Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٥٥- (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٦٠٢ مسعر: وأظنه قال: ((أو عَلَفًا)) وهو بفتح المهملة، واللام، والفاء. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَّا يَبِيَعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ))، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَحْسَبُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيحَ، وقد تقدّموا غير مرّة. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((معمر)): هو ابن راشد الصنعانيّ. وقوله: ((فأحسب أن كلّ شيء بمنزلة الطعام))، وفي رواية البخاريّ: ((ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله)). وهذا من تفقه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، ومال ابن المنذر إلى اختصاص ذلك بالطعام، واحتجّ باتفاقهم على أن من اشترى عبدًا، فأعتقه قبل قبضه أن عتقه جائز، قال: فالبيع كذلك. وتعقب بالفارق، وهو تشوف الشارع إلى العتق. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وقد تقدّم ترجيح إطلاق المنع، في المسألة الرابعة، في شرح حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما الماضي، فلا تغفل. وفي رواية للبخاريّ من طريق وُهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن رسول اللَّه وَ ل نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه))، قلت لابن عبّاس: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدارهم، والطعام مرجأ). قال في ((الفتح)) ٨١/٥: معناه: أنه استفهام عن سبب هذا النهى، فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض، وتأخر المبيع في يد البائع، فكأنه باعه دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان، عن ابن طاوس عند مسلم، قال طاوس: قلت لابن عباس : لِمَ؟ قال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعامُ مرجأ: أي فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام لأخر بمائة وعشرين دينارا، وقبضها والطعام في يد البائع، فكأنه باعه مائة دينار بمائة وعشرين دينارا، وعلى هذا التفسير لا يختص النهي بالطعام، ولذلك قال ابن عباس: ((لا أحسب كل شيء إلا مثله))، ويؤيده حديث زيد بن ثابت ◌َّه: نهى رسول اللَّهُ وَّ أن تباع السِّلَعُ حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم))، أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث حجة على عثمان البّيّ، حيث أجاز ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بيع كل شيء قبل قبضه. وقد أخذ بظاهرها مالك، فحمل الطعام على عمومه، وألحق بالشراء جميع المعاوضات، وألحق الشافعي، وابن حبيب، وسحنون بالطعام كل ما فيه حق توفية، وزاد أبو حنيفة، والشافعي فعدياه إلى كل مُشترَى، إلا أن أبا حنيفة استثنى العقار، ومالا ينقل، واحتج الشافعي بحديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((نهى النبي ◌َّل عن ربح ما لم يُضمَن))، أخرجه الترمذي. وفي معناه حديث حكيم بن حزام المتقدّم. وفي صفة القبض عن الشافعي تفصيل: فما يُتناول باليد، كالدراهم والدنانير والثوب، فقبضه بالتناول، ومالا يُنقل كالعقار والثمر على الشجر، فقبضه بالتخلية، وما ينقل في العادة، كالأخشاب، والحبوب والحيوان، فقبضه بالنقل إلى مكان، لا اختصاص للبائع به، وفيه قولُ أنه يكتفي فيه بالتخلية. انتهى عبارة ((الفتح)) ٨٣/٥. وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في شرح حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما في أول الباب، فارجع إليه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٣- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنَ عَبَدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَنْفِيٍّ، عُنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَبَعْ طَعَامًا حَتَّى تَشْتَرِيَهُ، وَتَسْتَوْفِيَهُ))). رجالَ هذا الإسناد: سبعة: ١- (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ ثقة [١١] ٥١/ : ٦٤ . ٢- (حجاج بن محمد) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره [٩] ٣٢/٢٨ . ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٣٢/٢٨ . ٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ١١٢/ ١٥٤ . ٥- (صفوان بن موهب) الحجازيّ، مقبول [٦]. روى عن عبد الله بن عِصْمة الْجُشَميّ، وعبد الله بن محمد بن صَيفيّ، ومسلم بن عَقيل بن أبي طالب. وعنه عطاء بن أبي رَبَاح، وعمرو بن دينار. ذكره ابن حبّان في ٤٣ ٥٥- (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٦٠٣ ((الثقات))، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦- (عبد الله بن محمد بن صَيْفيّ) المخزوميّ، مقبول [٣]. روى عن حكيم بن حزام، وعنه صفوان بن موهب، ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط . ٧- (حكيم بن حزام) - بكسر المهملة - ابن خُويلد بن أسد بن عبد العزى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنهما، أسلم يوم الفتح، وصحب النبيّ ◌َّر، وله (٧٤) سنة، ثم عاش بعده إلى سنة (٥٤) أو بعدها رَمواليه. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصيصيان. (ومنها): أن رواية عطاء عن صفوان من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن عطاء من الطبقة الثالثة، وصفوان من الطبقة السادسة. (ومنها): أن صحابيه من المعمرين، عاش (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام، وولد في جوف الكعبة، ولم يُسمع هذا لغيره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّر: ((لَا تَبعْ طَعَامًا حَتَّى تَشْتَرِيَهُ) أيّ حتى تملكه، فهو بمعنى حديثه الآخر: (نهاني رسول اللّه وَّ عن بيع ما ليس عندي))، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيح، وحديثه الآتي ٦٠/ ٤٦١٥- بسند صحيح: قال: سألت النبي وَّ، فقلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل، فيسألني البيع، ليس عندي أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق؟، قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (وَتَسْتَوْفِيَهُ) أي تقبضه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا ٥٥/ ٤٦٠٣ و ٤٦٠٤ و٤٦٠٥- وفي ((الكبرى)) ٦١٩٤/٥٦ و٦١٩٥ و٦١٩٦. [فإن قيل]: هذا الحديث في سنده صفوان بن موهب، وعبد الله بن محمد بن صيفي، وهما مقبولان، فكيف يصح؟ [أجيب]: بأنه إنما صح بمجموع الطرق المذكورة في الباب. والله تعالى أعلم. ومحلّ الترجمة من الحديث قوله: ((وتستوفيه))، فهو بمعنى قوله: ((حتى تقبضه))، وقد ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، وأما قوله: ((لا تبع طعامًا حتى تشتريه))، فسيأتي البحث عنه بعد أربعة أبواب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٤- (أَخَبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ذَلِكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِضْمَةَ الْجُشَمِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد هو المذكور قبله، غير: ١- (عبد الله بن عصمة الْجُشَميّ) بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة الحجازيّ مقبول [٣]. روى عن حكيم بن حزام، وعنه عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك، وصفوان ابن موهب المكّتون. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن حزم: متروك، وتلقى ذلك عنه عبد الحقّ، فقال: ضعيف جدّا. وقال ابن القطّان: بل هو مجهول الحال. وقال الحافظ العراقيّ: لا أعلم أحدًا من أئمة الجرح والتعديل تكلّم فيه، بل ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٥- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ حِزَام بْنِ حَكِيم، قَالَ: قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: ((ابْتَعْتُ طَعَامًا، مِنْ طَعَامِ الصَّدَقَةِ، فَرَبِحْتُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ أَقْبِّضَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((سليمان بن منصور)): هو البلخي البزّاز الدُّهنيّ الْجَزْميّ، الملقّب زَرْغَنْدَه، لا بأس به [١٠] ٧٥/٦٠ من أفراد المصنّف. و((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و((عبد العزيز بن رُفيع)): هو أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧. و((حزام بن حكيم)) بن حزام بن خُويلد الأسديّ القرشيّ، حجازيّ مقبول [٣]. روى عن أبيه، وعنه عطاء بن أبي رباح، وزيد بن رُفيع، ذكره ابن حبّان في (الثقات))، تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٥ ٥٦- (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا اشْتُرُيَ مِنَ ... - حديث رقم ٤٦٠٦ ٥٦- (النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا اشْتُرِيَ مِنَ الطَّعَامِ بِكَيْلِ حَتَّى يُسْتَوْفَى) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((اشتُري)) بالبناء للمجهول، وكذا قوله: (يُستوفَى)): أي يُقبض. الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى أراد بالاستيفاء هنا الاستيفاء كيلاً، فهو أمر زائد على معنى القبض المذكور في الباب الماضي، فيكون هذا أخصّ منه، فإذا اشترى طعامًا كيلاً، فلا يكفي مجرد القبض، بل لا بدّ من استيفائه كيلًا، فلا يجوز أن يبيعه إلا بعد قبضه كيلاً، وهو معنى حديث جابر نَظ ◌ّه: ((نهى رسول اللّه ◌َلّر عن بيع الطعام حتى تجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري))، ونحوه للبزّار من حديث أبي هريرة ◌َّله ، قال الحافظ: بإسناد حسن. وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئا مكايلة، أو موازنة، فقبضه جزافا فقبضه فاسد، وكذا لو اشتری مکایلة، فقبضه موازنة وبالعكس، ومن اشترى مكايلة وقبضه، ثم باعه لغيره، لم يجز تسليمه بالكيل الأول، حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، وبذلك كله قال الجمهور، وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا، وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة، لم يجز بالأول، والأحاديث المذكورة ترد عليه. قاله في ((الفتح)) ٨٤/٥-٨٥ . والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٠٦ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَِّيَّ وَّةِ، نَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامًا، اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سليمان بن داود)): هو الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن سعد، ثقة [١١] ٧٩/٦٣. و((ابن وهب)): هو عبد الله. و((عمروبن الحارث)): هو أبو يوب المصريّ الثقة الثبت. و((المنذر بن عُبيد)): هو المدنيّ، مقبول [٦] ٢٢١٤/٤٢ من أفراد المصنّف. و((القاسم بن محمد)): هو ابن أبي بكر الصدّيق المدنيّ، هو أحد الفقهاء السبعة. وقوله: ((اشتراه بكيل)) خرج مخرج الغالب المعتاد، فلا مفهوم له، فلا يخالف الأحاديث الماضية، وأحاديث الجِزاف الآتية. == ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في أول أحاديث الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥٧- (بَيْعُ مَا يُشْتَرَى مِنَ الطَّعَام جِزَافًا قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ مَكَانِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بيان حكم بيع ما يُشترى من الطعام بدون كيل قبل نقله من مكانه، وهو المنع؛ ف(بيع)) مضاف إلى ((ما يُشترى)) من إضافة المصدر إلى مفعوله، و((يُشترى)) مبنيٌّ للمفعول، وكذا قوله: ((يُنقل)). وقوله: ((جِزافًا)): قال المجد: ((الْجِزَاف))، و((الْجِزَافَةُ)) - مثلْثتين، و((الْمُجَازِفة)»: الْحَدْسُ في البيع والشراء، مُعَرَّبُ ((كزاف))، وبيعٌ جزافٌ مثلثةً، وجَزِيفٌ، كأمير. انتهى ((قاموس)). وقال ابن الأثير: ((الْجَزْفُ)) و((الجزاف)): المجهول القدر، مكيلًا كان، أو موزونًا. انتهى ((النهاية)) ٢٦٩/١. وقال الفيوميّ: ((الجزاف)»: بيع الشيء، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، وهو اسم من جازف مُجازفةً، من باب قاتل، والْجُزاف بالضمّ خارجٌ عن القياس، وهو فارسيّ تعريب (كُزاف))، ومن ثمّ قيل: أصل الكلمة دَخِيلٌ في العربيّة. قال ابن القطّاع: جَزَف في الكيل جَزْفًا: أكثر منه، ومنه الجِزاف، والمجازفة في البيع، وهو المساهلة، والكلمة دَخِيلة في العربيّة، ويؤيّده قول ابن فارس)) الْجَزْفُ: الأخذُ بكثرة، كلمة فارسيّةٌ، ويقال لمن يُرسل كلامه إرسالًا من غير قانون: جازف في كلامه، فأُقيم نُهجُ الصواب مُقام الكيل، والوزن. انتهى. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله في ((صحيحه)) بقوله: ((باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، والأدب في ذلك)): قال في ((الفتح)) ٥٪ ٨٤ -: أي تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك - يعني المذكور في الباب- وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف، ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول، فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر ٤٧ ٥٧- (بَيْعُ مَا يُشْتَرَى مِنَ الطَّعَامِ جِزَافاً ... - حديث رقم ٤٦٠٧ عن ابن عمر، مرفوعا، أخرجه أبو داود، وأما الثاني؛ فلأن الإيواء إلى الرحال، خرج مخرج الغالب، وفي بعض طرق حديث ابن عمر عند مسلم، والنسائيّ: ((كنا نبتاع الطعام، فيَبعَث إلينا رسول اللّه وَلَّ مَن يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه، إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه)). وفرّق مالك في المشهور عنه، بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، واحتُجّ لهم بأن الْجَزّاف مربي، فتكفى فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. انتهى. والله تعالى أعلم. ٤٦٠٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَاً مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ، مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَا فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم في الباب الماضي. وهو أصح أسانيد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقيل: أصح الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل ذلك عن البخاريّ رحمه اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، نَبْتَاعُ الطَّعَامَ) أي جزافًا، بدليل الروايات الآتية. قال ابن حزم: جمهور الرواة عن مالك لهذا الحديث في ((الموطّا)) وغيره ذكروا فيه عنه الجزاف، كما ذكره عبيد اللَّه، عن نافع، والزهريّ عن سالم، وإنما أسقط ذكره القعنبيّ، ويحيى فقط، توهّمًا فيه؛ لأنه خبر واحد. انتهى. وتعقّبه وليّ الدين، فقال وفيه نظر، فقد قال ابن عبد البرّ: لم يُختلف على مالك فيه، ولم يقل: جزافًا. انتهى ((طرح التثريب)) ١٥٥٢/٥. والحاصل أن ذكر الجزاف ثابت في غير رواية مالك، فسيأتي في هذا الباب من روية عبيد الله، عن نافع، والزهريّ، عن سالم. والله تعالى أعلم (فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير رسول اللَّه وَّل، ويحتمل أن يكون مبنيّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله (مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ) هكذا رواية المصنّف في ((المجتبى))، وفي ((الكبرى))، وهو مشكلٌ؛ لأن ((انتقل)) لازم، وإنما المتعدّي نقل الثلاثيّ، قال في ((المصباح)): نقلته نقلًا، من باب قتل: حوّلته من موضع إلى موضع، وانتقل: تحوّل، والاسم النُّقلة، ونقلته بالتشديد مبالغةٌ وتكثيرٌ. انتهى. وفي ٤٨ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ((القاموس)): نقله: حوّله، فانتقل، والثّقْلةُ بالضمّ: الانتقال. انتهى، ولعلّه أطلق الانتقال على النقل مجازًا، من إطلاق المسبّب على السبب. والله تعالى أعلم. (مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَا فِيهِ) أي اشتريناه (إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ) أي غير مكان الشراء (قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ) أي ليتمّ القبض على آكد الوجوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه قبل باب، والكلام هنا على ما يتعلق بهذا الباب فقط، وفيه مسائل : (المسألة الأولى): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان حكم ما يُشترى من الطعام جزافًا قبل نقله من مكانه، وهو المنع، فلا يجوز أن يبيعه إلا بعد قبضه، ونقله من محل الشراء إلى محلّ آخر، وفيه خلاف للعلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه جواز بيع الصبرة جزافا، سواءٌ عَلِم البائع قدرها، أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم لم يصح، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه مشروعيةً تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة؛ لقوله في الرواية الآتية: ((رأيت الناس يُضربون على عهد رسول اللّه ◌َ لهول إذا اشتروا الطعام جزافًا، أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم)). (ومنها): إقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك. (ومنها): ما قاله السيوطيّ رحمه اللّه تعالى: هذا أصل إقامة المحتسب على أهل السوق. (ومنها): أن هذا أصلّ في ضرب المحتسب أهل الأسواق إذا خالفوا الحكم الشرعيّ في مبايعتهم، ومعاملاتهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في جواز بيع الصبرة جزافًا : قال الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: يجوز بيع الصبرة جزافا، مع جهل البائع والمشتري بقدرها، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافا، وقد نص عليه أحمد، ودل عليه قول ابن عمر: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول اللَّه وَلّ، أن نبيعه حتى ننقله من مكانه))، مُتّفقٌ عليه، ولأنه معلوم بالرؤية، فصح بيعه كالثياب والحيوان، ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة، فإن ذلك يشق؛ لكون الحب بعضه على بعض، ولا يمكن بسطها حبة حبة، ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في = ٤٩ ٥٧- (بَيْعُ مَا يُشْتَرَى مِنَ الطَّعَام جِزَافاً ... - حديث رقم ٤٦٠٧ الظاهر، فاكتُفي برؤية ظاهره بخلاف الثوب، فإن نشره لا يَشُقّ، ولم تختلف أجزاؤه، ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة؛ لأنه عَلِمَ ما اشترى بأبلغ الطرق، وهو الرؤية، وكذلك لو قال: بعتك نصف هذه الصبرة، أو ثلثها، أو جزءا منها معلوما جاز؛ لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه، كالحيوان، ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة، فكذلك جزؤها، قال ابن عقيل: ولا يصح هذا، إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء، فإن كانت مختلفة، مثل صبرة بَقّال القرية لم يصح، ويحتمل أن يصح؛ لأنه يشتري منها جزءا مشاعا، فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه . ولا فرق بين الأثمان والْمُثْمَنات في صحة بيعها جزافا، وقال مالك: لا يجوز في الأثمان؛ لأن لها خطرا، ولا يشق وزنها ولا عددها، فأشبه الرقيق والثياب، ولنا أنه معلوم بالمشاهدة، فأشبه المثمنات، والنقرةَ والْحَلْيَ، ويبطل بذلك ما قاله، أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم، ولم يَعُدّهم، وكذلك الثياب إذا نشرها، ورأى جميع أجزائها. انتهى «المغني)) ٦/ ٢٠١- ٢٠٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع ما اشتُري جزافًا قبل نقله من مکانه : قال الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: إذا اشترى الصبرة جزافا، لم يجز له بيعها حتى ينقلها، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وعنه رواية أخرى، له بيعها قبل نقلها، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك؛ لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية، فأشبه الثوب الحاضر. ولنا قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول اللَّه ◌َ ◌ّر أن نبيعه حتى ننقله من مكانه))، وعموم قوله وَله : ((من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه))، متّفقٌ عليه، مع ما ذكرنا من الأخبار، ورَوَى الأثرم بإسناده عن عُبيد بن حنين، قال قدم زيتٌ، من الشام فاشتريت منه أبعرة، وفرغت من شرائها، فقام إليّ رجل، فأربحني فيها ربحا، فبسطت يدي لأبايعه، فإذا رجل يأخذني من خلفي، فنظرت فإذا زيد بن ثابت رَّيه ، فقال: لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك؛ فإن رسول اللَّه ◌َ ل أمرنا بذلك(١). فإذا تقرر هذا، فإن قبضها نقلها، كما جاء في الخبر، ولأن القبض لو لم يعين في الشرع، لوجب رده إلى العرف، كما قلنا في الإحياء، والإحراز، والعادةُ في قبض الصبرة النقل. انتهى. ((المغني)) ٢٠١/٦- ٢٠٢. (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) رقم ٣٤٩٩ وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه صحيح بشواهده، كما سبق الكلام فيه . شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب منع بيع المشترى جزافًا، حتى يتمّ القبض بنقله من مكانه إلى مكان آخر؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه] : لا يحل لبائع الصبرة أن يَغُشّها بأن يجعلها على دَكّة، أو رَبْوَة، أو حجر ينقصها، أو يجعل الرديء في باطنها، أو المبلول، ونحو ذلك؛ لما رَوَى أبو هريرة رَوّيهِ أن رسول اللّه ◌َ لّ مَرّ على صبرة من طعام، فأدخل يده، فنالت أصابعه بللا، فقال: ((يا صاحب الطعام ما هذا؟)) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام، حتى يراه الناس؟))، ثم قال: ((من غشنا فليس منا))، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. فإذا وُجد ذلك ولم يكن المشتري علم به، فله الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما؛ لأنه عيب، وإن بان تحتها حُفْرة، أو بان باطنها خيرا من ظاهرها، فلا خيار للمشتري؛ لأنه زيادة له، وإن علم البائع ذلك، فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة به، وإن لم يكن علم فله الفسخ، كما لو باع بعشرين درهما، فوزنها بصّنْجَة، ثم وجد الصنجة زائدة، كان له الرجوع، وكذلك لو باع بمكيال، ثم وجده زائدا، ويحتمل أنه لا خيار له؛ لأن الظاهر أنه باع ما يعلم، فلا يثبت له الفسخ بالإحتمال. انتهى ((المغني)) ٢٠٣/٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٨- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَّهُمْ كَانُوا يَبْتَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، فِي أَعْلَى السُّوقِ جُزَافًا، فَتَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَثْقُلُوهُ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و(يحيى)): هو القطّان. و((عُبيد الله)): هو ابن عمر العمريّ. وقوله: ((يبتاعون)): أي يشترون. وفيه أن التلقّي في أعلى السوق من تلقّي الركبان الذي ورد النهي عنه، وبذلك جمع الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى بين أحاديث النهي عن تلقّي البيوع، وبين هذا الحديث، حيث قال: ((باب منتهى التلقّي))، ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا. قال في ((الفتح))-١١٥/٥-١١٦: قوله: ((باب منتهى التلقي)): أي وابتدائه، وقد ذكرنا أن الظاهر أنه لا حد لانتهائه من جهة الجالب، وأما من جهة المتلقي، فقد أشار المصنف ٥٧- (بَيْعُ مَا يُشْتَرَى مِنَ الطَّعَام جِزَافاً ... - حديث رقم ٤٦٠٩ ٥١ بهذه الترجمة إلى أن ابتداءه الخروج من السوق؛ أخذًا من قول الصحابي: ((إنهم كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبي ◌َّ أن يبيعوه في مكانه، حتى ينقلوه))، ولم ينههم عن التبايع في أعلى السوق، فدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق، ولم يخرج من البلد، فقد صرح الشافعية بأنه لا يدخل في النهي، وحدَّ ابتداء التلقي عندهم الخروج من البلد، والمعنى فيه: أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا، كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد، وإسحاق، وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق، ولو على باب البيت، حتى تدخل السلعة السوق. انتهى. ثم أورد البخاريّ حديث ابن عمر من طريق جُويرية عن نافع، بلفظ: ((كنا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ ◌َّر أن نبيعه حتى يُبلغ به سوق الطعام))، ثم قال: قال أبو عبد اللَّه: هذا في أعلى السوق، ويُبيّنه حديث عُبيد الله، ثم ساق طريق عبيد اللّه، عن نافع، بلفظ: ((كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول اللّه ◌َ ل أن يبيعوه حتى ينقلوه)). وقوله: قال أبو عبد الله: ((هذا في أعلى السوق)) أي حديث جويرية، عن نافع، بلفظ: ((كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام)، الحدیث، قال: وبينه حدیث عبيد الله بن عمر يعني عن نافع أي حيث قال كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق الحديث مثله وأراد البخاري بذلك الرد على من استدل به على جواز تلقي الركبان؛ لإطلاق قول ابن عمر: ((كنا نتلقى الركبان)»، ولا دلالة فيه؛ لأن معناه إنهم كانوا يتلقونهم في أعلى السوق كما في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقد صرح مالك في روايته عن نافع، بقوله: ((ولا تَلَقَّوُا السلع حتى يُهُبَط بها السوقُ))، فدلّ على أن التلقي الذي لم يُنهَ عنه إنما هو ما بلغ السوق، والحديث يفسر بعضه بعضا، وادَّعَى الطحاوي التعارضَ في هاتين الروايتين، وجمع بينهما بوقوع الضرر لأصحاب السلع وعدمه، قال: فيُحمل حديث النهي على ما إذا حصل الضرر، وحديث الإباحة على ما إذا لم يحصل. قال الحافظ: ولا يخفى رجحان الجمع الذي جمع به البخاري. انتهى. ((فتح)) ١١٥/٥-١١٦ وهو بحث نفس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٠٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: ((أَنُهُمْ كَانُوا يَيْتَاعُونَ الطَّعَامَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِنَ الرُّكْبَانِ، فَتَهَاهُمْ أَنْ يَبِيعُوا فِي مَكَانِهِمِ ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الَّذِي ابْتَاعُوا فِيهِ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ إِلَى سُوقِ الطَّعَام))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده، وهو أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ٢٩٤٤/١٥٢. و((محمد بن عبد الرحمن)): هو ابن غَنَج - بفتح المعجمة، والنون، بعدها جيم- المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧] ٣٩٥٧/٣. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦١٠- (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّاسَ يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ بِهِ إِذَا اشْتَرَوُا الطَّعَامَ جُزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((يزيد)): هو ابن زُريع. و((شيخ المصنّف)): هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: ((رأيت الناس يُضربون الخ)) بالبناء للمجهول، ويُستفاد منه جواز تأديب من خالف الأمر الشرعيّ، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعيّة إقامة المحتسب في الأسواق. قاله في ((الفتح)) ١٤ / ١٥٥. ((كتاب الحدود)) رقم ٦٨٥٣. وقال النوويّ: هذا دليلٌ على أن وليّ الأمر يعزّر من تعاطى بيعًا فاسدًا، ويعزّره بالضرب وغيره، مما يراه من العقوبات في البدن على ما تقرّر في كتب الفقه. انتهى. ((شرح مسلم)) ١٠ / ٤١١-٤١٢ . وقوله: ((أن يبيعوه)): أي لبيعه، أو على بيعه، والمراد بيعه قبل قبضه. [تنبيه]: أخرج مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) ٣/ ١١٦٢ قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، حدثنا الضحاك ابن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا، فقال مروان: ما فعلت، فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك، وقد نهى رسول اللَّه وَ الله عن بيع الطعام، حتى يُستَوفَى، قال: فخطب مروان الناس، فنهى عن بيعها، قال سليمان: فنظرت إلى حَرَس يأخذونها من أيدي الناس. قال النوويّ في ((شرحه)): قوله: ((قال أبو هريرة لمروان: أحللت بيع الصكاك الخ)): الصكاك جمع صَكّ، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضا على صكوك، والمراد هنا الورقة التى تخرج من وليّ الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا، من ٥٣ ٥٨- (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى ... - حديث رقم ٤٦١١ طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك الإنسان قبل أن يقبضه. وقد اختلف العلماء في ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم: جواز بيعها، والثانى: منعها، فمن منعها أخذ بظاهر قول أبى هريرة تَظمي ، وبحجته، ومن أجازها تأول قضية أبى هريرة، على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول؛ لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكا مستقرا، وليس هو بمشتر، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قال القاضي عياض بعد أن تأوله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فرده عليه، وقال لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفیه. انتهى. هذا تمام الحديث في ((الموطا))، وكذا جاء الحديث مفسرا في ((الموطا)) أن صكوكا خرجت للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك الصكوك، قبل أن يستوفوها، وفي ((الموطا))، ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام رَظوفيه ابتاع طعاما أَمر به عمرُ بن الخطاب رضي اللّه عنه، فباع حكيم الطعام الذى اشتراه قبل قبضه. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤١٢. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ رحمه الله تعالى وغيره لأثر أبي هريرة رَّهِ المذكور حسنٌ جدًّا، يشهد له ما مرّ آنفًا عن «الموطّا)). والله تعالى أعلم. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٥٨- (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى أَجَلِ، وَيَسْتَرْهِنُ الْبَائِعُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ رَهْنَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الرهن)) -بفتح أوله وسكون الهاء- في اللغة: الاحتباس، من قولهم: رَهَنَ الشيءُ من باب قعد: إذا دام، وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا ـ= ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع كَبَتْ رَهِينَةُ﴾ الآية [المدثّر: ٣٨]، وفي الشرع: جعلُ مال وثيقة على دين، ويطلق أيضا على العين المرهونة؛ تسميةً للمفعول باسم المصدر، وأما الرُّهُن بضمتين، فجمع رَهن، كفلس وفُلُوس، ويجمع أيضا على رِهان بكسر الراء، ككتب وكتاب، وقُرئ بهما. أفاده في (الفتح)) ٤٣٨/٥. وقال في ((المغني)): ((الرهن)) في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن: أي راكد، ونعمة راهنة: أي ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ أَقْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةٌ"﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال الشاعر [من البسيط] : وَفَارَقَتْكِ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شبَة لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيُبقيه عنده، ولا يفارقه، وغَلَقُ الرهن: استحقاق المرتهن إياه؛ لعجز الراهن عن فكاكه. والرهن في الشرع: المال الذي يُجعل وثيقة بالدين؛ ليُستَوفَى من ثمنه، إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَدْنٌ مَّفْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، وتُقرأ ﴿فَرُهُن﴾ والرهان جمع رهن، والرُّهُن جمع الجمع، قاله الفراء. وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رَهْن، مثل سقف وسقف. وأما السنة: فروت عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول اللَّه ◌َالله اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعه)) متفق عليه، ورَوَى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالى: ((الظهر يُركب بنفقته، إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته، إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب، ويشرب النفقة))، رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول اللَّه وَ لَه قال: ((لا يَغْلَقُ الرهنُ))(١). وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. انتهى ((المغني)) ٦/ ٤٤٣-٤٤٤. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦١١- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: ((اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ بَهُ مِنْ يُهُودِيَّ طَّعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ). (١) رواه ابن ماجه ٨١٦/٢ وهو ضعيف، في سند محمد بن حميد الرازيّ ضعفه الجمهور، وشيخه سيء الحفظ . ٥٥ ٥٨- (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى ... - حديث رقم ٤٦١١ رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ١١٥/٩٣. ٢- (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه، تغير قليلًا في الآخر [٨] ١٠٥/٨٦. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الثبت الكوفيّ، يدلس [٥] ١٧/ ١٨ . ٤- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣ . ٥- (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مخضرم فقيه [٢] ٣٣/٢٩ . ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فإنه مِصّيصيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وأن الأسود خال لإبراهيم، فإن أمه هي مُليكة بنت يزيد أخت الأسود. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد الواحد عن الأعمش، قال: ((ذكرنا عند إبراهيم الرهن في السلم، فقال: حدّثني الأسود، عن عائشة رضي اللّه عنها)»، فذكره (عَنِ الْأَسْوَدِ) بن يزيد النخعيّ (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتِ: ((اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ) هذا اليهودي: هو أبو الشَّخْم، بَيّنه الشافعي، ثم البيهقي، من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه: ((أن النبي ◌ُّ، رهن درعا له، عند أبي الشحم اليهودي، رجل من بني ظَفَر في شعير)). انتهى. و((أبو الشّخْم)) - بفتح المعجمة وسكون المهملة -: اسمه كنيته، و((ظَفَر)) - بفتح الظاء والفاء- بطن من الأوس، وكان حليفا لهم. وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة، وموحّدة مكسورة، اسم فاعل من الإباء، وكأنه التبس عليه بـ((أبي اللحم)) الصحابي المشهور. ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ رَاليه: (طَعَامًا) المراد به هنا الشعير؛ لما يأتي في الباب التالي، من حديث أنس ((ولقد رهن درعًا له، عند يهوديّ بالمدينة، وأخذ منه شعيرًا لأهله)). وكان قدر الشعير المذكور ثلاثين صاعا، كما هو عند البخاريّ من حديث عائشة في ((الجهاد))، وأواخر ((المغازي))، وكذلك رواه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، والطبراني وغيرهم من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي، من هذا الوجه، فقال: ((بعشرین)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولعله كان دون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وأُلغي أخرى، ووقع لابن حبان من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس: أن قيمة الطعام كانت دينارا، وزاد أحمد من طريق شيبان في آخره: ((فما وجد ما يفتكّها به حتى مات)). (إِلَى أَجَلٍ) قد تبيّن مدة الأجل عند ابن حبّان في «صحيحه)) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: أنه سنة (وَرَهَنَّهُ دِرْعَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((ورهنه درعًا من حديد)). وهو -بكسر الدال المهملة، وسكون الراء- قال الفيّوميّ: درع الحديد مؤنّثة في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير هاء على غير قياس، وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أدرُعٌ، ودُرُوعٌ، وأَذراعٌ. قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيَّةُ. انتهى. واستدل به على جواز بيع السلاح من الكافر، ووقع عند البخاريّ في أواخر ((المغازي)) من طريق الثوري، عن الأعمش، بلفظ: ((تُوفّي رسول اللّه وَّرَ، ودرعه مرهونة))، وفي حديث أنس، عند أحمد: ((فما وجد ما يَفتَكَّها به)). وفيه دليل على أن المراد بقوله وَ لقوله في حديث أبي هريرة ◌َظنّه: ((نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يُقضَى عنه))، وهو حديث صححه ابن حبان وغيره، محله في غير نفس الأنبياء، فإنها لا تكون معلقة بدين، فهي خصوصية، أو لمن لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء، واليه جنح الماوردي. وذكر ابن الطلاع في ((الأقضية النبوية)): أن أبا بكر افْتَكّ الدرع بعد النبي ◌َّ. لكن رَوَى ابن سعد عن جابر تَّه أن أبا بكر رَظْيُ قضى عِدَات النبي ◌َِّ، وأن عليا قضى ديونه. وروى إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن الشعبي، مرسلا أن أبا بكر اقْتَكّ الدرع، وسلمها لعلي بن أبي طالب. وأما من أجاب بأنه وَّر افتكها قبل موته، فمعارض بحديث عائشة رضي الله عنها المذكور. أفاده في ((الفتح)) ٤٤١/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٥٧ ٥٨- (الرَّجُلُ يَشْتَرِي الطَّعَامَ إِلَى ... - حديث رقم ٤٦١١ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٨ / ٤٦١١ و٤٦٥٢/٨٣- وفي ((الكبرى)) ٦٢٠٢/٥٩ و٦٢٤٦/٨٤. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٦٨ (م) في ((البيوع)) ١٦٠٣ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٣٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٧٤٦ و٢٥٤٠٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الرهن عند الشراء إلى أجل. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه من الفقه جواز أخذ الدين عند الحاجة، وجواز الاستيثاق بالرهن، والكفالة في الدين والسلم، وقد منع الرهن في السلم زُفرُ، والأوزاعيّ، وهذا الحديث أعني حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حجة عليهم؛ إذ لا فرق بين الدين والسلم، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. انتهى ((المفهم)) ٤ /٥١٨. (ومنها): جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: فيه دليلٌ على جواز معاملة أهل الذمّة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، ويأكلون الربا؛ لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك، لا يُقرّ على ذلك، ولا يُترك بيده، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدّق بما بيده منه. وأما أهل الحرب، فيجوز أن يعاملوا، ويُشترى منهم كلّ ما يجوز لنا شرؤه، وتملّكه، ويباع لهم كلّ شيء من العروض، والحيوان، ما لم يكن ذلك مُضرّا بالمسلمين، مما يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدّته، وما يُخاف أن يَتَقَوّوا به على المسلمين، فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم، ولا من أهل الذّمّة مسلم، ولا مصحف. وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب الحرير، ولا الكتّان، ولا البُسُط؛ لأنهم يتجمّلون بذلك في حروبهم، ولا الطعام، لعلهم أن يضعفوا. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥١٨ . وسيعقد المصنّف رحمه الله تعالى بعد نحو ستة وعشرين بابًا لذلك بقوله: ٨٤- ((معاملة أهل الكتاب)). (ومنها): أنه استُنبِط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام. ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع (ومنها): جواز بيع السلاح، ورهنه، وإجارته، وغير ذلك من الكافر، ما لم يكن حربيا . (ومنها): ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم. (ومنها): جواز الشراء بالثمن المؤجل. (ومنها): اتخاذ الدروع والْعُدَد، وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل. (ومنها): أن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها قاله ابن المنير. (ومنها): أن أكثر قوت ذلك العصر الشعير. قاله الداودي. (ومنها): أن القول قول المرتهن في قيمة المرهون مع يمينه، حكاه ابن التين. (ومنها): أن فيه بيان ما كان عليه النبي ◌ُّ من التواضع، والزهد في الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير. (ومنها): أنه فيه فضيلةً أزواجه وَلّ لصبرهن معه على ذلك رضي اللّه تعالى عن جميعهنّ. [فائدة]: قال العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة في عدوله وَلّ عن معاملة مياسير الصحابة، إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذا ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خَشِي أنهم لا يأخذون منه ثمنا، أو عوضا، فلم يُرِد التضييق عليهم؛ فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك، وأكثر منه، فلعله وَلّ لم يُطلِعهم على ذلك، وإنما أطلع عليه من لم يكن موسرا به ممن نقل ذلك. والله تعالى أعلم. قاله في ((الفتح)) ٤٤٠/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فيما قاله أهل العلم في أحوال الرهن: قال الموفّق رحمه الله تعالى: الرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفا؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كالضمان، والكفالة، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إرشاد لنا، لا إيجاب علينا، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِّنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. انتهى. وهو تحقيق حسن، وسيأتي أن الامر بالكتابة للندب لا للوجوب برقم ٤٦٥٧٠/٨٥ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أحوال الرهن: قال الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: ولا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال: [أحدها] : أن يقع بعد الحق، فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها بِه، كالضمان، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِن كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ فَقْبُوضَةٌ﴾ فجعله بدلا عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق، وفي ٥٩ ٥٨- (الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ) - حديث رقم ٤٦١٢ الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعله جزاء للمداينة، مذكورا بعدها بفاء التعقيب. [الحال الثاني] : أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين، فيقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر، ترهنني بها عبدك سعدا، فيقول: قبلت ذلك، فيصح أيضا، وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق، ويشترط فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق. [الحال الثالث] : أن يرهنه قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها، فلا يصح في ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي بكر، والقاضي، وذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعي، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة، تقرضنيها غدا، وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم، لزم الرهن، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء، يحدث في المستقبل، كضمان الدرك . قال: ولنا أنه وثيقة لحق لا يلزم قبله، فلم تصح قبله، كالشهادة، ولأن الرهن تابع للحق، فلا يسبقه كالشهادة، والثمن لا يتقدم البيع، وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته، وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال، تبرعا بالقول، فجاز من غير حق ثابت، كالنذر، بخلاف الرهن. انتهى ((المغني)) ٦ / ٤٤٤-٤٤٥ . وهو بحث نفيس والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٥٨- (الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((في الحضر)) إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية، خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر. قاله في ((الفتح)) جه/ ص ٤٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦١٢- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: ((أَنَّهُ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَ بِخُبْزِ شَعِيرِ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ، عِنْدَ يُهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢ من أفراد المصنّف. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢. ٣- (هشام) بن أبي عبد اللَّه سنبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٤/٣٠ . ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أنس بن مالك) رضي اللَّه تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رَزّه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ، مات سنة (٩٣) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رَِيِّ (أَنَّهُ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَهِ، بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ) بكسر الهمزة، وتخفيفَ الهاء: ما أُذيب من الشحم، والألية (١) وقيل: هو كل دَسَم جامد. وقيل: ما يُؤتدم به من الأدهان. (سَنِخَةٍ) بفتح المهملة، وكسر النون، بعدها معجمة مفتوحة: أي متغيرة الريح، ويقال فيها: بالزاي أيضا. ووقع لأحمد من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس: (لقد دُعي نبي اللّه وَّل، ذات يوم على خبز شعير، وإهالة سَنِخة))، فكأن اليهوديّ دعا النبي وَلجر على لسان أنس ◌َّه، فلهذا قال: ((مشيت إليه))، بخلاف ما يقتضيه ظاهره أنه أحضر ذلك إليه . (قَالَ) أنس رَّهِ (وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ) تقدّم معناه في الحديث الماضي (عِنْدَ يُودِيٍّ) (١) ((الألية)) بالفتح، ولا تكسر الهمز، جمعه أَلَيات، كسجْدَة وسَجَدَات.