Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ == ٩٣ - (بَيْعُ الْخَمْر) - حديث رقم ٤٦٧١ تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الفرَع والعتيرة)) فراجعه تستفد. وقوله: ((لا هو حرام)): معناه لا تبيعوها، فإن بيعها حرام، والضمير في ((هو)) يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع، هذا هو الصحيح، عند الشافعي، وأصحابه، أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة، في طلى السُّفْن، والاستصباح بها، وغير ذلك، مما ليس بأكل، ولا في بدن الآدمي، وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبري. وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شئ أصلا؛ لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة، الا ماخُصّ، وهو الجلد المدبوغ. وأما الزيت، والسمن، ونحوهما، من الأدهان التي أصابتها نجاسة، فهل يجوز الاستصباح بها، ونحوه من الاستعمال في غير الأكل وغير البدن، أو يُجعل من الزيت صابون، أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو يطعم الطعام النجس لدوابه، فيه خلاف بين السلف، الصحيح من مذهب الشافعيّ جواز جميع ذلك، ونقله القاضي عياض عن مالك، وكثير من الصحابة، والشافعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، قال: وروى نحوه عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: وأجاز أبو حنيفة، وأصحابه، والليث، وغيرهم، بيع الزيت النجس إذا بينه. وقال عبد الملك بن الماجشون، وأحمد ابن حنبل، وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشئ من ذلك كله، في شئ من الأشياء. والله أعلم. قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة، أنه يحرم بيع جثة الكافر، إذا قتلناه، وطلب الكفار شراءه، أو دفع عوض عنه، وقد جاء في الحديث: أن نوفل بن عبد الله المخزومي، قتله المسلمون يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم للنبي ◌ّر، فلم يأخذها، ودفعه إليهم، وذكر الترمذي حديثا نحو هذا. قال الشافعية: العلة في منع بيع الميتة، والخمر، والخنزير النجاسة، فيتعدى إلى كل نجاسة، والعلة في الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة، فإن كانت بحيث إذا كُسرت، ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحاب الشافعيّ، منهم من منعه؛ لظاهر النهى، وإطلاقه، ومنهم من جَوّزه؛ اعتمادا على الانتفاع، وتأول الحديث على مالم ينتفع برضاضه، أو على كراهة التنزيه في الأصنام خاصة. وأما الميتة، والخمر، والخنزير: فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها. والله أعلم. قال القاضي عياض: تضمن هذا الحديث أن مالا يحل أكله، والانتفاع به لا يجوز ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث، فاعترض بعض اليهود، والملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطئها، فإنها تحرم على الابن، ويحل له بيعها بالإجماع، وأكل ثمنها. قال القاضي: وهذا تمويه على من لا علم عنده؛ لأن جارية الأب، لم يحرم على الابن منها غير الإستمتاع على هذا الولد، دون غيره من الناس، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها، في جميع الأشياء، سوى الاستمتاع، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف الشحوم، فإنها محرمة المقصود منها، وهو الأكل منها على جميع اليهود، وكذلك شحوم الميتة محرمة الاكل على كل أحد، وكان ما عدا الأكل تابعا له، بخلاف موطوأة الأب. والله أعلم. قاله النوويّ رحمه اللَّه تعالى في ((شرح مسلم)) ٨/١١-١١. وقال في ((الفتح)): قال جمهور العلماء: العلة في منع بيع الميتة، والخمر، والخنزير، النجاسة، فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة، ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير. والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كُسرت ينتفع برُضَاضها، جاز بيعها، عند بعض العلماء، من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع؛ حملا للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها، ويلتحق بها في الحكم الصُّلْبان التي تُعَظُمها النصارى، ويحرم نَحْتُ جميع ذلك وصنعته . وأجمعوا على تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، ورخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير للخَزْز، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي يوسف، وبعض المالكية، فعلى هذا يجوز بيعه، ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء، ما لا تَحُلُّه الحياة، كالشعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية، والحنفية، وزاد بعضهم العظم، والسن، والقرن، والظّلْف، وقال بنجاسة الشعور الحسن، والليث، والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها متنجسة عندهم، بما يتعلق بها من رطوبات الميتة، لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم في عظم الفيل: إنه يطهر إذا سُلِقٍ بالماء. انتهى ((فتح)) ببعض تصرّف ١٧٨/٥ -١٧٩. وقوله: ((جَّلُوه)) بفتح الجيم، والميم، يقال: جَّل الشحم، من باب نصر: أذابه، ويقال: أجمله بالألف، واجتمله، أفاده في ((القاموس)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الفرَع والعتيرة)) ٤١٥٨/٨- وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، فراجعه هناك تستفد والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٤٣ ٩٤- (بَيْعُ ضِرَب الْجَمَل) - حديث رقم ٤٦٧٢ ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٩٤- (بَيْعُ ضِرَابِ الْجَمَلِ) ٤٦٧٢- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: نَّهِى رَسُولُ اللّهِ ◌َِّ، عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمِّلِ، وَعَنْ بَيْعٍ الْمَاءِ، وَبَيْعِ الْأَرْضِ لِلْحَرْثِ، يَبِيعُ الرَّجُلُ أَرْضَهُ وَمَاءَهُ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ وَِّّ)»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ) بن الهَيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ المِقْسميّ، ثقة [١١] ٥١ / ٦٤ . ٢- (حجّاج) بن محمد المصّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لَمّا قدِم بغداد [٩] ٣٢/٢٨. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥ . ٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي رضي اللّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وابن ماجه في ((التفسير)) ... (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وحجاج، فمصّيصيّان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي الزبير رحمه اللّه تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد اللَّه رضي الله تعالى ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ عنهما (يَقُولُ: فَى رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ) بكسر الضاد المعجمة، أي عن أخذ الكراء على ضِرابه، بل ينبغي لصاحب الفحل إعارته بلا كراء، فإن في المنع قطع النسل . وقال ابن الأثير: ضراب الجمل: نَزْوه على الأنثى، والمراد بالنهي ما يؤخذ عليه من الأجرة، لا عن نفس الضُّراب، وتقديره: نهى عن ثمن ضراب الجمل، كنهيه عن عَسْبٍ الفحل: أي عن ثمنه، يقال: ضَرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها: إذا نزا عليها، وأضرب فلانٌ ناقته: أي أنزى الفحل عليها. انتهى ((النهاية)) ٧٩/٣ . (وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) تقدّم البحث عنه مُسْتَوْفّى قبل خمسة أبواب (وَبَيْعِ الْأَرْضِ لِلْحَرْثِ) أيَ كراء الأرض للزرع، وقوله (يَبِيعُ الرَّجُلُ أَرْضَهُ وَمَاءَهُ) تفسيرٌ لبيع الأرض، يعني أنه يؤاجر الأرض والماء لمن يزرعها، قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه نهى عن إجارتها للزرع، قال: والجمهور يجوّزن إجارتها بالدراهم، والثياب، ونحوها، ويتأوّلون النهي تأويلين: [أحدهما]: أنه نهي تنزيه؛ ليعتادوا إعارتها، وإرفاق بعضهم بعضًا. [والثاني]: أنه محمول على إجارتها على أن يكون لمالكها قطعة معيّنة من الزرع، وحمله القائلون بمنع المزارعة على إجارتها بجزءٍ مما يخرج منها. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٧٣ - ٤٧٤. وقد تقدّم تفصيل ما ذُكر كلّه في ((كتاب المزارعة)) مستوفّى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله (فَعَنْ ذَلِكَ فَى الشَِّيُّ وََّ﴾ تأكيدٌ لما سبق من النهي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تخريجه في باب ((بيع الماء)) قبل خمسة أبواب، وأتكلّم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو حكم بيع ضراب الجمل، فأقول: [مسألة]: في اختلاف أهل العلم في حكم بيع ضراب الفحل: قال النووي في ((شرح مسلم)): اختلف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب؛ للضراب، فقال الشافعى، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وآخرون: استئجاره لذلك باطل، وحرام، ولا يُستَحَقُّ فيه ◌ِوَضٌ، ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجره، ولا أجرة مثل، ولا شئ من الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول، وغير مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة، والتابعين، ومالك، وآخرون: يجوز استئجاره لضرب مدة معلومة، أو لضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو اليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا ٢٤٥ == ٩٤ - (بَيْعُ ضِرَاب الْجَمَل) - حديث رقم ٤٦٧٢ النهى على التنزيه، والحثّ على مكارم الأخلاق، كما حملوا عليه ما قرنه به من النهى عن إجارة الأرض. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠٤٧٤ . وقال القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى: ما حاصله: بيع ماء الفحل لا يُختلف في فساده إذا وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض الذي هو حصول ماء الفحل في محلّ الرحم، وعَقُوق الأنثى (١) فإنه غررٌ، ومجهولٌ، وأما على معنى إجارة الفحل للطَّرْق أعوامًا معلومةً، أو إلى مدّة معلومة، فأجازه مالكٌ؛ لكمال شروط الإجارة، مع أن أخذ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالبًا إلا أولو الدناءة، ويكون هذا كله كالحجامة. وقد ذهب أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور إلى منع ذلك جملةً، والأرجح إن شاء الله تعالى ما صار إليه مالك؛ لما ذكرناه، وبأنه قول جماعة من الصحابة، والتابعين على ما حكاه القاضي عياض. انتهى ((المفهم)) ٤٤٢/٤ -٤٤٣. وقال الموفّق رحمه الله تعالى في ((المغني)): إجارة الفحل للضراب حرام، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وحُكي عن مالك جوازه. قال ابن عقيل: ويحتمل عندي الجواز؛ لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه، وهذه منفعة مقصودة، والماء تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر؛ ليحصل اللبن في بطن الصبي . وحجة الأولين ما رَوَى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((أن النبي وَّل نهى عن بيع عسب الفحل))، رواه البخاري، وعن جابر رَّه قال: ((نهى رسول اللّه ◌ُ له عن بيع ضراب الجمل))، رواه مسلم، ولأنه مما لا يُقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته، ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول، وإجارة الظئر خولف فيه الأصل؛ لمصلحة بقاء الآدمي، فلا يقاس عليه ما ليس مثله، فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل، فهو حرام على الآخذ؛ لما ذكرناه، ولا يحرم على المعطى؛ لأنه بذل ماله لتحصيل مباح، يحتاج إليه، ولا يمتنع هذا كما في كسب الحجام، فإنه خبيث، وقد أعطى النبي ◌ُّر الذي حجمه، وكذلك أجرة الكسح(٢)، والصحابة أباحوا شراء المصاحف، وكرهوا بيعها، وإن أُعطى صاحب الفحل هدية، أو أكرمه من غير إجارة جاز، وبه قال الشافعي؛ لما روى أنس رَّيه عن النبي ◌ََّ، أنه قال: ((إذا كان إكراما فلا بأس)»(٣)، ولأنه سبب مباح، فجاز (١) في ((اللسان)): العَقُوق من البهائم أي بفتح فضم: الحامل. اهـ. (٢) ((الكسح)) : هو الكنس. (٣) حديث صحيح أخرجه المصنّف، والترمذيّ، وسيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ أخذ الهدية عليه، كالحجامة. وقال أحمد في رواية ابن القاسم: لا يأخذ، فقيل له: ألا يكون مثل الحجام، يُعطَى، وإن كان منهيا عنه؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي ◌َّ أعطى في مثل هذا شيئا، كما بلغنا في الحجام. ووجهه أن ما منع أخذ الأجرة عليه منع قبول الهدية، كمهر البغي، وحلوان الكاهن، قال القاضي: هذا مقتضى النظر، لكن تُرك مقتضاه في الحجام، فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس، والذي ذكرناه أرفق بالناس، وأوفق للقياس، وكلام أحمد يحمل على الورع، لا على التحريم. انتهى ((المغني)) ٦/ ٣٠٢ -٣٠٤ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم بيع ضراب الفحل، هو الصواب؛ لظهور أدلّته، وأما لو أكرم صاحب الفحل بهديّة من غير مشارطة، فلا ما نع؛ لما أخرجه الترمذيّ، والمصنّف، واللفظ للترمذيّ بإسناد صحيح من حديث أنس رَّه: ((أن رجلا من كلاب، سأل النبي بَّه عن عَسْب الفحل؟ فنهاه، فقال: يا رسول اللّه، إنا نُطرِق الفحل فتُكرَم، فرخص له في الكرامة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَم ح وَأَنْبَأَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَلِيَّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَهَى رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ، عَنْ عَسْبِ الْفَخْلِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزي، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/٢ . ٢- (حميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهلي البصريّ، صدوق [١٠] ٥/٥. ٣- (إسماعيل بن إبراهيم) ابن عليّة، أبو بشر البصري، ثقة ثبت حافظ [٨] ١٩/١٨. ٤- (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. ٥- (عليّ بن الحكم) البُنانيّ، أبو الحكم البصريّ، ثقة، ضعّفه الأزديّ بلا حجة [٥] ٤٣٥٠/٣٣ . [تنبيه]: قال في ((الفتح))-٢٢٥/٥ -: عليّ بن الحكم هو الْبُنانيّ بضمّ الموحّدة، بعدها نون خفيفة، بصريّ ثقة عند الجميع، وليّنه أبو الفتح الأزديّ بلا مُستَنَد، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد أخرج الحاكم في ((المستدرك)) هذا الحديث، عن مسدّد، شيخ البخاريّ فيه، وقال: عليّ بن الحكم ثقة، من أعزّ البصريين حديثًا. انتهى. وقد وَهِمَ في استدراكه، وهو في البخاريّ كما ترى -يعني في ((الإجارة))- وكأنه ٢٤٧ = ٩٤- (بَيْعُ ضِرَاب الْجَمَل) - حديث رقم ٤٦٧٣ لَمّا لم يره في ((البيوع)) توهّم أن البخاريّ لم يُخرجه. انتهى. ٦- (نافع) العدوي مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٧- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه الأول، فمروزيّ، ونافع وابن عمر، فمدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ عَسْبٍ الْفَخْلِ))) - بفتح العين، وإسكان السين المهملتين، وفي آخره موحدة- ويقال له: العسيب أيضا، والفحل الذكر من كل حيوان، فرسا كان، أو جملا، أو تيسا، أو غير ذلك. وقد رَوَى النسائي من حديث أبي هريرة ((نهى عن عسب التيس)). قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي عزاه في ((الفتح)) إلى النسائيّ بلفظ ((التيس)) لم أره في نسخ ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعله وقع هكذا في بعض النسخ، والله تعالى أعلم. واختلف في معنى ((عسب الفحل))، فقيل: هو ثمن ماء الفحل، وقيل أجرة الجماع. قال الحافظ: وعلى الأخير جرى البخاريّ، ويؤيد الأول حديث جابر تَّه: (نَّى رسول اللّه وَّر عن بيع ضِرَاب الجمل))، وليس بصريح في عدم الحمل على الإجارة؛ لأن الإجارة بيع منفعة، ويؤيد الحمل على الإجارة، لا الثمن ما نقل عن قتادة: أنهم كانوا يكرهون أجر ضراب الجمل. وقال صاحب ((الأفعال)): أعسب الرجل عَسِيبا: اکتری منه فَخْلا يُنزیه . وعلى كل تقدير فبيعه، وإجارته حرام؛ لأنه غير مُتَقَوَّم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية، والحنابلة: تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن، وابن سيرين، ورواية عن مالك، قَوّاها الأبهري وغيره، وحَمَلَ النهي على ما إذا وقع لأمد مجهول، وأما إذا استأجره مدة معلومة، فلا بأس كما يجوز الاستئجار لتلقيح النخل. وتعقب بالفرق؛ لأن المقصود هنا ماء الفحل، وصاحبه عاجز عن تسلمیه، بخلاف التلقيح، ثم النهي عن الشراء والكراء، إنما صدر لما فيه من الغرر، وأما عارية ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ذلك فلا خلاف في جوازه. فإن أهدى للمعير هدية من المستعير، بغير شرط جاز، وللترمذي من حديث أنس : ((أن رجلا من كلاب، سأل النبي وَّ، عن عَسْب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول الله، إنا نُطرِق الفحل، فنكرم، فرخص له في الكرامة)). ولابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي كبشة، مرفوعا: ((من أطرق فرسا فأعقب، كان له كأجر سبعين فرسا(١))). انتھی ((فتح)) ٢٢٤/٥-٢٢٥. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٦٧٣/٩٤- وفي ((الكبرى)) ٦٢٦٧/٩٥. وأخرجه (خ) في ((الإجارة)) ٢٢٨٤ (د) في ((البيوع)) ١٢٧٣ (ت) في ((البيوع)) ٣٤٢٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٦١٦. وأما فوائد الحديث، ومذاهب العلماء، فقد تقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٤- (أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّوَاسِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الصَّعِقِ، أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَسَأَلَةُ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ؟، فَتَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا نُكْرِمُ عَلَّى ذَلِكَ))). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عصمة بن الفضل) النُّميريّ، أبو الفضل النيسابوريّ، نزيل بغداد، ثقة [١١] (١) أخرجه ابن حبان في (صحيحه)) بإسناد صحيح، برقم (٤٦٧٩) من طريق كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزنيّ، عن أبي كبشة الأنماري، أنه أتاه، فقال: أطرِقني فرسك، فإني سمعت رسول اللَّه وَلّ يقول: ((من أطرق فرسًا، فعقب له الفرسُ، كان كأجر سبعينٍ فرسًا، حُمل عليها في سبيل اللَّه، وإن لم تُعقب، كان له كأجر فرس حُمل عليه في سبيل الله)). وأخرجه أحمد ٢٣١/٤ والطبرانيّ ٢٢/ ٨٥٣ من طريقين عن محمد بن حرب بهذا الإسناد، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٦/٥ : ورجالهما ثقات. = ٢٤٩ ٩٤ - (بَيْعُ ضِرَاب الْجَمَل) - حديث رقم ٤٦٧٤ ١٦١٧/٩ ٠ ٢- (يحيى بن آدم) بن سُليمان الكوفيّ، أبو زكريّا، مولى بني أُميّة، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] ١ / ٤٥١. ٣- (إبراهيم بن حُميد) بن عبد الرحمن، الرُّؤَاسيّ - بضمّ الراء، بعدها همزة- أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة [٨] . قال ابن معين، ثقة، ولم أدركه. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. ووثقه أحمد، وأبو داود، والعجليّ، وابن حبّان. مات سنة (١٧٨) روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤- (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩ /٦١ . ٥- (محمد بن إبراهيم بن الحارث) بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥. ٦- (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الشهير رضي اللّه تعالى عنه٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغدادي، ويحيى، وإبراهيم، فكوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، هشام، عن محمد بن إبراهيم، وهو من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الخامسة، وفيه أنس رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّهِ، أنه (قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الصَّعِقِ) قال المجد: الصَّعِقُ، ككَتِفٍَ لقب خُويلد بت نُفيل، من بني كلاب، ويقال فيه الصُّعِقُ، كإِل، والنسبة ضَعَقيّ، محرّكةً، وصِعَقِيّ، كعِنَبيّ، على غيرِ قياس، لُقْب به لأن تميمًا أصابوا رأسه بضربة، فكان إذا سمع صوتًا صَعِقَ، أو لأنه اتخذ طعامًا، فَكَفَأتِ الريحُ قُدُوره، فلعنها، فأرسل الله تعالى عليه صاعقةً. انتهى ((القاموس، وشرحه)) (أَحَدٍ بَنِي كِلَابٍ) بكسر الكاف، وتخفيف اللام، اسم لعدّة قبائل من العرب، منها: كلاب بن مرّة بن ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع كعب بن لُؤيّ بن غالب، جدّ رسول اللَّه وَلّ، وهو أبو قُصيّ، وزُهْرة ابني كلاب، ومنها: كلاب بن عامر بن صعصعةٍ. قاله في ((اللباب)) ١٢٢/٣، و((الأنساب)) ١١٦/٥ -١١٧ (إِلَى رَسُولِ اللّهِ بَ لَ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَسْبِ الْفَخْلِ؟) بفتح، فسكون: أي مائه، والمراد ما يؤخذ عليه من العوض، فهو على حذف مضاف، وقيل: بل يطلق العسب على الأجرة نفسها، وتقدّم بأتمّ من هذا في الحديث الماضي (فَتَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن أخذ العوض عليه (فَقَالَ: إِنَّا نُكْرِمُ عَلَى ذَلِكَ) ببناء الفعل للفاعل: أي نكرم صاحب الفحل، على ضِرَاب فحله، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي يكرمنا الناس على ضِراب فحلنا لهم، ويؤيده ظاهر سياق الترمذيّ من هذا الوجه، ولفظه: ((إنا نُطرق الفحل، فتُكرم، فرّخص له في الكرامة)). فقوله: ((نُطرق الفحل)): أي نُعيره للضراب، قال في ((النهاية)): ومنه الحديث: ((ومن حقّها إطراق فحلها)): أي إعارته للضراب. وقوله: ((نكرم)) بالبناء للمفعول: أي يعطينا صاحب الأنثى شيئًا بطريق الهديّة. [تنبيه]: رواية المصنف فيها اختصار، حيث لم يُذكَر فيها جوابُ النبي ◌َّ لقوله: ((إنا نكرم إلخ)) وقد جاء في رواية الترمذي المذكورة، وهو قوله: ((فرخص له في الكرامة». والله تعالى أعلم. قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الماضي: ما نصّه: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وقد رخص قومٌ في قبول الكرامة على ذلك، ثم أورد حديث أنس رَظمي هذا مستدلاً لهم. وقال في ((تحفة الأحوذيّ)) ٤٠٥/٤ -: وفيه دليل على أن المعير إذا أهدى إليه المستعير هديّةً بغير شرط، حلّت له. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس تَظّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٦٧٤/٩٤- وفي ((الكبرى)) ٦٢٦٨/٩٥. وأخرجه (ت) في ((البيوع)) ١٢٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٥- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: ((نَى رَسُولُ اللّهِ بِِّ، عَنْ كَسْبٍ الْحَجَّامِ، وَعَنْ ثَمَنَّ الْكَلْبِ، وَعَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ»). قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. ٢٥١ = ٩٤- (بَيْعُ ضِرَاب الْجَمَل) - حديث رقم ٤٦٧٦ و((محمد)): هو ابن جعفر، غُندر. و((المغيرة)): هو ابن مِقسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنّ، إلا أنه يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] ١٨٨/ ٣٠١. و((ابن أبي نعم)) بضم النون، وسكون المهملة -: هو عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوق [٣] ٢٥٧٨/٧٩. وقوله: ((عن كسب الحجّام)): أي عن أخذ الأجرة على الحجامة، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وأن الأرجح أنه جائز، والنهي محمول على التنزيه؛ لأنه وَّ احتجم، وأعطى الحجام أجره. وباق الحديث شرحه مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رقّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٧٥/٩٤- وفي ((الكبرى)) ٦٢٦٩/٩٥. وأخرجه (ق) في ((التجارات)) ٢١٦٠ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٧٩١٦ و٨١٨٩ و٩١٠٩ ١٠١١١ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٥٠٩ و٢٥١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٦- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: ((نََّى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنْ عَسْبِ اَلْفَحْلِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عليّ بن ميمون))، أبو العبّاس العطّار الرّقّيّ، ثقة [١١] ٤١٨/١٤ من أفراد المصنف. و((محمد)): هو ابن يوسف الفريابيّ الثقة الفاضل [٩] . و(سفيان)): هو الثوريّ. و((هشام)): هو ابن عائذ بن نَصيب الأسديّ، صدوقٌ [٦] . وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجليّ. وقال أبو حاتم: شيخٌ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روايته عن ابن عمر مرسلة. تفرّد به المصنّف بحديثين: هذا، وفي (كتاب الأشربة)) حديثه ٥٧٣٥/٥٥- قال: سألت إبراهيم عن العصير؟، قال: اشربه حتى يَغْلَى، ما لم يتغيّر. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٩٤/ ٤٦٧٦- وفي ((الكبرى)) ٩٥/ ٦٢٧٠ وذكر في ((تحفة الأشراف)) أنه أخرجه في ((الحدود)) == ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع من ((الكبرى)) عن محمد بن حاتم بن أبي نُغم، عن حِبّان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٧٧ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((فَهِى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ ثَّمَنِ الْكَلْبِ، وَعَسْبٍ الْفَحْلِ))). قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((واصل بن عبد الأعلى)): هو الأسديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٨٣١/٣٩. و((ابن فُضيل)): هو محمد بن فُضيل بن غزوان الكوفيّ. و((أبو حازم)): هو سلمان الأشجعيّ الكوفيّ. [تنبيه]: وقع هذا الحديث في النسخ التي بين يديّ من ((المجتبى))، و((الكبرى)) مرسلًا بحذف أبي هريرة، ولكن أشار الحافظ أبو الحجّاج المزيّ في ((تحفة الأشراف)) ١٠/ ٨٤ - إلى أنه موصول بذكر أبي هريرة ◌َثيه ، حيث أورده في ترجمة أبي حازم، عن أبي هريرة رَّه، وأشار إلى أن النسائيّ أخرجه موصولًا في ((البيوع)) (١) عن عليّ بن ميمون(٢)، وواصل بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن فُضيل، عن الأعمش به، أي بسند أبي حازم، عن أبي هريرة راثيم. وأشار أيضًا إلى أنه أخرجه في ((الحدود))(٣) والظاهر أنه في (الكبرى)) عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أبي عبيدة، عن الأعمش نحوه. انتهى. والحديث أخرجه ابن ماجه في ((كتاب التجارات))- ٢١٦٠- عن عليّ بن محمد الطنافسيّ، ومحمد بن طريف، كلاهما عن ابن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ◌َّه، قال: ((نهى رسول اللّهِ وَ لّ عن ثمن الكلب، وعَسْب الفحل)). وذكره الترمذيّ تعليقًا عقب رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ١٢٧٩ - بلفظ: ((وروى ابن فُضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة تَّه، عن النبيّ وَّل من غير هذا الوجه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن النسخ التي بين يديّ وقع فيها نقصٌ، والصواب زيادة ((عن أبي هريرة))، لما ذُكِرَ آنفًا من أنه ثابت عند الترمذيّ، وابن ماجه، بنفس السند، ولجزم الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى بعزوه موصولًا إلى المصنّف، فتأمّل. (١) الصواب في المزارعة. (٢) روايته عن عليّ بن ميمون لم أجدها، والله تعالى أعلم. (٣) الصواب في المزارعة. ٩٥ - (الرَّجُلُ يَتَاعُ الْبَيْعَ، فَيَقْلِسُ، ... - حديث رقم ٤٦٧٨ ٢٥٣= والحاصل أن الحديث موصول صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٩٥ - (الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْبَيْعَ، فَيُفْلِسُ، وَيُوجَدُ الْمَتَاعُ بِعَيْنِهِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم من اشترى شيئًا، ثم أفلس، قبل التصرّف في الشيء المشترى . فقوله: ((يبتاع)) بالبناء للفاعل: أي يَشتري. وقوله: ((البيع)): بمعنى المبيع، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. وقوله: ((فيُفلس)) بضمّ الياء، من الإفلاس، قال الفيّوميّ: أفلس الرجل: كأنه صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ، كما يقال: أقهر: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليه، وبعضهم يقول: صار ذا فُلُوس، بعد أن كان ذا دراهم، فهو مُفلسٌ، والجمع مَفَاليسُ، وحقيقته الانتقال من حالة الْيُسْر إلى حالة الْعُسْر. وفَلْسه القاضي تفليسًا: نادَى عليه، وشَهَرَه بين الناس بأنه صار مُفْلسًا. والفَلْسُ: الذي يُتعامل به، جمعه في القلّة أَفْلُس، وفي الكثرة فُلُوس. انتهى. وقال في ((الفتح)): المفلس شرعا: من تزيد ديونه على موجوده، سُمّي مُفلِسا؛ لأنه صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سُمي بذلك؛ لأنه يُمنَع التصرف، إلا في الشيء التافه، كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة، لا يملك فيها فَلْسًا، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أفلس الرجل)): في اللغة: صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال: أخبث الرجل: أي صار أصحابه خُبَثاء، وأقطف الرجل: إذا صارت دابته قَطُوفًا. والمفلس في عرف العرب: من لا مال له عينًا، ولا عَرَضًا، ولا غيره، ولذلك قال النبيّ وَّر لأصحابه : ((أتدرون من المفلس؟))، قالوا: ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع. رواه ... ٢٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مسلم. وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِذْيان، قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطلب الغرماء أخذ ما بيده، وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يَحجُر عليه، ويمنعه من التصرّف فيما بيده، ويُحصِّلُهُ، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، من الصحابة، وغيرهم. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٤٣٠-٤٣١. وقال الموفّق رحمه اللّه تعالى: المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبي وَلّر لأصحابه: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: يا رسول اللَّه، المفلس فينا من لا دراهم له، ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم، فرد عليه، ثم صُكّ له صَكّ إلى النار))، أخرجه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبي وَلّ: ((ليس ذلك المفلس))، تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم، بحيث يصير مفلس الدنيا، بالنسبة إليه كالغني، ونحو هذا قوله وَلّ: ((ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب))، متّفقٌ عليه، وقوله: ((ليس السابق من سبق بعيره، وإنما السابق من غُفر له)) (١)، وقوله: ((ليس الغنى عن كثرة الغرض، إنما الغنى غنى النفس))، متّفقٌ عليه، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيْتُ الأَحْيَاءِ وإنما سمي هذا مفلسا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دَخْلِهِ، وسَمَّوه مُفلسا، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مُسْتَحَقُّ الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي وَلجر، مفلس الآخرة، فإنه أخبر أن له حسنات، أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقُسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سمي بذلك لما يؤول إليه، من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. انتهى («المغني)) ٥٣٦/٦-٥٣٧. وسيأتي بيان مذهب العلماء في المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب إذا وجد (١) لم أجده. والله تعالى أعلم. ٩٥- (الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْبَيْعَ، فَيَقْلِسُ، ... - حديث رقم ٤٦٧٨ ٢٥٥ == ماله عند مُفلس في البيع، والقرض، والوديعة، فهو أحقّ به))، وقال الحسن: إذا أفلس، وتبيّن، لم يجز عتقه، ولا بيعه، ولا شراؤه)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((في البيع)): إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصا. وقوله: ((والقرض)): هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعي في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع. وقوله: ((والوديعة)): هو بالإجماع، وقال ابن المنير: أدخل هذه الثلاثة، إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى؛ لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفا مطلوب. وقوله: ((وقال الحسن: إذا أفلس الخ)): أما قوله: ((وتبين))، فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم، وأما العتق فمحله ما إذا أحاط الدين بماله، فلا ينفذ عتقه، ولا هبته، ولا سائر تبرعاته، وأما البيع والشراء، فالصحيح من قولي العلماء أنهما لا ينفذان أيضا، إلا إذا وقع منه البيع لوفاء دين. وقال بعضهم: يوقف، وهو قول الشافعي. واختلف في إقراره، فالجمهور على قبوله، وكأن البخاري أشار بأثر الحسن إلى معارضة قول إبراهيم النخعي: بيع المحجور وابتياعه جائز. وقوله: ((وقال سعيد بن المسيب: قضى عثمان الخ)»: أي ابن عفان الخ، وصله أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، والبيهقي بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: ((أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى))، فذكره، وقال فيه: ((قبل أن يَبِين إفلاسُهُ)) بدل قوله: ((قبل أن يُفلس))، والباقي سواء. انتهى (فتح)) ٣٤٢ -٣٤٣. والله تعالى أعلم بالصواب . ٤٦٧٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْتَى، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لَّ، قَالَ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ أَفْلَسَ، ثُمَّ وَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٣٥/٣١ . ٣- (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ القاضي المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥]٢٣/٢٢. ٤- (أبو بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ القاضي، ثقة، من كبار [٧] ٥٤/ ٢٧٤٨. ٢٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ٥- (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأمويّ الخليفة الراشد المدنيّ الثقة العابد الفاضل [٤] ١٢٢ / ١٧١ . ٦- (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: غيره، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابدٌ [٣] ٩٦٣/٥١ .. ٧- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين المدنيين الأثبات يروي بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو بكر بن حزم، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن، قال في ((الفتح)) ٣٤٣/٥-٣٤٤: وكلهم قد وَليَ القضاءَ، وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن من طبقة واحدة. انتهى. (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، ويقال: ليس لهما اسم غير الكنية: أبو بكر بن حزم، وأبو بكر بن عبد الرحمن. (ومنها): أن فيه أبا بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضيه من المكثرين السبعة، وقد تقدّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، وتنبيهًا لطول العهد به. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َيُّهِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَ، قَالَ: أَيُّمَا امْرِئٍ) كلمة ((ما)) زائدة؛ لزيادة الإبهام، و((امرىء)) مجرور بالإضافة (أَفْلَسَ) أي تبيّن إفلاسه، يقال: أفلس الرجل: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلس، بعد أن كان ذا دنانير، ودراهم، وحقيقته: الانتقال من اليسر إلى العسر، وقيل: المفلس: من لا عين له، ولا عَرَضَ، وشرعا: من قصر ما بيده عما عليه من الديون. وقد تقدّم بأتمّ من هذا في شرح الترجمة، فلا تنس (ثُمَّ وَجَدَ رَجُلٌ) أي بعد أن باعها منه، ولم يَقِض من ثمنها شيئًا، كما في رواية ((الموطًا)) عند مالك (عِنْدَهُ) أي عند المفلس (سِلْعَتَهُ) بكسر، فسكون: أي متاعه (بِعَيْنِهَا) قال في ((الفتح)) ٣٤٤/٥ -: استُدِلَّ به على أن شرط استحقاق صاحب المال، دون غيره أن يجد ماله بعينه، لم يتغير، ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها، بالنقص مثلا، أو في صفة من صفاتها، فهو أسوة للغرماء، وأصرح منه رواية بن أبي حسين، عن أبي بكر بن محمد، بسند حديث الباب، عند مسلم، بلفظ: ((إذا وَجَدَ عنده المتاع، ولم ٩٥- (الرَّجُلُ يَتَاعُ الْبَيْعَ، فَيَقْلِسُ، ... - حديث رقم ٤٦٧٨ ٢٥٧ يفر قه)). ووقع في رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، مرسلا: ((أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به))، فمفهومه أنه إذا قَبَضَ من ثمنه شيئا، كان أسوة الغرماء، وبه صرح ابن شهاب فيما رواه عبد الرزاق، عن معمر عنه، وهذا وإن كان مرسلا، فقد وصله عبد الرزاق، في ((مصنفه)) عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهري، وقد وصله الزُّبَيْدِيُّ، عن الزهري، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن الجارود، ولابن أبي شيبة، عن عمر بن عبد العزيز، أحد رواة هذا الحديث، قال: ((قضى رسول اللّه وَّله، أنه أحق به من الغرماء، إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئا، فهو أسوة الغرماء))، واليه يشير اختيار البخاريّ؛ لاستشهاده بأثر عثمان رَضّ ، حيث قال: وقال ابن المسيّب: قضى عثمان من اقتضى من حقّه قبل أن يُفلس، فهو له، ومن عَرَف متاعه بعينه، فهو أحقّ به، وكذلك رواه عبد الرزاق، عن طاوس، وعطاء صحيحا، وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب، إلا أن للشافعي قولًا، هو الراجح في مذهبه: أن لا فرق بين تغير السلعة أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شيء منه، على التفاصيل المشروحة في كتب الفروع. انتهى ((فتح)) ٣٤٤/٥. (فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) أي بذلك الموجود عند المفلس، وذكّره مع كون مرجع الضمير السلعةَ؛ لتأويها بالموجود، كما قدّرته آنفًا (مِنْ غَيْرِهِ) أي من سائر الغرماء، قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي يجوز له أن يأخذه بعينه، ولا يكون مشتركًا بينه وبين سائر الغرماء، وبهذا يقول الجمهور، خلافًا للحنفيّة، فقالوا: إنه كالغرماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. ويحملون الحديث على ما إذا أخذه على سوم الشراء مثلًا، أو على البيع بشرط الخيار للبائع، أي إذا كان الخيار للبائع، والمشتري مُفلسٌ، فالأنسب أن يختار الفسخ، وهو تأويل بعيد. وقولهم: إن الله تعالى لم يشرع للدائن عند الإفلاس إلا الانتظار. فجوابه أن الانتظار فيما لا يوجد عند المفلس، ولا كلام فيه، وإنما الكلام فيما وُجد عند المفلس، ولا بُدّ أن الدائنين يأخذون ذلك الموجود عنده، والحديث يُبيّن أن الذي يأخذ هذا الموجود هو صاحب المتاع، ولا يُجعل مقسومًا بين تمام الدائنين، وهذا لا يُخالف القرآن، ولا يقتضي القرآن خلافه. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ ٧/ ٣١١-٣١٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا من السنديّ رحمه الله تعالى غاية الإنصاف، حيث لم يتكلّف في ترجيح مذهبه بما فيه تعسّفٌ، كما يفعل جُلّ الحنفيّة، ولا سيّما ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ المتأخّرون، ويا ليت الحنفيّة كلهم كانوا مثله رحمه الله تعالى في نصرة الأحاديث، وترك التعصّب لمذهبهم، فالله تعالى المستعان على من خالف منهج السلف في نصر السنّة، وترك الآراء. نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلكهم، إنه قريبٌ مجيب. وقال في ((الفتح)): قوله: «فهو أحقّ به من غيره)): أي كائنا من كان، وارثا، وغريما، وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف الحنفية، فتأولوه لكونه خبر واحد، خالف الأصول؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاقُ البائع أخذَهَا منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على صورة، وهي ما إذا كان المتاع وديعة، أو عارية، أو لقطة. وتعقب بأنه لو كان كذلك، لم يقيد بالفلس، ولا جعل أحق بها؛ لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضا فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضا فقد ورد التنصيص في حديث الباب، على أنه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوري، في ((جامعه))، وأخرجه من طريقه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، بلفظ: ((إذا ابتاع الرجل سلعة، ثم أفلس، وهي عنده بعينها، فهو أحق بها من الغرماء))، ولابن حبان من طريق هشام بن يحيى المخزومي، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا أفلس الرجل، فوجد البائع سلعته))، والباقي مثله، ولمسلم في رواية ابن أبي حسين المشار إليها قبلُ: ((إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرّقه أنه لصاحبه، الذي باعه))، وفي مرسل ابن أبي مليكة، عند عبد الرزاق: ((من باع سلعة من رجل لم ينقده، ثم أفلس الرجل، فوجدها بعينها، فليأخذها من بين الغرماء))، وفي مرسل مالك المشار إليه: ((أيما رجل باع متاعا))، وكذا هو عند من قدمنا أنه وصله، فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض، وسائر ما ذكر من باب الأولى. انتهى ((فتح)) ٥٪ ٣٤٤-٣٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّهِ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٧٨/٩٥ و٤٦٧٩- وفي ((الكبرى)) ٩٦/ ٦٢٧٢ و٦٢٧٣ . وأخرجه (خ) في ((الاستقراض)) ٢٤٠٢ (م) في ((البيوع)) ١٥٥٩ (د) في ((البيوع)) ٣٥١٩ (ت) في ((البيوع)) ١٢٦٢ (ت) في ((الأحكام)) ٢٣٥٨ و٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٦١ (أحمد) في («باقي ٢٥٩ == ٩٥ - (الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْبَيْعَ، فَيَفْلِسُ، ... - حديث رقم ٤٦٧٨ مسند المكثرين)) ٧٠٨٤ و٧٣٢٥ و٧٤٥٥ و٨٣٦١ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٨٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الرجل الذي اشترى سلعة، ثم أفلس، فوجد البائع متاعه بعينه، لم يتغيّر فإنه أولى به من الغرماء الآخرين، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما سنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استُدِلّ به على حلول الدين المؤجل بالفلس، من حيث إن صاحب الدين، أدرك متاعه بعينه، فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجل، وهو قول الجمهور، لكن الراجح عند الشافعية، أن المؤجل لا يَحِلُّ بذلك؛ لأن الأجل حق مقصود له، فلا يفوت. (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على أن لصاحب المتاع أن يأخذه، وهو الأصح من قولي العلماء، والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم، كما يتوقف ثبوت الفلس. والأول أرجح. (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن، مع قدرته بمطل، أو هرب، قياسا على الفلس، بجامع تعذر الوصول إليه حالا، والأصح من قولي العلماء، أنه لا يُفسخ. (ومنها): أنه استدل به على أن الرجوع، إنما يقع في عين المتاع، دون زوائده المنفصلة؛ لأنها حدثت على ملك المشتري، وليست بمتاع البائع. (ومنها): ما قالوا: إن من فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء، أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن، فقال مالك: يلزمه القبول، وقال الشافعي، وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما فيه من المنة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر، فزاحمه فيما أخذ، وأغرب ابن التين، فحكى عن الشافعي أنه قال: لا يجوز له ذلك، وليس له إلا سلعته. ويلتحق بالمبيع المؤجر، فيرجع مكتري الدابة، أو الدار، إلى عين دابته وداره، ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، والمالكية، وإدراج الإجارة في هذا الحكم، متوقف على أن المنافع يُطلق عليها اسم المتاع، أو المال، أو يقال: اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع، فثبت بطريق اللزوم. قاله في ((الفتح)) ٣٤٦/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس: قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فيمن اشترى سلعةً، فأفلس، أو مات ٢٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قبل أن يؤدّي ثمنها، ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقيةً بحالها، فقال الشافعيّ، وطائفة: بائعها بالخيار، إن شاء تركها، وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الإفلاس، والموت. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعيّن المضاربة. وقال مالك: يرجع في صورة الإفلاس، ويُضارب في الموت. واحتجّ الشافعيّ بهذه الأحاديث مع حديثه في الموت في ((سنن أبي داود))، وغيره، وتأوّلها أبو حنيفة تأويلات مردودة، وتعلّق بشيء يُروَى عن عليّ، وابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنهما، وليس بثابت عنهما. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠ / ٤٦٦. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في مُشتري السلعة إذا أفلس، أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها، ووُجِدت، فقال الشافعيّ: صاحبها أحقّ بها في الفَلَس(١)، والموت. وقال أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها. وقال مالك: هو أحقّ بها في الْفَلَس، دون الموت. وسبب الخلاف معارضة الأصل الكلّيّ للأحاديث، وذلك أن الأصل أن الدين في ذمّة المفلس، والميت، وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السِّلَع موجودةً، أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذمّة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها، إن وُجدت، أو ما وُجد منها، فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردّ الأخبار بناءً على أصله في ردّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس. وأما الشافعيّ، ومالكٌ، فتمسّكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصّصا بها تلك القاعدة، غير أن الشافعيّ تمسّك في التسوية بين الموت، والْفَلَس، بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدَةَ، قال: أتينا أبا هريرة تَمّه في صاحب لنا، قد أفلس، فقال: لأقضينَ فيكم بقضاء رسول اللَّه ◌َلّ: ((من أفلس، أو مات، فوَجَد رجلٌ متاعه بعينه، فهو أحقّ به))(٢)، وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه في معناه، ولم ينقدح بينهما فرقٌ مؤثّرٌ عنده. وأما مالكٌ، فإنه فرّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول اللّه وَّه قال: ((أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يَقبِض من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحقّ به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء)). وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وقد أسنده أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رَّه، وهو طريقٌ صحيح، وفيه زيادة (١) ((الفلس)) محرّكة: عدم النيل. اهـ ((قاموس)). (٢) حديث ضعيف؛ لأن في سنده أبا المعتمر، وهو مجهول الحال.