Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١ =
١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٤
أن الشريك ربما دخل عليه شريك، فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطالب
الداخل المقاسمة، فيدخل الضرر على الشريك، بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى
إحداثه من المرافق، وهذا لا يوجد في المقسوم.
فأما حديث أبي رافع ◌َّه ، فليس بصريح في الشفعة، فإن الصَّقَب: القرب، يقال:
بالسين، والصاد، قال الشاعر :
كُوفِيَّةٌ نَازِحٌ مَحِلَّتُهَا لَا أَمَمّ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ
فیحتمل أنه أراد به الإحسان بجاره، وصلته، وعیادته، ونحو ذلك، وخبرنا صريح
صحيح، فيُقَدَّم، وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال، فحديث سمرة رَظُنّيه يرويه عنه
الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، قاله أصحاب الحديث، قال ابن المنذر:
الثابت عن رسول اللّه وَّر، حديث جابر رَّه الذي رويناه، وما عداه من الأحاديث،
فيها مقال، على أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك، فإنه جارٌ أيضا، ويسمى كل واحد
من الزوجين جارًا، قال الشاعر:
أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَةْ
قاله الأعشى، وتُسمَّى الضرّتان جارتين؛ لاشتراكهما في الزوج، قال حمل بن مالك
رَضاليه: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى، بِمِسْطَح، فقتلتها وجنينها،
وهذا يمكن في تأويل حديث أبي رافع أيضا. انتهى ((المغني)) ٤٣٦/٧-٤٣٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم ثبوت الشفعة للجار، وإنما هي
قاصرة على الشريك فقط، هو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، كما تقدّم بيانه آنفًا، وسيأتي مزيد
تحقيق لذلك في شرح حديث أبي سلمة الآتي، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب .
(الشرط الثاني): أن يكون المبيع أرضا؛ لأنها التي تبقى على الدوام، ويدوم
ضررها، وأما غيرها، فينقسم قسمين: [أحدهما]: تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو
البناء، والغراس، يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة، تبعا للأرض، قال ابن قدامة:
ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا، وقد دل عليه قول النبي وَلّ، وقضاؤه
بالشفعة في كل شِرْك، لم يُقْسَم: رَبْعَةٍ، أو حائط، وهذا يدخل فيه البناء، والأشجار.
[القسم الثاني]: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا، ولا مفردا، وهو الزرع، والثمرة الظاهرة،
تباع مع الأرض، فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو
حنيفة، ومالك: يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله؛ لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه
الشفعة؛ تبعا كالبناء والغراس.

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وحجة الأولين أنه لا يدخل في البيع تبعا، فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش الدار،
وعكسه البناء والغراس، وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة، لكن الشارع جعل له
سلطان الأخذ بغير رضى المشتري، فَإِنْ بِيعَ الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع غير
المؤبر، دخل في الشفعة؛ لأنها تتبع في البيع، فأشبهت الغراس في الأرض، وأما ما بيع
مفردا من الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كان مما ينقل، كالحيوان، والثياب، والسفن،
والحجارة، والزرع، والثمار، أو لا ينقل، كالبناء، والغراس، إذا بيع مفردا، وبهذا قال
الشافعي، وأصحاب الرأي، ورُوي عن الحسن، والثوري، والأوزاعي، والعنبري،
وقتادة، وربيعة، وإسحاق: لا شفعة في المنقولات. واختلف عن مالك، وعطاء،
فقالا مرة: كذلك، ومرة قالا: الشفعة في كل شيء، حتى في الثوب، قال ابن أبي
موسى: وقد روي عن أحمد رواية أخرى: أن الشفعة واجبة فيما لاينقسم، كالحجارة،
والسيف، والحيوان، وما في معنى ذلك، قال أبو الخطاب: وعن أحمد رواية أخرى:
أن الشفعة تجب في البناء، والغراس، وإن بيع مفردا، وهو قول مالك؛ لعموم قوله عليه
السلام: ((الشفعة فيما لم يقسم))، ولأن الشفعة، وُضعت لدفع الضرر، وحصولُ الضرر
بالشركة فيما لا ينقسم، أبلغ منه فيما ينقسم، ولأن ابن أبي مليكة، رَوَى أن النبي ◌َلآ،
قال: ((الشفعة في كل شيءٍ)).
قال: ولنا أن قول النبي وَلّر: ((الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت
الطرق فلا شفعة))، لا يتناول إلا ما ذكرناه، وإنما أراد ما لا ينقسم من الأرض، بدليل
قوله: ((فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق))، ولأن هذا مما لا يتباقى على الدوام، فلا
تجب فيه الشفعة، كصبرة الطعام، وحديثُ ابن أبي مليكة مرسل، لم يرد في الكتب
الموثوق بها. انتهى ((المغني)) ٤٣٩/٧-٤٤١.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الشفعة في كلّ
شيء؛ فقد أخرج الطحاويّ، في ((شرح معاني الآثار)) ١٢٥/٤-١٢٦-، قال: حدثنا
ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السّكْريّ، عن
عبد العزيز بن رُفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال:
قال رسول اللّه وَ له: ((الشريك شفيع، والشفعة في كلّ شيء)). ورجال هذا الإسناد
رجال الصحيح.
قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا ابن إدريس، عن
ابن جريج، عن عطاء، عن جابر ◌َّه، قال: قضى رسول اللَّه ◌َله بالشفعة في كلّ
شيء)). انتهى. ورجاله أيضًا رجال الصحيح.

٣٤٣
١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٤
فقول صاحب ((المغني)): إن حديث ابن أبي مليكة مرسل لم يرد في الكتب الموثوق
بها غير صيح، فقد ثبت مرفوعًا متصلًا عند الطحاويّ، كما علمت.
والحاصل أن القول بتعميم الشفعة في كلّ شيء هو الحقّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم
بالصواب .
(الشرط الثالث): أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته من
العقار، كالحمّام الصغير، والرَّحَى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص
الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان: [إحداهما]: لا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد،
وربيعة، والشافعي. [والثانية]: فيها الشفعة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن
سريج، وعن مالك كالروايتين، ووجه هذا، عموم قوله عليه السلام: ((الشفعة فيما لم
يقسم))، وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في
هذا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره.
قال: والأول ظاهر المذهب؛ لما روي عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((لا شفعة في فناء،
ولا طريق، ولا منقبة))، والمنقبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في ((رؤوس
المسائل» .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن القول بثوت الشفعة فيما لا يمكن قسمته هو
الأرجح؛ لعموم الأدلّة، وأما ما رواه أبو الخطّاب، فإنه يحتاج إلى النظر في إسناده،
وقد أخرجه عبد الرزاق في ((مصنّفه))-٨٧/٨ مرسلًا، فتأمّل، والظاهر أنه لا يصلح
للاحتجاج به. والله تعالى أعلم بالصواب.
(الشرط الرابع): أن يكون الشقص منتقلًا بعوض، وأما المنتقل بغير عوض، كالهبة
بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث، فلا شفعة فيه، في قول عامة أهل العلم،
منهم: مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن مالك رواية أخرى في المنتقل
بهبة، أو صدقة أن فيه الشفعةَ، ويأخذه الشفيع بقيمته، وحُكي ذلك عن ابن أبي ليلى؛
لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا موجود في الشركة كيفما كان، والضرر
اللاحق بالمتَّهِب، دون ضرر المشتري؛ لأن إقدام المشتري على شراء الشِّقْص، وبذلِهِ
ماله فيه، دليل حاجته إليه، فانتزاعه منه أعظم ضررًا من أخذه ممن لم يوجد منه دليل
الحاجة إليه.
واحتجّ الأولون بأنه انتقل بغير عوض، فأشبه الميراث، ولأن محلّ الوفاق، هو
البيع، والخبر ورد فيه، وليس غيره في معناه؛ لأن الشفيع يأخذه من المشتري بمثل
السبب الذي انتقل به إليه، ولا يُمكن هذا في غيره، ولأن الشفيع يأخذ الشِّقْصَ بثمنه،

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
لا بقيمته، وفي غيره يأخذه بقيمته، فافترقا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الأولون من أنه لا شفعة في المُنتَقِلِ بغير
عوض هو الأظهر عندي. والله تعالى أعلم.
فأما المنتقل بعوض، فينقسم قسمين: [أحدهما]: ما عِوَضه المال، كالبيع، فهذا فيه
الشفعة بغير خلاف، وهو في حديث جابر رَالَّه: ((فإن باع، ولم يؤذنه، فهو أحقّ به))،
وكذلك كلّ عقد جرى مجرى البيع، كالصلح بمعنى البيع، والصلح عن الجنايات
الموجبة للمال، والهبة المشروط فيها ثوابٌ معلومٌ؛ لأن ذلك بيع ثبتت فيه أحكام البيع،
وهذا منها، وبه يقول مالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة، وأصحابه
قالوا: لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثوابٌ، حتى يتقابضا؛ لأن الهبة لا تثبتُ
إلا بالقبض، فأشبهت البيع بشرط الخيار.
وحجة الأولين أنه يملكها بعوض، هو مالٌ، فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق
الشفعة، كالبيع، ولا يصحّ ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة؛ لأن العوض صَرَفَ اللفظ عن
مقتضاه، وجعله عبارةً عن البيع، خاصّةً عندهم، فإنه ينعقد بها النكاح الذي لا تصحّ
الهبة فيه بالاتفاق .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظهور
متمسّكه. والله تعالى أعلم بالصواب.
[القسم الثاني]: ما انتقل بعوض، غير المال، نحو أن يجعل الشّقص مهرًا، أو
عِوَضًا في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد، فقيل: لا شفعة فيه، وبه قال الحسن،
والشعبيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر، واختاره؛ لأنه مملوك
بغير مال، فأشبه الموهوب، والموروث. وقيل: تجب فيه الشفعة، وبه قال ابن شُبْرُمة،
والحارث العكليّ، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعيّ، واحتجوا بأنه مملوك بعقد
معاوضة، فأشبه البيع(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول الأول هو الأظهر؛ لظهور مُتَمَسَّكِهِ
أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٠٥- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
حُسَيْنَّ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَرْضِي لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَرِكَةٌ، وَلَا قِسْمَةٌ، إِلَّ الْجِوَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ))).
(١) راجع (المغني)) لابن قدامة رحمه الله تعالى ٤٣٦/٧-٤٤٥.

٣٤٥
١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٥
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت [١٠]
٠٢/٢
٢- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الهمدانيّ الكوفي، نزل الشام مرابطًا،
ثقة مأمون [٨] ٨/٨ .
٣- (حسين المعلّم) ابن ذكوان البصري، ثقة ربما وهم [٦] ١٢٢ / ١٧٤.
٤- (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدني، صدوق
[٥] ١٠٥ /١٤٠.
٥- (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) المذكور في السند الماضي.
٦- (أبوه) الشريد الثقفي صحابي شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا رضي
اللَّه تعالى عنه، تقدم في ٣٦٨٠/٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير عمرو بن شُعيب، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرٍوِ بْنِ الشَّرِيدِ) من أوساط التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، قاله في
((الفتح)) (عَنْ أَبِيهِ) الشَّريد- بفتح المعجمة، وزان طويل- ابن سُويد الثقفيّ الصحابي
الشهير، رَّهِ (أَنَّ رَجُلَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْضِي) مبتدأ خبره (لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا
شَرِكَةٌ) أي اشتراك مع أحد من الناس (وَلَا قِسْمَةٌ، إِلَّ الْجِوَارَ) بكسر الجيم، وضمّها،
فالمكسور مصدر جاور، والمضموم اسم منه. كما تفيده عبارة «المصباح)» (فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهُ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) أي أولى بالدار الساقبة أي القريبة منه، وقد تقدّم أن
الجمهور حملوه على الشريك؛ لأنه يُسمّى في اللغة جارًا، فلا يعارض حديث:
((الشفعة في كلّ ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطَّرُق، فلا شفعة)). قال
الفيّوميّ: وحكى ثعلب عن ابن الأعرابيّ: الجار الذي يُجاورك بَيْتَ بَيْتَ، والجار
الشريك في العقار، مقاسمًا كان، أو غير مقاسم، والجار الْخَفِير، والجار الذي يُجير
غيره، أي يُؤْمِنُه مما يَخاف، والجار المستجير أيضًا، وهو الذي يطلب الأمان،
والجار: الحليف، والجار: الناصر، والجار: الزوج، والجار أيضًا: الزوجة، ويقال

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
فيها: أيضًا جارة، والجار: الضّرّة، قيل لها: جارة؛ استكراهًا للفظ الضّرّة. قال الأزهريّ:
ولما كان الجار في اللغة مُحتملًا لمعان مختلفة، وجب طلب دليل لقوله ◌َاليه: ((الجار أحقّ
بصقبه))، فإنه يدلّ على أن المراد الجار الملاصق، فبيّنه حديث آخر أن المراد الجار الذي
يُقاسم، فلم يُجِز أن يَجعَلَ المقاسم مثل الشريك. انتهى كلام الفيّومي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الشريد رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧٠٥/١٠٩- وفي ((الكبرى)) ٦٣٠٢/١١١. وأخرجه (ق) في
((الأحكام)) ٢٤٩٦. وفوائد الحديث تقدمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٠٦- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَّ اللَّهِ وَّةِ، قَالَ: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا
وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَعُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (هلال بن بشر) بن محبوب المزنيّ، أبو الحسن البصريّ إمام مسجد يونس
الأحدب، ثقة [١٠] ١٤ / ١٤٨٢.
٢- (صفوان بنُ عيسى) أبو محمد الزهريّ القسّام البصريّ، ثقة [٩] ١٢٧٢/٣٧.
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعانيّ ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣]١/١.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح(١)، غير شيخه فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين
إلى معمر، وهو بصري صنعاني، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
(١) لكنه مرسل، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا.

٣٤٧
١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٦
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هكذا رواية المصنّف مرسلًا، وقد وقع عند البخاريّ من طريق عبد
الواحد بن زياد موصولًا بذكر جابر وَّه قال في ((الفتح)): اختلف على الزهري في هذا
الإسناد، فقال مالك عنه: عن أبي سلمة، وابن المسيب مرسلًا، كذا رواه الشافعي
وغيره، ورواه أبو عاصم، والماجشون عنه، فوصله بذكر أبي هريرة تظلّه ، أخرجه
البيهقي، ورواه ابن جريج، عن الزهري كذلك، لكن قال: عنهما، أو عن أحدهما،
أخرجه أبو داود، والمحفوظ روايته عن أبي سلمة، عن جابر موصولا، وعن ابن
المسيب، عن النبي وَه مرسلا، وما سوى ذلك شذوذ، ممن رواه، ويُقَوِّى طريقه عن
أبي سلمة، عن جابر ◌َظّه متابعة يحيى بن أبي كثير له، عن أبي سلمة، عن جابر، ثم
ساقه كذلك. انتهى ((فتح)) ١٩٣/٥.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ) وفي رواية عند البخاريّ:
((في كلّ ما لم يُقسم))، واللفظ الثاني يشعر باختصاص الشفعة، بما يكون قابلا للقسمة،
بخلاف الأول (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ) أي حصلت قسمة الحدود في المبيع، واتّضحت
بالقسمة مواضعها (وَعُرِفَتِ الطَّرُقُ) وفي رواية البخاريّ: ((وصُرفت الطرق)): وهو بضمّ
الصاد، وتخفيف الراء المكسورة، وقيل: بتشديدها: أي بينت مصارف الطرق،
وشوارعها، كأنه من التصرف، أو من التصريف، وقال ابن مالك: معناه خلصت،
وبانت، وهو مشتق من الصِّرْف- بكسر المهملة -: الخالص من كل شيء، سُمّي
بذلك؛ لأنه صُرف عنه الخلط، فعلى هذا ((صُرِف)) مخفّف الراء، وعلى الأول: أي
التصرف والتصريف مشدّد. أفاده في ((نيل الأوطار)) ٣٥٥/٥.
(فَلَا شُفْعَةَ) قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: استَدَلَّ به من قال: إن الشفعة لا تثبت إلا
بالخلطة، لا بالجوار، وقد حَكَى في البحر هذا القول، عن علي، وعمر، وعثمان،
وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، ومالك،
والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن، والإمامية.
وحكى في البحر أيضا عن العترة، وأبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي
ليلى، وابن سيرين، ثبوت الشفعة بالجوار، وأجابوا عن حديث جابر بما قاله أبو حاتم:
إن قوله: ((إذا وقعت الحدود الخ)) مدرج من قول جابر، ورُدَّ ذلك بأن الأصل أن كل ما
ذُكر في الحديث، فهو منه، حتى يثبت الإدراج بدليل، وورود ذلك في حديث غيره
مشعر بعدم الإدراج، كما في حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب.

٣٤٨
سـ
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
واستَدَلَّ في ((ضوء النهار)) على الإدراج بعدم إخراج مسلم لتلك الزيادة. ويجاب عنه
بأنه قد يُقتَصِر بعض الأئمة على ذكر بعض الحديث، والحكم للزيادة، لا سيما وقد
أخرجها مثل البخاري، على أن معنى هذه الزيادة، التي ادعى أهل القول الثاني
إدراجها، هو معنى قوله: ((في كُلِّ ما لم يقسم))، ولا تفاوت إلا بكون دلالة أحدهما
على هذا المعنى بالمنطوق، والآخر بالمفهوم.
واحتج أهل القول الثاني بالأحاديث الواردة، في إثبات الشفعة بالجوار، كحديث
. **
سمرة، والشريد بن سويد، وأبي رافع، وجابر
وأما الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة لمطلق الشريك، كما في حديث جابر المذكور
في قوله: ((في كل شركة))، وكما في حديث عبادة بن الصامت ◌َّه: ((أن النبيّ وَّل
قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين، والدور))، رواه عبد الله بن أحمد في
((المسند))، فلا تصلح للاحتجاج بها على ثبوت الشفعة للجار، إذ لا شركة بعد القسمة.
وقد أجاب أهل القول الأول، عن الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار، بأن المراد
بها الجار الأخص، وهو الشريك المخالط؛ لأن كل شيء قارب شيئا، يقال له: جار، كما
قيل لامرأة الرجل جارة؛ لما بينهما من المخالطة، وبهذا يندفع ما قيل: إنه ليس في اللغة ما
يقتضي تسمية الشريك جارا. قال ابن المنير: ظاهر حديث أبي رافع يعني المتقدّم من عند
البخاريّ بقصّته مع سعد بن أبي وقّاص- أنه كان يملك بيتين من جملة دار سعد، لا شِقْصًا
شائعا من منزل سعد، ويدل على ذلك ما ذكره عمر بن شبة، أن سعدا كان اتخذ دارين
بالبلاط، متقابلتين، بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع،
فاشتراها سعد منه، ثم ساق الحديث الماضي، فاقتضى كلامه، أن سعدا كان جارا لأبي
رافع، قبل أن يشتري منه داره، لا شريكا كذا قال الحافظ، وقال أيضا: إنه ذكر بعض
الحنفية، أنه يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، أن يقولوا بشفعة
الجار؛ لأن الجار حقيقة في المجاور، مجاز في الشريك.
وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا على المجاز، فاعتبر
الجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة
بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق
من كل أحد، حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجوار، قَدَّموا الشريك مطلقا، ثم
المشارك في الشِّرْب، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور.
وأجيب بأن المفضل عليه مقدر: أي الجار أحق من المشتري الذي لا جوار له، قال
في القاموس: الجار: المجاور، والذي أجرته، من أن يظلم، والمجير، والمستجير،

=
٣٤٩
١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٦
والشريك في التجارة، وزوج المرأة، وما قرُب من المنازل، والمقاسم، والحليف،
والناصر. انتهى. والحاصل أن الجار المذكور في الأحاديث المذكورة، إن كان يُطلق
على الشريك في الشيء، والمجاور له بغير شركة، كانت مقتضية بعمومها لثبوت الشفعة
لهما جمعا، وحديث جابر، وأبي هريرة، المذكوران، يدلان على عدم ثبوت الشفعة
للجار، الذي لا شركة له، فيُخَصَّصان عموم أحاديث الجار.
ولكنه يشكل على هذا حديث الشريد بن سويد رَّه ، فإن قوله: ((ليس لأحد فيها
شرك، ولا قسم، إلا الجوار))، مشعر بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث
سمرة؛ لقوله فيه: ((جار الدار أحق بالدار))، فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار، لا
شركة فيه .
ويجاب بأن هذين الحديثين، لا يصلحان لمعارضة ما في الصحيح، على أنه
يمكن الجمع بما في حديث جابر السابق، بلفظ: ((إذا كان طريقهما واحدا))، فإنه
يدل على أن الجوار، لا يكون مقتضيا للشفعة، إلا مع اتحاد الطريق، لا بمجرده،
ولا عذر لمن قال بحمل المطلق على المقيد، من هذا إن قال بصحة هذا
الحديث، وقد قال بهذا- أعني ثبوت الشفعة للجار، مع اتحاد الطريق- بعض
الشافعية، ويؤيده أن شرعية الشفعة، إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في
الأغلب، مع المخالطة في الشيء المملوك، أو في طريقه، ولا ضرر على جارلم
يشارك في أصل، ولا طريق إلا نادرا، واعتبار هذا النادر، يستلزم ثبوت الشفعة
للجار، مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له، قد يقع في نادر الحالات،
كحجب الشمس، والإطلاع على العورات، ونحوهما، كالروائح الكريهة، التي
يتأذى بها، ورفع الأصوات، وسماع بعض المنكرات، ولا قائل بثبوت الشفعة لمن
كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة،
فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا على من كان ملاصقا، غير مشارك، ينبغي
تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه أن لا تثبت الشفعة بمجرد الجوار، وهو
الحق، وقد زعم صاحب ((المنار)) أن الأحاديث تقتضي ثبوت الشفعة للجار،
والشريك، ولا منافاة بينها، ووَجَّهَ حديث جابر بتوجيه بارد، والصواب ما حررناه.
انتهى كلام الشوكاني (نيل الأوطار)) ٣٥٦/٥-٣٥٧.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حرّره الشوكانيّ رحمه الله تعالى، من
ترجيح القول بأن الشفعة إنما هي للشريك، لا للمجاور، هو الأرجح عندي؛ لوضوح

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سلمة رحمه اللّه تعالى هذا صحيح.
[فإن قلت]: يصحّ، وهو من مرسل أبي سلمة التابعيّ؟.
[قلت]: إنما إرساله في رواية المصنّف، فقد تقدّم أن البخاريّ رحمه اللَّه تعالى
أخرجه في ((صحيحه)) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن معمر، موصولًا بذكر جابر
رَّهِ، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧٠٦/١٠٩ - وفي ((الكبرى)) ٦٣٠٣/١١١. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥١٤ و٣٥١٥ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٧٠ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٩٧ و٢٤٩٩ (أحمد)
في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٧٤٣ و١٤٥٨١ (الموطأ) في ((الشفعة)) ١٤٢٠. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده :
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية الشفعة، قال في
((الفتح)): وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم، من طريق أبي
الزبير، عن جابر، بلفظ: ((قضى رسول اللَّه وَّل بالشفعة، في كل شِرْك، لم يُقْسَم،
رَبْعَة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك،
فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به))، وقد تضمّن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع،
وصدره يُشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يُشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه
العقار، وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك، في رواية، وهو قول عطاء، وعن أحمد
تثبت في الحيوانات، دون غيرها من المنقولات. وروى البيهقي من حديث ابن عباس،
مرفوعا: ((الشفعة في كل شيء))، ورجاله ثقات، إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج
الطحاوي له شاهدا، من حديث جابر تَظّمه بإسناد لا بأس برواته، قال عياض: لو
اقتصر في الحديث على القطعة الأولى، لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة الجوار،
ولكن أضاف إليها صرف الطرق، والمترتب على أمرين، لا يلزم منه ترتبه على
أحدهما .

١٠٩- (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٧
٣٥١ =
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بعموم الشفعة في العقار، وغيره من
المنقولات، هو الأرجح، كما سبق بيانه، فلا تنس. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدِلَّ به على عدم دخول الشفعة، فيما لا يقبل القسمة، وعلى ثوبتها
لكل شريك، وعن أحمد: لا شفعة لذمي، وعن الشعبي لا شفعة لمن لم يسكن
المصر. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أن القول بعموم الشفعة لكلّ شريك مسلمًا كان، أو
ذميًا هو الأرجح؛ عملًا بعموم النصّ، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر
الخلاف المذكور -: ما نصّه، والصواب الأول- يعني القول بعمومه في المسلم،
والذمّيّ- للعموم، ولأنه حقّ جرى بسببه، فيترتّب عليه حكمه، من استحقاق طلبه،
وأخذه، كالدين، وأرش الجناية. انتهى ((المفهم)) ٥٢٨/٤. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى،
عَنْ حُسَيْنٍ - وَهُوَ ابْنُ وَاقِدٍ -عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَه
بِالشُّفْعَةِ، وَالْجِوَارِ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة) - بكسر الراء، وسكون الزاي -: أبو عمرو
المروزيّ، ثقة [١٠] .
٢- (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩]١٠٠/٨٣ .
٣- (حسين بن واقد) أبو عبد اللَّه القاضي المروزيّ، ثقة، له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يُدلّس
[٤] ٣٥/٣١ .
٥- (جابر) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمروزيين، غير أبي الزبير فمكيّ، وجابر
رَمثله، فمدنيّ، وفيه جابر تَظّ أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) رَيهِ، أنه (قَالَ: (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ) أي حكم، وألزم (بِالشُّفْعَةِ)
أي بثوت الشفعة عند بيع الشريك نصيبه، فيأخذه الشريك بما أخذه به المشتري،
كما سبق تفصيله قريبًا (وَالْجِوَارِ))) - بكسر الجيم، وضمها -: أي قضى بمراعاة
حقّ الجوار، وهذا لا دليل فيه لا لمثبت الشفعة بالجوار، ولا لنافيها، كما لا
يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ بما سبق من أحاديث جابر
رَفعاليه، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤٧٠٧/١٠٩- وفي
((الكبرى)) ٦٣٠٤/١١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب))(١).
٤٤- (كِتَابُ الْقَسَامَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا العنوان ثبت في بعض نسخ ((المجتبى))، وفي
بعضها: ((ذكر القسامة التي كانت في الجاهلية)).
قال في ((الفتح)) ٥٤٣/٧ -: ((الْقَسَامَةُ))- بفتح القاف، وتخفيف المهملة -: اليمين،
وهي في عرف الشرع: حَلِفٌ معيّنٌ عند التهمة بالقتل على الإثبات، أو النفي. وقيل:
مأخوذةٌ من قِسْمة الأيمان على الحالفين. انتهى. وقال في موضع آخر ٢٢١/١٤ -: هي
الأيمان تُقسم على أولياء القتيل، إذا ادّعوا الدم، أو على المدّعى عليهم الدم، وخُصَّ
القسم على الدم بلفظ القسامة. وقال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم
الذين يُقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان. وقال في ((المحكم)): القسامة: الجماعة
يُقسمون على الشيء، أو يَشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أُطلق على
الأيمان نفسها .

٤٤- (كِتَبُ الْقَسَامَةِ)
٣٥٣=
وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: القسامة -بالفتح -: الأيمان، تُقَسَم على أولياء
القتيل، إذا ادّعَوا الدم، يقال: قُتِل فلانٌ بالقسامة: إذا اجتمع جماعةٌ من أولياء القتيل،
فادَّعَوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليلٌ دون البيّنة، فحَلَفوا خمسين يمينًا أنّ
المدّعَى عليه قَتَل صاحبهم، فهؤلاء الذين يُقسمون على دعواهم، يُسَمَّون قَسَامَةٌ. انتهى
((المصباح المنير)) ٥٠٣/٢ .
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: القَسَامة - بالفتح -: اليمين، كالقَسَم، وحقيقتها أن
يُقسِم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وَجدوه قتيلًا بين
قوم، ولم يُعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين، أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا
يكون فيهم صبيّ، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبدٌ، أو يُقسم بها المتّهمون على نفي
القتل عنهم، فإن حلف المدّعون استحقّوا الدية، وإن حلف المتّهمون لم تلزمهم الدية،
وقد أقسم يُقسم قَسَمًا، وقَسَامةً، وقد جاء على بناء الْغَرَامَةِ، والْحَمَالَة، ؛ لأنها تلزم أهل
الموضع الذي يوجد فيه القتيل، ومنه حديث عمر رَّه: ((القَسَامةُ توجب العقل)): أي
توجب الدية، لا الْقَوَدَ، وفي حديث الحسن: ((القسامة جاهليّةٌ)): أي كان أهل الجاهليّة
يدِينون بها، وقد قرّرها الإسلام، وفي رواية: ((القتلُ بالقسامة جاهليّةٌ)): أي أن أهل
الجاهليّة كانوا يقتُلُون بها، أو أن القتل بها من أعمال الجاهليّة، كأنه إنكار لذلك،
واستعظام. انتهى ((النهاية)) ٦٢/٤ .
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: تفسير القسامة في الدم أن يُقتل رجلٌ، فلا تَشهَد
على قتل القاتل إياه بيّنة عادلة كاملةٌ، فيجيء أولياء المقتول، فيدّعون قِبَلَ رجل أنه
قتله، ويُدْلُون بِلَوْثٍ من البيّنة، غير كاملة، وذلك أن يوجد الْمُدّعَى عليه، مُتلطّخًا بدم
القتيل في الحال التي وُجد فيها، ولم يَشهد رجل عدلٌ، أو امرأة ثقةٌ أن فلانًا قتله، أو
يُوجَدَ القتيلُ في دار القاتل، وقد كانت بينهما عداوة ظاهرةٌ قبل ذلك، فإذا قامت دلالة
من هذه الدلالات، سبَقَ إلى قلب من سمعه أن دعوى الأولياء صحيحةٌ، فيُستَحلّف
أولياء القتيل خمسين يمينًا أن فلانًا الذي ادّعَوا قتله انفرد بقتل صاحبهم، ما شَرِكَه في
دمه أحدٌ، فإذا حلفوا خمسين يمينًا، استحقّوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللَّوث
الذي أَذْلَوا به، حلف الْمُدَّعَى عليه، وبَرِىء، وإن نكَلَ المدّعَى عليه عن اليمين، خُيِر
ورثة القتيل بين قتله، أو أخذ الدية من مال المدَّعَى عليه. وهذا جميعه قول الشافعيّ
رحمه الله تعالى. انتهى ((لسان العرب)) ١٢ / ٤٨١ .
وقال في («المغني)»- ١٨٨/١٢ -: القسامة: مصدر أقسم قَسَمًا، وقَسَامة، ومعناه:
حَلَف حَلِفًا، والمراد بالقسامة ههنا: الأيمان المكررة في دعوى القتل، قال القاضي:

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال: وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين
يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، كما يقال: رجلٌ زُورٌ، وعدلٌ، ورِضًا، وأيُّ الأمرين
كان، فهو من القسم، الذي هو الحلف.
والأصل في القسامة: ما رَوَى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بَشير بن يسار، عن
سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خَدِيج: أن مُحَيِّصة بن مسعود، وعبد الله بن سهل،
انطلقا إلى خيبر، فتفرقا في النخيل، فقُتِل عبد الله بن سهل، فاتَّموا اليهود، فجاء أخوه
عبد الرحمن، وابنا عمه حُوَيِّصة ومحيصة، إلى النبي ◌َّ، فتكلم عبد الرحمن، في أمر
أخيه، وهو أصغرهم، فقال النبي ◌َّ: (كبر، كبر))، أو قال: ((ليبدأ الأكبر))، فتكلما في
أمر صاحبهما، فقال النبي ◌ِّر: ((يُقسِم خمسون منكم على رجل منهم، فيُدْفَعُ إليكم
بِرُمَّته))، فقالوا: أمرٌلم نشهده، كيف نَحلِف؟ قال: ((فتبرئكم يهود، بأيمان خمسين
منهم))، قالوا: يا رسول اللّه، قوم كفار، ضلال، قال: فَوَداه رسول اللّه ◌َله من قبله،
قال سهل: فدخلت مِرْبَدًا لهم، فركضتني ناقة، من تلك الإبل، متفق عليه. والله تعالى
أعلم بالصواب.
١- (ذِكْرِ الْقَسَامَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الجاهلية)): زَمَنُ الْفَتْرَة قبل الإسلام، وقالوا: كان
ذلك في الجاهليّة الْجَهْلاء، توكيدًا للأول، اشتُقّ له من اسمه ما يؤكّد به، كما يقال:
وَتِدٌ واتِدٌ، وهَمَجْ هَامِجْ، وليلةٌ لَيْلَاءُ، ويومٌ أَيْوَمُ، وفي الحديث: ((إنك امرؤ، فيك
جاهليّةٌ))، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل باللّه سبحانه
وتعالى، ورسوله وَّلّره، وشَرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكِبر، والتجبّر، وغير
ذلك. أفاده في ((لسان العرب)) ١٣٠/١١. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا قَطَنٌ، أَبُو الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: أَوَّلُ قَسَامَةٍ كَانَتْ فِيَ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، اسْتَأْجَرَ رَجُلًا، مِنْ
قُرَيْشٍ، مِنْ فَخِذٍ أَحَدِهِمْ، قَالَ: فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِي إِلِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، مِنْ بَنِي هَاشِمِ، قَدِ

١- (ذِكْرِ القَسَامَةِ التِّي كَانَتْ فِي الجَاهِلِية) - حديث رقم ٤٧٠٨
=
٣٥٥
انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَقَالَ: أَغِثْنِي بِعِقَالٍ، أَشُدُّ بِهِ عُزْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ، فَأَعْطَاهُ
عِقَالًا، يَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا، وَعُقِلَتِ الْإِلُ، إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ الَّذِي
اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ، لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ، قَالَ: فَأَيْنَ
عِقَالُهُ، قَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِم، قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَاسْتَغَاثَنِي، فَقَالَ:
أَغِثْنِي بِعِقَالٍ، أَشُدُّ بِهِ عُزْوَةَ جُوَالِقِي، لَ تَنْفِرُ الْإِبِلُ، فَأَعْطَيْتُهُ عِقَالًا، فَحَذَفَهُ بِعَصًا، كَانَ
فِيهَا أَجَلُهُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟، قَالَ، مَا أَشْهَدُ، وَرُبَّمَا
شَهِدْتُ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَلِّغْ عَنِّي رِسَالَةً، مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا شَهِدْتَ
الْمَوْسِمَ، فَنَادِ، يَا آَلَ قُرَيْشٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَنَادِ، يَا آَلَ هَاشِمِ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَسَلْ عَنْ أَبِي
طَالِبٍ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانَا قَتَلَّنِي، فِي عِقَالٍ، وَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، أَتَّاهُ
أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: مَرِضَ، فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَّيْهِ، ثُمَّ مَاتَ،
فَتَزَلْتُ، فَدَفَنْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَا أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ، فَمَكَثَ حِينَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْيَمَانِيَّ، الَّذِي
كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ، وَافَى الْمَوْسِمَ، قَالَ: يَا آَلَ قُرَيْشٍ، قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَالَ:
يَا آلَ بَنِي هَاشِم، قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ، قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ: هَذَا أَبُو طَالِبٍ، قَالَ:
أَمَرَنِي فُلَانٌ، أَنْ أُبَلْغَكَ رِسَالَةٌ، أَنَّ فُلَّانَا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ، فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنَّا
إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا خَطَأَ، وَإِنْ شِئْتَ
يَحْلِفْ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ، أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلُهُ، فَإِنَ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ، فَأَتَى قَوْمَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ
لَهُمْ، فَقَالُوا: نَحْلِفُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِم، كَانَتْ تَّحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، قَدْ وَلَدَتْ لَهُ،
فَقَالُتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُحِزَ ابْنِي هَذَا، بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ،
فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلًا، أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ
مِنَ الْإِبِلِ، يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانٍ، فَهَذَّانِ بَعِيرَانٍ، فَاقْبَلْهُمَا عَنِّي، وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي،
حَيْثُ تُضَبَرُ الْأَيْمَانُ، فَقَبِلَهُمَاً وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا حَلَفُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا حَالَ الْحَوْلُ، وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن يحيى) الإمام الذُّهْليّ النيسابوريّ الثقة الحافظ الجليل [١١] ١٩٦/
٣١٤ .
٢- (أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد الْمِنْقريّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر [١٠]
٢٧٩٠/٦٩ .
٣- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ،
ثقة ثبتٌ [٨] ٦/٦.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٤- (قَطَنْ)- بفتح القاف، والمهملة، ثم نون- ابن كعب الْقُطَعيّ- بضمّ القاف - أبو
الْهَيْثم البصريّ، ثقة [٦].
روى عن أبي يزيد المدنيّ، ومحمد بن سيرين، وعُقبة بن عبد الغافر، وأبي غالب،
صاحب أبي أمامة، وأيوب السَّخْتياني، وأمّ عُتبة. وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وعبد
الوارث بن سعيد، وأبو جَزْءٍ نصر بن طَرِيف، وجعفر بن سُليمان الضُّبعيّ، ومحمد بن
بكر الْبُرسانيّ. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له
البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر)). وليس له عند البخاريّ، والمصنّف إلا
هذا الحديث.
٥- (أبو يزيد المدنيّ) نزيل البصرة، ثقةٌ [٤].
روى عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وابن عمر، وغيرهم، وعنه أيوب، وأبو قطن بن
كعب،، وجرير بن حازم، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: شيخٌ، سُئل عنه
مالك، فقال: لا أعرفه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: سألت أحمد عنه؟ فقال: تسأل
عن رجل روى عنه أيوب؟. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال
أبو زُرعة: لا أعلم له اسمًا. وقال ابن أبي حاتم: يروي عن ابن عبّاس، وتارة يُدخل
بينه وبين ابن عبّاس عكرمة، قال: وسألت عنه أبي، فقال: يُكتب حديثه، قلت: ما
اسمه؟ قال: لا يُسمّى. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في ((التقريب)) عن أبي يزيد هذا: مقبولٌ انتهى، وفيه نظرٌ لا يخفى، فقد
روى عنه جماعة، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال عبّاس الدُّوريّ،
عن ابن معين: أيوب سمع من أبي يزيد المدنيّ، وأبو يزيد ليس يُعرف بالمدينة،
والبصريّون يروون عنه. (تاريخه)) ٧٣٢/٢). وقال ابن مُحرز، عن يحيى: شيخٌ
مشهورٌ، يروي عنه أيوب، وهؤلاء، قلت: ثقة؟ قال: نعم، قلت: سمع من ابن
عبّاس؟ قال: نعم. (سؤالاته: الترجمة ٤٧١). وسأل أبو داود أحمد عنه؟ فقال: تسأل
عن رجل روى عنه أيوب؟(١)، فتبيّن بما ذُكر أن قول ((التقريب)): مقبولٌ، غير مقبول،
بل الصواب أنه ثقة، فتبصّر.
٦- (عكرمة) مولى ابن عباس البربري الأصل، ثقة ثبت [٣] ٣٢٥/٢ .
٧- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
(١) راجه ((تهذيب الكمال)) مع هامشه ٤٠٩/٣٤ -٤١٠ و)) تهذيب التهذيب)» ٦٠٩/٤.

٣٥٧
١- (ذِكْرِ القَسَامَةِ التِّي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيّةِ) - حديث رقم ٤٧٠٨
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أحد العبادلة
والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَوَّلُ قَسَامَةٍ) وفي رواية البخاريّ:
((إن أول قسامة))، وتقدّم معنى القسامة قريبًا (كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الفترة التي
كانت قبل الإسلام، زاد في رواية البخاريّ: (لَفينا بني هاشم)): قال في ((الفتح)): اللام
للتأكيد، و((بني هاشم)): مجرور على البدل من الضمير المجرور، ويحتمل أن يكون
منصوبًا على التمييز، أو على النداء، بحذف الأداة.
وقوله: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِم) خبر لـ((أول قسامة)) على معنى: قسامة كانت في
هذه القضيّة. قاله السنديّ. والرجل- كما في ((الفتح)) -: هو عمرو بن علقمة بن
المطلب بن عبد مناف، جزم بذلك الزبير بن بكار، في هذه القصة، فكأنه نسب في هذه
الرواية إلى بني هاشم مجازا؛ لما كان بين بني هاشم، وبني المطلب، من المودة،
والمؤاخاة، والمناصرة، وسماه ابن الكلبي عامرا.
(اسْتَأْجَرَ رَجُلًا، مِنْ قُرَيْشٍ) هكذا في رواية المصنّف، وهو مقلوب، والصواب:
(استأجره رجلٌ من قريش))، وقد بيّن هذا الحافظ في ((الفتح))، فقال عند قول البخاريّ:
((استأجره رجل من قريش، من فخذ أخرى)): كذا في رواية الأصيلي، وأبي ذر، وكذا
أخرجه الفاكهي من وجه آخر عن أبي معمر، شيخ البخاري فيه، وفي رواية كريمة،
وغيرها: ((استأجر رجلا من قريش))، وهو مقلوب، والأول هو الصواب.
(مِنْ فَخِذِ أَحَدِهِمْ) أي من قبيلة بعضهم، والضمير لقريش، وفي رواية البخاريّ:
((من فخذ أخرى))، و((الفخذ))- بفتح الفاء، وكسر المعجمة، وقد تسكن، مع فتح الفاء،
وكسها، أربع لغات -: هو دون القبيلة، وفوق البطن، وقيل: دون البطن، وفوق
الفصيلة، وهو مذكّرٌ؛ لأنه بمعنى النفَر، والجمع أفخاذ. وجزم الزبير بن بكار: بأن
المستأجر المذكور هو خِدَاش- بمعجمتين، ودال مهملة- ابن عبد الله بن أبي قيس
العامري .
(قَالَ: فَانْطَلَقَ) أي ذهب الأجير الهاشميّ (مَعَهُ) أي مع المستأجر القرشيّ (فِي إِلِهِ)
أي لرعي إبل المستأجر (فَمَرَّ بِهِ) أي بالأجير (رَجُلٌ، مِنْ بَنِي هَاشِم) قال الحافظ: لم

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
أقف على اسمه (قَدِ انْقَطَعَتْ عُزْوَةُ جُوَالِقِهِ) قال في ((القاموس)): ((الْجِوالق)) بكسر
الجيم، واللام، وبضمّ الجيم، وفتح اللام، وكسرها: وعاء معروف، جمعه جَوالِقُ،
كصَحائفَ، وجَوَاليقُ، وجُوَالقات. انتهى. وقال في (الفتح)): بضم الجيم، وفتح
اللام -: الوعاء من جلود، وثياب، وغيرها، فارسي معرب، وأصله: كواله، وجمعه
جَوَالِيق، وحكي جَوَالِقٍ، بحذف التحتانية.
(فَقَالَ) ذلك الرجل الذي انقطعت عروة جوالقه (أغِثْنِي) بالغين المعجمة، والثاء
المثلّثة، من الإغاثة، وفي نسخة: ((أعنّي)) بالمهملة، من الإعانة (بِعِقَالٍ) بكسر العين
المهملة، وتخفيف القاف -: أي بحبل، وجمعه عُقُل، ككتاب وكُتُب (أَشُدُّ) بضم الشين
المعجمة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب (بِهِ عُزْوَةَ جُوَالِقِي) وجملة ((أشد الخ)) في
محل جرّ صفة لـ((عقال)) (لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ) بكسر الفاء، من باب ضرب، وهو مرفوع،
و(الإبل)) بالرفع فاعله،: أي إذا شددته بالعقال، لا تنفر الإبل بسبب سقوط الجوالق
(فَأَعْطَاهُ عِقَالًا، يَشُدُّ بِهِ عُزْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا، وَعُقِلَتِ الْإِلُ) ببناء الفعل للمفعول،
يقال: عَقَلْتُ البعيرَ عَقْلًا، من باب ضرب: إذا ثَنَيتَ وَظِيفه، مع ذراعه، فتشُدّهما جميعًا
في وسَط الذراع بحبل، وذلك هو العقال. أفاده الفيّوميّ (إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ) قال
السنديّ: الفاء زائدة في جواب ((لَمّا)) (الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ، لَمْ يُعْقَلْ)
بالبناء للمفعول (مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ؟ قَالَ) الأجير (لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ، قَالَ) المستأجر (فَأَيْنَ
عِقَالُهُ؟ قَالَ) الأجير (مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِم، قَدِ انْقَطَعَتْ عُزْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَاسْتَغَائَنِي)
أي طلب منيّ الإغاثة (فَقَّالَ: أَغِثْنِي بِعِقَالٍ، أَشَدُّ) بضم الشين، وكسرها، كما سبق (بِهِ
عُزْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ، فَأَعْطَّيْتُهُ عِقَالًا، فَحَذَفَهُ) بحاء مهملة، وذال معجمة: أي
رمى المستأجر أجيره لشدّة غضبه على ما فعل من إعطاء العقال للسائل (بِعَصًا، كَانَ
فِيهَا) أي في تلك الرمية (أَجَلُهُ) أي موته لكونه أصاب مَقْتَله، والمراد أنه أشرف على
الموت، لا أنه مات على الفور، بل على التراخي، بأن مرِضَ، ثم مات، بدليل قوله:
(، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْتِمَنِ) قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا المارّ أيضًا (فَقَالَ)
الأجير المضروب بالعصًا (أَتَشْهَدُ الْمَؤْسِمَ؟) أي موسم الحجّ، يعني هل أنت معتاد أن
تحجّ كلّ عام؟ (قَالَ) الرجل اليمنيّ (مَا أَشْهَدُ) أي ليس عادتي أن أشهد كلّ المواسم (وَ)
لكن (رُبَّمَا شَهِدْتُ) أي في بعض الأعوام الماضية (قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَلْغٌ) من التبليغ، أو
الإبلاغ (عَنْي رِسَالَةٌ، مَرَّةً مِنَ الدَّهرِ؟) أي وقتًا من الأوقات، أي في موسم من المواسم
(قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ) وفي رواية البخاريّ: ((فكتب: إذا أنت شهدتْ
الموسم الخ))، قال في ((الفتح)): قوله: ((فكتب)) بالمثناة، ثم الموحدة، ولغير أبي ذر،

٣٥٩ ==
١- (ذِكْرِ القَسَامَةِ التِّي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيةِ) - حديث رقم ٤٧٠٨
والأصيليّ، بضم الكاف، وسكون النون، ثم المثناة، والأول أوجه، وفي رواية الزبير
ابن بكار: ((فكتب إلى أبي طالب، يُخبره بذلك، ومات منها، وفي ذلك يقول أبو
طالب :
أَفِي فَضْلِ حَبْلٍ لَا أَبَالَكَ ضَرْبُهُ بِمِنْسَأَةٍ قَدْ جَاءَ حَبْلٌ أَوْ أَخْبُلُ
(فَنَادِ، يَا آَلَ قُرَيْشٍ) بإضافة آل إلى قُريش، وفي بعض النسخ: ((يا لَقُريش)) بفتح
اللام الداخلة على قريش، وهي لام الاستغاثة. وقال في ((الفتح)): قوله: ((يا آل قريش))
بإثبات الهمزة، وبحذفها على الاستغاثة. انتهى.
(فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَنَادِ، يَا آلَ هَاشِمٍ، فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَسَلْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ، فَأَخِرْهُ أَنَّ فُلَانًا
قَتَلَنِي، فِي عِقَالٍ) أي بسبب عقالٌ، ف((في)) سبيّة (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ) بفتح الجيم: أي
مات الأجير بعد أن أوصى إلى اليمنيّ بما أوصاه به (فَلَمَّا قَدِمَ) بكسر الدال (الَّذِي
اسْتَأْجَرَهُ، أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟) أي أيُّ شيء منعه من المجيء معك؟
(قَالَ) الذي استأجر (َمَرِضَ) صاحبكم (فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ) أي أحسنت تمريضه،
بمعالجته، وإحضار ما يحتاج إليه المريض (ثُمَّ مَاتَ، فَتَزَلْتُ) أراد النزول في محلّ،
وترك الرحيل؛ لأنه كان راحلًا لطلب المرعى لإبله (فَدَقَتْتُهُ) وفي رواية البخاريّ:
((فَوَلِيت دفنه)) بكسر اللام، وفي رواية ابن الكلبي: ((فقال: أصابه قدره، فصدّقوه، ولم
يظنوا به غير ذلك))
(فَقَالَ) أبو طالب لَمّا سمع كلامه، وظنّ أنه صادق في ذلك (كَانَ ذَا أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ)
أي كان مستحقًا منك ما ذكرته من إحسان القيام بتمريضه، ودفنه بعد موته (فَمَكثَ) أي
أقام، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قتل: أي أقام، وتَلَبَّث، ومَكُثَ مُكْثَا، فهو مكيثٌ،
مثلُ قرُب قربًا، فهو قريبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾ الآية [النمل: ٢٢]
باللغتين، ويتعدّ بالهمز، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ فيه. قاله
الفيّوميّ (حِينًا) أي وقتًا طويلًا (ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْيَمَانِيَّ، الَّذِي كَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبَلْغَ) من
الإبلاغ، أو التبليغ (عَنْهُ، وَافَى الْمَوْسِمَ) أي أتاه (قَالَ) وفي نسخة: ((فقال)) بالفاء (يَا آلَ
قُرَيْشٍ، قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَالَ: يَا آلَ بَنِي هَاشِم، قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ، قَالَ: أَيْنَ أَبُو
طَالِبٍ؟) وفي رواية البخاريّ: ((من أبو طالب؟) (قَالَ: هَذَا أَبُو طَالِبٍ) أي قال قائلٌ:
هذا أبو طالب، ويحتمل أن يكون القائل هو أبو طالب نفسه، وفي رواية البخاريّ:
(قالوا: هذا أبو طالب))، وزاد بن الكلبي: ((فأخبره بالقصة، وخِدَاش يطوف بالبيت، لا
يعلم بما كان، فقام رجال من بني هاشم إلى خداش، فضربوه، وقالوا: قتلت صاحبنا،
فجحد)) (قَالَ) ذلك اليمنيّ (أَمَرَنِي فُلَانٌ) يعني الرجل المقتول (أَنْ أُبَلْغَكَ رِسَالَةٌ، أَنَّ

٣٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
فُلَانًا) يعني المستأجر القاتل (قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ) أي بسبب عقال (فَأَتَاهُ) أي الرجل القاتل
(أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، قال في ((الفتح)): يحتمل
أن تكون هذه الثلاث، كانت معروفة بينهم، ويحتمل أن تكون شيئا، اخترعه أبو
طالب. وقال ابن التين: لم يُنقل أنهم تشاوروا في ذلك، ولا تدافعوا، فدَلَّ على أنهم
كانوا يعرفون القسامة قبل ذلك، كذا قال، وفيه نظر؛ لقول ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما، راوي الحديث: ((إنها أول قسامة))، ويمكن أن يكون مراد ابن عباس الوقوع،
وإن كانوا يعرفون الحكم قبل ذلك. وحكى الزبير بن بكار أنهم تحاكموا في ذلك، إلى
الوليد بن المغيرة، فقضى أن يحلف خمسون رجلا، من بني عامر عند البيت، ما قتله
خداش، وهذا يُشعر بالأوليّة مطلقًا (إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الْإبِلِ) أي فافعل، وهذه
هي أولى الخصال الثلاث. وقوله (فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا خَطَأ) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنك
قتلت الخ (وَإِنْ شِئْتَ يَحْلِفْ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ، أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ) وهذه هي ثانية الخصال
(فَإِنْ أَبَيْتَ) أي امتنعت من كلّ من إعطاء الدية، وحلف خمسين من قومك على عدم
قتلك صاحبنا (قَتَلْنَاكَ بِهِ) أي لثبوت قتلك له بنكولكم عن الحلف (فَأَتَى) القاتل (قَوْمَهُ،
فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ) أي ما عرض عليه أبو طالب من الخصال الثلاث (فَقَالُوا: نَحْلِفُ، فَأَتَتْهُ
امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِم) هي زينب بنت علقمة، أخت المقتول، ونسبتها إلى بني هاشم
مجازية (كَانَتْ تَحتَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) هو عبد العزى بن أبي قيس العامري، والتقدير: كانت
زوجا لرجل من بني هاشم (قَدْ وَلَدَتْ لَهُ) اسم ولدها منه حُويطب- بمهملتين، مصغرًا-
ذكر ذلك الزبير، وقد عاش حُويطب بعد هذا، دهرا طويلا، وله صحبة، ويحتمل أن
يكون غير حويطب.
(فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا) بالجيم، والزاي: أي تهبه ما يلزمه من
اليمين (بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا) ناهية (تُصْبِرْ يَمِينَهُ) ويحتمل أن تكون ((لا)) نافية،
والفعل معطوف على (تُجيز)): والمعني: لا تلزمه أن يحلف، يقال: صبر يمينه، من باب
ضرب: إذحلّفه، وصبر الحاكم فلانًا على يمين: أكرهه عليها، أنشد ثَعْلبٌ:
فَأَوْجِعِ الْجَنْبَ وَأَعْرِ الظَّهْرَا أَوْ يُبْلِيَ اللَّهُ يَمِينًا صَبْرَا
ويمين الصبر: أن يحبس السلطان إنسانًا على اليمين حتى يحلف، فلو حلف من غير
إحلاف لا يقال له حلف صبرًا، وفي الحديث: ((من حلف على يمين مصبورة كاذبًا))،
وفي آخر: ((على يمينٍ صبرٍ)): أي أَلزِم بها، وحُبس عليها، وكانت لازمةً لصاحبها من
جهة الْحَاكم، وقيل لها: مصبورة، وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما
صبر من أجلها، أي حُبس، فوُصفت بالصبر، وأُضيفت إليه مجازًا. أفاده في ((اللسان)).