين، ويظهر من ذلك خطأ من اقتصر على أنها أم عمرو، كابن الجرزي، ومن ردّدها بين فاطمة، وأم عمرو، كابن طاهر، وابن بشكوال، ومن تبعهما فللَّه الحمد. وقد تقلد ابن حزم ما قاله بشر بن تيم، لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان، في جحد العارية، وقصة فاطمة في السرقة، وهو غلط أيضا؛ لوقوع التصريح في قصة أم عمرو بأنها سرقت. قاله في ((الفتح)) ١٤ / ٤٠-٤١ . (سَرَقَتْ) زاد يونس في روايته الآتية - ٤٩٠٥ - ((في عهد رسول اللّه وَلغيره في غزوة الفتح))، ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قال: ((لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، من بيت رسول اللَّه وَالفتره أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول اللّه وَلغيره نكلمه))، وسنده حسن، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، في رواية الحاكم، وسيأتي تمام البحث في المسائل، إن شاء الله تعالى. (فَأْتِيَ) بالبناء للمفعول (بَهَا النَّبِيُّ نَّهِ، فَقَالُوا: من يجترىء) وفي رواية الليث الآتية- ٤٨٩٠١ -: ((فقالوا: من يكلّم فيها رسول اللَّه وَل): أي يشفع عنده فيها، أن لا تُقطع، إما عفوًا، وأما بفداء، وقد وقع ما يدل على الثاني، في حديث مسعود بن الأسود، ٦ - (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَاَظِ النَّأَقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ ٩ ولفظه بعد قوله: ((أعظمنا ذلك، فجئنا إلى النبي ◌َله، فقلنا: نحن نَقدِيها بأربعين أوقية، فقال: تُطَهَّر خير لها))، وكأنهم ظنوا أن الحد يَسقُط بالفدية، كما ظن ذلك من أَفْتَى والد الْعَسِيف الذي زنى، بأنه يفتدي منه بمائة شاة، ووليدة، ولحديث مسعود هذا شاهدٌ عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو: ((أن امرأة سَرَقت على عهد رسول اللّه ◌َله، فقال قومها: نحن نفديها فقوله: (مَنْ) للاستفهام الإنكاريّ: أي لا أحد (يَجْتَرِئُ) بسكون الجيم، وكسر الراء، يفتعل من الْجُرأة بضم الجيم، وسكون الراء، وفتح الهمزة، ويجوز فتح الجيم، والراء، مع المدّ، وهي الإقدام (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُسَامَةَ) والمعنى: أنه لا يوجد أحد يجترىء عليه وَّر، إلا أن يكون ذلك الأحد أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ لكونه حبه، وابن حبه. وفي رواية الليث الآتية- ٤٨٩٠١ -: ((قالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد)»، قال الطيبي: الواو عاطفة على محذوف، تقديره: لا يجترئ عليه أحد لمهابته، لكن أسامة له عليه إدلال، فهو يجسُر على ذلك. و((الْحِبّ))- بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة -: بمعنى المحبوب، مثل قِسم بمعنى المقسوم، وفي ذلك تلميح بما أخرجه البخاريّ في ((المناقب)) من ((صحيحه))، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي وَلّر، أنه كان يأخذه، والحسنَ، ويقول: ((اللّهم إني أحبهما، فأحبهما)). وأخرج في ((الأدب)) من ((صحيحه)) أيضًا، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، كان رسول اللَّه ◌َ ل﴿ يأخذني، فيُقعدني على فخذه، ويُقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: اللَّهم ارحمهما، فإني أرحمهما)). وكان السبب في اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه ابن سعد، من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه: أن النبي وَلّ، قال لأسامة: ((لا تشفع في حَدّ، وكان إذا شَفَعَ شَفَّعَه)) - بتشديد الفاء -: أي قبل شفاعته، وكذا وقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت: ((وكان رسول اللَّه وَلّ يشفعه)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لا تنافي بين السببين؛ لأن أحدهما نتيجة الآخر، فسبب قبول شفاعته هو كونه حبّه وَ ل* وابن حبه رضي اللّه تعالى عنهما. (فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ) ووقع في حديث مسعود بن الأسود عند ابن ماجه بعد قوله: ((تطهر خیر لها، فلما سمعنا لِین قول رسول الله پے، أتينا أسامة)»، ووقع في رواية يونس عند البخاريّ في ((غزوة الفتح)): ((ففزع قومها إلى أسامة)): أي لجؤا إليه، وفي رواية أيوب ابن موسى عنده أيضًا في ((الشهادات)): ((فلم يجترئ أحد أن يكلمه، إلا أسامة)). ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ (فَكَلَّمَهُ) أي كلّم أسامة رسول اللَّه وَّر في شأن المرأة. قال في ((الفتح)): وفي الكلام شيء مطوي، تقديره: فجاءوا إلى أسامة، فكلموه في ذلك، فجاء أسامة إلى النبي ◌َّ﴿، فكلمه، ووقع في رواية يونس: ((فأَتَّى بها رسولَ اللَّه وَ لير، فكلمه فيها»، فأفادت هذه الرواية أن الشافع يَشفع بحضرة المشفوع له، ليكون أعذر له عنده، إذا لم تُقبل شفاعته. وعند النسائي-٤٩٠٢- من رواية إسماعيل بن أمية: («فكلمه، فزبره))، بفتح الزاي والموحدة: أي أغلظ له في النهي، حتى نسبه إلى الجهل؛ لأن الزبر- بفتح، ثم سكون: هو العقل. وفي رواية يونس: ((فكلمه، فتلون وجه رسول اللّه وَ ل98))، زاد شعيب عند النسائي: ((وهو يكلمه))، وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت: ((فلما أقبل أسامة، ورآه النبي ◌َّ، قال: لا تكلمني يا أسامة)). انتهى ما في ((الفتح)) ١٤ / ٤٦ . (فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: يَا أُسَامَةُ) وفي رواية الليث، عن الزهريّ الآتية-٤٩٨٠ -: ((أتشفع في حدّ من حدود اللَّه)): قال في ((الفتح)): قوله: ((أتشفع في حدّ الخ)) بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ لأنه كان سبق له منع الشفاعة في الحد قبل ذلك، زاد يونس، وشعيب: فقال أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه، ووقع في حديث جابر عند مسلم، والنسائي- ٤٨٩٣ -: ((أن امرأة من بني مخزوم سَرَقَّت، فأَتى بها النبيِ وَّرَ، فعادت بأم سلمة))- بذال معجمة -: أي استجارت، أخرجاه من طريق معقل بن عبيد اللّه(١)، عن أبي الزبير، عن جابر، وذكره أبو داود تعليقا، والحاكم موصولا، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر ◌َّهِ، فعاذت بزينب بنت رسول اللَّه وَلّ))، قال المنذري: يجوز أن تكون عادت بكل منهما. وتعقبه العراقيّ في ((شرح الترمذي)): بأن زينب بنت رسول اللّه وَالر، كانت ماتت قبل هذه القصة؛ لأن هذه القصة كما تقدم كانت في غزوة الفتح، وهي في رمضان، سنة ثمان، وكان موت زينب قبل ذلك في جمادى الأولى، من السنة، فلعل المراد أنها عاذت بزينب، ربيبة النبي بَّر، وهي بنت أم سلمة، فتصحفت على بعض الرواة. قال الحافظ: أو نُسبت زينب بنت أم سلمة إلى النبي وَل﴿ مجازًا؛ لكونها ربيبته، فلا يكون فيها تصحيف، ثم قال العراقيّ: وقد أخرج أحمد هذا الحديث، من طريق ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وقال فيه: ((فعاذت بربيب النبي وَّر)) براء، وموحدة مكسورة، وحذف لفظ ((بنت))، وقال في آخره: قال ابن أبي الزناد: وكان ربيب النبي (١) وقع هنا في نسخة ((الفتح)) غلط، نصّه: ((أخرجاه من طريق معقل بن يسار، عن عبيد الله، عن أبي الزبير)»، والصواب: ((من طريق معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير)) الخ، فتنبه. ٦- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ ١١ وَلخير، سلمة بن أبي سلمة، وعمر بن أبي سلمة، فعاذت بأحدهما. قال الحافظ: وقد ظَفِرت بما يدل على أنه عمر بن أبي سلمة، فأخرج عبد الرزاق، من مرسل الحسن بن محمد بن علي: قال: ((سرقت امرأة ... )) فذكر الحديث، وفيه : فجاء عمر بن أبي سلمة، فقال للنبي وَّر: أي أبه، إنها عمتي، فقال: لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها»، قال عمرو بن دينار الراوي عن الحسن: فلم أشك أنها بنت الأسود بن عبد الأسد. قال الحافظ: ولا منافاة بين الروايتين عن جابر، فإنه يحمل على أنها استجارت بأم سلمة، وبأولادها، واختصها بذلك؛ لأنها قريبتها، وزوجها عمها، وإنما قال عمر بن أبي سلمة: عمتي من جهة السنّ، وإلا فهي بنت عمه، أخي أبيه، وهو كما قالت خديجة لورقة، في قصة المبعث: أي عم، اسمَعْ من ابن أخيك، وهو ابن عمها، أخي أبيها أيضا . ووقع عند أبي الشيخ، من طريق أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر: ((أن امرأة من بني مخزوم سرقت، فعادت بأسامة))، وكأنها جاءت مع قومها، فكلموا أسامة، بعد أن استجارت بأم سلمة . ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت: ((فاستشفعوا على النبي وَّ بغير واحد، فكلموا أسامة)». (إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) وفي رواية الليث: ((ثُم قام، فخطب، فقال: إنما هلك الذين قبلكم، أنهم كانوا ... )) وفي رواية يونس - ٤٩٠٤ -: ((فلما كان العشيُّ، قام رسول اللَّه وَل خطيبًا، فأثنى على اللَّه عز وجل بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ... ))، وفي رواية البخاريّ: ((إنما ضَلّ من كان قبلكم)). قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الظاهر أن هذا الحصر ليس عاما، فإن بني إسرائيل، كان فيهم أمور كثيرة، تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر المخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود، فلا ينحصر ذلك في حد السرقة . قال الحافظ: يؤيد هذا الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ في ((كتاب السرقة))، من طريق زاذان، عن عائشة، مرفوعا: ((إنهم عَطّلوا الحدود عن الاغنياء، وأقاموها على الضعفاء)). والأمور التي أشار إليها ابن دقيق العيد: منها: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قصة اليهوديين اللذين زنيا، وقد تقدّم، وحديث ابن عباس رضي الله ١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ تعالى عنهما في أخذ الدية من الشريف إذا قتل عمدا، والقصاص من الضعيف، وقد سبق أيضًا، وغير ذلك. (حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ الشَّرِيفُ فِيهِمُ الْحَدَّ) أي ما يوجب الحدّ، وهو السرقة، كما سيأتي: ((إذا سرق فيهم الشريف، تركوه) (تَرَكُوهُ، وَلَمْ يُقِيمُواْ عَلَيْهِ) هذه الجملة تفسير لجملة («تركوه)) (وَإِذَا أَصَابَ الْوَضِيعُ) بوزن الشريف، وهو خلافه معنّى (أَقَامُوا عَلَيْهِ) أي قطعوه (لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ) وفي رواية شعیب: «والذي نفس محمد بيده))، وفي رواية إسماعيل بن أمية: ((والذي نفسي بيده))، وفي رواية الليث: ((وايم اللَّه، لو أن فاطمة بنت محمد آل﴿ سرقت، لقطعت يدها)). قال في ((الفتح)): هذا من الأمثلة التي صح فيها أن ((لو)) حرف امتناع لامتناع، وقد أتقن القول في ذلك صاحب ((المغني)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد لخص السيوطيّ البحث في ((لو)) في ((الكوكب الساطع))، حيث قال: نَزْرٌ فَلِلرَّبْطِ فَقَطْ أَبُو عَلِي و(لَو)) لِشَرْطِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ أَيْ لِوُقُوعٍ غَيْرِهِ عَمْرُو اتَّبَغْ وِلِلَّذِي كَانَ حَقِيقًا سَيَقَغْ وَالْمُعْرِبُونَ وَالَّذِي فِي الْفَنْ شَاعْ وَالْمُرْتَضَى امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ بِأَنَّها حَرْفُ امْتِنَاعٍ لامْتِنَاغ مَغْ كَوْنِهِ يَسْتَلْزِمُ الثَّالِهِ إِنْ أَوَّلَا خِلَافُهُ لَمْ يَخْلُفِ ثُمَّ إِذَا نَاسَبَ تَالٍ يَنْتَفِي ذُو خَلَفٍ وَيَثْبُتُ الَّذِي تَلَا كَقَوْلِهِ ﴿لَوْ كَانَ﴾ لِلْآخِرِ لَا نَاسَبَهُ ((لَوْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْصِهِ)) إِنْ لَمْ يُنَافِ وَبِأَوْلَى نَصْهِ أَوِ الْمُسَاوِي نَحْوُ (لَوْ لَمْ تَكُنِ رَبِيبَتِي)) الْحَدِيثَ أَوْ بِالأَذْوَنِ فإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فعليك بشرحي ((الجليس الصالح النافع بشرح الكوكب الساطع)) ص١٣٠-١٣٣. والله تعالى وليّ التوفيق. وقد ذكر ابن ماجه في «سننه»-٢٥٤٧- عن محمد بن رمح، شيخه في هذا الحديث: سمعت الليث يقول، عقب هذا الحديث: ((قد أعاذها اللَّه من أن تَسرِق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا)). ووقع للشافعي، أنه لما ذكر هذا الحديث قال: ((فذكر عضوا شريفا، من امرأة شريفة))، واستحسنوا ذلك منه؛ لما فيه من الأدب البالغ، وإنما خص وَلو فاطمة ابنته ١٣ ٦- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ رضي اللَّه تعالى عنها بالذكر؛ لأنها أعز أهله عنده، ولأنه لم يبق من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد، على كل مكلف، وترك المحاباة في ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها عليها السلام، فناسب أن يضرب المثل بها. وقال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: قوله: ((لو كانت فاطمة الخ)) فيه مبالغة في النهي عن المحاباة في حدود اللَّه تعالى، وإن فُرضت في أبعد الناس من الوقوع فيها، وقد قال الليث بن سعد رحمه الله تعالى بعد روايته لهذا الحديث: وقد أعاذها اللَّه من ذلك- أي حفظها من الوقوع في ذلك، وحماها منه، إذ هي بضعة من النبيّ وَّر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَوِيلِ﴾ الآية [الحاقة: ٤٤] وهو نَّ معصوم من ذلك، وقد سمعنا أشياخنا رحمهم الله تعالى عند قراءة هذا الحديث يقولون: أعاذها الله من ذلك، وبلغنا عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى أنه لم ينطق هذا اللفظ؛ إعظامًا لفاطمة رضي اللَّه تعالى عنها، وإجلالًا لمحلّها، وإنما قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة، وما أحسن هذا، وأنزهه، والظاهر أن ذكر فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي عائشة(١) في النساء، لا شيء بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرها، وانضمّ إلى هذا أنها عضو من النبيّ وَّ، ومع ذلك، فلم يحمله ذلك على محاباتها في الحقّ، وفيها شيء آخر، وهو أنها مشاركة هذه المرأة في الاسم، فينتقل اللفظ، والذهن من إحداهما إلى الأخرى، وإن تباين ما بين المحلّين. انتهى ((طرح التثريب)) ٣٥/٨-٣٦. وهو تحقيق نفيس، وبحث أنيس. والله تعالى أعلم. (لَقَطَعْتُهَا) وفي الرواية الآتية: ((لقطعت يدها))، وفي رواية البخاريّ: (لقطع محمد يدها»، وفيه تجريد، وقد سبق في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((قم يا بلال، فخذ بيدها، فاقطعها))، وفي رواية: ((فأمر بها، فقطعت)). وفي رواية ابن المبارك عن يونس، عند البخاريّ: ((ثم أمر بتلك المرأة التي سَرَقت، فقُطعت يدها))، وفي حديث جابر رَّه عند الحاكم: ((فقطعها))، وذكر أبو داود تعليقا عن محمد بن عبد الرحمن بن غَنّج، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، نحو حديث المخزومية، وزاد فيه: ((قال: نشهد عليها))، وزاد يونس أيضا في روايته: قالت عائشة: ((فحسنت توبتها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله وَ ﴿))، وأخرجه الإسماعيلي، من طريق نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وفيه: ((قال (١) هكذا نسخة ((الطرح))، وفيه ركاكة، ولعل صواب العبارة هكذا: ((فهي وعائشة في النساء لا شيء بعدهما» أي في الفضل، فليُحرّر. ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ عروة: قالت عائشة))، ووقع في رواية شعيب، عند الإسماعيلي في ((الشهادات))، وفي رواية ابن أخي الزهري، عند أبي عوانة، كلاهما عن الزهري، قال: وأخبرني القاسم ابن محمد، أن عائشة، قالت: ((فنكحت تلك المرأة رجلا من بني سليم، وتابت، وكانت حسنة التلبس، وكانت تأتيني، فأرفع حاجتها ... )) الحديث. قال الحافظ: وكأن هذه الزيادة، كانت عند الزهري، عن عروة، وعن القاسم جميعا عن عائشة، وعندهما زيادة على الآخر، وفي آخر حديث مسعود بن الحكم، عند الحاكم: ((قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن النبي ◌َلّر، كان بعد ذلك يرحمها، ويَصِلُها))، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد: ((أنها قالت: هل لي من توبة يا رسول الله، فقال: أنت اليوم من خطيئتك، كيوم ولدتك أمك)). انتهى ((فتح)) ٤٦/١٤-٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٤٨٩٦ و ٤٨٩٧ و ٤٨٩٨ و٤٨٩٩ و٤٨٩٠٠ و٤٨٩٠١ و ٤٨٩٠٢ و ٤٨٩٠٣ و٤٨٩٠٤ و٤٨٩٠٥- وفي ((الكبرى)) ٧٣٨١/١١ و٧٣٨٢ و٧٣٨٣ و٧٣٨٤ و ٧٣٨٥ و٧٣٨٦ و٧٣٨٧ و٧٣٨٨ و٧٣٨٩ و٧٣٩٠. وأخرجه (خ) في ((الشهادات)) ٢٦٤٨ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٧٥ و((المناقب)) ٣٧٣٣ و((المغازي)) ٤٣٠٤ و((الحدود)) ٦٧٨٧ و٦٧٨٨ و٦٨٠٠ (م) في ((الحدود)) ١٦٨٨ (د) في ((الحدود)) ٤٣٧٣ (ت) في ((الحدود)) ١٤٣٠ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٤٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٧٦٩ (الدارمي) في ((الحدود)) ٢٢٠٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): منع الشفاعة في الحدود، وقد تقدم أن ذلك مقيّدٌ بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماء في ذلك، فقال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافا أن الشفاعة في ذوي الذنوب، حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها، إذا بلغته. وذكر الخطابي، وغيره، عن مالك: أنه فرق بين من عُرِف بأذى الناس، ومن لم يُعرَف، فقال: لا يُشفع للأول مطلقا، سواء بلغ الإمام أم لا، وأما من لم يُعرف بذلك، فلا بأس أن يُشفع له مالم يبلغ الإمام. = ١٥ ٦- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلَفَاَظِ النََّقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ (ومنها): أنه تمسك بحديث الباب من أوجب إقامة الحد على القاذف، إذا بلغ الإمام، ولو عفا المقذوف، وهو قول الحنفية، والثوري، والأوزاعي، وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف: يجوز العفو مطلقًا، ويدرأ بذلك الحد؛ لأن الإمام لو وجده بعد عفو المقذوف، لجاز أن يقيم البينة بصدق القاذف، فكانت تلك شبهة قوية. (ومنها): أن فيه دخول النساء مع الرجال في حد السرقة. (ومنها): أن فيه قبول توبة السارق. (ومنها): أن فيه منقبةً لأسامة بن زيد رضي اللّه تعالى عنهما. (ومنها): أن فيه ما يدل على أن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها، عند أبيها وَّر، في أعظم المنازل؛ فإن في القصة إشارةً إلى أنها الغاية في ذلك عنده. ذكره ابنُ هبيرة. (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ منه أن فاطمة أفضل من عائشة رضي اللَّه تعالى عنهما؛ لأنه وَليّ جعلها غاية في أعزّ الناس عليه، فدلالته ظاهرة، خلافًا لما قاله الحافظ في ((الفتح))، حيث بناه على ما سبق له من مناسبة اسم فاطمة لاسم السارقة. (ومنها): أن فيه تركَ المحاباة في إقامة الحد، على من وجب عليه، ولو كان ولدًا، أو قريبًا، أو كبير القدر، والتشديد في ذلك، والإنكار على من رَخَّص فيه، أو تَعَرَّض للشفاعة فيمن وجب عليه. (ومنها): أن فيه جوازَ ضرب المثل بالكبير القدر، للمبالغة في الزجر عن الفعل، ومراتب ذلك مختلفة، ولا يخفى ندب الاحتراز من ذلك، حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام، كما تقدم نقله عن الليث، والشافعي رحمهما اللّه تعالى. (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز الإخبار عن أمر مُقَدّر، يفيد القطع بأمر مُحَقّق. (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحبّ إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، كما في هذا الحديث، ونظائره. (ومنها): أن من حلف على أمر، لا يتحقق أنه يفعله، أو لا يفعله، لا يحنث، كمن قال لمن خاصم أخاه: والله لو كنتُ حاضرا، لهشمت أنفك، خلافا لمن قال: يحنث مطلقا. (ومنها): أن فيه جوازَ التوجع لمن أقيم عليه الحد، بعد إقامته عليه، وقد حَكَى ابن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان: أن امرأة أُسيد بن حُضير أَوَتها بعد أن قُطعت، وصَنَعت لها طعامًا، وأن أُسيدًا، ذكر ذلك للنبي وَّر، كالمنكر على امرأته، فقال: ((رحمتها، رحمها الله)). (ومنها): أن فيه الاعتبارَ بأحوال من مضى، من الأمم، ولا سيما من خالف أمر الشرع. (ومنها): أنه تمسك به بعض من قال إن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن فيه إشارةً إلى تحذير من فعل الشيء الذي جَرَّ الهلاك إلى الذين من قبلنا؛ لئلا نهلك كما هلكوا، وفيه نظر، وإنما يتم أن لو لم يَرِد قطع السارق في شرعنا، وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه ١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ على المدعى أصلًا. قاله في ((الفتح)) ٤٩/١٤. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة ((شرعُ من قبلنا شرع لنا)) قد تقدّم البحث عنها غير مرّة، وأن هذا هو الأرجح، وهو الذي جرى عليه البخاريّ، ومسلم، بل والمحدّثون عمومًا في مؤلفاتهم، حيث يبوّبون أبوابًا، ولا يوردون في ذلك الباب إلا حديثًا يتعلّق بذكر بني إسرائل، كقول البخاريّ في ((كتاب الأدب)) من ((صحيحه)): (باب رحمة الناس، والبهائم))، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة تعظيمي: أن رسول اللّه وَالله قال: ((بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي کان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له))، قالوا: يا رسول اللَّه، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: ((نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر)). انتهى. ولو سلكت في تعداد ما في ((صحيح البخاريّ، ومسلم)) من ذلك لخرجت من المقصود، وقد ذكرت ذلك في هذا الشرح غير مرّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب قطع هذه المرأة، هل هو جحد العارية، أم سرقتها؟، ومنشؤ الخلاف اختلاف الروايات في ذلك: قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) عند قوله: (أهمتهم المرأة المخزوميّة التي سَرَقَتْ): ما حاصله: زاد يونس في روايته: ((في عهد رسول اللَّه وَلّره في غزوة الفتح))، ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الأسود المعروف بابن العجماء، فأخرج ابن ماجه، وصححه الحاكم، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها، قال: ((لَمّا سَرَقت المرأة تلك القطيفة، من بيت رسول اللَّه وَ له، أعظمنا ذلك، فجئنا إلى رسول اللَّه وَله نکلمه))، وسنده حسن، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، في رواية الحاكم، وكذا علقه أبو داود، فقال: رَوَى مسعود بن الأسود، وقال الترمذي بعد حديث عائشة المذكور هنا: ((وفي الباب عن مسعود بن العجماء))، وقد أخرجه أبو الشيخ في ((كتاب السرقة))، من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن طلحة، فقال: ((عن خالته بنت مسعود بن العجماء، عن أبيها))، فيحتمل أن يكون محمد بن طلحة، سمعه من أمه، ومن خالته، ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت: ((أنها سرقت حليا)). قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الحلى، كان في القطيفة، فالذي ذكر القطيفة، أراد = ١٧ ٦- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ بما فيها، والذي ذكر الحلي، ذكر المظروف، دون الظرف، ثم رجح عندي أن ذكر الحلي في قصة هذه المرأة وَهَمّ، كما سأبينه، ووقع في مرسل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فيما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن الحسن أخبره، قال: ((سرقت امرأة))، قال عمرو: وحسبت أنه قال: ((من ثياب الكعبة)) ... )) الحديث، وسنده إلى الحسن صحيح، فإن أمكن الجمع، وإلا فالأول أقوى. وقد وقع في رواية معمر عن الزهري، في هذا الحديث: أن المرأة المذكورة، كانت تستعير المتاع، وتجحده، أخرجه مسلم، وأبو داود، وأخرجه النسائي، من رواية شعيب ابن أبي حمزة، عن الزهري، بلفظ: ((استعارت امرأة، على ألسنة ناس يعرفون، وهي لا تعرف حليا، فباعته، وأخذت ثمنة ... )) الحديث، وقد بينه أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فيما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح إليه: أن امرأة جاءت امرأةً، فقالت: إن فلانة تستعيرك حليا، فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى التي استعارت لها، فسألتها؟ فقالت: ما استعرتك شيئا، فرجعت إلى الأخرى، فأنكرت، فجاءت إلى النبي وَلغيره، فدعاها، فسألها، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما استعرت منها شيئًا، فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها، فأتوه، فأخذوه، وأمر بها ... )) الحدیث. فيحتمل أن تكون سَرَقت القطيفة، وجحدت الحلي، وأطلق عليها في جحد الحلي في رواية حبيب بن أبي ثابت ((سرقت)) مجازا، قال العراقيّ في ((شرح الترمذي)): اختُلِف على الزهري، فقال الليث، ويونس، وإسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد: ((سرقت))، وقال معمر، وشعيب: ((إنها استعارت، وجحدت))، قال: ورواه سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن الزهري، فاختُلِف عليه سندا ومتنًا، فرواه البخاري، عن على بن المديني، عن ابن عيينة، قال: ذهبت أسال الزهري، عن حديث المخزومية، فصاح عليّ، فقلت لسفيان: فلم يحفظه عن أحد، قال: وجدت في كتاب كتبه أيوب بن موسى، عن الزهري، وقال فيه: إنها سرقت، وهكذا قال محمد بن منصور، عن ابن عيينة: ((انها سرقت))، أخرجه النسائي عنه- يعني هذه الرواية- ٤٨٩٧- وعن رِزْق الله بن موسى- يعني الرواية التي تلي ٤٨٩٦- عن سفيان كذلك، لكن قال: ((أتي النبيُّ ◌َلير بسارق، فقطعه ... ))، فذكره مختصرا، ومثله لأبي يعلى، عن محمد بن عباد، عن سفيان. وأخرجه أحمد، عن سفيان كذلك، لكن في آخره: قال سفيان: لا أدري ما هو؟ وأخرجه النسائي أيضًا عن إسحاق ابن راهويه، عن ١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ = سفيان، عن الزهري- يعني الرواية التي قبل هذا-٤٨٩٦- بلفظ: ((كانت مخزومية تستعير المتاع، وتجحده ... )) الحديث، وقال في آخره: قيل لسفيان: من ذكره؟ قال: أيوب بن موسى، فذكره بسنده المذكور، وأخرجه من طريق ابن أبي زائدة، عن ابن عيينة، عن الزهري-٤٨٩٩- بغير واسطة، وقال فيه: ((سرقت)) قال العراقيّ: وابن عيينة لم يسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى، ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى، ولهذا قال في رواية أحمد: لا أدري كيف هو ؟كما تقدم. وجزم جماعة بأن معمرا تفرد عن الزهري بقوله: ((استعارت، وجحدت))، وليس كذلك، بل تابعه شعيب، كما ذكره العراقيّ عند النسائي- ٤٨٩٠- ويونس كما أخرجه أبو داود، من رواية أبي صالح، كاتب الليث، عن الليث، عنه، وعلقه البخاري لليث عن يونس، لكن لم یسق لفظه، وكذا ذکر البيهقي أن شبیب بن سعید، رواه عن يونس، وكذلك رواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، أخرجه ابن أيمن في ((مصنفه)) عن إسماعيل القاضي بسنده إليه، وأخرج أصله أبو عوانة في (صحيحه)). قال الحافظ: والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان، عن الزهري، وأنه كان يحدث تارة بهذا، وتارة بهذا، فحدث يونس عنه بالحديثين، واقتصرت كل طائفة من أصحاب الزهري، غير يونس على أحد الحديثين، فقد أخرج أبو داود، والنسائي ٤٨٨٩ و ٤٨٩٠- وأبو عوانة، في ((صحيحه)) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن امرأة مخزومية، كانت تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبي وَ ل بقطع يدها»، وأخرجه النسائي-٤٨٩١، وأبو عوانة أيضا، من وجه آخر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، بلفظ: (استعارت حليا)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن رواية ((سرقت))، ورواية ((جحدت)) ثابتتان؛ لكن سبب القطع هو السرقة، وأما الجحد، فهو لبيان أنها كانت متّصفة به، ومعروفة لدى الناس بذلك، ثم اتّفق أن سرقت يوم الفتح قطيفة، فقُطعت بذلك، وسيأتي مزيد تحقيق في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القطع بجحد العارية: قد اختلف نظر العلماء في ذلك، فأخذ بالقطع به أحمد، في أشهر الروايتين عنه، وإسحاق، وانتصر له ابن حزم من الظاهرية. وذهب الجمهور، إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، وهي رواية عن أحمد أيضا. ١٩ E ٦ - (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفْاَظِ النَّأَقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٨٩٧ وأجابوا عن الحديث بأن رواية مَن رَوَى: ((سرقت)) أرجح، وبالجمع بين الروايتين بضرب من التأويل: فأما الترجيح، فنقل النووي أن رواية معمر شاذة، مخالفة لجماهير الرواة، قال: والشاذة لا يعمل بها، وقال ابن المنذر في ((الحاشية))، وتبعه المحب الطبري: قيل إن معمرا انفرد بها. وقال القرطبي: روايةُ ((أنها سرقت)) أكثر، وأشهر من رواية الجحد، فقد انفرد بها معمر وحده، من بين الأئمة الحفاظ، وتابعه على ذلك مَن لا يُقتدى بحفظه، کابن أخي الزهري، ونمطه، هذا قول المحدثين. قال الحافظ: سبقه لبعضه القاضي عياض، وهو يُشعر بأنه لم يقف على رواية شعيب، ويونس بموافقة معمر، إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر، وأن من وافقه كابن أخي الزهري ونمطه، ولا زاد القرطبي نسبة ذلك للمحدثين، إذ لا يُعرف عن أحد من المحدثين أنه قرن شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وأيوب بن موسى، بابن أخي الزهري، بل هم متفقون على أن شعيبًا، ويونس أرفع درجة في حديث الزهري، من ابن أخيه، ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف، عن الزهري ترجيح بالنسبة إلى اختلاف الرواة عنه، إلا لكون رواية ((سَرَقت)) متفقا علیها، ورواية (جحدت)) انفرد بها مسلم، وهذا لا يدفع تقديم الجمع، إذا أمكن بين الروايتين، وقد جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبي، فقال: لم يختلف على معمر، ولا على شعيب، وهما في غاية الجلالة في الزهريّ، وقد وافقهما ابن أخي الزهري، وأما الليث، ويونس، وإن كانا في الزهري كذلك، فقد اختلف عليهما فيه، وأما إسماعيل بن أمية، وإسحاق بن راشد، فدون معمر، وشعيب، في الحفظ. قال الحافظ: وكذا اختلف على أيوب بن موسى، كما تقدم، وعلى هذا فيتعادل الطريقان، ويتعين الجمع، فهو أولى، من اطراح أحد الطريقين. فقال بعضهم، كما تقدم عن ابن حزم، وغيره: هما قصتان مختلفتان، لامرأتين مختلفتين. وتُعُقّب بأن في كل من الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة، وأنه شفع، وأنه قيل له: ((لا تشفع في حدّ من حدود اللَّه))، فيبعد أنّ أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك، ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى، ولا سيما إن اتحد زمن القصتين، وأجاب ابن حزم بأنه يجوز أن يَنسَى، ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم، فظن أن الشفاعة في جحد العارية جائز، وأن لا حد فيه، فشفع، فأجيب بأن فيه الحد أيضا. ولا يخفى ضعف الاحتمالين. وحكى ابن المنذر، عن بعض العلماء، أن القصة لامرأة واحدة، استعارت، ٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ وجحدت، وسرقت، فقطعت للسرقة، لا للعارية، قال: وبذلك نقول. وقال الخطابي في ((معالم السنن)) -بعد أن حكى الخلاف، وأشار إلى ما حكاه ابن المنذر -: وانما ذُكرت العارية، والجحد في هذه القصة، تعريفا لها بخاص صفتها، إذ كانت تكثر ذلك، كما عرفت بأنها مخزومية، وكأنها لما كثر منها ذلك، ترقت إلى السرقة، وتجرّأت عليها، وتَلَقَّف هذا الجواب من الخطابي جماعة، منهم البيهقي، فقال: تحمل رواية مَن ذَكّر جحد الجارية على تعريفها بذلك، والقطع على السرقة، وقال المنذري نحوه، ونقله المازري، ثم النووي عن العلماء. وقال القرطبي: يترجح أن يدها قُطعت على السرقة، لا لأجل جحد العارية من أوجه: [أحدها]: قوله في آخر حديث الذي ذُكرت فيه العارية: ((لو أن فاطمة سَرَقت))، فإن فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قُطعت في السرقة، إذ لو كان قطعها لأجل الجحد، لكان ذكر السرقة لاغيا، ولقال: لو أن فاطمة جَحَدت العارية. وهذا قد أشار إليه الخطابي أيضا. [ثانيها]: لو كانت قُطعت في جحد العارية، لوجب قطع كل من جحد شيئا، إذا ثبت عليه، ولو لم يكن بطريق العارية. [ثالثها]: أنه عارض ذلك حديث: ((ليس على خائن، ولا مُختلس، ولا مُنتهب قطع))، وهو حديث قويّ، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة، والترمذيّ، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير ، عن جابر، رفعه، وصرح ابن جريج في رواية النسائي (١)، بقوله: ((أخبرني أبو الزبير))، ووَهّم بعضهم هذه الرواية، فقد صرح أبو داود، بأن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، قال: وبلغني عن أحمد، إنما سمعه ابن جريج من ياسين الزيات، ونقل ابن عدي في ((الكامل)) عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبي الزبير، وقال النسائي: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، عن أبي الزبير، فلم يقل أحد منهم: أخبرني، ولا أحسبه سمعه . قال الحافظ: لكن وُجد له متابع عن أبي الزبير، أخرجه النسائي أيضا، من طريق المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، لكن أبو الزبير مدلس أيضا، وقد عنعنه عن جابر، لكن أخرجه ابن حبان من وجه أخر، عن جابر بمتابعة أبي الزبير، فقوي الحديث. وقال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى- بعد أن ذكر كلام النسائيّ المتقدّم -: ما نصّه: فإن ترجّح أن ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، فقد تابعه عليه مغيرة بن مسلم، فرواه عن أبي الزبير كذلك، ورواه النسائيّ من طريقه، وقولُ ابن حزم: مغيرة بن مسلم (١) أي في ((الكبرى)) برقم ٧٤٦٣- وليس الحديث في ((المجتبى))، فتنبّه.