Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ١- (ذِكْرِ الْقَسَامَةِ التِّي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيةِ) - حديث رقم ٤٧٠٨ وقال السنديّ: ((ولا تصبر يمينه)) على بناء المفعول، أو الفاعل، من صبر، كنصر، وضرب، معطوفٌ على ((تُجيزَ))، وروي على صيغة النهي. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم أر في كتب اللغة ضبط صبر بمعنى حبس، كنصر، فالظاهر أنه خطأٌ، وإنما هو كضرب فقط، فتأمّل. وقال في ((الفتح)): قولها: ((ولا تُصبر يمينه))- بالمهملة، ثم الموحدة -: أصل الصبر الحبس والمنع، ومعناه في الأيمان: الإلزام، تقول: صبرته أي ألزمته أن يحلف بأعظم الأيمان حتى لا يسعه أن لايحلف، زاد في رواية البخاريّ: ((حيث تُصبر الأيمان)) ببناء الفعل للمفعول: أي لا تُلزمه أن يحلف في المكان الذي تُصبر فيه الأيمان، وهو بين الركن والمقام. قال ابن التين: ومن هنا استدلّ الشافعيّ على أنه لا يُحلّف بين الركن والمقام على أقلّ من عشرين دينارًا، نصاب الزكاة. قال الحافظ: كذا قال، ولا أدري كيف يستقيم هذا الاستدلال، ولم يذكر أحد من أصحاب الشافعيّ أن الشافعيّ استدلّ بهذه القصّة. انتھی . (فَفَعَلَ) أي وافق أبو طالب على ما طلبت منه المرأة، من عدم تحليف ابنها (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ) أي أتى أبا طالب رجل من قوم القاتل، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولا على اسم أحد من سائر الخمسين، إلا من تقدم، وزاد ابن الكلبي: «ثم حلفوا عند الركن أن خِداشا بريء من دم المقتول (فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَذْتَ خَمْسِينَ رَجُلًا، أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ) بالنصب على المفعولِيّة (بَعِيرَانٍ، فَهَذَانِ بَعِيرَانٍ، فَاقْبَلْهُمَا عَنِّي، وَلَّا) ناهية (تُصْبِرْ يَمِيَنِي) أي لا تُلزمني أن أَخْلِفَ معهم (حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ) تقدم أنه بين الركن والمقام (فَقَبِلَهُمَا) أي قبل أبو طالب البعيرين (وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا حَلَّفُوا) وفي رواية البخاريّ: ((فحلفوا)) بالفاء، وهي أوضح (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قال ابن التين: كأن الذي أخبر ابن عباس بذلك جماعة، اطمأنت نفسه إلى صدقهم، حتى وسعه أن يحلف على ذلك. قال الحافظ: يعني أنه كان حين القسامة لم يولد، ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبي بَّ، وهو أمكن في دخول هذا الحديث في الصحيح. انتهى (مَا حَالَ الْحَوْلُ) أي من يوم حلفوا (وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ) وفي رواية أبي ذرّ عند البخاريّ: ((وفي الثمانية)) (وَالْأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ) -بكسر الراء -: أي تتحرك، زاد ابن الكلبي: ((وصارت رباع الجميع لحويطب)»، فبذلك كان أكثر من بمكة رِبَاعا، وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، قال: ((حلف ناس عند البيت قَسامة، على باطل، ثم خرجوا، فنزلوا ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ تحت صخرة، فانهدمت عليهم))، ومن طريق طاوس، قال: ((كان أهل الجاهلية، لا يُصيبون في الحرم شيئا، إلا عُجُلت لهم عقوبته))، ومن طريق حُويطب: ((أن أمة في الجاهلية، عاذت بالبيت، فجاءتها سيدتها، فجبذتها، فشلت يدها))، ورَوينا في ((كتاب مجابي الدعوة)) لابن أبي الدنيا في قصة طويلة، في معنى سُرْعة الإجابة بالحرم للمظلوم فيمن ظلمه، قال: فقال عمر: ((كان يُفعل بهم ذلك في الجاهلية؛ ليتناهوا عن الظلم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون البعث، فلما جاء الإسلام أخر القصاص إلى يوم القيامة))، ورَوَى الفاكهي، من وجه آخر، عن طاوس، قال: ((يوشك أن لا يصيب أحد في الحرم شيئا، إلا عُجِلت له العقوبة))، فكأنه أشار إلى أن ذلك يكون في آخر الزمان، عند قبض العلم، وتناسي أهل ذلك الزمان أمور الشريعة، فيعود الأمر غريبا كما بدأ. انتهى فتح ١٤/ ٥٤٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٠٨/١- وفي ((الكبرى)) وأخرجه (خ) في ((المناقب)) ٣٨٤٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان أول القسامة التي كانت في الجاهلية. (ومنها): أن ما أقرّه النبيّ ◌َ ل من أفعال الجاهليّة يكون شرعًا مستمرًا بإقراره وَلجر. (ومنها): بيان شؤم الأيمان الكاذبة. (ومنها): أن فيه تعظيم قتل النفس البريئة حتى في أيام الجاهلية. (ومنها): بيان حرمة الحرم جاهليّة، وأن من اجترأ فيه بالمعاصي يعاجَل بالعقوبة، فلما جاء الإسلام لم يزده إلا شدّةً، فقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في «تفسيره)) ٣/ ٢١٥: أقوال المفسّرين لهذه الآية الكريمة، قال: والأجود أنه ضمّن الفعل ههنا معنى (يُهُمُّ))، ولهذا عدّاه بالباء، فقال: ﴿بِظُلْمِ﴾: أي عامدا، قاصدا أنه ظلم، ليس بمتأول، كما قال ابن جريج، عن ابن عباس: هو التعمد، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يُظُلْمٍ﴾: بشرك. وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة، وغير واحد، وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يُظُلْمٍ﴾: هو أن تستحلّ من الحرم ما حرم الله عليك، من إساءة، أو ٢- (القَسَامة) - حديث رقم ٤٧٠٩ ٣٦٣ قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك، فقد وجب له العذاب الأليم. وقال مجاهد: ﴿يُظُلْمٍ﴾ يعمل فيه عملا سيئا، وهذا من خصوصية الحرم، أنه يعاقب البادي فيه الشرَّ، إذا كان عازما عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم، في («تفسيره)): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السُّدِيٌّ، أنه سمع مُرَّةَ، يحدث عن عبد اللَّه- يعني ابن مسعود- في قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ﴾ قال: «لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بِعَدَنِ أَبْيَن، لأذاقه اللَّه من العذاب الأليم))، قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم، قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد، عن يزيد بن هارون به. قال الإمام ابن كثير: هذا الإسناد صحيح، على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه، من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري عن السدي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود موقوفا. والله أعلم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن الظاهر أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن ابن مسعود رَّه لا يروي الإسرائيليّات، وهذا مما لا مجال للرأي فيه. وقد ذُكِرَ أقولٌ أُخَر في معنى الآية، فراجع تفسير ابن كثير ٢٢٥/٣ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) . ٢- (الْقَسَامَةُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى القسامة في الإسلام، كما أنه صرّح في الترجمة السابقة بالقسامة في الجاهلية. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَتَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو: قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَزِ، مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَِّ، أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ). ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (أَخْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/٣٥. ٢- (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤٤٩/١. ٣- (ابن وهب) عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٤- (يونس) بن يزيد الأليلي، ثقة [٩] ٩/ ٩ . ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قریًا. ٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/١. ٧- (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل فقيه، من كبار [٣] ١٥٦/١٢٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وهو وإن كان أيليّا، إلا أنه نزل مصر، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، وهما من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو) بن السرح (قَالَ) أي ابن شهَاب (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) المعنى: أن أحمد بن عمرو الشيخ الأول للمصنّف في هذا الإسناد قال في روايته: قال ابن شهاب: أخبرني الخ، يعني أنه صرّح بالإخبار، والظاهر أن رواية يونس بن عبد الأعلى بالعنعنة، و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال (وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) زاد في رواية مسلمٍ: ((مولى ميمونة، زوج النبيّ نَّه (عَنْ رَجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَه مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ، أَقَرَّ الْقَسَامَةَ) أي أثبتها (َعَلَى مَا كَانَتَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وزاد مسلم من رواية ابن جُريج، عن ابن شهاب بهذا الإسناد: ((وقضى بها رسول اللَّه ◌َلّ بين ناس من الأنصار، في قتيل، ادَّعَوه على اليهود)). يعني القصّة الآتية في الباب التالي، من حديث سهل بن أبي حَثْمَة ◌َّه . قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث حجة للجمهور على من أنكر العمل بالقسامة، فإن ظاهره أنه وم ير وجد الناس على عمل، فلما أسلموا، واستقلّ ٢- (القَسَامة) - حديث رقم ٤٧١٠ ٣٦٥ بتبليغ الأحكام، أقرّها على ما كانت عليه، فصار ذلك حكمًا شرعيًا، يُعمل عليه، ويُحكم به، لكن يجب أن يُبحث عن كيفيّة عملهم الذي كانوا يعملونه فيها، وشروطهم التي اشترطوها، فيُعمل بها من جهة إقرار النبيّ وَّر، لا من جهة الاقتداء بالجاهليّة فيها. انتهى ((المفهم)) ١٨/٥. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي في الباب التالي بيان اختلاف العلماء في حكم القسامة، مفصّلًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث رجل من أصحاب رسول اللَّه وَله من الأنصار وَّه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٤٧٠٧ و ٤٧٠٨- وفي ((الكبرى)) ٢/ ٦٩١٠ و٦٩١١. وأخرجه (م) في ((القسامة)) ١٦٧٠ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٦١٦٢ و((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٦٧٦ و٢٣١٥٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٧١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ: أَنَّ الْقَسَامَةُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّهَا رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا بَيْنَ أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فِي قَتِيلِ ادَّعَوْهُ عَلَى يُودِ خَيْبَرَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن هاشم)): هو ابن سعيد الْبَعْلَبَكْيّ القرشيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٤٥٤/٣ من أفراد المصنّف. و((الوليد)): هو ابن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٤٥٤/٥. و((الأوزاعيّ)): هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام المشهور. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ) أي خالف يونسَ بنَ يزيد، والأوزاعيَّ في روايتهما عن الزهريّ، معمرُ بنُ راشد، فرواه عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، مرسلًا، لكن مثل هذا الخلاف لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لأنهما ثقتان حافظان، فيُقدّمان عليه، ولا سيّما، وقد تابعهما ابن جريج، وصالح بن كيسان، عند مسلم، فروياه موصولًا مثلهما، فلذا أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، من رواية يونس، وابن جريج، ١ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٣٦٦ = = وصالح، كلهم عن الزهريّ، بالإسناد المذكور، فتبصّر، ولا تتحيّر. ثم ذكر رواية معمر، فقال : ٤٧١١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبٍ، قَالَ: كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَةِ، ثُمَّ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ وَءَ فِي الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي وُجِدَ مَقْتُولًا، فِي جُبِّ الْيَهُودِ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: الْيَهُودُ قَتَلُوا صَاحِبَنَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: ((في الأنصاريّ الذي وُجد مقتولًا)): هو عبد الله بن سهل الآتي قصّته في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. وقوله: ((في جُبّ اليهود)»: ((الجبّ)) بضمّ الجب، وتشديد الباء الموحّدة: هي البئر التي لم تُطْوَ، وهو مذكّرٌ، وقال الفرّاء: يُذكّر، ويؤنّث، والجمع أَجْبَابٌ، وجِبَابٌ، وجِبَبَةٌ، مثلُ عِنَبَة. قاله الفيّوميّ. والحديث مرسلٌ صحيحٌ بما قبله، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٧١١/٢ - وفي ((الكبرى)) ٢/ ٦٩١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٣- (تَبْدِئَةُ أَهْلِ الدَّم فِي الْقَسَامَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التبدئة)): مصدر بدأ بالتشديد(١)، يقال: بدأ الشيء، وبدأ بالشيء، وابتدأ به، وأبدأه، وابتدأه، وكلها بمعنى فعله ابتداءً، فمعنى تبدئة أهل الدم في القسامة: تقديم أولياء المقتول في اليمين على أولياء القاتل، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك، قريبًا، إن شاء الله تعالى. ٤٧١٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي (١) لكن لم أجد من أهل اللغة من ضبط بدّأ بتشديد الدال، فليُنظَرْ. ٣- (تَدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي القَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ ٣٦٧= أ حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابُمَا، فَأَتِيَ مُحَيْصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَّى يُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ، وَحُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَخُوهُ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيْصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((كَبْ، كَبِّزْ)، وَتَكَلَّمَ حُوَيْصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ: ((إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ))، فَكَتَبَ النَّبِيُّ وَِّ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّه لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: (تَحَلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟))، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يُودُ؟))، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ، مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَّةٍ نَاقَةٍ، حَتَى أَدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧ . ٢- (أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ) الحارثيّ المدنيّ، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ثقة [٤] . وفي (تهذيب التهذيب)) ٥٧٨/٤-٥٧٩ -: روى عن سهل بن أبي حثمة، ورجال، وقيل: عن رجال من كبراء قومه، و عنه مالك بن أنس، وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى، عبد الله بن سهل، قال ابن سعد: أبو ليلى، اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب، من بني عامر بن عدي بن حُشَم بن مَجْدَعَةَ بن الأوس، وهو الذي رَوَى عنه مالك، حديثَ القسامة. وقال البخاري: عبد الله بن سهل، سمع عائشة. ورَوَى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، عن عائشة، وجابر، كذا نسبه. وقال ابن حبان في ((الثقات)): عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أحد بني حارثة، كنيته أبو ليلى، وكذا قال مسلم، والنسائي، والدولابي، وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم في ((الكنى)): سئل أبو زرعة عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الحارثي؟ فقال: أنصاريّ ثقة، وكان قد ذكر عبد اللَّه بن سهل في الأسماء، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده بعده. ٣- (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ)- بفتح المهملة، وسكون المثلثة- واسم أبي حثمة: عامر ~ ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ابن ساعدة بن عامر، ويقال: اسم أبيه عبد اللَّه، فاشتهر هو بالنسبة الى جده، وهو من بني حارثة، بطن من الأوس، الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيّ صغير، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، ولأبيه صحبة أيضًا، وتقدمت ترجمة سهل رَّ في ٧٤٨/٥ -. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من مالك، ومن قبله مصريان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ) تقدّم أنه قيل: إن اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل (أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَخْبَرَهُ) أي أخبر أبا ليلى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ) - بمضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة المكسورة في الأشهر، ويجوز تسكين الياء. وقال في ((الفتح)): ((محيصة)) - بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورة، بعدها صاد مهملة، وكذا ضَبْطُ أخيه حويصة، وحُكي التخفيف في الاسمين معا، ورجحه طائفة. وهو ابن مسعود بن كعب بن عامر بن عديّ بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، شهد أحدًا، وسائر المشاهد. (خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ) بفتح الجيم، وسكون الهاء: أي مشقّة بلغت الغايةً (أَصَابُهُمَا، فَأَتِيَ مُحَيِّصَةُ، فَأَخْبِرَ) ببناء الفعلين للمفعول: أي أتاه آتٍ، فأخبره (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول أيضًا، وكذا قوله (وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ) بفتح الفاء، وكسر القاف، بلفظ الفقير المقابل للغنيّ: وهي الحفيرة، وفي ((اللسان)): فم القناة. وقال في ((النهاية)) ٤٦٣/٣ -: الفقير: البئر، وقيل: هي القليلة الماء، والفقير أيضًا: فم القَّنَاة، وفَقير النخلة: حُفرة ◌ُحفر للفَسِيلة، إذا حُوِّلت لِتُغْرَسَ فيها، ويقال لها أيضًا الْفُقْرَة بضم، فسكون. انتهى بتصرّف (أَوْ عَيْنِ) ((أو)) للشكّ من الراوي (فَأَتَى) مُحيّصة (ُودَ) بمنع الصرف للعلميّة ووزن الفعل، كما قاله الفيّوميّ (فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ) أي عبد الله ابن سهل (فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ) وفي رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير الآتية: ((فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلًا)» (ثُمَّ أَقْبَلَ) محيّصة (حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) أي قصّ عليه قصّة قتل ٣٦٩ = ٣- (تَدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي القَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ عبد الله ابن سهل رَظمي، فقوله (ثُمَّ أَقْبَلَ) الخ تفسير للجملة السابقة (هُوَ) أي محيّصة، وإنما أتى بالضمير المنفصل؛ ليمكنه عطف قوله (وَحُوَيِّصَةٌ) لأن العطف على ضمير الرفع المتّصل بلا فاصل ضعيف، كما قال ابن مالك : وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِذْ فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِذْ و((حُوَيِّصَة)): بضمّ الحاء المهملة، وفتح الواو، وتشديد التحتانيّة، وقد تُسكّن. (وَهُوَ أَخُوهُ) أي حُوَيِّصة أخو مُحيِّصة، إذ هما ابنا مسعود بن كعب، وقد تقدّم قريبًا ذکر نسبهما . وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((ثم أقبل هو وأخوه حويّصة)): يعني به محيّصة، وهما ابنا مسعود بن زيد، والمشهور في حويّصة، ومُحيِّصة تخفيف الياء، وقد رویا بكسر الياء، وتشديدها، وعلى الوجهين، فهما مصغّران، والمقتول عبد الله بن سهل بن زيد، وأخوه عبد الرحمن بن سهل، فالأربعة بنو عمّ بعضهم لبعض، وإنما تقدّم محيّصة بالكلام؛ لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد اللَّه، غير أنه كان أصغر سنًا من حُوَيّصةً، ولذلك قال النبيّ وَّر: (كبّر كبّر)): أي قدّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك، فتقدّم حويّصة، وكأنه كان أكبر منه، ومن عبد الرحمن أخي المقتول. انتهى ((المفهم)) ٨/٥. (أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو عبد الله بن سهل المقتول (فَذَهَبَ) أي شَرَعَ (مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ) أي ليذكر القضيّة، ويشرحها للنبيّ ◌ََّ، فقوله (وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ) علّة لتقدّمه عليهما في الكلام، أي إنما ذهب ليتكلّم؛ لكونه هو الذي شهد الواقعة، حيث كان مع المقتول في خيبر، فوجد عبد اللَّه مقتولًا فيها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ : (كَبُرْ، كَبِّرْ))) بتشديد الباء الموحدة: أمر بتقديم الأكبر عليه، وكرّره للتأكيد (وَتَكَلَّمَ حُوَيْصَةُ) حيث كان هو الأكبر منهما، وقد أخبره بتفاصيل القضيّة محيّصة، فهو عالم بها (ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ) حيث شهد القضيّة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِمَّا أَنْ يَدُوا) مضارع وَدَى بحذف الواو، كما في يَفِي، والضمير لليهود (صَاحِبَكُمْ) أي يعطوا ديته، يقال: وَدَى القاتل القتيل دِيَةً: إذا أعطى وليَّه المالَ الذي هو بدل النفس (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا) قال السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أنه بفتح الياء من الإذن، بمعنى العلم، مثله قوله تعالى: ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، وضُبط على بناء المفعول، من الإيذان، بمعنى الإعلام، وهو أقرب إلى الخطّ، والمراد أنهم يفعلون أحد الأمرين، إن (١) هكذا في ((المفهم))، والمشهور أنهما ابنا مسعود بن كعب، كما مر آنفًا . ٣٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ثبت عليهم القتل، دم صاحبكم المقتول، أو دم صاحبكم القاتل، على مذهب من يرى القصاص بالقسامة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ثبوت القصاص بالقسامة هو أرجح الأقوال؛ لظاهر النصّ، كما سيأتي تحقيقه في المسائل، إن شاء الله تعالى. (بِحَزْبٍ) أي بمحاربة اللَّه تعالى ورسوله ◌َّد. قال القرطبيّ: هذا الكلام من النبيّ بَله على جهة التأنيس، والتسلية الأولياء المقتول، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم، لا أن ذلك كان حكمًا من النبيّ وَّر على اليهود في حال غيبتهم، فإنه بعدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا حتى يسألهم، ولذلك كتب إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول، ثم إن النبيّ وَّر بعد أن سمع الدعوى لم يستحضر المدّعَى عليهم إليه. انتهى. (فَكَتَبَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي ذَلِكَ) أي في شأن قتل عبد الله بن سهل رَّه (فَكَتَبُوا) أي اليهود إليه وََّ (إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ) زاد في رواية: ((وما علمنا له قاتلًا)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ، لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) * (تَحَلِفُونَ) بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية الآتية: ((أتحلفون خمسين يمينًا)). وهذا هو محلّ الترجمة، حيث بدأ النبيّ وَل بأيمان أهل الدم في القسامة، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجَب بها الدم، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) وفي رواية: ((فيُدفع إليكم برُمّته))، وهو نصّ في أن القسامة يُستحقّ بها الدم، وهو قول معظم الحجازيين، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى (قَالُوا) أي حويّصة، ومحيصة، وعبد الرحمن (لَا) وفي الرواية الآتية: ((كيف نحلف، ولم نشهد، ولم نحضر؟)) (قَالَ) وَّه (فَتَحْلِفُ لَكُمْ يُهُودُ؟) أي فإذا امتنعتم من استحقاق الدم بحلفكم، فتحلف لكم يهود، وفي الرواية الآتية: ((قال: فتبرئكم اليهود بخمسين أنهم لم يقتلوه)) (قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ) وفي رواية سعيد بن عبيدالآتية: (( لا نرضى بأيمان اليهود))، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: ((فتبرئكم يهود بخمسين يمينا»: أي يخلصونكم من الأيمان، بأن يحلفوهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، فلم يجب عليهم شيء، وخلصتم أنتم من الأيمان، ((قالوا: كيف نقبل بأيمان قوم كفار))، وفي رواية: ((نأخذ)) بدل ((نقبل))، وفي رواية: ((ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم يحلفون)). قال في ((الفتح)): ما حاصله: لم يذكر في رواية سعيد بن عبيد، عرض الأيمان على المدعين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد، طلب البينة أَوّلًا. وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة، أوّلًا، فلم تكن لهم بينة، فعَرَض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف ٣٧١ ٣- (تَبَدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي القَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ المدعَى عليهم، فأَبَوا . وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمّ؛ لأنه ◌َّ، قد عَلِمَ أن خیبر حينئذ، لم یکن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلْم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة، أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة، في هذه القصة شاهدا من وجه آخر، أخرجه النسائي ٤/ ٤٧٢٢ - من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر، فقال رسول اللَّه وَلّ: ((أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته))، قال: يا رسول اللَّه، أَنَّ أُصيب شاهدين؟، وانما أصبح قتيلا على أبوابهم، قال: ((فتحلف خمسين قسامة))، قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم؟، قال: ((تستحلف خمسين منهم))، قال: ((كيف وهم يهود؟)). قال الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصِّ في الحمل الذي ذكرته، فتعين المصير اليه . وقد أخرج أبو داود أيضا، من طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي ◌َّر، فقال: ((شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم))، قال: لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. انتهى ((فتح)) ٢٢٥/١٤. (فَوَدَاهُ) أي أعطى ديته (رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، مِنْ عِنْدِهِ) وفي رواية: ((من قِبَله)) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي من جهته. وفي رواية سعيد بن عُبيد الآتية: ((فوداه مائة من إبل الصدقة)) . قال في ((الفتح))- ٢٢٦/١٤ -: زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى ابن سعيد بقوله: ((من عنده))، وجمع بعضهم بين الروايتين، باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة، بمال دفعه من عنده، أو المراد بقوله: ((من عنده)): أي بيت المال الْمُرَصَّد للمصالح، وأَطلَقَ عليه صدقة، باعتبار الانتفاع به مجانا؛ لما في ذلك من قطع المنازعة، وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض، عن بعض العلماء، جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث، وغيره، وتقدم شيء من ذلك في ((كتاب الزكاة))، في الكلام على حديث أبي لاس رَاه، قال: ((حملنا النبي ◌َّ، على إبل من إبل الصدقة، في الحج))، وعلى هذا فالمراد بالعندية، كونها تحت أمره، وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود، أو غيرهم. ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ قال القرطبي في ((المفهم)) ١٥/٥-١٦ -: إنما فعل رسول اللّه ◌َ لل على مقتضى كرم خلقه، وحسن سياسته، وجلبًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وإطفاء للثائرة، وتأليفًا للأغراض المتنافرة، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى إستيفاء الحق، ورواية من قال: ((من عنده)) أصح من رواية من قال: ((من إبل الصدقة))، وقد قيل: إنها غلط، والأولى أن لا يُغَلَّط الراوي ما أمكن، فيحتمل أوجها، فذكر ما تقدم، وزاد أن يكون تَسَلَّفّ ذلك من إبل الصدقة؛ ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل، كانوا مستحقين للصدقة، فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة؛ استئلافا لهم، واستجلابا لليهود. انتهى. (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةٍ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ) أي أدخلت في دارهم (قَالَ سَهْلٌ) هو ابن أبي حثمة رَّ الراوي لهذا الحديث (لَقَدْ رَكَضَتْنِي) أي ضربتني برجلها، قال الفيّوميّ : رَكَضَ الرجلُ رَكْضًا، من باب قتل: إذا ضرب برجله، ويتعدّى إلى مفعول، فيقال: ركضتُ الفرس: إذا ضربته ليعدُوَ، ثم كثر، حتى أُسند الفعل إلى الفرس، واستُعمل لازمًا، فقيل: رَكَضَ الفرسُ، قال أبو زيد: يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، فيقال: ركض الفرسُ، وركضته، ومنهم من منع استعماله لازمًا، ولا وجه للمنع بعد نقل العدل. وركض البعيرُ: ضرب برجله، مثلُ رمح. انتهى (مِنْهَا) أي من تلك الإبل (نَاقَةٌ حَمْرَاءُ) وفي رواية حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد: ((أدركت ناقة من تلك الإبل، فدخلت مِزْبَدًا لهم، فركضتني برجلها))، وفي رواية شيبان بن بلال: ((لقد ركضتني ناقة، من تلك الفرائض بالمربد))، وفي رواية محمد بن إسحاق: ((فوالله ما أنسى ناقة بَكْرَة منها حمراء ضربتني، وأنا أَجُوزُها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث سهل بن أبي حثمة رَظمي هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٤٧١٢ و ٤٧١٣ و٤ / ٤٧١٤ و٤٧١٥ و٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤٧١٨ و٤٧١٩ و٤٧٢٠ و٤٧٢١ - وفي ((الكبرى)) ٦٩١٣/٣ و٦٩١٤ و٦٩١٥/٤ و٦٩١٦ و٦٩١٧ و٦٩١٨ و٦٩١٩ و٦٩٢٠ و٦٩٢١. وأخرجه (خ) في ((الصلح)) ٢٧٠٢ و(الجزية، والموادعة)) ٣١٧٣ و(الأدب)) ٦١٤٢ و((الديات)) ٦٨٩٨ و((الأحكام)) ٧١٩٢ (م) في ((القسامة)) ١٦٦٩ (د) في ((الديات)) ٤٥٢٠ و٤٥٢١ و٤٥٢٣ (ت) في ((الديات)) ١٤٢٢ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٥٦٦٤ (الموطأ) في ((القسامة)) ١٦٣٠ (الدارمي) ٣- (تَبَدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ ٣٧٣ في الديات)) ٢٢٤٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كون الابتداء في القسامة بأولياء المقتول. (ومنها): مشروعية القسامة، وبه يقول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدِلّ به على تقديم الأسن في الأمر المهم، إذا كانت فيه أهلية ذلك، لا ما إذا كان عَرِيّا عن ذلك، وعلى ذلك يحمل الأمر بتقديم الأكبر، في حديث الباب، إما لأن ولي الدم، لم يكن متأهلا، فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى، وإما لغير ذلك . (ومنها): إنَّ فيه التأنيسَ، والتسليةَ لأولياء المقتول، وليس فيه أنه حكم على الغائبين؛ لأنه لم يتقدم صورة دعوى على غائب، وإنما وقع الإخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين، ومن ثم كتب إلى اليهود، بعد أن دار بينهم الكلام المذكور . (ومنها): أنه يؤخذ منه أن مجرد الدعوى، لا توجب إحضار المدعى عليه؛ لأن في إِحضاره مشغلة عن أشغاله، وتضييعا لماله، من غير موجب ثابت لذلك، أما لو ظهر ما يُقَوِّي الدعوى، من شبهة ظاهرة، فهل يسوغ استحضار الخصم، أولا؟ محل نظر، والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد، وشدة الضرر، وخفته. (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالمكاتبة، وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة. (ومنها): أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم، لا أثر لها؛ لقول اليهود في جوابهم: واللّه ما قتلنا. (ومنها): أن في قولهم: لا نرضى بأيمان اليهود، استبعادًا لصدقهم، لما عرفوه من إقدامهم على الكذب، وجراءتهم على الأيمان الفاجرة. (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الدعوى في القسامة، لا بد فيها من عداوة، أو لَوْث، واختلف في سماع هذه الدعوى، ولو لم توجب القسامة، فعن أحمد روايتان، وبسماعها قال الشافعي؛ لعموم حديث: ((اليمينُ على المدعَى عليه))، بعد قوله: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال، وأموالهم))، ولأنها دعوى في حق آدمي، فتُسمع، ويستحلف، وقد يقر، فيثبت الحق في قتله، ولا يقبل رجوعه عنه، فلو نكل رُدَّت على المدعِي، واستحق القَوَد في العمد، والدية في الخطأ، وعن الحنفية: لا ترد اليمين، وهي رواية عن أحمد. ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن المدعين، والمدعَى عليهم، إذا نَكَلوا عن اليمين، وجبت الدية في بيت المال، وسيأتي ما فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل، على غير معين؛ لان الأنصار ادعوا على اليهود، أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع النبي ◌َّ دعواهم. ورُدّ بأن الذي ذكره الأنصار أوّلا، ليس على صورة الدعوى بين الخصمين؛ لأن من شرطها إذا لم يحضر المدعى عليه، أن يتعذر حضوره. سلمنا، ولكن النبي ◌ُّر، قد بين لهم أن الدعوى، إنما تكون على واحد؛ لقوله: ((تقسمون على رجل منهم، فيدفعَ إليكم برمته)»؟. (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((على رجل منهم))، على أن القسامة إنما تكون على رجل واحد، وهو قول أحمد، ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يشترط أن تكون على معين، سواء كان واحدا، أو أكثر، واختلفوا هل يختص القتل بواحد، أو يقتل الكل؟، وسيأتي البحث فيه. وقال أشهب: لهم أن يحلفوا على جماعة، ويختاروا واحدا للقتل، ويُسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة مائة، وهو قول لم يسبق إليه. (ومنها): أن الحلف في القسامة لا يكون الا مع الجزم بالقاتل، والطريق إلى ذلك المشاهدة، وإخبار من يوثق به، مع القرينة الدالة على ذلك. (ومنها): أن من توجهت عليه اليمين، فنكل عنها، لا يقضى عليه، حتى يُرَدَّ اليمين على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمد، والحنفية: يقضى عليه، دون رد اليمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يُعمل بالقسامة، أم لا؟: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الحديث كله حجة واضحة للجمهور من السلف، والخلف على من أنكر العمل بالقسامة، وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادة، وابن عُليّة، وبعض المكتّين، فنفوا الحكم بها شرعًا في العمد، والخطأ. وقد رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحكم بن عُتيبة،. وقد رُوي عنهما العمل بها. وقد رُوي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار، والصحيح عنه روايته المذكورة عنه هنا- يعني الحديث المذكور في الباب الماضي - حيث قال، عن رجال من الأنصار: أن رسول اللّه بَ ل أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهليّة، وظاهر هذا: أنه يقول بها. انتهى ((المفهم)) ١٨/٥. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة، والسلف من ٣- (تَبَدِثَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ ٣٧٥ = الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة، و فقهاء الأمصار، من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به. وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يَرَوا القسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب الْحَكَم بن عتبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد اللَّه، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم ابن علية، وإليه ينحو البخاري، ورُوي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: آخر كلام القاضي- كما قال الحافظ - ينافي ما صَدَّر به كلامه، أن كافة الأئمة أخذوا بها، وقد نُقل أيضًا عن غير هؤلاء أيضًا. قال القاضي: واختلف قول مالك في مشروعية القسامة، في قتل الخطإ. قاله في ((الفتح)) ١٤ / ٢٢٦ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم قائلون بالعمل بالقسامة، وهو الحقّ؛ لظهور أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلافهم فيمن يُبدأ في القسامة: ذهب معظم القائلين بالقسامة إلى أنها تبدأ بالمدعين، ثم ترد إذا أبوا على المدعى عليهم، واحتجوا بحديث أبي هريرة رَظمفيه: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة))، وبقول مالك: أجمعت الأئمة في القديم والحديث، على أن المدعين يبدأون في القسامة، ولأن جنبة المدعي إذا قريت(١) بشهادة أو شبهة، صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه سنة بحيالها، وأصل قائم برأسه؛ لحياة الناس، ورَذع المعتدين، وخالفت الدعاوي في الأموال، فهي على ما ورد فيها، وكلّ أصلٌ، يتبع، ويستعمل، ولا تطرح سنة لسنة. وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد- يعني المذكورة في الباب التالي- بقول أهل الحديث: إنه وَهَمّ من روايه، أسقط من السباق تبرئة المدعين باليمين؛ لكونه لم يَذكُر فيه رد اليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ، فوجب قبولها، وهي تقضي على من لم يعرفها. وقال القرطبي: الحديث دليلٌ على أن القسامة يبدأ فيها المدّعون بالأيمان، وهو قول معظم القائلين بأن القسامة يُستوجب بها الدم، وقال مالك: الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن المدّعين يبدؤون في القسامة. (١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب ((قويت)) بالواو. فالله تعالى أعلم. ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وخالف في ذلك الكوفيّون، وكثير من أهل البصرة، والمدنيين، والأوزاعيّ، وروي عن الزهريّ، وعمر بن الخطّاب ◌َّه، فقالوا: يُبدأ بالمدّعى عليهم، متمسّكين في ذلك بالأصل الذي دلّ عليه قوله وَ ﴿ للمدّعي: ((شاهداك، أو يمينه))، وبأنه قد رُوي هذا الحديث من طرق، ذكرها أبو داود، والنسائيّ، ذكر فيها أنه ◌َّ طالب المدعين بالبيّنة، فقالوا: ما لنا بيّنة، فقال: ((فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا))، وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدعاوي الذي نبّه الشرع على حكمته بقوله: «لو أُعطي الناس بدعاويهم لاستحلّ رجالٌ دماء رجال، وأموالهم، ولكن البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر))، متّفقٌ عليه. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حويّصة، ومُحيّصة تبدئة المدّعين بالأيمان، وهي رواية الأئمة الحفّاظ بالطرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنسائيّ مراسيل، وغير معروفة عند المحدّثين، وليست مما تُعارض بها الطرق الصحاح، فيجب ردّها بذلك. وأجابوا عن التمسّك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه؛ لحرمة الدماء، ولتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا، فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، والْغِيلة، بخلاف سائر الحقوق، وبشهدات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاصّ بهذا الحكم الخاصّ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر، ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلّيّة، وذلك أن المدعى عليه، إنما كان القول قوله؛ لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُعِيَ عليه، وذلك المعنى موجود هنا، فإنه إنما كان القول قولَ المدّعين؛ لقوة جانبهم باللّوث الذي يشهد لهم بصدقهم، فقد أعملنا ذلك الأصل، ولم نطرحه بالكليّة. انتهى («المفهم)) ١٠/٥-١١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو القول بأنه يُبدأ في القسامة بأيمان أولياء المقتول، ثم تردّ على أولياء القاتل، لقوّة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في شرط ثبوت القسامة: [اعلم]: اتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء، حتى يقترن بها شبهة، يغلب على الظن الحكم بها، واختلفوا في تصوير الشبهة على سبعة أمور، وقد ذكرها القرطبيّ، في ((المفهم))، وملخّصها ما يلي: [الأول]: أن يقول المريض: دَمِي عند فلان، أو ما أشبه ذلك، ولو لم يكن به أثر، أو جرح، فإن ذلك يوجب القسامة عند مالك، والليث، ولم يقل به غيرهما، واشترط ٣- (تَبَدِّئَةُ أَهْلِ الدَّم فِي الْقَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ ٣٧٧ بعض المالكية الأثر، أو الجرح. واحتُجَّ لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل، قال: ووجه الدلالة منها: أن الرجل حَيِي، فأخبر بقاتله، فاعتُمد عليه. وتُعُقِّب بخفاء الدلالة منها، وقد بالغ ابن حزم في رد ذلك. واحتجوا بأن القاتل يتطلب حالة غفلة الناس، فتَتَعذّر البينة، فلولم يُعمَل بقول المضروب، لأدَّى ذلك إلى إهدار دمه، ولأنها حالة يُتَحَرَّى فيها اجتنابُ الكذب، ويُتَزَوَّد فيها من البر والتقوى، وهذا إنما يتأتَّى في حال المحتضر. [الثانية]: أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته، كالواحد، أو جماعة غير عدول، قال بها المذكوران، ووافقهما الشافعي، ومن تبعه. [الثالثة]: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش بعده أياما، ثم يموت منه، من غير تخلل إفاقه، فقال المذكوران: تجب فيه القسامة، وقال الشافعي: بل يجب القصاص بتلك الشهادة . [الرابعة]: أن يوجد مقتول، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا، ولا يوجد غيره، فتشرع فيه القسامة عند مالك، والشافعي، ويلتحق به أن تتفرّق جماعة عن قتيل. [الخامسة]: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند الجمهور، وفي رواية عن مالك، تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها، إلا إن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين . [السادسة]: المقتول في مزاحمة الناس، قال الشافعيّ: تجب بذلك القسامة، وتكون فيه الدية. وعند مالك: هو هَدَرٌ. وقال إسحاق، والثوريّ: ديته على بيت المال، ورُوي مثله عن عمر، وعليّ ثه. وقال الحسن، والزهريّ: ديته على من حضر. [السابعة]: أن يوجد قتيل في محلة، أو قبيلة، فهذا يوجب القسامة عند الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأتباعهم، ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة، وشرطها عندهم، إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر، وقال داود: لا تجري القسامة، إلا في العمد على أهل مدينة، أو قرية كبيرة، وهم أعداء للمقتول. وذهب الجمهور إلى أنه لا قسامة فيه، بل هو هَدَرٌ؛ لأنه قد يُقتَل، ويُلْقَى في المحلة؛ ليُتَّهَمُوا، وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أحمد، إلا أن يكون في مثل القصة التي في حديث الباب، فيتجه فيها القسامة؛ لوجود العداوة، ولم تر الحنفية، ومن وافقهم لوثا يوجب القامة، إلا هذه الصورة. وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة، والجامع أن يَقْتَرِن بالدعوى شيء يدل على صدق المدعِي، فيقسم معه، ويستحق. ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وقال ابن قدامة: ذهب الحنفية إلى أن القتيل، إذا وُجد في محل، فادَّعَى وليه على خمسين نفسا من موضع قتله، فحلفوا خمسين يمينا ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا، فان لم يجد خمسين، كرر الأيمان على من وجد، وتجب الدية على بقية أهل الخطة، ومن لم يحلف من المدعَى عليهم حُبس حتى يَحلِف، أو يُقرَّ، واستدلوا بأثر عمر: أنه أحلف خمسين نفسا خمسين يمينا، وقضى بالدية عليهم. وتعقب باحتمال أن يكونوا أقروا بالخطإ، وأنكروا العمد، وبأن الحنفية لا يعملون بخبر الواحد، إذا خالف الأصول، ولو كان مرفوعا، فكيف احتجوا بما خالف الأصول، بخبر واحد موقوف، وأوجبوا اليمين على غير المدعى عليه. أفاده في ((الفتح)) ٢٢٧/١٤-٢٢٨، و((المفهم)) ٦/٥-٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القود بالقسامة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: ذهب معظم الحجازيين إلى أن القسامة، يُستَحقّ بها الدم، لقوله وَّ: ((فتستحقّون دم صاحبكم))، وفي رواية: ((فيُدفع إليكم برُمَّته))، وهو قول الزهريّ، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشافعيّ، ورُوي ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى. قال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة، وأصحاب رسول اللّه وَل متوافرون، إني لأراهم ألف رجل، فما اختلف منهم في ذلك اثنان. وذهب الكوفيّون، وإسحاق، والشافعيّ في قوله الآخر إلى أنه إنما تجب به الدية، وهو قول الحسن البصريّ، والحسن بن حيّ، والبَتِّيَ، والنخعيّ، والشعبيّ. وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عبّاس، ومعاوية ، قال القرطبيّ: والحديث المتقدّم نصُّ في موضع الخلاف، فلا ينبغي العدول عنه. انتهى ((المفهم)) ١٢/٥. وقال في ((الفتح)): ما حاصله: استدل بحديث الباب على ثبوت القود في القسامة؛ لقوله وَالر: (فتستحقون قاتلكم))، وفي الرواية الأخرى: ((دم صاحبكم))، قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرواية التي فيها: ((فَيُدفَع بِرُمَّته))، أقوى من الاستدلال بقوله: ((دم صاحبكم))؛ لان قوله: ((يُدفَع برُمَّته)) لفظ مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية لَبَعُد استعمال هذا اللفظ، وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر، والاستدلال بقوله: ((دم صاحبكم))، أظهر من الاستدلال بقوله: ((قاتلكم))، أو ((صاحبكم))؛ لأن هذا اللفظ لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يُضمَر ديةً صاحبكم، احتمالا ظاهرا، وأما بعد التصريح بالدم، فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار بدل دم صاحبكم، والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى إضمار، لكان حمله على ما ٣٧٩ ٣- (تَّدِّئَةُ أَهْلِ الدَّمِ فِي القَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ يقتضي إراقة الدم أقرب، وأما من قال: يحتمل أن يكون قوله: ((دم صاحبكم)) هو القتيل، لا القاتل، فيرده قوله: ((دم صاحبكم))، أو ((قاتلكم)). وتُعُقّب بأن هذه القصة واحدة، اختلفت ألفاظ الرواة فيها، على ما تقدم بيانه، فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها؛ لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من النبي وَّر. واستَدَلَّ من قال بالقود أيضا، بما أخرجه مسلم، والنسائي-٢/ ٤٧١٠- من طريق الزهري، عن سليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أناس من أصحاب رسول اللّه وَله: ((أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها النبي ◌ُّر على ما كانت عليه من الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار، في قتيل اذَّعَوه على يهود خيبر)). وهذا يَتوقَّف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة، وعند أبي داود، من طريق عبد الرحمن بن بُجيد- بموحدة، وجيم، مصغرًا- قال: إن سهلا- يعني ابن أبي حثمة- وَهِمَ في الحديث: أن رسول اللّه ◌َ ل، كتب إلى يهود: إنه قد وجد بين أظهركم قتيل، فَدُوه، فكتبوا يحلفون ما قتلناه، ولا علمنا قاتلا، قال: فوداه من عنده))، وهذا رده الشافعي، بأنه مرسل، ويعارض ذلك: ما أخرجه ابن مَنْدَهْ في ((الصحابة)) من طريق مكحول: حدثني عمرو بن أبي خزاعة، أنه قُتِل فيهم قتيل على عهد رسول الله وَخير، فجعل القسامة على خُزاعة: بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا، فحلف كل منهم عن نفسه، وغَرِم الدية، وعمرو مختلف في صحبته. وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعي، قال: كانت القسامة في الجاهلية، إذا وُجد القتيل بين ظهري قوم، أقسم منهم خمسون خمسين يمينا، ما قتلنا، ولا علمنا، فإن عجزت الأيمان، رُدّت عليهم، ثم عقلوا. وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوري في ((جامعه))، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، بسند صحيح، إلى الشعبي، قال: وُجد قتيل بين حيين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما، فأيهما وجدتموه إليه أقرب، فأحلفوهم خمسين يمينا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي: ((أن عمر كتب في قتيل، وُجد بين خيران ووادعة، أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيهما كان أقرب، أُخرج إليهم(١) منهم خمسون رجلا، حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر، فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية، فقال: حَقَنَت أيمانكم دماءكم، ولا يُطَّلُّ دم رجل مسلم))، قال الشافعي: إنما أخذه الشعبي، عن الحارث الأعور، والحارث غير (١) هكذا في ((الفتح)) ٢٢٩/١٤ والظاهر أن الصواب ((إليه)) بإفراد الضمير: أي إلى عمر تَظاليه. ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ مقبول. انتهى . قال الحافظ: وله شاهد مرفوع، من حديث أبي سعيد وظّه عند أحمد: ((أن قتيلا وُجد بين حيين، فأمر النبي ◌َّ ر أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته على الأقرب))، ولكن سنده ضعيف . وقال عبد الرزاق في ((مصنفه)): قلت لعبيد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول اللّه وَ له أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فعمر؟، قال: لا، قلت: فلم تجترئون عليها؟، فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر رَّ، قال: القسامة توجب العقل، ولا تسقط الدم. أفاده في ((الفتح)) ٢٢٨/١٤-٢٢٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من احتجاج الفريقين على ثبوت القصاص بالقسامة، وعدمه، أن القول بثبوته هو الأرجح؛ لقوة أدلّته، كما سبق إيضاحه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في عدد الحالفين في القسامة: ذهب الأئمة: مالك، والليث، وربيعة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر إلى وجوب كون العدد في القسامة خمسين، فلا يجزىء فيها أقلّ منهم، فإن كان المستحقّون خمسين، حلف كلّ واحد منهم يمينًا واحدة، فإن كانوا أقلّ من ذلك، أو نَكَل منهم من لا يجوز عفوه، رُدّت الأيمان عليهم بحسب عددهم، ولا يحلف في العمد أقلّ من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال، ولا النساءُ، يحلف الأولياء، ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين، هل يحلف كلهم يمينًا، يمينًا؟ أو يُقتصر منهم على خمسين؟، قال القرطبيّ: وهذا أولى؛ لقوله: ((يحلف خمسون منكم))، و ((من)) للتبعيض، والخطاب لجميع الأولياء، فأفاد ذلك أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ. أفاده في ((المفهم)) ١١/٥ - ١٢. وقال في ((الفتح)) ٢٣٠/١٤ -: اختلف في عدد الحالفين، فقال الشافعي: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينا، سواء قلوا، أم كثروا، فلو كان بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يمينا، وإن كانوا أقل، أو نَكَل بعضهم، رُدَّت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد، حلف خمسين يمينا واستحق، حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب، أو بالنسب والولاء، حلف واستحق. وقال مالك: إن كان ولي الدم واحدا، ضُمَّ إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر،