Indexed OCR Text

Pages 101-120

٦٤ - (اسْتِسْلاَفِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦١٩
١٠١ =
يثبت سلما يُملك بالبيع، ويُضبط بالوصف، فجاز قرضه، كالمكيل والموزون،
وقولهم: لا مثل له، خلاف أصلهم، فإن عند أبي حنيفة: لو أتلف على رجل ثوبا،
ثبت في ذمته مثله، ويجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته.
قال الموفّق رجمه الله تعالى: فأما ما لا يثبت في الذمة سلمًا، كالجواهر، وشبهها،
فقال القاضي: يجوز فرضها، ويرد المستقرض القيمة؛ لأن ما لا مثل له يُضمن بالقيمة،
والجواهر كغيرها في القيم، وقال أبو الخطاب: لا يجوز قرضها؛ لأن القرض يقتضي
رد المثل، وهذه لا مثل لها، ولأنه لم ينقل قرضها، ولا هي في معنى ما نُقل القرض
فيه؛ لكونها ليست من المرافق، ولا يثبت في الذمة سلما، فوجب إبقاؤها على المنع،
ويمكن بناء هذا الخلاف على الوجهين في الواجب في بدل غير المكيل والموزون، فإذا
قلنا الواجب رد المثل، لم يجز قرض الجواهر، وما لا يثبت في الذمة سلما لتعذر رد
مثلها، وإن قلنا الواجب رد القيمة، جاز قرضه لإمكان رد القيمة، ولأصحاب الشافعي
وجهان کهذین.
قال: فأما بنو آدم، فقال أحمد: أكره قرضهم، فيحتمل كراهية تنزيه، ويصح
قرضهم، وهو قول ابن جريج، والمزني؛ لأنه مال يثبت في الذمة سلما، فصح قرضه،
كسائر الحيوان، ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم، فلا يصح قرضهم، واختاره القاضي؛
لأنه لم ينقل قرضهم، ولا هو من المرافق، ويحتمل صحة قرض العبيد دون الإماء،
وهو قول مالك، والشافعي، إلا أن يقرضهن من ذوي محارمهن؛ لأن الملك بالقرض
ضعيف، فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض ، فلا يستباح به الوطء، كالملك في مدة
الخيار، وإذا لم يبح الوطء فلم يصح القرض؛ لعدم القائل بالفرق، ولأن الأبضاع مما
يحتاط لها، ولو أبحنا قرضهن، أفضي إلى أن الرجل يستقرض أمة، فيطؤها ثم يردها
من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردها، كما يستعير المتاع، فينتفع
به ثم یرده.
قال الموفّق: ولنا أنه عقد ناقل للملك، فاستوى فيه العبيد والإماء، كسائر العقود،
ولا نسلم ضعف الملك، فإنه مطلق لسائر التصرفات، بخلاف الملك في مدة الخيار،
وقولهم: متى شاء المقترض ردها ممنوع، فإننا إذا قلنا الواجب رد القيمة لم يملك
المقترض رد الأمة، وإنما يرد قيمتها، وإن سلمنا ذلك، لكن متى قصد المقترض هذا
لم يحل له فعله، ولا يصح اقتراضه، كما لو اشترى أمة ليطأها، ثم يردها بالمقايلة، أو
بعيب فيها، وإن وقع هذا بحكم الإتفاق لم يمنع الصحة، كما لو وقع ذلك في البيع،
وكما لو أسلم جارية في أخرى، موصوفة بصفاتها، ثم ردها بعينها عند حلول الأجل،

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح الوطء لم يمنع منه في الجواري، كالبيع في مدة
الخيار، وعدم القائل بالفرق ليس بشيء على ما عرف في مواضعه، وعدم نقله ليس
بحجة، فإن أكثر الحيوانات لم ينقل قرضها، وهو جائز. انتهى ((المغني)) ٤٣٣/٦-
٤٣٤ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد رحمه اللّه تعالى من
جواز اقتراض العبد والأمة هو الأرجح؛ لأنه لم يرد نصّ يمنع من ذلك، ولا إجماع،
فصار كسائر الحيوانات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، سِنِّ
مِنَ الْإِلِ، فَجَاءَ يَتَقَّاضَاهُ، فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ))، فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّ سِنَا فَوْقَ سِنِهِ، قَالَ:
((أَعْطُوهُ))، فَقَالَ: أَوْ فَيْتَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنْكُمْ قَضَاءٌ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، وهو ثقة ثبتٌ [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢- (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم
الأحول الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٥١٦/١١.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧ .
٤- (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ٣١٢/١٩٥.
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه ثقة ثبت [٣] ١/١ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، من
أبي نُعيم، إلى سلمة، وشيخه نسائيّ، كما مرّ آنفًا، وأبو سلمة، وأبو هريرة مدنيّان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال. وفيه أبو هريرة رضيه رأس المكثرين من الرواية، وقد تقدّم هذا كله غير مرّة.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) ٣٣٧/٥ -: هذا الحديث من غرائب الصحيح، قال البزار:
لا يُروَى عن أبي هريرة ◌َّه، إلا بهذا الإسناد، ومداره على سلمة بن كهيل، وقد

١٠٣=
٦٤ - (اسْتِسْلاَفِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦٢٠
صرح في هذا الباب عند البخاريّ، بأنه سمعه من أبي سلمة بن عبد الرحمن بمنى،
ولفظه: قال: سمعت أبا سلمة بمنّى، يُحدّث عن أبي هريرة ◌َّه، فذكره، وذلك لما
حج. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ وَّه سِنِّ مِنَ الْإِلِ، فَجَاءَ
يَتَقَاضَاهُ) أي يطلب منه قضاء الدين، وفي رواية أحمد عن عبد الرزّاق، عن سفيان:
((جاء أعرابيّ، يتقاضى النبيّ وَّل بعيرًا))، وله عن يزيد بن هارون، عن سفيان:
(استقرض النبيّ وَّ من رجل بعيرًا))، وللترمذيّ من طريق عليّ بن صالح، عن سلمة:
((استقرض النبيّ ◌َ﴾ل سنّا)).
زاد في رواية البخاريّ: فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال: ((دعوه، فإن لصاحب
الحقّ مقالًا)).
وقوله: ((فأغلظ له)): يحتمل أن يكون الإغلاظ بالتشديد في المطالبة من غير قدر
زائد. ويحتمل أن يكون بغير ذلك، ويكون صاحب الدين كافرًا، فقد قيل: إنه كان
يهوديّا، والأول أظهر؛ لما تقدّم من رواية عبد الرزاق أنه كان أعرابيّا، وكأنه جرى على
عادته من جفاء المخاطبة.
قال الحافظ: ووقع في ترجمة بكر بن سهل في ((معجم الطبراني)) عن العرباض بن
سارية ◌َّه ما يُفهم أنه هو، لكن روى النسائيّ، والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما
يقتضي أنه غيره، وأن القصّة وقعت لأعرابيّ، ووقع للعرباض نحوها. انتهى.
وقال القرطبيّ: هذا الرجل كان من اليهود، فإنهم كانوا أكثر من يُعامل بالدين.
وحُكي أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطّلب مُطلٌ، وكذب اليهوديّ،
لم يكن هذا معروفًا من أجداد النبيّ وَلَّ، ولا أعمامه، بل المعروف منهم الكرم،
والوفاء، والسخاء، وبعيدٌ أن يكون هذا القائل مسلمًا، إذ مقابلة النبيّ وَّة بذلك أذى
للنبيّ وَّر، وأذاه كفر. انتهى ((المفهم)) ٥٠٩/٤ .
وقوله: ((فهمّ به أصحابه)): أي أراد أصحاب النبيّ وَ ◌ّر أن يؤذوه بالقول، أو الفعل،
لكن لم يفعلوا أدبًا مع النبيّ وَله. وقوله: ((فإن لصاحب الحقّ مقالًا)): أي صولة
الطلب، وقوّة الحجة، لكن على من يمطُل، أو يسيء المعاملة، وأما من أنصف من
نفسه، فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده، فيُقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه،
ولا كَهْرُه. قاله في («الفتح»، و «المفهم)».
(فَقَالَ) بَرِ (أَعْطُوهُ) وفي رواية البخاريّ: ((واشتروا له بعيرًا، فأعطوه إياه))، وفي

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
رواية عبد الرزاق: ((التمسوا له مثل سنّ بعيره)).
(فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّ سِتًا فَوْقَ سِنِّهِ) أي أكبر منه، فإنه كان بكرًا، فوجدوا له رباعيًا، كما
تقدّم وقال العينيّ: (السنّ)): هي المعروفة، ثم سُمّي بها صاحبها. انتهى ((عمدة القاري))
١٠ / ٢٤٠ (قَالَ) وَِّ (أَعْطُوهُ) أي أعطوه السنّ الأكبر (فَقَالَ) ذلك الرجل (أَوْ فَيْتَنِي) أي
أعطيتني حقّي وافيًا، يقال: أوفى الرجلَ حقّه، ووفّاه إياه: بمعنى أكمله له، وأعطاه
وافيًا. قاله في ((اللسان))، وقال الفيّومِيّ: وفَيتُ بالعهد، والوعد أَفِي به وَفَاءً، والفاعل
وَفِيٍّ، والجمع أوفياءُ، مثلُ صَدِيق وأَصدِقاءَ، وأوفيت به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر،
فقال [من البيسط] :
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيَهَا
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ خِيَارَكُمْ) قال في ((الفتح)): الخيار: الجيّد، يطلق على
الواحد، والجمع، فيحتمل أن يريد المفرد بمعنى المختار، أو الجمع، والمراد أنه
خيرهم في المعاملة، أو تكون ((من)) مقدّرةً، ويدلّ عليها الرواية الأخرى، فقد وقع في
رواية عند البخاريّ: ((من خياركم)). وقوله: (أَخْسَنُكُمْ قَضَاءَ) لمّا أضيف أفعل،
والمقصود به الزيادة جاز فيه الإفراد. انتهى ((فتح)) ٣٣٦/٥ . وقال القرطبيّ: قوله:
((خيركم أحسنكم قضاء)»: هذا هو اللفظ الفصيح الحسن، وقد رُوي ((أحاسنكم)) وهو
جمع حسن، ذهبوا به مذهب الأسماء، كأحمد، وأحامد. وقد وقع في ((الأم)) - يعني
((صحيح مسلم))- في بعض طرقه: ((محاسنكم)) بالميم، وكأنه جمع محسن، ومطلع،
ومطالع، وفيه بُعدّ، وأحسنها الأول. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥١٠. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رَزِّ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٦٢٠/٦٤ و٤٦٩٥/١٠٣- وفي ((الكبرى)) ٦٢١١/٦٥ و٦٢٩٢/١٠٥
. وأخرجه (خ) في ((الوكالة)) ٢٣٠٥ (م) في ((البيوع)) ١٦٠١ (ت) في ((البيوع)) ١٣١٦
و١٣١٧ (ق) في (الأحكام)) ٢٤٢٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٨٦٨٠ و٨٨٦٢
و٩٢٨٩ و٩٨١٤ و١٠٢٣١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز استقراض الحيوان،

١٠٥=
٦٤ - (اسْتِسْلَافِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦٢٠
قال القرطبيّ: وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك الكوفيّون، وهذا الحديث الصحيح
حجة عليهم، واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواريَ، فمنعوا قرضهنّ؛ لأنه يؤدّي
إلى عارية الفروج، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردّ غيرها، وأجاز ذلك مطلقًا
الطبريّ، والمزنيّ، وداود الأصبهانيّ، وقصر بعض الظاهريّة جواز القرض على ما له
مثلٌ من المعيّن، والمكيل، والموزون، وهذا الحديث حجة عليهم. انتهى ((المفهم))
٤ /٥٠٦ .
(ومنها): ما قال القرطبيّ: قوله: ((اشتروا له سنّا الخ)) دليلٌ على أن هذا الحديث
قضيّة أخرى، غير قضيّة حديث أبي رافع، فإن ذلك الحديث يقتضي أنه أعطاه من إبل
الصدقة، وهذا اشتُري له. (ومنها): أن فيه دليلًا على صحة الوكالة في القضاء.
(ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة في القضاء، وقد تقدّم تفصيله، وذكر الخلاف فيه.
(ومنها): أن فيه بيان حسنٍ خلق النبي ◌َّ، وعظم حلمه، وتواضعه، وإنصافه،
وقوة صبره على الجفاء، مع القدرة على الانتقام، وأن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة
صاحب الحق، وأن من أساء الأدب على الإمام، كان عليه التعزير بما يقتضيه الحال،
إلا أن يعفو صاحب الحق. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قضائه والر البكر، من مال
الصدقة :
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: واختلف أرباب التأويل في استسلاف
النبيّ وَّل هذا البكر، وقضائه عنه من مال الصدقة، هل كان ذلك السلف لنفسه، أو
لغيره؟، فمنهم من قال: كان لنفسه، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة. وهذا فاسدٌ،
فإنه رَّ لم تزل الصدقة محرّمة عليه، منذ قدُوم المدينة، وكان ذلك من خصائصه ومَّل،
ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدّمة، بدليل قصّة سلمان الفارسيّ رَبّه ،
فإنه عند قدوم النبيّ وَّر المدينة، جاءه سلمان بتمر، فقدّمه إليه، وقال: كل، فقال: ((ما
هذا؟»، فقال: صدقةٌ، فقال لأصحابه: ((كلوا)»، ولم يأكل، وأتاه يومًا آخر بتمر،
وقال: هديّة، فأكل، فقال سلمان ◌َظّ: هذه واحدة، ثم رأى خاتم النبوّة، فأسلم،
وهذا واضح.
وقيل: استسلفه لغيره، ممن يستحقّ أخذ الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة دفع
منها، وقد استُبعد هذا من حيث إنه قضاه أزيد من القرض من مال الصدقة، وقال:
((إخيركم أحسنكم قضاء»، فكيف يُعطي زيادة من مال ليس له، ويجعل ذلك من باب

=
١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
حسن القضاء؟. وأجيب عن هذا بأنه قيل: كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة،
فدفع الرباعي بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق.
وقيل: وجه ثالثٌ، وهو أحسنها - إن شاء الله تعالى-، وهو أن يكون استقرض
البكر على ذمّته، فدفعه لمستحقّ، فكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة، أخذ منها بما
هو غارٌ جملًا رباعيًا، فدفعه فيما كان غارمًا، فكان أداءً عما في ذمّته، وحسن قضاء بما
يملكه، وهذا كما رُوي أنه وَّر أمر ابن عمر أن يجهّز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن
يأخذ على قلائد الصدقة، فظاهره أنه أخذ على ذمّته، فبقي أن يقال: كيف يجوز له أن
يؤدّي دينه، ويُبرىء ذمّته مما لا يجوز له أخذه؟ .
ويُجاب عنه بأنه لَمّا لم يأخذ لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمّته إلى وقت مجيء
الصدقة، فلو لم يجىء من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه من ماله. انتهى ((المفهم))
٥٠٦/٤-٥٠٧ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الجواب الذي قبل هذا
الثالث، وهو ما تقدّم في قوله: وقيل: استسلفه لغيره الخ)) أظهر من هذا، وأقرب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فيما قيل في حكمة شغله والر ذمّته بدين:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف شَغَل النبيِّ نَّ ذمّته
بدين، وقد قال: ((إياكم والدين، فإنه شينٌ، الدين همّ بالليل، ومذلّةٌ بالنهار)) (١) وقد كان
كثيرًا ما يتعوّذ منه، حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: ((إن الرجل إذا
غَرِم، حدّث، فكذب، ووعد، فأخلف)) متفقٌ عليه.
ولا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن ذلك في
ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، كما رواه
الترمذيّ، من حديث أبي أمامة رَمثله، وحسّنه، ومن كانت هذه حاله لم يكن في
ضرورة، ولا حاجة، ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾
[الضحى: ٨].
قال القرطبيّ: أما الأخذ بالدين عند الحاجة، وقصد الأداء عند الوجدان، فلا
يُختلف في جوازه، وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعيّنة. وأما النهي
عن أخذه - إن صحّ- فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة؛ لما يطرأ من تحمّله من الأمور
التي ذكرتها، من الإذلال، والمطالبة، وما يُخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف
(١) رواه البيهقيّ في ((شعب الإيمان)) (٥٥٥٤) دون قوله: ((فإنه شين))، ورواه مالك في ((الموطأ)) ٢/
٧٧٠ بلفظ: ((إياكم والدين، فإن أوله هَمّ، وآخره حَرْبٌ)).

١٠٧ =
٦٤ - (اسْتِسْلاَفِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِقْرَاضِهِ) - حديث رقم ٤٦٢١
في الوعد، وقد عصم اللَّه تعالى نبينا ◌َّ من ذلك كله، فلم يُحوجه إلى شيء من ذلك،
ولا أجراه عليه .
وأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ لأن اللّه تعالى خيّره. فجوابه أن اللَّه تعالى لَمّا
خيّره، فاختار أن يجوع ثلاثًا، ويَشبع يومًا، أجرى اللَّه تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما
أشاره إليه به صفيّه، ونصيحه جبريلنَّالَّلهُ، فسلك اللَّه تعالى به من ذلك أعلى السبيل؛
ليصبر على المشقّات والشدائد، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولينال أعلى المقامات
الفاخرة، ألا تسمع قوله لعمر رَظنّه: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟)). ثمّ
لَمّا أخلص الله تعالى جوهره، وطيّبَ خُبْرَه، وخَبَرَه، أغناه بعد الْعَيْلة، وكثّره بعد الْقِلّة،
وأعزّه بعد الذّلّة. ومن تمام الحكمة في أخذه وَّ بالديون لِيَقْتَدِيّ به في ذلك المحتاجون.
انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى. ((المفهم)) ٥٠٨/٤-٥٠٩. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ هَانِئٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةً،
يَقُولُ: بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ بَكْرًا، فَأَتَيْتُهُ أَنَقَّاضَاهُ، فَقَالَ: ((أَجَلْ، لَا أَقْضِيكَهَا إِلَّا
نَجِيبَةً))، فَقَضَانِي، فَأَحْسَنَ قَضَائِي، وَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، يَتَقَاضَاهُ سِنَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ:
((أَعْطُوهُ سِنَّا))، فَأَعْطَوْهُ يَوْمَئِذٍ جَمَلًّا، فَقَالَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ سِنِّي، فَقَالَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ
قَضَاءٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
(إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (عبد الرحمن بن مهديّ) بن حسان البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٩/٤٢.
٣- (معاوية بن صالح) الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧]
٥٠ / ٦٢ .
٤- (سعيد بن هانىء) الْخَولانيّ، أبو عثمان المصريّ، ويقال: الشاميّ، ثقة [٣].
قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله، مات سنة
(١٢٧). وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الحديث
فقط .
٥- (عرباض بن سارية)- بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، آخره
ضاد معجمة - السلميّ، أبو نَجيح الصحابيّ، كان من أهل الصّفّة، ونزل حمص،
ومات رَّه بعد السبعين. والله تعالى أعلم.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
١٠٨
===
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير سعيد بن هانىء، فمن رجال المصنف، وابن ماجه، والصحابي،
فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن صحابيّه من
المقلّين من الرواية، فليس له إلا أحد عشر حديثًا عند أصحاب السنن. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
عن سَعِيدِ بْنِ هَانِئٍ رحمه الله تعالى، أنه قال: (سَمِعْتُ عِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ) رضي الله
تعالى عنه (يَقُولُ: بِغْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ بَكْرًا) بفتح، فسكون: الفَتِيّ من الإبل،
كالغلام من الإنسان (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي أطلب منه أن يعطيني حقّي (فَقَالَ) بَّرِ (أَجَالْ)
بفتحتين، كنَعَم وزنًا ومعنّى، قال في ((اللسان)): وأجل بفتحتين، بمعنى نَعَمْ، قال
الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا
قال: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟
قلت: نعم، وكان أحسن من أجل. انتهى (لَا أَقْضِيكَهَا إِلَّا نَجِيبَةً) بفتح النون: أي ناقةً
نَجيبةً، أي كريمة، وفي ((النسخة الهندية)): إلا بُختيّة))، والبُختيّ بضم، فسكون: واحد
البُخت، كرومي ورُوم، وهي -كما في ((القاموس)) -: الإبل الخراسانيّة، فإن صحّت
النسخة، يحمل على أن هذا النوع من أحسن أنواع الإبل.
ثم ظاهر هذا الحديث أنه إنما باعه البكر بالناقة، فيكون من بيع الحيوان بالحيوان
نسيئة، وسيأتي النهي عنه في الباب التالي، ويمكن أن يجاب بأن النهي إذا كان نسيئة من
الطرفين، كما قاله بعضهم، أو أنه كان اشتراه بثمن، ولكنه أراد يدفع له ناقة نجيبة،
لكونها أفضل من الثمن الذي اشتراه به. والله تعالى أعلم.
(فَقَضَانِي، فَأَحْسَنَ قَضَائِي) أي لكون النجيبة أكثر قيمة من الثمن الذي وقع به العقد
(وَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، يَتَقَاضَاهُ سِنَّهُ) أي بعيره المعروف بسنّه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: «أَعْطُوهُ
سِنًّا) أي أفضل من سنّه الذي يطالب به، بدليل قوله (فَأَعْطَوْهُ يَوْمَئِذٍ جَمَلًا) أي وهو أكبر
من سنّه، قال الفيّوميّ: الجمل من الإبل: بمنزلة الرجل، يختصّ بالذكر، قالوا: ولا
يُسمّى بذلك إلا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجمالٌ، وأجُلٌ، وجمالةُ بالهاء، وجمع الجمال
جمالات. انتهى. ومعنى بزل من باب قعد: فَطَرَ نابه بدخوله في السنة التاسعة.
(فَقَالَ) أي الأعرابيّ (هَذَا) أي الذي أعطيه (خَيْرٌ مِنْ سِنّي) أي من البعير الذي أطالب
به (فَقَالَ) ◌ِ (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ قَضَاء) أي خیرکم منزلة عند الله تعالی من کان خیرًا عند

٦٥- (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةٌ - حديث رقم ٤٦٢٢
١٠٩=
قضاء دينه، بأن يُعطي أحسن مما أخذه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عرباض بن سارية تَّه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٦٤ / ٤٦٢١ - وفي ((الكبرى)) ٦٢١٢/٦٥. وأخرجه (ق) في ((التجارات))
٢٢٨٦. وفوائده، وسائر المسائل المتعلّقة به تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٦٥ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً)
٤٦٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، وَخَالِدُ
ابْنُ الْحَارِثِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ لَه ◌َى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس المذكور قريبًا.
٢- (يحيى بن سعيد) القطّان المذكور قريبًا أيضًا.
٣- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥ .
٤- (خالد بن الحارث) الْهُجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٥- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٧/٢٤ .
٦- (أحمد بن فَضالة)- بفتح الفاء - أبو المنذر النسائيّ، صدوقٌ ربما أخطأ [١١]
٢٦٦/٢٦ من أفراد المصنّف.
٧- (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ، ثقة كان يتشيع [٩]

١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٢٦/٧٢ .
٨- (الحسن بن صالح) بن صالح بن حتيّ الهمدنيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد
رُمي بالتشيّع [٧] ١٦٠/ ٢٥٢.
٩- (ابن أبي عروبة) هو سعيد اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له
تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] ٣٨/٣٤.
١٠- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
١١- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٣]
٣٦/٣٢ .
١٢ - (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار، الصحابيّ المشهور،
مات رَّ بالبصرة سنة (٥٨) وتقدّم في ٣٩٣/٢٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن
سباعياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن
فضالة، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: ((وأخبرني أحمد بن فَضالة بن إبراهيم)) القائل هو المصنّف، فهو سند
آخر لهذا الحديث، ومُلتقى الإسنادين هو قتادة، فيروي كلّ من شعبة، وسعيد بن أبي
عروبة عن قتادة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرِ، نَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ
بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً) أي من الطرفين، أو أحدهما، وبه قال الحنفيّة؛ ترجيحًا للمحرّم على
المبيح، ومن لا يقول به يَحمِل النسيئة من الطرفين. قال الخطابي رحمه اللّه تعالى:
وجهه عندي أن يكون إنما نَهَى عما كان منه نسيئة في الطرفين، فيكون من باب الكاليء
بالكاليء، بدليل حديث عبد الله بن عمرو الذي يليه. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة رَّه هذا ضعيف.

١١١ =
٦٥ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةٌ - حديث رقم ٤٦٢٢
[اعلم] : أنه اختلف العلماء في تصحيح هذا الحديث، وتضعيفه، قال المنذري
رحمه اللَّه تعالى : -أخرجه الترمذيُّ، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن
صحيح، وسماع الحسن من سمرة رَّه صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره.
هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة رَظله . وقال
الشافعي رضي الله عنه: وأما قوله: ((نهى النبي ◌َّر، عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))،
فهو غير ثابت، عن رسول اللّه وَّر. وقال الخطابي: الحسن عن سمرة مختلف في
اتصاله عند أهل الحديث، قال الخطابيّ: أخبرنا ابن الأعرابيّ، قال: حدثنا عبّاس
الدُّوريّ، عن يحيى بن معين: قال: الحسن عن سمرة صحيفة. وقال محمد بن
إسماعيل -يعني البخاري -: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، من طريق
عكرمة، عن ابن عباس، رواه الثقات، عن ابن عباس موقوفا، أو عكرمة عن النبي ◌َّل
مرسل، قال: وحديث زياد بن جبير، عن ابن عمر، إنما هو زياد بن جبير، عن النبي
وَل٤- مرسل، وطرق هذا الحديث واهية، ليست بالقوية، وتأويله إذا ثبت على ما قلنا.
انتهى ((مختصر المنذريّ)) ٢٧/٥-٢٨. بزيادة من ((معالم السنن)) ٢٨/٥.
وقال البيهقيّ: أكثر الحفّاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة رَّه في غير حديث
العقيقة. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الحديث ضعيفٌ، أما على قول من
يقول بعدم سماع الحسن من سمرة، سوى حديث العقيقة، فظاهرٌ، وأما على قول من
يقول بسماعه منه مطلقًا، فإنه مدلّس، وقد عنعنه، والمدلّس إذا لم يصرّح بالسماع لا
يقبل، مع مخالفته الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على جواز بيع الحيوان بالحيوان
متفاضلًا نسيئة :
(منها): ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) عن أنس رَزّ: ((أن
النبيّ وَ لقر اشترى صفيّة من دحية الكلبيّ بسبعة أرؤس)).
(ومنها): ما أخرجه أبو داود رحمه اللّه تعالى في ((سننه)) عن عبد الله بن عمرو رضي
الله تعالى عنهما: أن رسول اللَّه ◌َ ل ل أمره أن يجهّز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ
في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)). واختلف في إسناده
على محمد بن إسحاق، قال البيهقيّ بعد أن ساقه من طريق حماد سلمة، عن ابن
إسحاق: وحماد بن سلمة أحسنهم سياقة له، وله شاهد صحيح، ثم ساق بسنده عن ابن
جريج، أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن
رسول اللّه وَ ل أمره أن يُجهّز جيشًا، قال عبد الله بن عمرو: وليس عندنا ظهر، قال:

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
فأمره النبيّ وَ لّ أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدّق، فابتاع عبد الله بن عمرو البعير
بالبعيرين، وبأبعرة إلى خروج المصدّق بأمر رسول اللّه وَليّ)).
قال الجامع عفا الله تعالی عنه: وهذا كما قال البيهقيّ حدیث صحیح، یشهد للأول،
فدل هذا على جواز بيع الحيوان متفاضلًا نسيئة.
(ومنها): الحديث الآتي في الباب التالي: أنه وَلّ اشترى عبدًا بعبدين أسودين، وهو
حديث صحيح.
فظهر بهذا ضعف حديث الباب، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦٢٢/٦٥ - وفي ((الكبرى)) ٦٢١٤/٦٦. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٣٥٦ (ت) في ((البيوع)) ١٢٣٧ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٧٠ (أحمد) في ((مسند
البصريين)) ١٩٦٣٠ و١٩٧٠٣ و١٩٧٢٥ و١٩٧٥١ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٥١.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في العمل بحديث الباب:
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً،
فكره ذلك عطاء بن أبي رَبّاح، ومنع منه سفيان الثوريّ، وهو مذهب أصحاب الرأي،
ومنع منه أحمد، واحتجّ بحديث سمرة، وقال مالك: إذا اختلفت أجناسها جاز بيعها
نسيئة، وإن تشابهت لم يجز، وجوّز الشافعيّ بيعها نسيئةً، كانت جنسًا واحدًا، أو
أجناسًا مختلفةً، إذا كان أحد الحيوانين نقدًا. انتهى ((معالم السنن)) ٢٩/٥.
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) ٢/ ٧٧٦ :
((باب بيع العبيد، والحيوان بالحيوان نسيئة))، واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة،
مضمونة عليه، يُوفيها صاحِبَهَا بالربذة. وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرا من
البعيرين. واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر
غدا، رَهْوًا، إن شاء الله، وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين،
والشاة بالشاتين إلى أجل. وقال ابن سيرين: لا بأس بعير ببعيرين نسيئة .
٢١١٥ - حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس رضي
الله عنه، قال: ((كان في السبي صفية، فصارت إلى دحية الكلبي، ثم صارت إلى النبي
◌َلـ)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب بيع العبد، والحيوان بالحيوان نسيئة)): التقدير: بيع

١١٣
٦٥ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةٌ - حديث رقم ٤٦٢٢
العبد بالعبد نسيئة، والحيوان بالحيوان نسيئة، وهو من عطف العام على الخاص، وكأنه
أراد بالعبد جنس من يُستعبد، فيدخل فيه الذكر والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو
أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك؛ لعدم الفرق.
قال ابن بطال: اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن
يختلف الجنس، ومنع الكوفيون، وأحمد مطلقا؛ لحديث سمرة المخرج في ((السنن))،
ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق ضعف حديث سمرة رَّه ، فلا
تغفل. قال: وفي الباب: عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، عند البزار،
والطحاوي، ورجاله ثقات أيضا، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، فرجح البخاري،
وغير واحد إرساله. وعن جابر رَظيم عند الترمذي وغيره، وإسناده لين. وعن جابر بن
سمرة ◌َّه عند عبد اللَّه في زيادات ((المسند)). وعن ابن عمر عند الطحاوي،
والطبراني .
واحتُجَ للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو: ((أن النبي ◌ََّ، أمره أن يُجَهّز جيشا،
وفيه: فابتاع البعير بالبعيرين، بأمر رسول اللَّه ◌ُّ))، أخرجه الدارقطني وغيره، وإسناده
قوي. واحتج البخاري هنا بقصة صفية، واستشهد بآثار الصحابة
وقوله: ((واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة)) الحديث وصله مالك، والشافعي
عنه، عن نافع، عن ابن عمر بهذا، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر، عن نافع: أن
ابن عمر اشترى ناقة، بأربعة أبعرة بالربذة، فقال لصاحب الناقة: اذهب، فانظر، فإن
رضيت فقد وجب البيع.
وقوله: ((راحلة)): أي ما أمكن ركوبه من الإبل، ذكرا أو أنثى، وقوله: ((مضمونة))
صفة ((راحلة)): أي تكون في ضمان البائع حتى يوفيها: أي يسلمها للمشتري، والربذة -
بفتح الراء، والموحدة، والمعجمة -: مكان معروف بين مكة والمدينة.
وقوله: وقال ابن عباس: ((قد يكون البعير خيرا من البعيرين)): وصله الشافعي، من
طريق طاوس: أن ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين؟ فقاله.
قوله: ((واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر
غدا، رَهْوَا، إن شاء الله)): وصله عبد الرزاق، من طريق مُطَرّف بن عبد اللَّه عنه.
وقوله: ((رَهْوَا)) بفتح الراء، وسكون الهاء -: أي سهلا، والرهو السير السهل،
والمراد به هنا أن يأتيه به سريعا، من غير مطل.
وقوله: ((وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين،

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
إلى أجل)): أما قول سعيد: فوصله مالك، عن ابن شهاب عنه، لا ربا في الحيوان،
ووصله ابن أبي شيبة، من طريق أخرى، عن الزهري عنه، لا بأس بالبعير بالبعيرين
نسيئة .
وقوله: ((وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة)): وصله عبد
الرزاق، من طريق أيوب عنه، بلفظ: ((لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم بدرهم نسيئة، فإن
کان أحد البعیرین نسيئة، فهو مكروه. وروی سعید بن منصور، من طريق يونس عنه،
أنه كان لا يرى بأسا بالحيوان بالحيوان يدا بيد، أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون
الدراهم نقدا، والحيوان نسيئة. انتهى ((فتح)) ١٧٠/٥-١٧١.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: في (تهذيب السنن)) ٢٩/٥: اختلف أهل
العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي أربع روايات عن أحمد:
[إحداها] : أن ما سوى المكيل والموزون من الحيوان، والنبات، ونحوه يجوز بيع
بعضه ببعض متفاضلاً ومتساويًا، وحالًا، ونساء، وأنه لا يجري فيه الربا بحال، وهذا
مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى رواياته، واختارها القاضي، وأصحابه، وصاحب
((المغني)).
[والرواية الثانية عن أحمد]: أنه يجوز التفاضل فيه يدًا بيد، ولا يجوز نسيئةً، وهي
مذهب أبي حنيفة، کما دلّ عليه حدیثا جابر وابن عمر
[والرواية الثالثة عنه]: أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلًا، ويحرم مع التفاضل،
وعلى هاتين الروايتين، فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن وجد أحدهما
حرم الآخر، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو قول مالك، فيجوز عبد بعبدين
حالا، وعبد بعبد نساء، إلا أن لمالك فيه تفصيلًا، والذي عقد عليه أصل قوله: أنه لا
يجوز التفاضل والنساء معًا في جنس من الأجناس، والجنس عنده معتبر باتفاق
الأغراض والمنافع، فيجوز بيع البعير البختيّ بالبعيرين من الحمولة، ومن حاشية إبله
إلى أجل؛ لاختلاف المنافع، وإن أشبه بعضها بعضًا، اختلفت أجناسها، أو لم تختلف،
فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل.
فسِرُّ مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنساء في الجنس الواحد عنده، والجنس ما
اتفقت منافعه، وأشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت حقيقته، فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في
هذه المسألة المعضلة، ومآخذهم.
وحديث عبد الله بن عمرو رضي صريح في جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث
حسن. قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن

٦٥ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةَ - حديث رقم ٤٦٢٢
١١٥ =
إسحاق -يعني هذا الحديث ما حاله؟ قال: مشهور ثقة، قلت: عن مسلم بن كثير، عن
عمرو بن حُريش الزبيديّ؟ قال: هو حديث مشهور، ولكن مالك يحمله على اختلاف
المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضه هو من
إبل الصدقة، قد يكون من بني المخاض، ومن حواشي الإبل، ونحوها.
وأما الإمام أحمد: فإنه كان يُعلّل أحاديث المنع كلّها، قال: ليس فيها حديث يُعتمد
عليه، ويُعجبني أن يتوقّاه، وذُكر له حديث ابن عباس، وابن عمر *، فقال: هما
مرسلان، وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصحّ سماع
الحسن من سمرة.
وأما حديث جابر رَظّيه ، من رواية حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عنه، فقال
الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه ((نساء))، والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، لا
یذکر فيه ((نساء))
وهذه ليست بعلة في الحقيقة، فإن قوله: ((ولا بأس به يدًا بيد)) يدلّ على أن قوله:
((لا يصلح)) يعني نساء، فذكر هذه اللفظة زيادة إيضاح، لو سكت عنها لكانت مفهومة
من الحديث، ولكنه معّل بالحجاج، فقد أكثر الناس الكلام فيه، وبالغ الدارقطنيّ في
((السنن)) في تضعيفه، وتوهینه.
وقد قال أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبيّ وَلو نظرنا إلى ما عمل به أصحابه
من بعده .
وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئةً.
وهذا كله مع اتحاد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء
بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضل فيه والنساء، إلا ما حُكي رواية عن أحمد :
أنه لا يجوز بيعه متفاضلًا يدًا بيد، ولا يجوز نساءً، وحَكَى هذا أصحابنا عن أحمد رواية
رابعةً في المسألة، واحتجوا لها بظاهر حديث جابر رَّه: ((الحيوان اثنان بواحد لا
يصلح نسيئةً، ولا بأس به يدًا بيد))، ولم يخصّ به الجنس المتحد، وكما يجوز التفاضل
في المكيل المختلف الجنس، دون النساء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل: إنه
ربويّ، وهذه الرواية في غاية الضعف؛ لمخالفتها النصوص، وقياس الحيوان على
المكيل فاسد؛ إذ في محلّ الحكم في الأصل أوصاف معتبرة، غير موجودة في الفرع،
وهي مؤثّرةٌ في التحريم.
وحديث جابر رَّه لو صحّ، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس، دون اختلافه، كما
هو مذكورٌ في حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما.

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
فهذه نُكَت في هذه المسألة المعضلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب، وباللَّه
تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى في (تهذيب السنن)) ٣٠/٥-٣١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو المذهب الأول الذي قال به
الشافعيّ، وأحمد في رواية، وهو جواز بيع الحيوان بعضه ببعض، متفاضلًا، ونساءً،
لصحة الأحاديث بذلك، كما قدّمناه في المسألة الماضية، ولصحة الآثار عن الصحابة
له، كما أشار إليه البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٦٦ - (بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ بَدًا بِيَدِ
مُتَفَاضِلًا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنّف رحمه الله تعالى أنه يرى
ترجيح قول من قال: إن بيع الحيوان بعضه ببعض متافضلًا يجوز بشرط أن يكون يدًا
بيد، وقد تقدّم أنه مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى، لكن سبق في الباب الماضي أن
الأصحّ جواز ذلك نساءً أيضًا؛ لصحة حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما،
وضعف حديث سمرة رَّ ، وأما حديث الباب فليس فيه النهي عن النسيئة، حتى
يُحتجّ به في المسألة.
والحاصل أن الأرجح جواز ذلك مطلقًا، متساويًا، أو متفاضلًا، يدًا بيد، أو نساءً؛
لصحة الحديث بذلك. فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٢٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ
عَبْدٌ، فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَا يَشْعُرُ النَّبِيُّ ◌َِّ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((بِعْنِيهِ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ
أَعَبْدٌ هُوَ؟))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وهو من
رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٢٣) من رباعيات الكتاب.

١١٧ =
٦٧ - (بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ) - حديث رقم ٤٦٢٤
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٤١٨٦/٢١- وتقدّم شرحه، وبيان مسائله
هناك، فراجعه تستفد، وأما دلالته لما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى ففيه نظر لا
يخفى، كما بيّنته آنفًا، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)) .
٦٧ - (بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بفتحتين في الكلمتين: ومعناه: محبول المحبولة في
الحال، على أنهما مصدران، أريد بهما المفعول، والتاء في الثاني للإشارة إلى الأنوثة.
قال الفيّومي رحمه اللَّه تعالى: حَبِلَت المرأة، وكلُّ بهيمة تَلِد حَبَلًا، من باب تَعِب:
إذا حملت بالولد، فهي حُبلى، وشاةٌ حبلى، وسِنَّوْرةٌ حبلى، والجمع حُبْليات على
لفظها، وحَبَالَى، وحَبَلُ الْحَبَلَة بفتح الجميع: ولدُ الولد الذي في بطن الناقة، وغيرها،
وكانت الجاهلية تبيع أولاد ما في بطون الحوامل، فنهى الشرع عن بيع حَبَل الحَبَلَة،
وعن بيع المضامين، والملاقيح. وقال أبو عُبيد: حبَلُ الحبلة: ولد الجَنِين الذي في
بطن الناقة، ولهذا قيل: الحَبَلَة بالهاء؛ لأنها أنثى، فإذا ولدت، فولدها حبلٌ بغير هاء.
وقال بعضهم: الْحَبَلُ مختصّ بالآدميّات، وأما غير الآدميّات من البهائم، فيقال فيه:
حَمْلٌ بالميم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٢٤- (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ نَِِّّ، قَالَ: ((السَّلَفُ فِي حَبَلِ
الْحَبَلَةِ رِبًا»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (يحيى بن حكيم) الْمُقَوِّم -بتشديد الواو المكسورة- أبو سعيد البصريّ، وهو
ثقة حافظ عابد مصنّفٌ [١٠] ٦١٢/٥١.
٢- (محمد بن جعفر) غندر أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩]٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا .

١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٤- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥]
٤٨/٤٢ .
٥- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالبصريين، غير سعيد بن جبير، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه غير ذلك، مما سبق بيانه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: (السَّلَفُ فِي حَبَلٍ
الْحَبَلَةِ رِبّا))) قال السنديّ رحمه الله تعالى ٢٩٣/٧ -: هو أن يُسلم المشتري إلى رجل
عنده ناقة حُبْلَى، ويقول له: إذا ولدت هذه الناقة، ثم ولدت التي في بطنها، فقد
اشتريت منك ولدها بهذا الثمن، فهذه المعاملة شبيهة بالربا؛ لكونها حرامًا كالربا، من
حيث إنه بيع ما ليس عند البائع، وهو لا يقدر على تسليمه، ففيه غرر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه
اللّه تعالى، أخرجه هنا-٤٦٢٤/٦٧- وفي ((الكبرى)) ٦٢١٦/٦٨. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، نَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَةِ)).
قَال الجامعَ عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
وهو الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ،
نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.

١١٩
٦٨ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ) - حديث رقم ٤٦٢٧
والسند من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما له من الأسانيد، كما
تقدّم غير مرّة، وهو (٢٢٤) من رباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٦٨- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
٤٦٢٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ
وَِّ، فَهَى عَنْ بَيْعَ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ
جَزُورًا، إِلَى أَنْ تُنَتَّجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث وهو مصريّ، ثقة حافظ. وهذا الإسناد يتكرر كثيرًا في هذا الكتاب، وتكلّمنا
على لطائفه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ) -
بفتح المهملة والموحدة، وقيل: في الأول بسكون الموحدة، وغلطّه عياض، وهو
مصدر: حَبِلَت تَحَبَل حَبَلًا، من باب تَعِبَ، والْحَبَلَة: جمع حابل، مثل ظَلَمَة وظالم،
وكَتَبَة وكاتب، والهاء فيه للمبالغة، وقيل: للإشعار بالأنوثة، وقد ندر فيه امرأة حابلة،
فالهاء فيه للتأنيث. وقيل: حَبَلَة: مصدرٌ يُسَمَّى به المحبول، قال أبو عبيد: لا يقال
لشيء من الحيوان: حَبِلَت، إلا الآدميات، إلا ما ورد في هذا الحديث، وأثبته صاحب
((المحكم)) قولا: فقال: اختُلِف: أهى للإناث عامة، أم للآدميات خاصة، وأنشد في
التعميم قول الشاعر:
أَوْ ذِيخَةٌ حُبْلَى مُجِحْ مُقْرِبُ
وفي ذلك تَعَقُّبٌ على نقل النووي اتفاق أهل اللغة على التخصيص. قاله في ((الفتح))
٩٢/٥ ٠

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(وَكَانَ) أي بيع حبل الحبلة (بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ) كذا وقع هذا التفسير في
(الموطإ)) متصلا بالحديث، قال الإسماعيلي: وهو مدرج -يعني أن التفسير من كلام
نافع - وكذا ذكر الخطيب في ((المدرج)) وعند البخاريّ في آخر ((السلم)) عن موسى بن
إسماعيل التبوذكي، عن جُويرية: التصريح بأن نافعا هو الذي فسره، لكن لا يلزم من
كون نافع فسره لجويرية، أن لا يكون ذلك التفسير مما حمله، عن مولاه ابن عمر، فعند
البخاريّ أيضًا في ((أيام الجاهلية)) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر،
قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبلُ الحبلة أن تُنْتَج
الناقة ما في بطنها، ثم تَحمِل التي نُتجت، فنهاهم رسول اللَّه وَلّر عن ذلك، فظاهر هذا
السياق، أن هذا التفسير من كلام ابن عمر، ولهذا جزم ابن عبد البر بأنه من تفسير ابن
عمر، وقد أخرجه مسلم، والنسائي، من رواية الليث، والترمذيُّ، من رواية أيوب،
كلاهما عن نافع، بدون التفسير، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، من طريق
سعيد بن جبير، عن ابن عمر، بدون التفسير أيضا. قاله في ((الفتح)) ٩٢/٥-٩٣.
(كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ جَزُورًا) وفي رواية البخاريّ: ((الجزور)) بالتعريف، وهو -بفتح
الجيم، وضم الزاي -: هو البعير ذكرا كان، أو أنثى، إلا أن لفظه مؤنث، تقول: هذه
الجزور، وإن أردت ذكرا، فَيَحتَمِل أن يكون ذَكَره في الحديث قيدًا فيما كان أهل
الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع، إلا في الجزور، أو لحم الجزور، ويحتمل أن
يكون ذُكِر على سبيل المثال، وأما في الحكم، فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك.
قاله في ((الفتح)) .
(إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ) بضم أوله، وفتح ثالثه -: أي تَلِد ولدًا، والناقة فاعل، وهذا
الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول، وهو حرف نادر.
(ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) أي ثم تعيش المولودة، حتى تَكْبَر، ثم تلد. قال في
((الفتح)): وهذا القدر زائد على رواية عبيد الله بن عمر، فإنه اقتصر على قوله: ((ثم
تحمل التي في بطنها)، ورواية جويرية أخصر منهما، ولفظه: ((أن تُنْتَج الناقة ما في
بطنها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: