Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ = ٣٤- (ذِكْرُ أَسْنَانِ دِيَةِ الْخَطَأٍ) - حديث رقم ٤٨٠٤ يقول: لا ينبل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة. وقال عيسى بن يونس: سمعت الحجاج يقول: أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون. وقال جرير: سمعت الحجاج يقول: أهلكني حب المال والشرف. وذكر أوجها أخر منها: أن جماعة من الثقات رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة، فاختلفوا عليه فيه إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية، ودلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدية، وإن كان ابن المنذر مع جلالته، قد اختاره على ما يأتي. ورَوَى حماد بن سلمة، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَز، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قال: «دية الخطإ خمسة أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون ذكور))، قال الدار قطني: هذا إسناد حسن، ورواته ثقات، وقد رُوي عن علقمة، عن عبداللّه نحو هذا. قال القرطبيّ: وهذا هو مذهب مالك، والشافعي: أن الدية تكون مُخَمَّسة. قال الخطابي: وقد رُوي عن نفر من العلماء، أنهم قالوا: دية الخطإ أرباع، وهم الشعبي، والنخعي، والحسن البصري، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، إلا أنهم قالوا: خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض، وقد رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب. قال أبو عمر: أما قول مالك، والشافعي، فرُوي عن سليمان بن يسار، وليس فيه عن صحابي شئ، ولكن عليه عمل أهل المدينة، وكذلك حَكَى ابن جريج، عن ابن شهاب. قال القرطبيّ: قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك، والشافعي. قال أبو عمر: وأسنان الإبل في الديات، لم تؤخذ قياسا، ولا نظرا، وإنما أخذت اتّباعا وتسليما، وما أُخذ من جهة الأثر، فلا مدخل فيه للنظر، فكلٌّ يقول بما قد صح عنده من سلفه رضي اللَّه عنهم أجمعين. قال القرطبيّ: وأما ما حكاه الخطابي، من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب، فقد حكاه ابن المنذر، عن طاوس، ومجاهد، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة، قال ابن المنذر وبالقول الأول أقول، يريد قول عبدالله، وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدارقطني، والخطابي، وابن عبدالبر، قال: لأنه الأقل مما قيل، وبحديث مرفوع رويناه عن النبي ◌َّة، يوافق هذا القول. قال القرطبيّ: واعجبًا لابن المنذر، مع نقده، واجتهاده، كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد على صحته، لكن الذهول والنسيان، قد يعتري الإنسان، وإنما الكمال ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ لعزة ذي الجلال. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣١٧/٥-٣١٨ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول طاوس رحمه الله تعالى، وهو العمل بما دلّ عليه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه رَّه ، الذي سبق قبل هذا الحديث آخر الباب الماضي، فإنه حديث صحيح، كما سبق بيانه، فتبصّر، ولا تتحيّر . وهذه المسألة تقدّمت بعينها في المسألة العاشرة من مسائل الحديث ٤٧٩٣ - وإنما أعدتها للزيادة والبسط، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في وجوب دية الخطا على العاقلة؟: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ثبتت الأخبار، عن النبي المختار، محمد وَاليه، أنه قضى بدية الخطا على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به، وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطإ على العاقلة، دليل على أن المراد من قول النبي وَّ لأبي رِمْثَةً حيث دخل عليه، ومعه ابنه: ((إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه))، العمد دون الخطإ. وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة، واختلفوا في الثلث، والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا، ولا اعترافا، ولا صلحا، ولا تحمل من دية الخطإ إلا ما جاوز الثلث، وما دون الثلث في مال الجاني. وقالت طائفة عقل الخطا على عاقلة الجاني، قَلْت الجناية أو كثرت؛ لأن من غَرِمَ الأكثر غرم الأقل، كما عُقِل العمدُ في مال الجاني قل أو كثر، هذا قول الشافعي. انتھی . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول بتحميل العاقلة الدية مطلقًا، قلّت، أو كثُرت هو الأرجح؛ لإطلاق النصوص. والله تعالى أعلم بالصواب. قال: وحكمها أن تكون منجمة على العاقلة، والعاقلة العصبة، وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة، ولا الإخوة من الأم بعصبة؛ لأخوتهم من الأب والأم، فلا يعقلون عنهم شيئا، وكذلك الديوان لا يكون عاقلة، في قول جمهور أهل الحجاز، وقال الكوفيون يكون عاقلة، إن كان من أهل الديوان، فتُنَجَّم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام، على ما قضاه عمر وعلي؛ لأن الإبل قد تكون حوامل، فتضُرّ به، وكان النبي وَليه يعطيها دَفْعَة واحدة؛ لأغراض، منها: أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا، ومنها أنه كان يُعجّلها تأليفا، فلما تمهد الإسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام، قاله ابن العربي . وقال أبو عمر: أجمع العلماء قديما وحديثا، أن الدية على العاقلة، لا تكون إلا في ١٨٣= ٣٥- (ذِكْرُ الدِّيَّةِ مِنَ الوَرِقِ) - حديث رقم ٤٨٠٥ ثلاث سنين، ولا تكون في أقل منها، وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال، وأجمع أهل السير والعلم، أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول اللّه وَّلّ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك، حتى جعل عمر الديوان، واتفق الفقهاء على رواية ذلك، والقول به، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول اللَّه وَله، ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٢٠/٥-٣٢١. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه المسألة أيضًا تقدّم البحث عنها، وإنما أعدتها لأجل الزيادة والإيضاح، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُعَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ،﴾: الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه ﴿ُسَلَّمَةُ﴾: مدفوعة مؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة، أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السنة، ولاشك أن إيجاب المواساة على العاقلة، خلاف قياس الأصول في الغرامات، وضمان المتلفات، والذي وجب على العاقلة، لم يجب تغليظا، ولا أن وزر القاتل عليهم، ولكنه مواساة محضة، واعتقد أبو حنيفة، أنها بإعتبار النصرة، فأوجبها على أهل ديوانه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٣٥- (ذِكْرُ الدِّيَّةِ مِنَ الْوَرِقِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: (الوَرِق)) - بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن تخفيفًا -: هي النُّقر - أي الفضّة- المضروبة، وقيل: مطلقًا، أي سواء كانت مضروبةً، أو لا. وقيل: الورق: المال من الدراهم، والجمع أوراقٌ، والرِّقَة بالكسر، كالْعِدَة بمعنى الورق. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ح و أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَّالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَّسُولِ اللّهِ وَِّ، فَجَعَلَ النَِّيُّ وََّهِ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًّا، وَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] فِي أَخْذِهِمُ الدِّيَّةَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١ - (محمد بن المثنّى) العنزيّ، أبو موسى الزمن البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٨٠/٦٤ . ٢- (أبو داود) سليمان بن سيف الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. ٣- (معاذ بن هانىء) القيسيّ، أبو هانىء البصريّ، ثقة، من كبار [١٠] ٤٠١٣/٣. ٤- (محمد بن مسلم) الطائفيّ، واسم جدّه سوس، وقيل: سوسن بزيادة نون في آخره، وقيل: بتحتانيّة، بدل الواو فيهما، وقيل: مثلُ حُنين، صدوقٌ يُخطىء [٨] ٢/ ٣٩٤٨ . ٥- (عمرو بن دينار) الجمحي، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢ / ١٥٤. ٦- (عكرمة) مولى ابن عباس البربريّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥ . ٧- (ابن عباس) عبدالله رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا) زاد أبو داود من طريق زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم: ((من بني عديّ)) (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَِّهِ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) أي من الدراهم. قال السنديّ: هذا يؤيّد القول أن النقد كان مختلفًا بحسب الأوقات، فإن قيمة الإبل مختلفة بحسب الأوقات. والله تعالى أعلم. انتهى. وفيه دليل على أن الدية، من الفضة اثنا عشر ألف درهم، قال الخطابي: قال مالك، وأحمد، وإسحاق: إن الدية، إذا كانت نقدا فمن الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا، ورُوي ذلك عن الحسن البصري، وعروة بن الزبير، وعند أبي حنيفة: من الذهب ألف دينار، ومن الدراهم عشرة آلاف، وكذلك قال سفيان الثوري، وحُكي ذلك عن ابن شبرمة. انتهى. (وَذَكَرَ) أي ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما (قَوْلَهُ: ﴿إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن ١٨٥ =سـ ٣٥- (ذِكْرُ الدِّيَّةِ مِنَ الْوَرِقِ) - حديث رقم ٤٨٠٥ فَضْلِهٍ﴾ فِي أَخْذِهِمُ الدِّيَةَ) ولفظ ((الكبرى))، و((سنن ابن ماجه)): ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ﴾ والمراد أن اللَّه تعالى أغناهم بشرع الدية، فأخذوها. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ذُكر في هذا الحديث من سبب نزول هذه الآية، قد ذكره الإمام ابن جرير الطبريّ رحمه اللّه تعالى في ((تفسيره))، فقال: وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوَاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهٍ﴾ ذُكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر، كان فقيرا فأغناه اللَّه، بأن قُتل له مولى، فأعطاه رسول الله إنَّه ديته، فلما قال ما قال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ يقول: ما أنكروا على رسول اللَّهِ وَّ شيئا، إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله. ذِکرُ من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّ أَنْ أَغْنَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهٍ﴾ وكان الجلاس قُتل له مولى له، فأمر له رسول اللّه وَلّل بديته، فاستغنى، فذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: قضى النبي ◌َّ بالدية اثني عشر ألفا، في مولى لبني عدي بن كعب، وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَئُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلٍِ﴾. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهٍ﴾ قال: كانت لعبد الله بن أُبَيّ دية، فأخرجها رسول اللّه وَلّل له. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة، أن مولى لبني عدي بن كعب، قَتل رجلا من الأنصار، فقضى رسول اللَّه وَّ بالدية اثني عشر ألفا، وفيه أنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهٍ،﴾، قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي ◌ََّ إلا من عكرمة- يعني الدية اثني عشر ألفا -. حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا محمد بن سنان الْعَوَفيّ، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أن النبي ◌َّ جعل الدية اثني عشر ألفا، فذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قال: بأخذ الدية. انتهى ((تفسير ابن جرير ٣٦٦/١٤-٣٦٧. وقوله: (وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ) يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه أبي داود الحرّانيّ، وأما محمد بن المثنى، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ضعيف، قال المصنّف رحمه الله تعالى في (الكبرى)) ٢٣٥/٤ رقم ٧٠٠٧: قال أبو عبد الرحمن: محمد بن مسلم ليس بالقويّ، والصواب مرسلٌ، وابن ميمون(١) ليس بالقويّ. انتهى. وقال المنذري رحمه الله تعالى في ((مختصر السنن)) ٣٥١/٦-٣٥٣ -: وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا، وأخرجه النسائي، وابن ماجه مرفوعا، وقال الترمذي: ولا نعلم أحدا يَذكُر في هذا الحديث: ((عن ابن عباس)) غير محمد بن مسلم. هذا آخر كلامه. ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي، وقد أخرج ه البخاري في المتابعة، ومسلم في الاستشهاد، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: إذا حدث من حفظه يخطىء، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس. وضعفه الإمام أحمد بن حنبل، وذكر أبو داود أن ابن عيينة لم يذكر ابن عباس، وذكر الترمذي أنه لا يعلم أحدا ذكر ابن عباس في هذا الحديث، غير محمد بن مسلم، وقد أخرجه النسائي عن محمد بن ميمون، عن ابن عيينة، وقال فيه: سمعناه مرة يقول: ((عن ابن عباس))، وأخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن أبي محمد بن صاعد، عن محمد بن ميمون، وقال فيه: ((عن ابن عباس))، وقال الدارقطني: قال محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: ((عن ابن عباس)) مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول: ((عن عكرمة، عن النبي ◌ٍَّ)). وذكره البيهقي من حديث الطائفي موصولا، وقال: ورواه أيضا سفيان، عن عمرو بن دينار موصولا، ومحمد بن ميمون هذا: هو أبو عبد اللَّه المكي الخياط، روى عن ابن عيينة وغيره، وقال النسائي: صالح، وقال أبو حاتم الرازي: كان أميا، مُغَفَّلا، ذُكر لي أنه روى عن أبي سعيد، مولى بني هاشم، عن شعبة حديثا باطلا، وما أُبعِد أن يكون وُضِعَ للشيخ، فإنه كان أميا. انتهى كلام المنذري. والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لأن الصحيح أنه من مرسل عكرمة، ليس فيه ذكر ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٨٠٥/٣٥ و٤٨٠٦ - وفي ((الكبرى)) ٣٤/ ٧٠٠٦ و٧٠٠٧. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٤٦ (ت) في ((الديات)) ١٣٨٨ (ق) في ((الديات)) ٢٦٣٢ و((اللباس)) ٢٦٢٩ (الدارمي) في ((الديات)) ٢٢٥٧ . (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الدية الواجبة على غير أهل الإبل: (١) يعني الأتي في السند التالي. ١٨٧ ٣٥- (ذِكْرُ الدِّيَّةِ مِنَ الْوَرِقِ) - حديث رقم ٤٨٠٥ ثبتت الأخبار عن رسول اللّه ◌َ له، بأن الدية مائة من الإبل ووداها ◌َّ في عبدالله بن سهل، المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن، فكان ذلك بيانا على لسان نبيه ◌َ الَلِرَ، لمجمل كتابه، وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائةً من الإبل، واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل، فقالت طائفة: على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام، ومصر، والمغرب، هذا قول مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد قوليه في القديم، ورُوي هذا عن عُمر، وعروة بن الزبير، وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق، وفارس، وخُرَاسان، هذا مذهب مالك، على ما بلغه عن عمر، أنه قَوّم الدية على أهل القرى، فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وقال المزني: قال الشافعي: الدية الإبل، فإن أعوزت، فقيمتها بالدراهم والدنانير، على ما قَوَّمها عمر ألف دينار على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: الدية من الورق عشرة آلاف درهم، رواه الشعبي، عن عَبِيدة، عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألف شاة، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل الْحُلَل مائتي حلة، قال أبو عمر، في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية، لا على وجه البدل والقيمة، وهو الظاهر من الحديث، عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر في البقر، والشاء، والحلل، وبه قال عطاء، وطاوس، وطائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين، قال ابن المنذر: وقالت طائفة: دية الحر المسلم مائة من الإبل، لا دية غيرها، كما فرض رسول اللَّه وَليّ، هذا قول الشافعي، وبه قال طاوس، قال ابن المنذر: دية الحر المسلم مائة من الإبل، في كل زمان، كما فرض رسول اللّه وَّله، واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه، في أعداد الدراهم، وما منها شئ يصح عنه؛ لأنها مراسيل، وقد عرفتك مذهب الشافعي، وبه نقول. انتهى ((تفسير القرطبي)) ٣١٦/٥. وقال الموفّق في ((المغني)) ٦/١٢ عند قول الْخِرَقَيّ: ((ودية الحرّ المسلم مائة من الإبل)): ما نصّه: أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت عليه الأحاديث الواردة، منها: حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمرو في دية خطإ العمد، وحديث ابن مسعود في دية الخطإ. وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل، لا غير، وهذا إحدى الروايتين عن ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ أحمد رحمه اللَّه، ذكر ذلك أبو الخطاب، وهو قول طاوس، والشافعي، وابن المنذر، وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل، والذهب، والورق، والبقر، والغنم، فهذه خمسة، لا يختلف المذهب فيها، وهذا قول عمر، وعطاء، وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة، وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد؛ لأن عمرو بن حزم رَوَى في كتابه أن رسول اللّه وَ لّ، كتب إلى أهل اليمن: ((وأن في النفس المؤمنة مائةً من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار))، رواه النسائي(١). ورَوَى ابن عباس أن رجلا من بني عدي قُتِل، فجعل النبي ◌َّ ديته اثني عشر ألفا، رواه أبو داود، وابن ماجه. ورَوَى الشعبي أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار(٢). وعن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر قام خطيبا، فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت، فَقَوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الْحُلَل مائتي حلة، رواه أبو داود. واحتجّ الأولون بقول النبي ◌َّر: «ألا إن في قتيل عمد الخطا قتيلِ السوط، والعصا، مائةً من الإبل))، ولأن النبي ◌َ لّه فرق بين دية العمد والخطإ، فغلظ بعضها، وخفف بعضها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل، ولأنه بدلُ مُثْلَفٍ حَقًّا لآدمي، فكان متعينا كعوض الأموال، وحديث ابن عباس يحتمل أن النبي ود لّ أوجب الورق بدلا عن الإبل، والخلاف في كونها أصلًا، وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل، ولو كانت أصولا بنفسهالم يكن إيجابها تقويما للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا لذكره معنى، وقد رُوي أنه كان يقوم الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف، حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم. انتهى («المغني) ٦/١٢-٧. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه طاوس، والشافعيّ، وابن المنذر، وأحمد في إحدى الروايتين عنه من أن أصل الدية هي الإبل، وأما غيرها من الدنانير، والدراهيم، والبقر، وغيرها فمن باب البدل، إذا عزّت الإبل، أو لم توجد أصلًا، فتقوّم بهذه الأشياء بالغة ما بلغت، هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، كما سبق تقريره آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، (١) حديث مشهور سيأتي للمصنّف مطوّلا في ٤٦/ ٤٨٥٥ إن شاء الله تعالى. (٢) الصحيح أنه من مرسل عكرمة، وليس فيه ذكر لابن عبّاس، فتنبّه. ٣٦- (عَقْلُ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٠٧ ١٨٩ == سَمِعْنَاهُ مَرَّةً يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ، قَضَى بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًّا - يَعْنِي فِي الدِّيَّةِ- ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن ميمون)) الخيّاط البزّاز، أبو عبد الله المكيّ، بغداديّ الأصل، صدوقٌ، ربّما أخطأ [١٠]. وفي (تهذيب التهذيب)): رَوَى عن ابن عيينة، وأبي سعيد مولى بني هاشم، والوليد ابن مسلم، ومعاذ، وشعیب بن حرب، وعبد المجید بن أبي روّاد، ووهب بن جریر بن حازم، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم. ورَوَى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والبحتري، وابن أبي عاصم، وأبو بشر الدولابي، وزكرياء الساجي، ومحمد بن علي الحكيم، وابن صاعد، والبغوي، وأبو عروبة، وآخرون. قال أبو حاتم: كان أميا مُغَفّلًا، ذُكر لي أنه رَوَى عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن شعبة، حديثا باطلا، وما أُبعِد أن يكون وُضع للشيخ، فإنه كان أميا. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في ((مشيخته)): أرجو أن لا يكون به بأس. وقال مسلمة في ((الصلة)): لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما وهم، ذُكر أنه بغدادي، سكن مكة، قال الدولابي: مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. تفرّد المصنّف، والترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وفي ((كتاب الاستعاذ)) ٥٥١٥/٥٠- حديث أبي هريرة تظنه، مرفوعًا: ((عُوذوا بالله عز وجل من عذاب الله ... )) الحديث. و((سفيان)): هو ابن عُيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار. والحديث مرسلٌ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣٦- (عَقْلُ الْمَرْأَةِ) ٤٨٠٧- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ: ((عَقْلُ الْمَزْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا))). ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عيسى بن يونس) الفاخوريّ، أبو موسى الرمْليّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [١١] ٣١٧٧/٤٢ . ٢- (ضمرة) بن ربيعة الفلسطينيّ، أبو عبد الله، دمشقيّ الأصل، صدوق، بِهِمُ قليلًا [٩]٢٦٨٨/٤١ . ٣- (إسماعيل بن عيّاش) بن سُليم الْعَنْسيّ - بالنون- أبو عُتبة الحمصيّ، صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مُخَلّطٌ في غيرهم [٨]. رَوَى عن محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو، وضمضم بن زُرعة، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، والأوزاعي، وأبي وهب الكَلاعي، والزبيدي، وهشام بن الغاز، وأبي بكر بن أبي مريم، وشُرَحبيل بن مسلم، وهو أكبر شيوخه، وبَحِير بن سعد، وثور بن يزيد، وحبيب بن صالح، وعن زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وابن جريج، وحَجّاج بن أرطاة، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وصالح بن كيسان، وأبي طُوالة، وخلق من أهل الشام، والحجاز، والعراق، وغيرهم. رَوَى عنه محمد بن إسحاق، وهو أكبر منه، والثوري، والأعمش، وهما من شيوخه، والليث بن سعد، وبقية، والوليد بن مسلم، ومعتمر بن سليمان، وهم من أقرانه، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وحجاج الأعور، وشبابة بن سوار، وغيرهم من الكبار، وابنه محمد، وأبو الجماهير، ويحيى بن معين، وأبو عبيد، وعثمان بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، والحسن بن عَرَفة العبدي، وجماعة. قال محمد بن مهاجر في قصة: كيف أريد أن أكون مثل هذا وهذا فقيه يعني إسماعيل- وقال يزيد بن هارون: رأيت شعبة عند الفَرَج بن فَضَالة يسأله، عن حديث إسماعيل بن عياش. وقال أبو اليمان: كان يحيى الليل. وقال عثمان بن صالح السهمي: كان أهل حمص يتنقصون علي بن أبي طالب، حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائله، فَكَفُّوا. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي لداود بن عمرو، وأنا أسمع: كم كان يحفظ يعني إسماعيل-؟ قال: شيئا كثيرا، قال: كان يحفظ عشرة آلاف، قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فقال أبي: هذا كان مثل وكيع. وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشاميين من إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم. وقال ابن المديني: رجلان هما صاحبا حديث ١٩١ ٣٦- (عَقْلُ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٠٧ = بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة. وقال أبو اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة في العلم، وكانوا يقولون: نجهد، ونتعب، ونسافر، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل بن عياش. وقال يعقوب بن سفيان: تكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيل ثقة، عدل، أعلم الناس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يُغرِب عن ثقات المدنيين، والمكيين. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، ما أدري ما سفيان الثوري؟ وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عن إسماعيل بن عياش؟ فقال: ليس به في أهل الشام بأس، والعراقيون يكرهون حديثه، قيل ليحيى: أيما أثبت بقية، أو إسماعيل؟ قال: صالحان. وقال عثمان الدارمي عنه: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عنه: ثقة فيما رَوَى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم. وقال مضر بن محمد الأسدي عنه: إذا حدث عن الشاميين، وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين، خَلَّطَ ما شئت. وقال الدوري عنه: ثقة، وكان أحب إلى أهل الشام من بقية، وإسماعيل أحب إليّ من فَرَج بن فَضَالة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى عنه؟ فقال: إذا حدث عن الثقات، مثل محمد بن زياد، وشُرَحبيل بن مسلم، قلت ليحيى: فيكتب عنه؟ فقال: نعم سمعت منه شيئا. وقال أبو بكر المروذي: سألته يعني أحمد؟ فحسن روايته عن الشاميين، وقال: هو فيهم أحسن حالا مما روى عن المدنيين، وغيرهم. وقال أبو داود عنه: ما حَدَّث عن مشائخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما ما حدث عن غيرهم، فعنده مناكير، وقال أحمد بن الحسن عنه: إسماعيل أصلح بَدَنًا (١) من بقية. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سئل أبي عنه؟ فقال: نظرت في كتابه، عن يحيى بن سعيد، أحاديث صحاح، وفي المصنف يعني مصنف إسماعيل- أحاديث مضطربة، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان يُؤَثَّق فيما رَوَى عن أصحابه، أهل الشام، فأما ما روى عن غير أهل الشام، ففيه ضعف. وقال الفلاس: نحو ذلك، وقال أيضا: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه، وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل، لو ثبت على حديث أهل الشام، ولكنه خَلَّط في حديثه عن أهل العراق، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما وتركه. وقال دُحَيم: إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين، وكذا قال البخاري، والدولابي، ويعقوب بن شيبة. وقال ابن عدي: إذا (١) هكذا عبارة ((التهذيبين))، وهي غامضة المعنى، فليُنظر؟. == ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ روى عن الحجازيين، فلا يخلو من غلط، إما أن يكون حديثا برأسه، أو مرسلا يوصله، أو موقوفا يرفعه، وحديثه عن الشاميين، إذا روى عنه ثقة، فهو مستقيم، وهو في الجملة ممن يكتب حديثه، ويحتج به في حديث الشاميين خاصة. وقال وكيع: أخذ مني أطرافا لإسماعيل بن أبي خالد، فرأيته يخلط في أخذه. وقال الجوزجاني: سألت أبا مسهر عن إسماعيل بن عياش وبقية؟ فقال كل: منهم كان يأخذ عن غير ثقة، فإذا أخذت حديثهم عن الثقات، فهو ثقة، قال الجوزجاني: أما إسماعيل فما أشبه حديثه بثياب نيسابور، يُرقّم على الثوب المائة وأقل، وشراءه دون عشرة، وكان أروى الناس عن الكذابين، وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمد منه في حديث غيرهم. وقال أبو حاتم: لين يكتب حديثه، لا أعلم أحدا كَفَّ عنه، إلا أبو إسحاق الفزاري. وفي مقدمة ((صحيح مسلم))، عن أبي إسحاق الفزاري: اكتُبْ عن بقية ما رَوَى عن المعروفين، ولا تكتب عنه ما رَوَى عن غير المعروفين، ولا تكتب عن إسماعيل ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم. وفي كتاب العقيلي عن الفزاري: ذَكَر إسماعيل، فقال: ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه. وقال محمد بن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن إسماعيل بن عياش قط. وقال النسائي: صالح في حديث أهل الشام. وقال عبد الله بن أحمد: عرضت على أبي حديثا حدثناه الفضل بن زياد، ثنا ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعا: ((لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن)»، فقال أبي: هذا باطل، وسئل أبي عن إسماعيل وبقية؟ فقال: بقية أحب إلي، وقال أحمد: في حديثه عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، مرفوعا: ((من قاء، أو رَعَف، فأحدث في صلاته ... )) الحديث: صوابه مرسل. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقد صحح له الترمذي غير ما حديث، عن الشاميين. وقال ابن المبارك: لا أستحلي حديثه، وضعف روايته عن غير الشاميين أيضا النسائي، وأبو أحمد الحاكم، والْبَرْقي، والساجي، وذكره الفسوي في ((باب من يُرغب عن الرواية عنهم))، وقال أبو داود: بقية أقل مناكير، وإسماعيل أحب إلي من فَرَج بن فَضَالة. وقال الحاكم: هو مع جلالته، إذا انفرد بحديث لم يقبل منه؛ لسوء حفظه. ورُوِي عن علي ابن حجر، أنه قال: ابن عياش حجة، لولا كثرة وهمه. وقال ابن حبان: كان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على جهته، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء، خلط فيه، وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق المتن بالمتن، وهو لا يعلم، فمن كان هذا نعته، حتى صار الخطأ في حديثه یکثر، خرج عن حد الاحتجاج به. ١٩٣ - ٣٦- (عَقْلُ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٠٧ قال محمد بن عون: كان مولده سنة (١٠٢) وقال بقية: وُلد سنة (٥) وقال زيد بن عبد ربه: وُلد سنة (٦) وكذا قال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد، وجماعة: مات سنة (١٨١) وقال محمد بن سعد، وخليفة، وأبو عبيد: مات سنة (٨٢) روى له البخاريّ في ((جزء رفع اليدين))، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. قال الحافظ: له في ((البخاري)) شيء مُعَلَّق من غير أن يصرح به، كقوله في ((الأذان)): ويُذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه. ٤- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه، فاضلٌ، إلا أنه يدلّس، ويرسل [٦] ٣٢/٢٨. والباقون تقدموا قبل بابين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الَّهِ وَلِّ: ((عَقْلُ الْمَرْأَةِ) بفتح العين المهملة، وسكون القاف: أي ديتها، إذا قُتلت خطأ (مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا) يعني أنها تساوي الرجل في الدية فيما إذا لم يبلغ إلى ثلث الدية، فإذا تجاوزت الثلث، وبلغ النصفَ، صارت ديتها على النصف من دية الرجل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عيّاش، عن ابن جريج، وهو مكيّ، وإسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده ضعيف، كما سبق إيضاحه في ترجمته آنفًا، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٣٦/ ٤٨٠٧- وفي ((الكبرى)) ٧٠٠٨/٣٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في أقوال أهل العلم في دية المرأة: قال في ((المغني)) ٥٦/١٢ -: قال ابن المنذر، وابن عبد البر رحمهما الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، وحَكَى غيرهما عن ابن علية، والأصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل؛ لقوله وَ له: ((في نفس المؤمنة مائة من الإبل))، وهذا قول شاذ، يخالف إجماع الصحابة، وسنة النبي ◌َّ، فإن في كتاب عمرو بن حزم: (دية المرأة على النصف من دية الرجل))، وهي أخص مما ذكروه، وهما في كتاب ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ واحد، فيكون ما ذكرنا مُفَسِّرًا لما ذكروه، مُخَصِّصًا له، ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم. انتهى. وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: قال أبو عمر: إنما صارت ديتها- والله أعلم- على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما في دية الخطإ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء؛ لقوله عز وجل: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله: ﴿اَلُّْ بِالْخُرُّ﴾. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٢٥/٥ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في دية جراح المرأة: قال الموفّق رحمه الله تعالى: وتُساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلی النصف، ورُوي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ۵۵ ، وبه قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك. قال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة، وحُكي عن الشافعي في القديم. وقال الحسن: يستويان إلى النصف، ورُوي عن علي رضي الله عنه: أنها على النصف فيما قَلّ، وكثر، ورُوي ذلك عن ابن سيرين، وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، ولأنها جناية لها أرش مُقَدَّر، فكان من المرأة على النصف من الرجُلِ، كاليد، ورُوي عن ابن مسعود رَّ أنه قال: تُعاقلُ المرأة الرجل إلى نصف عشر الدية، فإذا زاد على ذلك، فهي على النصف؛ لأنها تساويه في الموضحة. واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رَّه المذكور في هذا الباب، قال الموفّق: وهو نص، يقدم على ما سواه. وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قال: قلت: لَمَا عَظُمت مصيبتها قَلَّ عقلها؟ قال: هكذا السنة يا ابن أخي، وهذا مقتضى سنة رسول اللّه وَّ ل، رواه سعيد بن منصور، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك، إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك عنه، ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى، بدليل الجنين، فإنه '، ١٩٥ ٣٧- (كَمْ دِیةُ الكَافِرِ) - حديث رقم ٤٨٠٨ يستوي فيه الذكر والأنثى، فأما الثلث نفسه، فهل يستويان فيه على روايتين، إحداهما: يستويان فيه؛ لأنه لم يعتبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية به، وروي أنهما يختلفان فيه، وهو الصحيح؛ لقوله عليه السلام: ((حتى يبلغ الثلث))، و((حتى)) للغاية، فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقول الله تعالى: ﴿حَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله عليه السلام: ((الثلث، والثلث كثير)). انتهى ((المغني)) ٥٨/١٢ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول بأنها على النصف فيما قلّ، أو كثر أقرب، كما اختاره ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى؛ عملًا بما ثبت في ديتهما في النفس، وأما ما احتجّ به الأولون من حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما، فقد عرفت أنه لا يصلح؛ لضعفه، فلو كان صحيحًا، لكان أقوى متمسّك في المسألة، لكن الحال كما وصفت، وأما دعوى إجماع الصحابة ، فغير صحيحة؛ إذ الخلاف قائم، كما عرفت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٣٧- (كَمْ دِیَةُ الْكَافِرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالكافر هنا هو اليهودي، والنصرانيّ، كما هو نصّ الحديث، وأما غيرهم من الكفّار، فسنذكر دياتهم في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٠٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَذَكَرَ كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدْهِ، قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللّهِ وَرَ: ((عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. ومحمد بن راشد، وسليمان بن موسى تقدّما قبل ثلاثة أبواب، والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. والله تعالى أعلم. ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: عَقْلُ أَهْلِ الذُمَّةِ) أي دية الكافر الذي بينه وبين المسلمين ذمّةٌ: أي عهد (نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ) أَي نصف ديتهم (وَهُمُ) أي الذمّة (الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى) يعني أن المراد بأهل الذمّة هم اليهود والنصارى، وإنما خصّهم بالذكر لأن غيرهم من الكفرة تخالف ديتهم ديتهم، فدية المجوسيّ ثمانمائة درهم، وكذلك عبدة الأوثان، ونحوهم، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيحٌ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٨٠٨/٣٧ ٤٨٠٩ - وفي («الكبرى» ٧٠٠٩/٣٦ و٧٠١٠. وأخرجه (ق) في ((الديات)) ٢٦٤٤ (أحمد) في ((مسند المكثرين ٦٦٧٧ و٧٠٥٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في دية الكتابيّ: ذهب عمر بن عبد العزيز، وعروة، ومالك، وعمرو بن شعيب، وأحمد بن حنبل إلى أن دية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم، ونساؤهم على النصف من دياتهم. وعن أحمد: أنها ثلث دية المسلم، إلا أنه رجع عنها، فإن صالحا رَوَى عنه، أنه قال: كنت أقول: إن دية اليهوديّ والنصراني أربعة آلاف، وأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب، وحديث عثمان الذي يرويه الزهري، عن سالم، عن أبيه، وهذا صريح في الرجوع عنه. ورُوي عن عمر، وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور؛ لما رَوَى عبادة بن الصامت رَّ أن النبي ◌َّ قال: (دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف))، ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وقال علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة: ديته كدية المسلم، ورُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، ومعاوية ١٩٧ ٣٧- (كَمْ دِيُّ الکافِر) - حديث رقم ٤٨٠٨ رضي الله عنهم. وقال ابن عبد البر: هو قول سعيد بن المسيب، والزهري؛ لما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي وَ لير قال: ((دية اليهودي والنصراني، مثل دية المسلم))، ولأن اللَّه تعالى ذكر في كتابه دية المسلم، فقال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقال في الذمي مثل ذلك، ولم يفرق، فدل على أن ديتهما واحدة، ولأنه ذَكَرٌ حُرٌّ معصوم، فتكمل ديته كالمسلم . واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رَّه المذكور في هذا الباب، ورواه أحمد بلفظ: ((دية المعاهد نصف دية المسلم))، وفي لفظ: ((أن النبي وَ لير، قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم))، وفي لفظ: ((دية المعاهد نصف دية الحر)). قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا، ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد، وقول رسول اللّه ◌َلل أولى. قال الموفّق: ولأنه نَقْصٌ مؤثر في الدية، فأثر في تنصيفها كالأنوثة، وأما حديث عبادة، فلم يذكره أهل السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح، وأما حديث عمر، فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية آلاف، فأوجب فيه نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((كانت قيمة الدية على عهد رسول اللّه وَ ل ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف»، فهذا بيان، وشرح مزيل للإشكال، ففيه جمع للأحاديث، فيكون دليلا لنا، ولو لم يكن كذلك لكان قول النبي بَلهر، مقدما على قول عمر وغيره، بغير إشكال، فقد كان عمر رَّ إذا بلغه عن النبي وَلّ سنة، ترك قوله وعمل بها، فكيف يسوغ لأحد أن يحتج بقوله في ترك قول رسول اللّه وَليّ، فأما ما احتج به الآخرون، فإن الصحيح من حديث عمرو بن شعيب ما رويناه، أخرجه الأئمة في كتبهم، دون ما رووه، وأما ما رووه من أقوال الصحابة، فقد رُوي عنهم خلافه، فنحمل قولهم في إيجاب الدية كاملة على سبيل التغليظ، قال أحمد: إنما غلظ عثمان الدية عليه؛ لأنه كان عمدا فلما ترك القود، غَلّظ عليه، وكذلك حديث معاوية، ومثل هذا ما رُوي عن عمر رضي الله عنه، حين انتحر رقيق حاطب ناقة لرجل مزني، فقال لحاطب: إني أراك تُجيعهم لأُغَرِّمنك غرما يشق عليك، فأغرمه مثلي قيمتها . قال: فأما ديات نسائهم، فعلى النصف من دياتهم، لا نعلم في هذا خلافا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل، ولأنه لما كان دية نساء ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ المسلم على النصف من دياتهم، كذلك نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم. انتهى كلام الموفّق («المغني)» ٥١/١٢-٥٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول الأول، وهو أن دية الكتابيّ نصف دية المسلم؛ لصحّة حديث الباب الذي هو نصّ في الموضوع، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في دية الكافر غير الكتابيّ: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن دية المجوسي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف، قال الإمام أحمد: ما أقل ما اختلف في دية المجوسي، وممن قال ذلك: عمر، وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ديته نصف دية المسلم، كدية الكتابي؛ لقول النبي ◌ُّ: ((سُنُوا بهم سنة أهل الكتاب))(١). وقال النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي حر معصوم، فأشبه المسلم. قال الموفّق: ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولم نَعرِف لهم في عصرهم مخالفا، فكان إجماعا، وقوله: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب))، يعني في أخذ جزيتهم، وحَقْن دمائهم، بدليل أن ذبائحهم، ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم، ولا الكتابي، لنقصان ديته وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته، كنقص المرأة عن دية الرجل، وسواء كان المجوسي ذميا، أو مستأمنا؛ لأنه محقون الدم، ونساؤهم على النصف من دياتهم بإجماع، وجراح كل واحد معتبرة من ديته، وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية على القاتل المسلم؛ لإزالة القود، نص عليه أحمد قياسا على الكتابي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول الأول، وهو أن دية المجوسيّ ثمانمائة درهم؛ للدليل الذي ذكره الموفّق، وأما حديث: ((سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب))، فضعيفٌ؛ لأنه من رواية محمد بن عليّ الباقر، عن عمر تَظّه ، ولم يدركه، فتنبه. والله تعالى أعلم. قال: فأما عبدة الأوثان، وسائر من لا كتاب له، كالتُّرك، ومن عبد ما استحسن فلا (١) أخرجه مالك في ((الموطإ)) وهو ضعيف؛ للانقطاع في سنده. انظر (الإرواء)) ٨٨/٥. ١٩٩ == ٣٧- (کَمْ دِیةُ الگافِر) - حديث رقم ٤٨٠٨ دية لهم، وإنما تحقن دماءهم بالأمان، فإذا قتل من له أمان منهم، فديته دية مجوسي؛ لأنها أقل الديات، فلا تنقص عنها، ولأنه كافر ذو عهد، لا تحل مناكحته فأشبه المجوسي . قال: ومن لم تبلغه الدعوة من الكفار، إن وجد لم يجز قتله، حتى يُدعَى، فإن قُتل قبل الدعوة من غير أن يُعطَى أمانا، فلا ضمان فيه؛ لأنه لا عهد له، ولا إيمان فأشبه امرأة الحربي، وابنه الصغير، وإنما حرم قتله لتَبْلُغَهُ الدعوة، وهذا قول أبي حنيفة . وقال أبو الخطاب: يُضمن بما يُضمن به أهل دينه، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه محقون الدم، فأشبه من له أمان، والأول أولى، فإن هذا ينتقض بصبيان أهل الحرب، ومجانينهم، ولأنه كافر لا عهد له، فلم يضمن كالصبيان والمجانين، فأما إذا كان له عهد، فله دية أهل دينه، فإن لم يعرف دينه، ففيه دية المجوسي؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه. انتهى كلام الموفَّق رحمه اللَّه تعالى ((المغني)) ٥٥/١٢- ٥٦ . وقال العلّامة الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: ما حاصله: احتج من قال: إن ديته ثلث دية المسلم بفعل عمر المذكور، من عدم رفع دية أهل الذمة، وأنها كانت في عصره أربعة آلاف درهم، ودية المسلم اثني عشر ألف درهم . ويجاب عنه بأن فعل عمر ليس بحجة، على فرض عدم معارضته، لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف وهو هنا معارض للثابت قولا وفعلا، وتمسكوا في جعل دية المجوسي ثلثي عشر دية المسلم بفعل عمر المذكور في الباب. ويجاب عنه بما تقدم، ويمكن الاحتجاج لهم بحديث عقبة بن عامر الذي ذكرناه، فإنه موافق لفعل عمر؛ لأن ذلك المقدار هو ثلثا عشر الدية، إذ هي اثنا عشر ألف درهم، وعشرها اثنا عشر مائة، وثلثا عشرها ثمانمائة، ويجاب بأن إسناده ضعيف كما أسلفنا، فلا يقوم بمثله حجة، لا يقال: إن الرواية بلفظ: ((قضى أن عقل أهل الكتابين الخ)) مقيدة باليهود والنصارى، والرواية بلفظ: ((عقل الكافر نصف دية المسلم)) مطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بالحديث دية اليهود والنصارى دون المجوس؛ لأنا نقول: لا نسلم صلاحية الرواية الأولى للتقييد، ولا للتخصيص؛ لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد المطلق، أو العام، وما كان كذلك فلا يكون مقيدا لغيره، ولا مخصصا له، ويوضح ذلك أن غاية ما في قوله: ((عقل أهل الكتابين)) أن ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ يكون مَنْ عداهم بخلافهم؛ لمفهوم اللقب، وهو غير معمول به عند الجمهور، وهو الحق، فلا يصلح لتخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عقل الكافر نصف دية المسلم»، ولا لتقييده على فرض الإطلاق، ولا سيما ومخرج اللفظين واحد، والراوي واحد، فإن ذلك يفيد أن أحدهما من تصرف الراوي، واللازم الأخذ بما هو مشتمل على زيادة، فيكون المجوسي داخلا تحت ذلك العموم، وكذلك كل من له ذمة من الكفار، ولا يخرج عنه إلا من لا ذمة له، ولا أمان، ولا عهد من المسلمين؛ لأنه مباح الدم، ولو فُرض عدم دخول المجوسي تحت ذلك اللفظ، كان حكمه حكم اليهود والنصارى، والجامع الذمة من المسلمين للجميع. ويؤيد ذلك حديث ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب))(١) . واحتج القائلون بأن دية الذمي كدية المسلم، بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، قالوا: وإطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة، وهي دية المسلم. ويجاب عنه أَوَّلًا بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم، لم لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين، وثانيا بأن هذا الإطلاق مقید بحديث الباب. واستدلوا ثانيا بما أخرجه الترمذي، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وقال: غريب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وَدَى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان لهما عهد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يشعر به عمرو بدية المسلمين، وبما أخرجه البيهقي عن الزهري: أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان ، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال، قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف، وألغى ما كان جعل معاوية، وبما أخرجه أيضا عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، قال جعل: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية العامريين دية الحر المسلم، وكان لهما عهد، وأخرج أيضا من وجه آخر: أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل دية (١) تقدّم أنه ضعيف؛ للانقطاع. ٠