Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
E
٥٨- (الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ) - حديث رقم ٤٦١٢
تقدّم أنه أبو الشحم (بِالْمَدِينَةِ) هذا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ على أنه وَّر رهن في الحضر
(وَأَخَذَ) بَرِ (مِنْهُ) أي من ذلك اليهوديّ (شَعِيرًا لِأَهْلِهِ) تقدّم أنها ثلاثون صاعًا، وفي
رواية عشرون صاعًا، وتقدّم أيضًا وجه الجمع بين الروايتين.
زاد في رواية البخاري: ((قال: ولقد سمعته يقول: ما أصبح لآل محمد ◌َّ إلا
صاع، ولا أمسى، وإنهم لتسعة)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((ولقد سمعته)): فاعل ((سمعت)) أنس، والضمير للنبي وَّ،
وهو فاعل ((يقول))، وجزم الكرماني بأنه أنس، وفاعل سمعت قتادة، وقد أشرت إلى
الرد عليه في أوائل البيوع، وقد أخرجه أحمد، وابن ماجه، من طريق شيبان المذكورة،
بلفظ: ((ولقد سمعت رسول اللَّه و 38، يقول: ((والذي نفس محمد بيده))، فذكر
الحديث، لفظ ابن ماجه، وساقه أحمد بتمامه.
وقوله: ((ما أصبح لآل محمد، إلا صاع، ولا أمسى))، وفي أبي نعيم في
((المستخرج)) من طريق الكجي، عن مسلم بن إبراهيم، شيخ البخاري فيه، بلفظ: ((ما
أصبح لآل محمد، ولا أمسى إلا صاع».
وقوله: ((وإنهم لتسعة أبيات))، في رواية: ((وإن عنده يومئذ لتسع نسوة)).
ومناسبة ذكر أنس لهذا القدر، مع ما قبله، الإشارةُ إلى سبب قوله ◌َّ هذا، وأنه لم
يقله مُتضجّرًا، ولا شاكيًا، معاذ الله من ذلك، وإنما قاله معتذرا عن إجابته دعوة
اليهودي، ولرهنه عنده درعه، ولعل هذا هو الحامل للذي زعم بأن قائل ذلك هو أنس؛
فرارًا من أن يُظَنّ أن النبي بَّر، قال ذلك بمعنى التضجر. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رَّه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه
هنا - ٥٩/ ٤٦١٢- وفي ((الكبرى)) ٦٢٠٣/٦٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٦٩ (ت)
في البيوع)) ١٢١٥ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٣٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
١١٩٥٢. وفوائد الحديث تقدّمت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الماضي.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الرهن في الحضر:
ذهب الجمهور إلى مشروعيته في الحضر؛ لحديث الباب، واحتجوا له أيضًا من
حيث المعنى، بأن الرهن شُرع توثقة على الدين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيده بالسفر؛
لأنه مظنة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب.
وخالف في ذلك مجاهد، والضحاك، فيما نقله الطبري عنهما، فقالا: لا يُشرع إلا
في السفر، حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر، وقال ابن حزم: إن
شَرَط المرتهن الرهن في الحضر، لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز، وحمل
حديث الباب على ذلك. قاله في ((الفتح)) ٤٣٨/٥.
وقال في ((المغني))-٤٤٤/٦ -: ويجوز الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر،
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف في ذلك، إلا مجاهدا، قال: ليس الرهن إلا في
السفر؛ لأن الله تعالى شِرط السفر في الرهن بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهٌَ مَّقْبُوضَةٌ﴾ .
واحتج الجمهور بأن النبي ◌َّر، اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعه، وكانا
بالمدينة، ولأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر، كالضمان، فأما ذكر السفر،
فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يُعدم في السفر غالبا، ولهذا لم يشترط عدم
الكاتب، وهو مذكور معه أيضا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فثبت بما ذُكر أن الحقّ مشروعيّة الرهن في الحضر،
كما هو مشروع في السفر بلا خلاف؛ لصحة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٠- (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْبَائِع)
٤٦١٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ
وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظب ١٠] ٤/٤ .
٢- (حُميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/٥ .
٣- (ويزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥ .

٦٠- (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٣
٦٣ =
٤- (أيوب) بن أبي تميمة/ كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٨/٤٢.
٥- (عمرو بن شعيب) بن محمد الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥ / ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو الطائفيّ، صدوق [٣] ١٤٠/١٠٥.
٧- (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): مسلسل بالبصريين إلى أيوب، والباقون طائفيّون، وفيه رواية ثلاثة من
التابعين، بعضهم من بعض: أيوب، وعمرو، وشعيب، وفيه رواية الراوي عن أبيه،
عن جدّه، والكلام في هذا الإسناد مشهور، وقد تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن
العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَِّ، قَالَ: (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ)
السلف بفتحتين: القرض، ويُطلق على السلم، والمراد هنا القرض: أي لا يحلّ بيع
مع شرط قرض، بأن يقول: بعتك هذا العبد على أن تُسلفني ألفًا. وقيل: هو أن
تُقرضه، ثم تبيع منه شيئًا بأكثر من قيمته، فإنه حرام؛ لأنه قرضِ جرّ نفعًا، أو المراد
السلم، بأن أسلم إليه في شيء، فيقول: فإن لم يتهيّأ عندك، فهو بيعٌ عليك.
وقال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: هو مثل أن يقول: أبيعك هذا العبد بخمسين دينارًا
على أن تُسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل، أو يقول: أبيعكه بكذا على أن
تُقرضني ألف درهم، ويكون معنى السلف: القرض، وذلك فاسد؛ لأنه إنما يُقرضه
على أن يُحابيه في الثمن، فيدخل الثمن في حدّ الجهالة، ولأن كلّ قرض جرّ منفعةٌ،
فهو ربا. انتهى.
(وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْع) قيل: معناه مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار، ونسيئةً
بدينارين، وهو بيعانَ في بيع، وهذا عند من لا يُجَوّز الشرط في البيع أصلًا،
كالجمهور، وأما من يُجوّز الشرط الواحد، دون اثنين يقول: هو أن يقول: أبيعك هذا
الثوب، وعليّ خياطته، وقِصَارته، وهذا لا يجوز، ولو قال: أبيعك وعليّ خياطته، فلا
بأس به .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فسّره الخطّابيّ وغيره، وأحسن من هذا،

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وأولى تفسير ابن القيّم رحمه اللّه تعالى الآتي قريبًا، وحاصله أن معناه: أن يقول له:
بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئةً، وهذه هي صورة المسألة
المشهورة ببيع العينة، كما تقدّم البحث عنها، وهذا أشبه المعنى بالحديث، وأما
الصورة التي ذكروها من ترديد الثمن، فإنها جائزة، كما سيأتي الكلام عليها في بحثه
الآتي في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى.
(وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) قال الخطّابِيّ رحمه اللَّه: يريد بيع العين، دون بيع الصفة،
ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهي
عن بيع ما ليس عند البائع من قِبَل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جمله
الشارد، ويدخل في ذلك كلّ شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة، فيبيعها
قبل أن يقبضها، ويدخل فيه أيضًا بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك؛ لأنه
بيع ما ليس عنده، ولا في ملكه، وهو غرر؛ لأنه لا يُدرَى، هل يُجيزه صاحبه، أم لا؟
انتهى ((معالم السنن)) ١٤٣/٥.
زاد في الرواية الآتية في ٤٦٣٢/٧١ و٤٦٣٣/٧٢ و٤٦٣٤ -: ((ولا ربح ما لم
يُضمن)) ببناء الفعل للمجهول: ومعناه: أن يبيعه سلعة قد اشتراها، ولم يكن قبضها،
فهي من ضمان البائع الأول، وليست من ضمانه، فهذا لا يجوز بيعه حتى يقبضه،
فيكونَ من ضمانه. وللإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى بحث مطوّل في هذا الحديث
سيأتي قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٦٠ / ٤٦١١ و٤٦١٢ و٧١ /٤٦٣١ و٤٦٣٢/٧٢ و٤٦٣٣- وفي
((الكبرى)) ٦٢٠٤/٦١ و٦٢٠٥. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٥٠٣ (ت) في ((البيوع))
١٢٣٢ و١٢٣٣ و١٢٣٤ و١٢٣٥ (ق) في ((التجارات)) ٢١٨٧ (أحمد) في ((مسند
المكيين)» ١٤٨٨٨ و١٥١٤٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع ما ليس عند
الإنسان، وهو التحريم. (ومنها): أن يدلّ على تحريم كلّ غرر في تعامل المسلم لأخيه،

=
٦٥
٦٠ - (بَيِعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٣
فلا يجوز له أن يعامله بما فيه غشّ، أو خِداع. (ومنها): البيع بشرط السلف. (ومنها):
تحريم اشتراط شرطين في بيع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في البحث القيّم الذي كتبه الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى على
هذا الحديث في «كتابه (تهذيب السنن))، وهو بحث طويلٌ مفيدٌ، أحببت إيراده لنفاسته:
قال رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث أصلٌ من أصول المعاملات، وهو نصّ في تحريم
الحيل الرِّبويّة، وقد اشتمل على أربعة أحكام:
[الحكم الأول] : تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه، من
حيث إن الشرطين، إن كانا فاسدين، فالواحد حرام، فأيّ فائدة لذكر الشرطين؟ وإن
کانا صحیحین لم يحرُما.
فقال ابن المنذر: قال أحمد، وإسحاق فيمن اشترى ثوبًا، واشترط على البائع
خياطته، وقِصَارته، أو طعامًا، واشترط طحنه، وحمله -: إن شرط أحد هذه الأشياء،
فالبيع جائز، وإن شرط شرطين، فالبيع باطل. وهكذا فسّره القاضي أبو يعلى، وغيره.
وعن أحمد في تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها - يعني الجارية-
على أن لا يبيعها من أحد، ولا يطأها، ففسّره بالشرطين الفاسدين.
وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجيّ عنه، وهو أن يقول: إذا بعتها
فأنا أحقّ بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. ومضمون هذه الرواية أن الشرطين يتعلّقان
بالبائع، فيبقى له علقتان، علقة قبل التسليم، وهي الخدمة، وعلقة بعد التسليم، وهي
كونه أحقّ بها، فأما اشتراط الخدمة، فيصحّ، وهو اسثناء منفعة المبيع مدّة، كاستثناء
ركوب الدابة، ونحوه. وأما شرط كونه أحقّ بها بالثمن، فقال في رواية المروزيّ: هو
في معنى حديث النبيّ وَّر: ((لا شرطان في بيع))، يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه، وأن
يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع. ورى عنه إسماعيل بن سعيد: جواز
هذا البيع، وتأوله بعض أصحابنا على جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المروزيّ
على فساد الشرط وحده، وهو تأويل بعيد، ونصّ أحمد يأباه. قال إسماعيل بن سعيد:
ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود ◌َظنّه أنه قال: ((ابتعت من امرأتي زينب الثقفيّة
جاريةً، وشرطت لها أني إن بعتها، فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر
رَوَّه، فقال: لا تقربها، ولأحد فيها شرط))، فقال أحمد: البيع جائزٌ، ولا تقربها؛
لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك البيع: إنه فاسد.
فهذا يدلّ على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أجه:

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
[أحدها]: أنه قال: ((لا تقربها)»، ولو كان الشرط فاسدًا لم يمنع من قربانها.
[الثاني]: أنه علّل ذلك بالشرط، فدلّ على أن المانع من القربان هو الشرط، وأن وطئها
يتضمّن إبطال ذلك الشرط؛ لأنها قد تحمل، فيمتنع عودها إليها. [الثالث]: أنه قال:
((كان فيها شرط واحد للمرأة))، فذكِرُهُ وحدةَ الشرط يدلّ على أنه صحيحٌ عنده؛ لأن
النهي إنما هو عن الشرطين.
وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة، أن البيع جائزٌ، والشرط صحيحٌ،
ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة؛ لأنه لا معنى لتحريمه عنده، مع فساد
الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة؛ للاختلاف في صحّة هذا العقد. وقال القاضي
في ((المجرّد)): ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواء كانا
صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذًا بظاهر الحديث،
وعملًا بعمومه.
وأما أصحاب الشافعيّ، وأبي حنيفة: فلم يفرّقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا:
يبطل البيع بالشرط الواحد؛ لنهي النبيّ وَّل عن بيع وشرط، وأما الشروط الصحيحة،
فلا تؤثّر في العقد، وإن كثرت، وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنه لا أثر له
أصلًا.
وكلّ هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث، غير مرادة منه.
فأما القول الأول: وهو أن يشترط حمل الحطب، وتكسيره، وخياطة الثوب،
وقِصَارته، ونحو ذلك، فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع في المبيع، إن كان فاسدًا فسد
الشرط والشرطان، وإن كان صحيحًا، فأيّ فرق بين منفعة، ومنفعتين، أو منافع؟ لا
سيّما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعًا، وإجارةً، وهما معلومان لم
يتضمّنا غررًا، فكانا صحيحين، وإذا كان كذلك، فما الموجب لفساد الإجارة على
منفعتين، وصحّتها على منفعة؟ وأيُّ فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله، أو
حمله ونقله، أو حمله وتكسيره؟.
وأما التفسير الثاني: وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف وأضعف؛ لأن الشرط الواحد
الفاسد منهيّ عنه، فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمّن زيادة في اللفظ،
وإيهامًا لجواز الواحد، وهذا ممتنع على الشارع مثله؛ لأنه زيادة مخلّة بالمعنى.
وأما التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنه إن باعها، فهو أحقّ بها بالثمن، وأن ذلك
يتضمّن شرطين: أن لا يبيعها لغيرها، وأن يبيعها إياها بالثمن، فكذلك أيضًا، فإن كل
واحد منهما إن كان شرطًا فاسدًا، فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحًا لم يفسُد

E
٦٠ - (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٣
=
٦٧
بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن،
ونحو ذلك.
وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات :
[إحداهنّ]: صحّة البيع والشرط. [والثانية]: فسادهما. [والثالثة] : صحّة البيع،
وفساد الشرط، وهو رضي الله عنه إنما اعتمد في الصحّة على اتفاق عمر وابن مسعود
رضي اللَّه تعالى عنهما على ذلك، ولو كان هذا هو الشرطان في البيع لم يُخالفه لقول
أحد، على قاعدة مذهبه، فإنه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول
أحد، ويَعجَب ممن يخالفه من صاحب، أو غيره.
وقوله في رواية المروزيّ: هو في معنى حديث النبيّ ◌َّر: ((لا شرطان في بيع)»،
ليس تفسيرًا منه صريحًا، بل تشبيه، وقياس على معنى الحديث، ولو قُدّر أنه تفسيره،
فليس بمطابق لمقصود الحديث، كما تقدّم.
وأما تفسير القاضي في ((المجرّد)»: فمن أبعد ما قيل في الحديث، وأفسده، فإن
شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته، كالرهن، والتأجيل، والضمين، ونقد
كذا جائزٌ، بلا خلاف، تعددت الشروط، أم اتحدت.
فإذا تبيّن ضعف هذه الأقوال، فالأولى تفسير كلام النبيّ وَ لَّ بعضه ببعض، فنفسّر
كلامه بكلامه، فنقول: نظير هذا نهيه وَّر عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة،
فروى سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رَّه، قال: ((نهى
رسول اللّه وَ ل عن صفقتين في صفقة))، وفي (السنن)) عن أبي هريرة ◌َّه عن النبيّ
وَل: ((من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا)).
وقد فُسّرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدًا، وبعشرين نسيئة، وهذا
بعيد من معنى الحديث من وجهين :
[أحدهما]: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد. [الثاني]: أن هذا ليس بصفقتين، إنما
هو صفقة واحدة بأحد الثمنين، وقد ردّده بين الأوليين، أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ
بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا، فليس هذا معنى الحديث.
وفُسّر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي
مسألة العينة بعينها، وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم
العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحقّ إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ
أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر، فقد أخذ الربا، فلا مَحِيد له عن أوكس الثمنين، أو
الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، فإن

== ٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
الشرط يُطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، والشرط
يُطلق على المشروط كثيرًا، كالضرب يُطلق على المضروب، والخلق يطلق على
المخلوق، والنسخ يُطلق على المنسوخ، فالشرطان كالصفقتين سواءً، فشرطان في بيع
كصفقتين في صفقة.
وإذا أردت أن يتّضح لك هذا المعنى، فتأمل نهيه وَ ل# في حديث ابن عمر رضي الله
عنهما عن بيعتين في بيعة، و((عن سلف وبيع، رواه أحمد، ونهيه في هذا الحديث عن
شرطين في بيع، وعن سلف وبيع، فجمع السلف والبيع، مع الشرطين في البيع، ومع
البيعتين فى البيعة.
وسرّ ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه، أما البيعتان في بيعة،
فظاهرٌ، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر، ثم اشتراها منه بما شرطه له، كان قد باع بما
شرطه له بعشرة نسيئةً، ولهذا المعنى حرّم اللَّه، ورسوله العينة. وأما السلف والبيع،
فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يُساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا المبيع
ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه ردّ المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا
عقد القرض لما اشترى ذلك، فظهر سرّ قوله وَلّ: ((لا يحلّ سلف وبيعٌ، ولا شرطان
في بيع))، وقول ابن عمر: ((نُهي عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع))، واقتران إحدى
الجملتين بالأخرى لما كانا سلّمًا إلى الربا. ومن نظر في الواقع، وأحاط به علمًا فهم
مراد الرسول - 8* من كلامه، ونزّله عليه، وعلم أنه كلام من جُمعت له الحكمة، وأُوتي
جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيًا عن أمته .
وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول اللَّه وَله .
ولما كان موجب عقد القرض ردّ المثل من غير زيادة، كانت الزيادة ربا.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادةً، أو هديّةً،
فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة على ذلك ربا. وقد رُوي عن ابن مسعود، وأُبيّ بن
كعب، وابن عبّاس ﴾ ((أنهم نهوا عن قرض جرّ منفعةً))، وكذلك إن شرط أن يؤجره
داره، أو يبيعه شيئًا، لم يجز؛ لأنه سُلّمٌ إلى الربا، ولهذا نهى عنه النبيّ ◌َّر، ولهذا منع
السلف خله من قبول هديّة المقترض، إلا أن يحتسبها المقرض من الدين.
فروى الأثرم: أن رجلاً كان له على سمّاك عشرون درهمًا، فجعل يُهُدي إليه
السمك، ويقوّمه، حتى بلغ ثلاثة عشر درهمًا، فسأل ابن عبّاس، فقال: أعطه سبعة
دراهمٍ. ورُوي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى
إليه أُبيّ من ثمرة أرضه، فردّها عليه، ولم يقبلها، فأتاه أبيّ، فقال: لقد علم أهل

٦٩
٦٠ - (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٣
المدينة أنّي من أطيبهم ثمرةً، وأنه لا حاجة لنا، فبم منعت هديّتنا؟ ثم أهدى إليه بعد
ذلك، فقبل. فكان ردّ عمر لَمّا توهّم أن تكون هديّته بسبب القرض، فلما تيقّن أنها
ليست بسبب القرض قبلها، وهذا فصل النزاع في مسألة هديّة المقترض.
وقال زرّ بن حُبيش: قلت لأبيّ بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد، إلى
العراق، فقال: إنك تأتي أرضًا فاش بها الربا، فإن أقرضت رجلًا قرضًا، فأتاك بقرضك
ليؤذي إليك قرضك، ومعه هديّة، فاقبض قرضك، واردد عليه هديّته. ذكرهنّ الأثرم.
وفي ((صحيح البخاريّ))(١) عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة، فلقيت
عبد الله بن سلام تَّه ، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض فيها الربا
فاش، فإذا كان لك على رجل دينٌ، فأهدى إليك حمل تِبْن، أو حِمل قَتّ، أو حمل
شعير، فلا تأخذه، فإنه ربا. قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضًا، ثم استعمله عملًا،
لم يكن يستعمله مثله قبل القرض، كان قرضًا جرّ منفعة، قال: ولو استضاف غريمه،
ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله. واحتجّ له صاحب ((المغني)) بما
روى ابن ماجه في ((سننه)) عن أنس رَّه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((إذا أقرض
أحدكم قرضًا، فأهدى إليه، أو حمله على دابته، فلا يركبها، ولا يقبله، إلا أن يكون
جری بينه وبينه قبل ذلك))(٢).
واختلفت الروايات عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم، وشرط عليه أن يوفيه إياها ببلد
آخر، ولا مؤنة لحملها، فروي عنه أنه لا يجوز، وكرهه الحسن، وجماعة، ومالكٌ،
والأوزاعيّ، والشافعيّ. وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر؛ لأنه مصلحة لهما، فلم
ينفرد المقترض بالمنفعة، وحكاه عن عليّ، وابن عباس، والحسن بن عليّ، وابن
الزبير، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب، والثوريّ، وإسحاق، واختاره
القاضي .
ونظير هذا ما لو أفلس غريمه، فأقرضه دراهم يوفيه كلّ شهر شيئًا معلومًا من ربحها
جاز؛ لأن المقترض لم ينفرد بالمنفعة. ونظيره ما لو كان عليه حنطةٌ، فأقرضه دراهم
يشتري بها حنطة، ويوفيه إياها. ونظير ذلك أيضًا إذا أقرض فلاحه ما يشتري به بقرًا
يعمل بها في أرضه، أو بذرًا يبذره فيها. ومنعه ابن أبي موسى، والصحيح جوازه، وهو
اختيار صاحب (المغني))، وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه، ويحصل انتفاع
(١) رواه البخاريّ في ((كتاب المناقب)) رقم ٣٨١٤ ((باب مناقب عبد الله بن سلام تنزيه.
(٢) رواه ابن ماجه رقم ٢٤٣٢ وهو ضعيف في إسناده إسماعيل بن عياش رواه عن عتبة بن حميد
الضبيّ، وهو بصريّ، وقد ضعفه أحمد، وشيخه يحيى بن أبي إسحاق مجهول.

٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
المقترض ضمنًا، فأشبه أخذ السفتجة به، وإيفاءه إياه في بلد آخر، من حيث إنه مصلحة
لهما جميعًا.
والمنفعة التي تجرّ إلى الربا في القرض هي التي تخصّ المقرض، كسكنى دار
المقترض، وركوب دوابّه، واستعماله، وقبول هديّته، فإنه لا مصلحة له في ذلك،
بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس
التعاون والمشاركة.
وأما (نهيه وَّ عن ربح ما لم يُضمن)): فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر
رضي الله تعالى عنهما، حيث قال له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم، وآخذ الدنانير،
وأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم؟ قال: ((لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها، وتفرّقتما، وليس
بينكما شيء))، فجوّز ذلك بشرطين: [أحدهما]: أن يأخذ بسعر يوم الصرف؛ لئلا يربح
فيها، وليستقرّ ضمانه. [والثاني] : أن لا يتفرّقا إلا عن تقابض؛ لأنه شرط في صحة
الصرف؛ لئلا يدخله ربا النسيئة.
والنهي عن ربح ما لم يُضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علّته، وهو من محاسن
الشريعة، فإنه لم يتمّ عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ،
والامتناع من الإقباض، إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه، فإنما يُقبضه
على إغماض، وتأسّف على فوات الربح، فنفسه متعلّقة به، لم ينقطع طمعها منه. وهذا
معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة، ومحاسنها النهي عن الربح فيه، حتى يستقرّ
عليه، ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ، وتنقطع علقه عنه. وقد نصّ أحمد
على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه؛ لئلا
یربح فيما لم يضمن .
[فإن قيل] : هذا ينتقض عليكم بمسألتين:
[إحداهما] : بيع الثمار بعد بدُوّ صلاحها، فإنكم تجوّزون لمشتريها أن يبيعها على
رؤوس الأشجار، وأن يربح فيها، ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع، فيلزمكم
أحد أمرين: إما أن تمنعوا بيعها، وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعيّ،
وأبو حنيفة، بل تكون من ضمانه، فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟.
[المسألة الثانية] : إنكم تجوّزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة
وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يُضمن؟
[قيل]: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة منصوص عليها، أو مجمع على حكمها،
وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما، ولا مجمع على حكمهما، فلا يردان نقضًا،

=
٧١
٦٠ - (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٣
فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان
عن أحمد، فإن منعنا البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع، وهو الصحيح، فلأن الحاجة
تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به،
ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوّزنا له بيعها؛ لأنها في
حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة؛ لأنها ليست
في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج
إليه، فلما كانت مقبوضة من وجه، غير مقبوضة من وجه، رتّبنا على الوجهين
مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره
بزيادة على ثلاث روايات :
[إحداهنّ] : المنع مطلقًا؛ لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع.
[والثانية] : أنه إن جدّد فيها عمارة، جازت الزيادة، وإلا فلا؛ لأن الزيادة لا تكون
ربحّا، بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة، وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع .
[والثالثة] : أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذا مذهب الشافعيّ،
وهذه الرواية أصحّ، فإن المستأجر لو عطل المكان، وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من
ضمانه؛ لأنه قبضه القبض التامّ، ولكن لو انهدمت الدار، لتلفت من مال المؤجر؛
لزوال محلّ المنفعة، فالمنافع مقبوضة، ولهذا له استيفاؤها بنفسه، وبنظيره، وإيجارها،
والتبرّع بها، ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محلّ
الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر.
وسرّ المسألة أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما هو مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله وَليّ: ((ولا تبع ما ليس عندك)): فمطابق لنهيه وَّر عن بيع الغرر؛ لأنه إذا
باع ما ليس عنده، فليس هو على ثقة من حصوله، بل قد یحصل له، وقد لا يحصل،
فيكون غررًا، كبيع الآبق، والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه. قال
حكيم بن حزام رَمّه : يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي، فأبيعه
منه، ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه، وأسلّمه إياه،؟ فقال: ((لا تبع ما ليس عندك)).
وقد ظنّ طائفة أن السلم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه بيع ما ليس عنده،
وليس كما ظنّوا، فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السلم، فعقد على ما في
الذمّة،، بل شرطه أن يكون في الذمّة، فلم أسلم في معيّن عنده كان فاسدًا، وما في
الذمّة مضمون مستقرّ فيها، وبيع ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غير مضمون عليه،

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ولا ثابت في ذمّته، ولا في يده، فالمبيع لا بدّ أن يكون ثابتًا في ذمّة المشتري، أو في
يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما، فالحديث باقٍ على عمومه.
[فإن قيل] : فأنتم تجوّزن للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه
من غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده؟.
[قيل]: لَمّا كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلّمه من
الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالاً، وهو عند المشتري،
وتحت يده، وليس عند البائع، والعنديّة هنا ليست عنديّة الحسّ والمشاهدة، فإنه يجوز
أن يبيعه ما ليس تحت يده، ومشاهدته، وإنما هي عنديّة الحكم والتمكين، وهذا
واضحٌ، ولله الحمد. انتهى بحث ابن القيّم رحمه الله تعالى بطوله، وهو بحث نفيسٌ
مفيد، ولذا نقلته برمّته تتميمًا للفائدة، وتعميمًا للعائدة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٤- (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ
الْعَوَّامِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ عُثْمَانُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَيْفٍ، عَنْ
مَطَرِ الْوَرَّاقٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ بَيْعٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عثمان بن عبد الله)): هو ابن خُرّزاد، أبو عمرو
البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، من صغار [١١] ١٥٥/١١٢ من أفراد المصنّف. و((سعيد
بن سُليمان)): هو الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزار، لقبه سَعْدويه، ثقة
حافظ، من كبار [١٠] ١٨٥٤/١٥. و((عبّاد بن الْعَوّام): هو الكلابيّ مولاهم، أبو
سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٣٩٠٧/٢. و((سعيد بن أبي عروبة)) مهران: هو اليشكريّ
مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط،
من أثبت الناس في قتادة [٦] ٣٨/٣٤ .
و((أبو رجاء/ محمد بن سيف)) الأزديّ الْحُدّانيّ -بضمّ المهملة، وتشديد الدال
المهملة - البصريّ، ثقة [٦].
أدرك أنسًا، وروى عن الحسن، وابن سيرين، ومطر الورّاق، وعكرمة، وعبد الله
ابن بريدة، وعطاء الخراسانيّ. وروى عنه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن
زيد، وابن عُليّة، ونوح بن قيس، ويزيد بن زُريع. قال ابن معين، ومحمد بن سعد،
والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره
خليفة فيمن مات قبل الطاعون، أو بعده بقليل يعني طاعون سنة (١٣١). روى له أبو

٧٣
F
٦٠ - (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ البائع) - حديث رقم ٤٦١٥
داود في ((المراسيل))، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وفي
(كتاب الأشربة)) ٥٦٢٥/٢٩- حديث الحسن ((أن رسول اللَّه ◌َ ل نهى عن نبيذ الجرّ))
الحديث. وفيه ٥٧٢٦/٥٣- ((قال: سألت الحسن عن الطلاء؟ فقال: لا تشربه)).
و((مطر الورّاق)): هو ابن طهمان، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخراسانيّ، سكن
البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ [٦] ٣٢٧٦/٣٨.
وقوله: ((ليس على رجل الخ)»: أي لو باع ملك غيره لا يلزم عليه ذلك البيع، حتى
يُطلبَ منه تسليم المبيع .
وهذا حديث مختصر من حديث طويل، ساقه أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه))
بتمامه، فقال :
٢١٩٠ - حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام ح وحدثنا ابن الصباح، حدثنا عبد
العزيز بن عبد الصمد، قالا: حدثنا مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده: أن النبي وَ لّ قال: ((لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا
فيما تملك))، زاد ابن الصباح: ((ولا وفاء نذرٍ إلا فيما تملك)).
حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني عبد الرحمن
بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، بإسناده ومعناه، زاد: ((من حلف على معصية، فلا
يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم، فلا یمین له)).
حدثنا ابن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد
الرحمن بن الحارث المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي
وَلَّه قال في هذا الخبر، زاد: ((ولا نذر إلا فيما ابتُغِي به وجهُ اللَّه تعالى ذكره)). انتهى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦١٥ - (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ، عَنْ يُوسُفَ ابْنِ
مَاهَكَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيِّ ◌َ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِ الرَّجُلُ،
فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَّهُ مِنَ السُّوقِ؟، قَالَ: (لَا تَبَعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (زياد بن أيوب) الحافظ البغداديّ المعروف بدلّويه، ثقة ثبت [١٠] ١٣٢/١٠١.
٢- (هشيم) بن بشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/
١٠٩ .
٣- (أبو بشر) بن أبي وَخشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقة [٥]

= ٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٥٢٠/١٣ .
٤- (يوسف بن ماهَك) بن بهزاد الفارسيّ المكيّ ثقة [٣] ١٠٨٤/١٢٥.
٥- (حكيم بن حزام) بن خُوَيلد بن أسد الأسدي، أبو خالد المكي، أسلم يوم
الفتح، ومات تَظ ◌ّه سنة ٥٤ أو بعدها، تقدم في ١٠٨٤/١٢٥. والله تعالى أعلم.
رضي اللّه تعالى عنه المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامِ) رَّهُ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
يَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِيَّ الْبَيْعَ) أي المبيع، فهو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم
المفعول، ولفظ ((الكبرى)): ((يسألني بيع ما ليس عندي)) (لَيْسَ عِنْدِي) جملة في محلّ
نصب على الحال من ((البيع))، بناء على القاعدة المشهورة: ((الجملة وشبهها بعد
المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات))، أو صفة له، بناء على أن ما عُرّفٍ بـ((أل))
الجنسيّة كالنكرة، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية
[الجمعة: ٥]، وقول الشاعر [من الوافر] :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله (أَبِيعُهُ مِنْهُ) استفهام بتقدير همزته، أي أأبيع ذلك الشيء الذي طلبه منّي،
وليس عندي (ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟) أي أشتريه من الناس لأجل أن أوفي له بما
التزمته؟ (قَالَ) وَ (لَا تَبَعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: بيع ما ليس
عندك يحتمل معنيين: [أحدهما] : أن يقول أبيعك عبدًا، أو دارًا معيّنةً، وهي غائبةٌ،
فيُشبه الغرر؛ لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها. [ثانيهما] : أن يقول: هذه الدار بكذا
على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلّمها لك صاحبها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قصّة حكيم رَظنّه موافقة للاحتمال الثاني، وأما
الاحتمال الأول، وهو بيع الغائب، ففيه خلاف للعلماء، والصحيح أنه جائز؛ لإمكان
معرفته بالوصف، ومتى خالف الوصف فللمشتري الخيار. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع (الفتح)) ٨٢/٥. ((كتاب البيوع)).

٧٥
٦١ - (السَّلَمُ فِي الطَّعَام) - حديث رقم ٤٦١٦
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حكيم بن حزام تظلّه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦١٤/٦٠ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٠٦٥/٦١. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥٠٣ (ت) في ((البيوع)) ١٢٣٢ و١٢٣٣ و١٢٣٤ و١٢٣٥ (ق) في ((التجارات)) ٢١٨٧
(أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٤٨٨٨ و١٥١٤٥ . وفوائد الحديث وبقية المسائل
تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٦١- (السَّلَمُ فِي الطَّعَام)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((السَّلَم)) - بفتحتين -: كالسلف وزنا ومعنى، وذكر
الماوردي: أن السلف لغةُ أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف تقديم
رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم.
والسلم شرعا: بيع موصوف في الذمة، ومن قيده بلفظ ((السلم)) زاده في الحد، ومن
زاد فيه: ((يبدل يُعطَى عاجلا)) فيه نظر؛ لأنه ليس داخلا في حقيقته.
واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حُكى عن ابن المسيب، واختلفوا في بعض
شروطه، واتفقوا على أنه يُشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في
المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر، جُوّز للحاجة، أم لا؟. قاله في ((الفتح)) ٥٪
١٨١- ١٨٢ .
وقال في (المغني)) ٣٨٤/٦: ((السلم)): هو أن يُسلم عِوَضًا حاضرا، في عِوَض
موصوف في الذمة، إلى أجل، ويسمى سَلَمًا، وسَلَفًا، يقال: أسلم، وأسلف،
وسَلَّفَ، وهو نوع من البيع، ينعقد بما ينعقد به البيع، وبلفظ السلم، والسلف، ويُعتبر
فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع:
أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَنَّى
فَاكْ تُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] ، ورَوَى سعيد بإسناده، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى

= ٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
عنهما أنه قال: ((أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله الله في كتابه،
وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية))، ولأن هذا اللفظ يَصلح للسلم، ويشمله بعمومه.
وأما السنة: فَرَوَى ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، عن رسول اللَّه ◌َلَّه أنهم قَدِمُوا
المدينة، وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: ((من أسلف في شيء، فليُسلِف
في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، مُتّفق عليه(١)، وروى البخاري عن محمد
بن أبي المجالد، قال: أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن شداد، إلى عبد الرحمن بن أبزى،
وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع رسول الله
وَالر، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب، فقلت:
أكان لهم زرع، أم لم يكن لهم زرع؟، قال: ما كنا نسألهم عن ذلك(٢).
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كُلُّ من نَحفظ عنه من أهل العلم، على أن
السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة
كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزروع، والثمار، والتجارات يحتاجون
إلى النفقة على أنفسهم، وعليها؛ لتكمل، وقد تُعوزهم النفقة، فجُوّز لهم السلم؛
ليرتفقوا، ويَرتفق الْمُسلِم بالاسترخاصِ. انتهى.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: السلم، والسلف عبارتان عن مُعَبَّر
واحد، غير أن الاسم الخاصّ بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يُقال على القرض،
والسلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، غير أنه مختصّ بشروط، منها
متّفقٌ عليها، ومنها مختلف فيها، وقد حدّه أصحابنا -يعني المالكيّة- بأن قالوا:
هو بيع معلوم في الذّمّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما في حكمها، إلى
أجل معلوم.
فتقييده بـ((معلوم في الذّمّة)): يفيد التحرّز من المجهول، ومن السلم في الأعيان
المعيّنة، مثل الذي كانوا يُسلفون في المدينة حين قدم عليهم النبيّ وَّر، فإنهم كانوا
يُسلفون في ثمار بأعيانها، فنهاهم النبيّ وَّ عن ذلك؛ لما فيه من الغرر؛ إذ قد تُخلف
تلك النخیل، فلا تُثمر شيئًا.
وقولنا: ((محصور بالصفة)): تحرّز عن المعلوم على الجملة، دون التفصيل، كما لو
أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يُبيّن نوعها، ولا صفتها المعيّنة.
وقولنا: ((بعين حاضرة)): تحرّز من الدين بالدين. وقولنا: ((أو ما هو في حكمها)):
تحرّز من اليومين، والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليها، فإنه يجوز عندنا
(١) هو الحديث الأتي للمصنف برقم ٦٣ / ٤٦١٨.
(٢) هو الحديث الذي أورد المصنف بعد هذا.

٧٧
٦١- (السَّلَمُ فِي الطَّعَام) - حديث رقم ٤٦١٦
تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير شرط؛ لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراط زيادة عليها .
وقولنا: ((إلى أجل معلوم)): تحرّز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهليّة،
يُسلمون إليه. انتهى ((المفهم)) ٥١٤/٤ .
وقوله: ((في ((الطعام)): المراد به هنا ما يعمّ البرّ وغيره، بدليل ما ذكره في الحديث،
وإن كان الطعام كثيرًا ما يُطلق على الحنطة، كما سبق بيان ذلك. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٤٦١٦- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي الْمُجَالِدِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى عَنِ السَّلَفِ؟، قَالَ: كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولٍ
اللّهِ ◌َِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالثَّمْرِ، إِلَى قَوْم لَا أَدْرِي أَعِنْدَهُمْ، أَمْ
لَا؟ ، وَابْنُ أَبْزَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/١٥.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤/٤.
٣- (شعبة) بن الحجاج البصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٤ / ٢٧.
٤- (عبد الله بن أبي المجالد) بالجيم - مولى عبد الله بن أبي أوفى رَّه، ويقال:
محمد بن أبي المجالد الكوفي، مولى عبد اللَّه بن أبي أوفى، ثقة [٥].
رَوَى عن مولاه، وعبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ووزّاد مولى
المغيرة، ومقسم. وعنه شعبة، وأبو إسحاق الشيباني، وإسماعيل السُّدّي، وغيرهم.
وقال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال ابن معين، وأبو
زرعة: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: يخطىء فيه شعبة، فيقول: محمد بن أبي
المجالد. وقال ابن حبان في ((الثقات)): عبد الله بن أبي المجالد، خَتَنُ مجاهد. وقد
سماه أيضا محمدًا أبو إسحاق الشيباني، كذا عند البخاري، وأبي داود، وأما شعبة،
فكان يشك في اسمه، ففي البخاري عن شعبة مرة: عبد الله، ومرة: محمد، ومرة عبد
الله، أو محمد، وكذلك أخرجه البخاري، وأبو داود جميعا عن حفص بن عمر، عن
شعبة، عن محمد، أو عبد الله بن أبي المجالد، وكذا روى النسائي - في الباب التالي-
عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي المجالد، قال:
وقال مرة: محمد. انتهى. رَوَى له البخاري، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله
عند البخاريّ، والمصنّف هذا الحديث فقط.
٥- (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ، صحابيّ شهد

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
الْحُديبية، وعُمّر بعد النبيّ وَّرِ دهرًا، ومات ◌َّه سنة (٨٧)، وهو آخر من مات
بالكوفة من الصحابة . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين سرخسيّ، وهو شيخه، وبصريين، وهما يحيى
وشعبة، وكوفيّين، وهما عبد الله بن أبي المجالد والصحابيّ. (ومنها): أن صحابيه آخر
من مات بالكوفة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ) تقدّم اختلاف الرواة في اسمه آنفًا، فلا تغفل، أنه
(قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِّي أَوْفَى) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ السَّلَفِ؟) أي عن حكم السلم،
هل يجوز إلى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة، أم لا؟، وسبب سؤاله عن ذلك
هو ما يأتي في الباب التالي، قال: تمارى أبو بردة، وعبد الله بن شداد في السلم،
فأرسلوني إلى ابن أبي أوفى، فسألته)) الحديث (قَالَ) ابن أبي أوفى رَّه (كُنَّا نُسْلِفُ)
بضم أوله، من الإسلاف، ويحتمل أن يكون من التسليف، يقال: أسلف، وسلّف
بتشديد اللام: بمعنى أسلم (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ، وَأَبِي بَكْرِ) الصدّيق ◌َّهِ
(وَعُمَرَ) بن الخطّابِ رَّهِ (فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، إِلَى قَوْمَ لَا أَذْرِي، أَعِنْدَهُمْ، أَمْ
لَا؟) أي لا أعلم هل المسلم فيه موجود وقت العقد، أم لا؟ (وَأَبْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة،
وسكون الموحّدة، بعدها زايٌ، مقصورًا- هو عبد الرحمن بن أبزى الْخُزاعيّ مولاهم،
صحابيّ صغيرٌ، وكان ◌َّه في عهد عمر تَظْلَّه رجلًا، وكان على خراسان لعليّ ◌َّه
، فقوله: ((وابن أبزى)) مبتدأ، خبره جملة قوله (قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وفي الراوية التالية:
((فسألت ابن أبزى؟ فقال مثل ذلك))،
وفي رواية البخاري من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي المجالد،
قال: بعثني عبد الله بن شداد، وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى، رضي اللَّه عنهما،
فقالا: سله هل كان أصحاب النبي وَّل، في عهد النبي وَّر، يُسلفون في الحنطة؟، قال
عبد اللَّه: كنا نُسلف نَبِيط أهل الشام، في الحنطة، والشعير، والزيت، في كيل معلوم
إلى أجل معلوم، قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم
بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى، فسألته، فقال: كان أصحاب النبي ◌َّر ، يُسلفون
على عهد النبي وَ ◌ّر، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا؟. انتهى.

٧٩
٦١- (السَّلَمُ فِي الطَّعَامِ) - حديث رقم ٤٦١٦
قوله: (نَبِيط أهل الشام)): وفي رواية سفيان: ((أنباط من أنباط الشام)): وهم قوم من
العرب، دخلوا في العجم والروم، واختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم، وكان الذين
اختلطوا بالعجم منهم، ينزلون البطائح بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم، ينزلون
في بوادي الشام، ويقال لهم: ((النَّبَط)) - بفتحتين-، و((النَّبِيط)) بفتح أوله، وكسر ثانيه،
وزيادة تحتانية، و((الأنباط))، قيل: سُمُّوا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء: أي استخراجه؛
لكثرة معالجتهم الفلاحة.
وقوله: ((إلى من كان أصله عنده)): المراد ما أسلم فيه. وقيل: المراد بالأصل أصل
الشيء الذي يسلم فيه، فأصل الحب مثلا الزرع، وأصل الثمر مثلا الشجر.
وقوله: ((ما كنا نسألهم عن ذلك)): كأنه استفاد الحكم من عدم الاستفصال، وتقرير
النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. قاله في ((الفتح)) ١٨٥/٥. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عبد الله بن أبي أوفى رَمّه هذا أخرجه البخاريّ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦١/ ٤٦١٦ و٤٦١٧/٦٢ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٠٧/٦٢ و٦٣ /٦٢٠٨ .
وأخرجه (خ) في ((السلم)) ٢٢٤٣ (د) في ((البيوع)) ٣٤٦٤ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٨٢
(أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٦٤٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز السلم في الطعام.
(ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة السلم، إذا لم يذكر مكان القبض، وهو قول أحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال مالك، وزاد: ويقبضه في مكان السلم، فإن اختلفا
فالقول قول البائع. وقال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز السلم فيما له حَمْل
ومُؤنة، إلا أن يشترط في تسليمه مكانا معلوما.
(ومنها): أنه استُدِلَ به أيضًا على جواز السلم، فيما ليس موجودا في وقت السلم،
إذا أمكن وجوده في وقت حلول السلم، وهو قول الجمهور، ولا يضر انقطاعه قبل
المحل، وبعده عندهم. وقال أبو حنيفة: لا يصح فيما ينقطع قبله، ولو أسلم فيما يَعُمّ،
فانقطع في محله، لم ينفسخ البيع عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ.
(ومنها): أنه استدل به أيضًا على جواز التفرق في السلم قبل القبض؛ لكونه لم يُذكر

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
في الحديث، وهو قول مالك، إن كان بغير شرط. وقال الشافعي، والكوفيون: يفسد
بالافتراق قبل القبض؛ لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين.
(ومنها): جواز مبايعة أهل الذمة، والسلم إليهم. (ومنها): رجوع المختلفين عند
التنازع إلى السنة، والاحتجاج بتقرير النبي ◌َّله، وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم، كان
أصلا برأسه، لا يضره مخالفة أصل آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٦٢- (السَّلَمُ فِي الزَّبِيبِ)
٤٦١٧- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ، وَقَالَ مَرَّةً: عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ مَرَّةَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: تَمَارَى أَبُو بُرْدَةَ،
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فِي السَّلَمِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: ((كُنَّا نُسْلِمُ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهَ، وَّعَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ،
وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، إِلَى قَوْمٍ، مَا نُرَى عِنْدَهُمْ، وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ.
وقوله: ((وقال مرّة)) القائل: هو شعبة، يعني أنه كان يتردّد في ابن أبي المجالد،
والصحيح
-كما تقدّم- أنه عبد الله.
وقوله: ((تمارى أبو بُردة، وعبد الله بن شدّاد)): أي تخاصم، وتجادل. و((أبو بُردة)):
ابن أبي موسى الأشعريّ، اختُلف في اسمه، فقيل: عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣]
٣/٣ .
و((عبدالله بن شدّاد)): هو ابن الهاد الليثيّ أبو الوليد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ وَّ،
وذكره العجليّ، من كبار التابعين الثقات، وكان معدودًا في الفقهاء، مات بالكوفة
مقتولًا سنة (٨١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٤٤ /٧٣٨ .
وقوله: ((ما نرى)) بفتح النون: أي ما نعلم وجود المسلم فيه عندهم. ويحتمل أن